الاهداء
إلى
ابنة خاتم الانبياء وأمّ المؤمنين خديجة الكبرى وزوجة سيّد
الاوصياء
وأمّ الائمة الاحد عشر الهداة الاصفياء وسيدة النساء.
إلى
جدتي فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليهم أجمعين أهدي هذا المجهود الضئيل في سبيل
تمحيص سنّة الرسول (ص) سائلا المولى عزّ وجلّ القبول ومن أعلام الاُمّة النظر في
بحوثه بتجرد علمي (فَبَشِّرْ عِبادِ * الذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ
فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ).
1
/ صفر / 1418 ه
مرتضى
العسكري
بسم
اللّه الرحمن الرحيم
(النَّبيُّ
أولى بالمُؤمِنينَ من أنفُسِهِمْ وأزواجُهُ أُمّهاتُهُمْ وأُولُوا الارحامِ
بعضُهُمْ
أولى ببعضٍ في كِتابِ اللّهِ مِنَ المُؤمِنينَ والمُهاجِرينَ إلاّ أن تَفعَلوا إلى
أوليائِكُمْ مَعروفا كان ذلِكَ في الكتابِ مَسطورا)
[الاحزاب / 6]
(ياأيُّها
الَّذينَ آمنوا لا تدخُلوا بُيوتَ النَّبيّ إلاّ أنْ يُوذَنَ لكُمْ إلى طعامٍ
غَيرَ ناظِرينَ إناهُ ولكن إذا دُعيتُمْ فادخُلوا فإذا طَعِمْتُمْ فانتشِروا ولا
مُستَأنِسينَ لِحديثٍ إنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤذي النَّبيَّ فَيَستَحي مِنكُم واللّهُ
لا يستحي من الحقِّ وإذا سألتُمُوهُنَّ مَتاعا فاسألُوهُنَّ من وَراء حِجابٍ
ذلِكُمْ أطهَرُ لِقُلوبِكُمْ وقُلوبِهِنَّ وَما كان لكُم أن تُؤذوا رَسُولَ اللّهِ
ولا أن تَنكِحوا أزواجَهُ مِن بعدِهِ أبدا إنَّ ذلكُمْ كان عندَ اللّهِ عظيما *
إنْ تُبْدوا شيئا أو تُخفوهُ فإنَّ اللّهَ كان بِكلِّ شيء عليما * لا جُناحَ
عَليهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبنائِهِنَّ ولا إخوانِهِنَّ ولا أبناء إخوانِهِنَّ
ولا أبناء أخواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أَيمانُهُنَّ واتقينَ
اللّهَ إنَّ اللّهَ كان على كُلِّ شيء شهيدا * إنّ اللّهَ وملائِكتَهُ يُصلُّونَ
على النَّبيِّ يا أيُّها الَّذينَ آمنوا صَلّوا عليهِ وسلِّموا تسليما) [الاحزاب /
53 ـ 56].
بسم
اللّه الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد
للّه ربّ العالمين والصلاة على خاتم الانبياء وأفضل المرسلين محمّد وآله الطاهرين
والسلام على أزواجه امهات المؤمنين وأصحابه البررة الميامين.
وبعد:
لما
كانت سنّة الرسول (ص) بعد كتاب اللّه جلّ اسمه هي المصدر الثاني للتشريع الاسلامي
ولجميع فنون المعرفة الاسلامية اهتم بدراستها اسلافنا جيلا بعد جيل، ولكننا مع ذلك
لم نستغن اليوم عن دراستها بما قاموا به من دراسة لنبقى على تقليدهم في علم
الدراية، كما بقيت بعض طوائف المسلمين على تقليد فقهاء مضوا قبل ألف سنة وأكثر، بل
لابدّ لنا من الاستمرار في دراستها ـ أيضا ـ جيلا بعد جيل. واداء لهذا الواجب قمت
في محاولة متواضعة بسلسلة دراسات في سبيل تمحيص سنّة الرسول (ص) كان منها دراسة
أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة التي طبع منها المجلد الاول (أدوار من
حياتها)
وبقي منها المجلد الثاني دراسة ما روي عنها من حديث إلى عامنا هذا سنة 1417 ه
حيث قمت بتقديمها إلى الطبع بعد أن أضفت اليها بحوثا جديدة وجدتها أيضا ضرورية
لاكمال الدراسة، وقدمت امام البحوث في ما يأتي موجزا من بحوث المجلد الاول وجدت في
تذكارها ضرورة لاستيعاب البحوث الاتية.
موجز
بحوث المجلد الاول
وجدنا
في الجزء الاول من هذا الكتاب ((أُمّ المؤمنين عائشة)) (رض) ذات مزاجٍ حادّ عصبيّ
عنيف. فيها حدّة طبعٍ، وحدّة ذكاء مع غيرة شديدة.
تغار
على زوجها الرسول (ص)، وتدفعها الغيرة إلى الحزن المفرط كلّ ما بنى الرسول (ص)
بزوجة جديدة(1).
تعيّر
الواهبات أنفسهن للرسول (ص)، وتعلِّم بعض من تزوجها الرسول(ص) أن تقول له: (أعوذ
باللّهِ منكَ) فيطلقها الرسول (ص)(2).
وتكسر
أواني زوجات الرسول (ص) اللاتي كنّ يبعثن في يومها بطعام إليه(3)، وتتعقّب الرسول
(ص) إذا انسلّ من فراشه للصلاة في ليلتها، وإلى البقيع إذا ذهب للاستغفار لاهل
البقيع، وتجزع من ولادة ابراهيم من مارية، فيحول الرسول (ص) مارية إلى مشربة له في
العالية(4).
ووجدناها
تقول: (ما غِرتُ على امرأة لرسول اللّه (ص) كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول
اللّه (ص) إيّاها وثنائه عليها. . )(5).
وتقول:
ما غرت على أحدٍ من نساء النبيّ (ص) كما غرت على خديجة وما رأيتها! ولكن النبيّ
(ص) كان يكثر ذكرها وربّما يذبح الشاة ثمّ يقطعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدائق
خديجة، ويقول: ((إنّي لاحبّ حبيبها)) وتغار من هذا فتقول لرسول اللّه (ص): ((ما
تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر قد أبدلك اللّه خيرا
منها)). فيتغير وجه رسول اللّه (ص) ويقول لها: ((ما أبدلني اللّه خيرا منها، قد
آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني
الناس، ورزقني اللّه عزّ وجلّ ولدها وحرمني أولاد النساء))(6).
وكان
من الطبيعي أن تزداد بهذا الكلام غيرتها كما كان يؤججها حدبه (ص) على ابنة خديجة
فاطمة وأولادها وتنحصر ذريته (ص) فيهم وايثاره (ص) صهر خديجة عليّ بن أبي طالب على
غيره من كافة رجال أصحابه بما فيهم أبوبكر أبوها حتّى تقوله له: ((واللّه لقد عرفت
أنّ عليّا أحبّ اليك من أبي ومني، مرتين أو ثلاثا. .))(7). ومن هذا وذاك اشتدّ
غيضها على عليّ وأولاده، ـ كما وصفها عليّ ـ وقال:
((فأدركها
رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين))(8) حتّى لا تستطيع أن تذكر اسم عليّ
بخير.
وتدفعها
الغيرة للعمل في داخل بيت الرسول (ص) وتشكل فيه حزبا
بمعاونة
حفصة. ويفعل الحزب ما تنزل الايات في لومهما، مثل آيات سورة التحريم، ويتوفى
الرسول (ص) ويتولى الخلافة أبوها أبوبكر، ويعارض عليّ وفاطمة حكمه حتّى تتوفى
فاطمة وهي واجدة على أبي بكر.
ويتوفى
ابوها أبو بكر فيولي الصحابي القرشي عمر بن الخطاب الخلافة.
في
هذا العهد عهد الخليفتين بلغت أمّ المؤمنين عائشة أُمنيتها، حيث رأت اندحار حزب
عليّ وانتصار حزب أبيها، وحيث كرّمها الحزب الحاكم ووقّرها فأرجع إليها في الفتوى،
وفضّلها في العطاء على جميع المسلمين بما فيه زوجات الرسول (ص) وذوو قرباه.
وختم
الخليفة الثاني عهده بإجلالها إجلالا لا يدانيه إجلال، حيث جعل بيتها دارا
للشورى فيه يعين خليفة المسلمين.
في
هذا العهد بدأ نجم أمّ المؤمنين يتألّق في سماء المجتمع الاسلامي، وينبُه ذكرها
ويعظم خطرها، ويمتدّ الامر كذلك إلى ستّ سنوات من عهد الخليفة الثالث عثمان بن
عفان الاموي، وطوال هذه المدّة زهاء ثماني عشرة سنة، كانت الخلافة ترجع إليها في
ما تحتاج من فتوى فتفتي معتمدة التحديث عن
الرسول(ص)، ومؤدية بذلك سياسة الخلافة.
ثمّ
تنقلب الخلافة القرشية في السنوات الستّ الاخيرة من حكم عثمان إلى خلافة أُمويّة،
فتعارضها سادة قريش بقيادة حزب أبي بكر وفي مقدمتهم أُمّ المؤمنين عائشة (رض)،
التي تقود المعارضين وتحرضهم على قتل الخليفة، فطورا تُخرج نعلا للرسول (ص) إلى
المسجد وتقول: هذه نعل رسول اللّه (ص) لم تبل وقد أبلى عثمان سنّته، وتارة تقول:
اقتلوا نعثلا فقد كفر، وبمجاهدتها زهاء ست سنوات تندفع الجماهير الاسلامية الثائرة
إلى المدينة ويستولي ابن عمها طلحة على بيت المال.
عند
هذا تتجه أمّ المؤمنين عائشة (رض) إلى مكة للحجّ وتترك عثمان حصيرا في بيته وهي
واثقة من قتله، وبيعة الناس لابن عمها طلحة.
وبينما
هي تتفاءل بعودة الخلافة إلى بيتها، وفي طريق رجوعها إلى
المدينة
تسمع ببيعة المسلمين عليّا (ع)، فقالت لمن أخبرها: واللّه ليت أن هذه ـ السماء ـ
انطبقت على هذه ـ الارض ـ إن تم الامر لصاحبك! وتعود إلى مكة، وتنقلب من محرضة على
قتل عثمان إلى طالبة بدمه، ويجتمع عليها ولاة عثمان المعزولون وآل أُميّة أعداء
الامام، فتسوقهم جميعا إلى البصرة، وفي ساحة المعركة يغلب الامام جيشها ويعيدها
إلى المدينة بعد أن قتل زوج اختها الزبير وابن عمها ومرشحها للخلافة طلحة في
المعركة، وتعود إلى المدينة أسيفة ثكلى، يأفل نجمها طوال عهد الامام عليّ حتّى إذا
قتل في محرابه سجدت للّه شكرا.
وتغلّب
على الخلافة معاوية، وسوابقه وسوابق بيته في حربهم لرسول اللّه(ص) في بدر وأحد
والاحزاب وقبلها وبعدها ما تدينه وتدين بيته وتدحض حجته.
وفي
كلّ أحاديث المسلمين عن تلكم الحوادث وعن أيّام الرسول (ص) عامة مدح لاهل البيت
عليهم السلام وعلى رأسهم الحسن والحسين سبطي الرسول (ص) وأمل الاُمّة للخلافة
الاسلامية، وفي جلّ حديثهم ذمّ لاُميّة وعلى رأسهم أبوه أبو سفيان وأمّه هند وبيته
بيت أميّة بما فيهم من قتل ببدر: جده
وخاله
وأخوه وذوو قرباه عتبة وشيبة والوليد وحنظلة.
إذا
فالبيت الذي يقابل معاوية هو بيت عليّ بن أبي طالب، ولا مناص لمعاوية وهو يريد أن
يشيد حكما أمويا يرثه الابناء عن الاباء ولابدّ له أن ينشر بين المسلمين أحاديث في
فضائل الخلفاء الثلاثة، ليدحض بذلك حجّة بيت عليّ وشيعته. بالاضافة إلى نشر أحاديث
في ذمّ عليّ وأبيه وبيته. فأعانه على ذلك جماعة من أمثال ابن العاص وسمرة بن جندب
وفي مقدمتهم أُمّ المؤمنين عائشة. وكم من الفرق بين اولئك وأمّ المؤمنين عائشة؟
فان
اولئك ينشرون الاحاديث في فضل حزب أُمّ المؤمنين، وأمّ المؤمنين تروي الحديث في
فضل أبيها وحزبه و(ليست الثكلى كالمستأجرة).
والمهم
في ذلك الامر كله أنّنا وجدنا خلال دراساتنا في الحديث والتاريخ أنّ أُمّ المؤمنين
عائشة كانت تعتمد حياة الرسول (ص) لكلّ ماتريد. فإذا أرادت أن تحرض على عثمان
أخرجت نعلا وقالت: هذا نعل الرسول، وإذا أرادت تحطيم مروان ذكرت قول النبيّ (ص) في
أبيه ولعنه إيّاه، وإذا أرادت ان تبين فضل عثمان وحياءه حدثت عن ستر الرسول (ص)
فخذه عنه، بعد ان كانت مكشوفة أمام غيره، وكذلك تحدثت عن كيفية تلقي الرسول (ص) الوحي
وعن صلاته وصومه وعن جهاده وغزوه وعن كلّ شؤون الرسول (ص) منذ بعثته إلى وفاته.
وهكذا
أصبح حديثها أكثر استعراضا لحياة الرسول (ص) من أي حديث آخر.
وقد
بُعث لنا الرسول (ص) إماما وقائدا وأسوة فلابدّ لنا من تدارس تلك الاحاديث دراسة
موضوعية للتعرف على صحيحها من سقيمها ولا يجدينا تركها وإهمالها بعد أن أخذ منها
قسم من المسلمين معالم سيرة الرسول (ص) ودانوا بها، وترجم المستشرقون حياة الرسول
(ص) اعتمادا عليها، وتمسك بها مبلّغو النصارى في نقد الاسلام وسلوك نبيه (ص).
لهذا
كلّه لم يكن لنا بدّ من تجشم عناء هذا البحث، واللّه على ما نقول وكيل وقد ادركنا
البحوث في أبواب الكتاب باذنه تعالى وفق المخطط الاتي:
مخطط
البحوث
(1)
ثلاثة
بحوث تمهيدية
أ
ـ ماجرى في أمر رواية الحديث.
ب
ـ نظرية عدالة جميع الصحابة وصحة جميع ما رووا.
ج
ـ كثرة ما روي عن أمّ المؤمنين عائشة وأهميته.
(2)
ما
روي عن أمّ المؤمنين عائشة خاصّة
أ
ـ في سيرة النبيّ (ص) معها.
ب
ـ في خبر التحريم والتخيير.
ج
ـ في خبر المسابقة والتيمّم والافك.
في
خبر غزوة بني المصطلق وروايات قصة الافك فيها.
د
ـ في خبر وفاة الرسول (ص).
ه ـ في خبر ما بعد وفاة الرسول (ص).
(3)
ما
روي عن أمّ المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة
في
سيرة الرسول (ص)
أ
ـ استماع النبيّ (ص) الغناء و. . !
ب
ـ الناس أعلم بأمور دنياهم!
ج
ـ نسيان النبيّ (ص) آيات من القرآن الكريم!
د
ـ من لعنه النبيّ (ص) وسبّه.
(4)
روايات
افتري بها على أمّ المؤمنين وغيرها من الصحابة
أ
ـ بدء نزول الوحي.
ب
ـ بدء الدعوة.
ج
ـ أُسطورة الغرانيق.
(5)
قيام
أمّ المؤمنين عائشة بتمحيص سنّة الرسول (ص) واستدراكها
على
روايات الصحابة والتابعين
1
ـ أبي الدرداء 2 ـ أبي هريرة 3 ـ عروة بن الزبير 4 ـ عمر بن
الخطاب
5 ـ عبداللّه بن عمر 6 ـ عمرو بن العاص 7 ـ مروان بن الحكم 8 ـ
كعب
الاحبار وغيره.
(6)
أقوال
المستشرقين واستفادتهم من الروايات الماضية
أ
ـ مونتجومري وات في كتابه محمّد في مكة.
ب
ـ المستشرق ر. ف. بودلي في كتابه حياة محمّد.
ج
ـ كارل بروكلمن في تاريخ الشعوب.
د
ـ ف. بوهل في دائرة المعارف الاسلامية.
ه ـ يوسف شاخت في دائرة المعارف الاسلامية.
الباب
الاول
بحوث
تمهيدية
O أ ـ ما جرى في أمر
رواية الحديث
O ب ـ نظرية عدالة
جميع الصحابة وصحة ما رووا
O ج ـ كثرة ما روي
عن أُمِّ المؤمنين عائشة وأهميته
أ
ـ ما جرى في أمر رواية الحديث
صنف
ابن الجوزي رواة الحديث الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب والمقلوب الى خمسة
أقسام، وقال عن القسم الثالث منهم: قوم تعمّدوا الكذب الصريح لا لانهم أخطأوا ولا
لانهم رووا عن كذاب، فتارة يكذبون في الاسانيد وتارة يسرقون الاحاديث وتارة يضعون
أحاديث، وقسم هؤلاء الوضاعون الى سبعة أقسام وقال عن القسم الثالث منهم ما موجزه:
انهم قوم وضعوا الاحاديث في الترغيب والترهيب. ومضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة
تحتاج الى تتمة فأتممناها! وفي ما يأتي نورد أمثلة منها باذنه تعالى: كان غلام
خليل يتزهد ويهجن شهوات الدنيا ويتقوت الباقلا تصوّفاً وغلّقت أسواق بغداد يوم
موته، وقيل له هذه الاحاديث تحدّث بها من الرقائق فقال:((وضعناها لنرقق بها قلوب
العامّة)).
وقالوا
لميسرة بن عبد اللّه: من أين جئت بهذه الاحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال:
((وضعتها ارغب الناس فيها)) وكان أطول الناس قياماً بلي وأكثرهم
صياماً بنهار وكان يضع الحديث وضعاً.
قال
ابن حبّان: وكان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنّة
وأذبّهم عنها وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع هذا يضع الحديث. قد وضع في فضائل قزوين
نحو أربعين حديثاً كان يقول: ((إني أحتسب في ذلك)).
وقيل
لابي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل
القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا فقال:((إني رأيت الناس أعرضوا عن
القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة)).
وقد
حكى مؤمل بن إسماعيل أن رجلاً وضع في فضائل القرآن حديثاً طويلاً.
كان
وهب بن حفص من الصالحين، مكث عشرين سنة لا يكلم أحداً. قال أبو عروبة:((وكان يكذب
كذباً فاحشاً)).
وكان
يحيى بن سعيد القطان يقول: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير
والزهد(9).
* * *
كانت
تلكم أمثلة من أخبار من وضع الحديث من أهل الخير تقرباً الى اللّه تعالى، ويسوغ
لنا أن نعدّ من هذا الصنف ممن وضع الحديث تقرباً الى اللّه، وضعُ أخبارٍ وكراماتٍ
لبعض الناس تقرّباً الى اللّه كما نجد ذلك في ما جاء في كتاب الاحياء لابي حامد
الغزالي. فمن كان الغزالي؟ وما هي أخباره؟ وماذا جاء في كتابه الاحياء؟ أولاً: أبو
حامد الغزالي وأخباره:
الشيخ
أبو حامد محمد الطوسي الملقب بحجة الاسلام الغزالي نسبة الى عمل أبيه في غزل
الصوف، ولد بطوس سنة 450 ه . برع في علوم عصره وكان فقيه عصره على مذهب الشافعي،
حتّى قيل فيه هو الشافعي الثاني. ولاّه الوزير نظام الملك تدريس مدرسة النظامية
ببغداد فدرّس فيها زماناً، ثمّ أناب أخاه أحمد في التدريس بالنظامية، وسافر للحج
وعاد الى الشام سنة 488ه ، واعتكف في زاوية بالجامع الاموي، وصار يطوف المشاهد
ويزور الترب ويأوي الى القفار، وسافر الى بغداد ثمّ الى طوس وألف في هذا العهد
كتابه (إحياء علوم الدين) وتوفي بطوس سنة 505 ه
(10).
ثانياً:
ما جاء في كتابه علوم الدين: قال أبو حامد الغزالي في بيان علاج حبّ الجاه: ان
أرباب الاحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا إصلاح قلوبهم
فيه ثمّ يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير، كما فعل بعضهم، فانه عرف
بالزهد وأقبل الناس عليه، فدخل حماماً ولبس ثياب غيره وخرج، فوقف في الطريق حتّى
عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا: انّه طرار.
وقال
العلامة ابن الجوزي البكري الحنبلي (ت 597ه ) عن الغزالي في كتابه تلبيس إبليس
في الرد على الصوفيّة:
ولقد
عجبت لابي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه الى مذاهبهم حتّى
انّه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه الى الجماع ان يأكل ويجامع فيعطي نفسه
شهوتين(11)؟
وقال
أبو حامد: مما ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فانه يشغله عن السلوك ويأنس
بالزوجة، ومن أنس بغير اللّه شغل عن اللّه تعالى(12).
وحكى
عن أبي يزيد انّه قال: دعوت نفسي الى اللّه عز وجلّ فجمحت فعزمت عليها ان لا اشرب
الماء سنة ولا أذوق النوم فوفت لي بذلك(13).
وقد
حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل
عن القيام، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع، قال:
وعالج بعضهم حبّ المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر.
وعلق
ابن الجوزي على هذا بقوله: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد، كيف حكى هذه الاشياء
ولم ينكرها؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن يورد هذه
الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فان رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر
حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتّى لايلتفت إليه، وان رأى الكبرياء قد
غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك، وان رأى
الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة
المطبخ ومواضع الدخان، وان رأى شره الطعام غالباً عليه ألزمه
الصوم،
وان رآه عزباً ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز
وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأساً؟ قلت: وأني لاتعجب من أبي حامد كيف
يأمر بهذه الاشياء التي تخالف الشريعة؟ وكيف تحل القيام على الرأس طول الليل
فينعكس الدم الى وجهه ويورثه ذلك مرضاً شديداً؟ وكيف يحلّ رمي المال في البحر؟ وقد
نهى رسول اللّه (ص) عن إضاعة المال. وهل يحل سبّ مسلم بلا سبب؟ وهل يجوز للمسلم أن
يستأجر على ذلك؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب
بأداء الحج؟ وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي
الفقه بالتصوف(14)؟
وقال
: وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء: مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك
إلاّ بخلوة في مكان مظلم وقال فان لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر
بكساء أو أزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ ويشاهد جلال حضرة الربوبيّة.
وقال،
قلت: انظر الى هذه الترتيبات، والتعجب كيف تصدر من فقيه عالم؟ ومن أين له أن الذي
يسمعه نداء الحقّ وأن الذي يشاهده جلال الربوبيّة؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده من
الوساوس والخيالات الفاسدة؟ وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب
عليه الماليخوليا. وقد يسلم الانسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلاّ أنّه إذا
تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الاشياء ـ الى قوله ـ: فإن أطرق الانسان وغمض
عينيه جال الفكر
والتخيل
فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية، الى غير ذلك. نعوذ باللّه من
هذه الوساوس والخيالات الفاسدة(15).
وقال:
وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الاحياء: ان بعضهم قال: للربوبيّة سرّ لو اظهر
بطلت النبوّة، وللنبوّة سرّ لو كشف لبطل العلم، وللعلماء باللّه سرّ لو أظهروه
لبطلت الاحكام.
قلت:
فانظروا اخواني الى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة انّ ظاهرها يخالف
باطنها(16).
قال
أبو حامد: ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له: لو سألت اللّه ان يردّه عليك، فقال:
اعتراضي عليه في ما يقضي اشدّ عليّ من ذهاب ولدي(17).
وحكى
أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني انّه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب
في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثمّ لبست مرقعتي وخرجت
فجعلت أمشي قليلاً قليلاً فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد
ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي.
قال
أبو حامد: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتّى يخلصهم اللّه من النظر إلى الخلق ثمّ من
النظر الى النفس. وأرباب الاحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما
رأوا إصلاح قلوبهم ثمّ يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير، كما فعل هذا في
الحمام.
قلت:
سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب
الاحياء،
فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي
أصحابه أرباب أحوال، وأي حالة أقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في
النهي عنه؟ وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي..؟ وكيف يحل للمسلم أن
يعرض نفسه لان يقال عنه سارق؟ وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء اللّه
في الارض؟ ولو أن رجلاً وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا
يعلم هذا الفاسق لكان عاصياً بذلك. ثمّ كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه؟
ثمّ في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثياباً عليها حافظ وجب قطع يده.
ثمّ من أرباب الاحوال حتّى يعملوا بواقعاتهم؟ كلا واللّه إن لنا شريعة لو رام أبو
بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه
المستلب عن الفقه بالتصوف اكثر من تعجبي من هذا
المستلب
الثياب(18).
وقال:
وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان
أنفع لك من رؤية اللّه سبعين مرة.
قلت:
وهذا فوق الجنون بدرجات(19).
كان
ذلكم بعض ما نقله ابن الجوزي من كتاب الاحياء، ونضيف إليها ما يأتي ونقول:
ومن
كمال عرفان الغزالي قوله في إحياء علوم الدين:
فان
قيل: هل يجوز لعن يزيد لانه قاتل الحسين أو آمر به؟ قلنا: لم يثبت أصلاً فلا يجوز
أن يقال انّه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة، لانه لا تجوز نسبة مسلم
الى كبيرة من غير تحقيق.
فان
قيل: فهل يجوز أن يقال: قاتل الحسين لعنه اللّه؟ أو الامر بقتله لعنه اللّه؟ قلنا:
الصواب ان يقال: قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه اللّه، لانه يحتمل ان يموت
بعد التوبة.
ومن
كمال عرفانه أيضاً انّه روى حديثاً على رسول اللّه (ص) لا أصل له وقال: وقد كان
استغراقه بحب اللّه تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه الى حد كان يخشى منه في بعض
الاحوال ان يسري ذلك الى قالبه فيهدمه. فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة احياناً
ويقول: ((كلميني يا عائشة) لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه
عنه.
وقال
العلاّمه زين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العرفي (ت 806ه ) في تخريج ما في
الاحياء من الاخبار: حديث: كان يضرب يده على فخذ عائشة أحياناً ويقول: ((كلميني يا
عائشة) لم أجد له أصلاً(20).
أقول:
وأنا ـ أيضاً ـ لم أجد له أصلاً، والسبب في ذلك أنه لا أصل له، ولكنّ العلماء بعد
الغزالي اعتمدوا على نقله ونسبوا هذا الحديث الى رسول اللّه (ص) مثل المولى مهدي
النراقي (ت 1209ه ) الذي اسند هذا الحديث الى رسول اللّه (ص) في كتابه جامع
السعادات وابنه الملا أحمد النراقي (ت: 1245ه ) الذي نقل الحديث في كتابه معراج
السعادة(21).
وهكذا
شحن الشيخ أبو حامد كتابه إحياء علوم الدين بأمثال تلكم
المفتريات
والمختلقات وأخذ منه من أخذ من العلماء. ونحن لا نشك أن الغزالي كتب ما كتب في
الاحياء من كل كذب وافتراء وتدليس
احتساباً
للخير وبقصد التقرب الى اللّه في تربية السالكين إليه. ولا يمنعنا ذلك من أن ندرس
ما روى ونقل خبراً بعد خبر ونبيّن زيفه ومخالفته للحق وأحكام الاسلام وعقائده.
وكان
الغزالي من أعاظم العلماء في عصره ومن أئمة أهل العرفان في دهره، وافترى بها على
رسول اللّه (ص) وأصحابه وأئمة أهل بيته مما درسناه في سلسلة دراسات في سبيل تمحيص
سنة الرسول (ص).
* * *
كان
ذلك شأن من تأوّل الخبر واجتهد ودوّن في كتب العرفان والسير والسلوك ما لا يوافق
شرع الاسلام. وفي ما يأتي نستعين اللّه وندرس في البحوث الاتية ما روي عن الصحابة
من حديث بعد دراسة ما قاله العلماء في شأن عدالة الصحابة.
ب
ـ نظرية عدالة جميع الصحابة وصحة جميع ما ووا
الصّحابيّ
وعدالته في مدرسة الخلافة:
ترى
مدرسة الخلفاء أنّ الصحابيّ من لَقِي النبيَّ (ص) مؤمناً به، ولو ساعة من نهار،
ومات على الاسلام.
وأنّه
لم يبقَ بمكّة والطائف أحدٌ سنة عشر إلاّ أسلم وشهد مع النبيّ (ص) حجّة الوداع.
وأنّه
لم يبقَ في الاوس والخزرج أحد في آخر عهد النبيّ (ص) إلاّ دخل في الاسلام.
وأنّهم
(كانوا في الفتوح لا يؤمّرون إلاّ الصحابة) وبهذه القاعدة عَدّوا جمعاً في عداد
الصّحابة ممّن برهنا في كتابنا:((خمسون ومائة صحابيّ مختلق)) أنّهم مختلقون ولم
يكن لهم وجود في التاريخ.
وترى
أنّ جميع الصّحابة عدول لا يتطرق إليهم الجرح، ومن انتقص أحداً منهم فهو من
الزنادقة، ثمّ يلتزمون بصحّة كلّ ما رواه من سُمّي في اصطلاحهم بالصحابيّ، ويأخذون
من جميعهم معالم دينهم(22).
الصحابيّ
في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام:
ترى
مدرسة أهل البيت عليهم السّلام أن لفظ الصحابيّ ليس مصطلحاً شرعيّاً، وإنّما شأنه
شأن سائر مفردات اللّغة العربية، و(الصاحب) في لغة العرب بمعنى الملازم والمعاشر
ولا يقال إلاّ لمن كثرت ملازمته، والصُّحبة نسبة بين اثنين، ولذلك لا يستعمل
الصاحب وجمعه الاصحاب والصحابة في الكلام إلاّمضافاً، كما ورد في القرآن الكريم:
(يا صاحبي السّجن) [يوسف / 39 و 41]
(أصحاب
موسى) [الشعراء/ 61]. وكذلك كان يستعمل في عصر
الرسول(ص)
ويقال صاحب رسول اللّه، وأصحاب رسول اللّه، مضافاً الى رسول اللّه(ص) أو مضافاً
الى غيره، مثل قولهم (أصحاب الصُّفّة) لمن كانوا يسكنون صفّة مسجد الرسول (ص) ثمّ
استعمل الصحابيّ بعد رسول اللّه (ص) بلا مضاف إليه وقصد به أصحاب رسول اللّه (ص)
وصار اسماً لهم، وعلى هذا فإنّ (الصحابي) و(الصحابة) من اصطلاح المتشرعة وتسمية
المسلمين وليس اصطلاحاً شرعياً.
أمّا
عدالتهم: فإنّ مدرسة أهل البيت ترى تبعاً للقرآن الكريم، أنّ في
الصّحابة
منافقين (مردوا على النفاق)(23) ورموا فراش رسول اللّه (ص) بالافك(24) وحاولوا
اغتيال رسول اللّه(25) وأخبر عنهم الرسول (ص) أنّهم يوم القيامة يختلجون دون رسول
اللّه (ص) فينادي: أصيحابي أصيحابي، فيقال له:
إنّك
لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم(26).
وأنّ
منهم مؤمنين أثنى اللّه عليهم والرسول (ص) في أحاديثه ، وأنّهم المقصودين في ما
ورد من الثناء في القرآن والحديث، وقد عيّن النبيّ (ص) العلامة الفارقة بين المؤمن
والمنافق: حُبّ الامام عليّ وبغضه، كما رواه الامام علي(27) عليه السّلام وأُمِّ
المؤمنين أُمِّ سلمة(28) وعبد اللّه بن عباس(29) وأبو ذر الغفاري(30) وأنس بن
مالك(31) وعمران بن حصين(32) ومن ثمَّ فإنّهم
ينظرون في حال الراوي، فان كان ممّن قاتل الامام عليّ أو الائمة من أهل
البيت عليهم السّلام وعاداهم فإنّهم لا يلتزمون بأخذ ما يروي أمثال هؤلاء، صحابياً
كان أو غير صحابيّ.
ج
ـ كثرة ما روي عن أمّ المؤمنين عائشة وأهميته
أولاً:
كثرة ما روي عن أُمِّ المؤمنين عائشة:
رووا
عن أُمِّ المؤمنين عائشة ـ وحدها ـ عن النبيّ (ص) 2210 حديثاً، وعن سائر أمهات
المؤمنين الثمان 612 حديثاً(33)، ولها في مسند أحمد وحده اكثر من 2270 حديثاً بما
فيها المكرّر ولسائر اُمهات المؤمنين 427 حديثاً(34) وقد اشتمل كتاب البخاري ومسلم
على 1200 حديث في الاحكام، وفي الكتابين نيف وتسعون ومائتا حديث عن أُمِّ المؤمنين
عائشة، ولم يخرج من الاحكام منها إلاّ يسيراً ومن ثمّ قالوا: حمل منها ربع
الشريعة(35).
ومن
هذا يظهر الفرق جلياً بين أحاديثها وأحاديث غيرها من المكثرين كأبي هريرة ـ مثلاً
ـ فانهم ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلاّ ما كان حديث صفة جنة أو نار أو
حثّ على عمل أو نهي عن شر جاء في القرآن(36).
وفي
ما يأتي خلاصة عن أحاديث أمهات المؤمنين استخرجناها من مسند أحمد وجوامع السيرة:
1
ـ أُمِّ سلمة: لها في مسند أحمد 277 حديثاً، ومجموع أحاديثها في جوامع
السيرة 378 حديثاً.
2
ـ ميمونة: لها في مسند أحمد 62 حديثاً، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 76
حديثاً.
3
ـ حفصة: لها في مسند أحمد 44 حديثاً، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 60 حديثاً.
4
ـ أُمِّ حبيبة: لها في مسند أحمد 27 حديثاً، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 65
حديثاً.
5
ـ صفية: لها في مسند أحمد 9 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 10 أحاديث.
6
ـ زينب: لها في مسند أحمد 4 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 11 حديثاً.
7
ـ جويرية: لها في مسند أحمد 4 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 7 أحاديث.
8
ـ سودة: لم يخرج لها في المسند، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 5 أحاديث.
فيكون
مجموع أحاديثهن في مسند أحمد 427 حديثاً ومجموع أحاديثهنّ في جوامع السيرة 612
حديثاً.
أما
أحاديث عائشة وحدها فهي في مسند أحمد 2270 حديثاً، ومجموع أحاديثها في جوامع
السيرة 2210 حديثاً.
ثانياً:
أهمية أحاديث أُمِّ المؤمنين عائشة:
قال
أبو موسى: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلاّ وجدنا عندها فيه علماً(37).
وقال
أبو سلمة بن عبد الرحمن: ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول اللّه(ص) ولا أفقه في رأي
إن احتيج الى رأيه ولا أعلم باَّية فيما نزلت ولا فريضة، من عائشة(38).
قال
مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول اللّه الاكابر يسألونها عن الفرائض(39) ويعني
بالمشيخة الاكابر من ذكره محمود بن لبيد في حديث له(40) قال فيه: وكان الاكابر من
أصحاب رسول اللّه (ص) عمر وعثمان بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السنن.
وقال
قاسم(41): ((كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرّا الى ان ماتت يرحمها
اللّه)).
وقد
روى عنها من الصحابة خاصة أبوها أبوبكر والخليفة عمر وابنه عبداللّه وابن عباس
وأبو موسى الاشعري وعمر بن العاص وربيعة بن عمرو
الجريشي والسائب بن يزيد بن خالد الجهني وعبداللّه بن عامر بن ربيعة
وعبداللّه بن الحارث بن نوفل وصفية بنت شيبة. وروى عنها من التابعين خلق كثير(42).
وكان
ابن الزبير إذا حدث عن عائشة قال: واللّه لا تكذب عائشة على رسول اللّه (ص) أبداً(43).
وكان
مسروق إذا حدث عنها قال: ((حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب اللّه المبرأة من
كل عيب))(44).
سجّلها
ابن حزم في مقدمة أصحاب الفتيا من الصحابة الذين كتبهم على مراتبهم في كثرة
الفتيا(45).
فكيف
أصبحت اكثر الصحابة إفتاء بما في ذلك الصحابة الخلفاء
الذين
كان المسلمون يرجعون إليهم في شؤونهم؟ وكيف بلغ مجموع أحاديث أزواج الرسول الثمان
612 حديثاً، وبلغ أحاديثها وحدها 2210 حديثاً؟ وقد دخلت بيت الرسول (ص) في السنة
الثانية من الهجرة ولم تتجاوز العام العاشر من عمرها وهي طفلة صغيرة تلعب باللعب،
وتوفيت في السنة الثامنة أو التاسعة والخمسين من الهجرة. ودخلته أُمِّ سلمة أيضاً
في السنة الثانية وهي امرأة كبيرة ايّمة، ثمّ عاشت بعد عائشة ثلاث سنين حيث توفيت
في السنة الثانية والستين أو الثالثة والستين من الهجرة. والفرق بين أحاديثهما
كبير، وكيف كانت لاتسأل عن أمر إلاّ
وعندها علم منه؟
ألا
ينبغي لاحاديث بلغت من الكثرة والاهمية ما بلغته أحاديث أُمِّ المؤمنين عائشة ان تعنى بدراستها عناية خاصّة؟
أما أصحاب الحديث الذين كانوا يدرسون الرواة وأحاديثهم فانهم أحجموا عن ذلك! الصحابة يسمع الحديث بعضهم عن بعض ثمّ يسنده
الى رسول اللّه(ص) ويرويه عنه:
أخرج
أحمد في مسنده عن حبيب بن عبيد الرحبي ان أبا أمامة(46) دخل على خالد بن يزيد فألقى له وسادة فظن أبو
أمامة انّها حرير فتنحى يمشي القهقرى حتّى بلغ آخر السماط وخالد يكلم رجلاً ثمّ
التفت الى أبي أمامة فقال له: يا أخي ما ظننت انّها حرير، قال أبو أمامة، قال رسول
اللّه (ص):
((لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام اللّه)) فقال
له خالد: يا أبا أمامة أنت سمعت هذا من رسول اللّه (ص) فقال: اللّهمّ غفراً، ان
سمعت هذا من رسول اللّه (ص)! بل كنا في قوم ما كذبونا ولا كذبنا(47).
وقد
اخبروا ان جمعاً من الصحابة رووا عن عائشة ولم يذكروا انّها روت من أحد شيئاً.
ووجدنا
أُمّ المؤمنين عائشة أميرة متبوعة لا مأمورة تابعة، سواء في ميادين الحرب أو في
مجالات السلم، وسواء كانت معارضة للحكم أو مؤيدة له، وكذلك كانت أُمّ المؤمنين في
سائر نواحي حياتها تحدث عن النبيّ(ص) وكثير من الصحابة كانوا يأخذون عنها ويرجعون
إليها، وأحياناً كانوا يروون عن النبيّ(ص) بلا ذكر واسطة ماكانوا قد سمعوه عنه بواسطة،
فإذا وجدنا الحديث ترويه عائشة ويرويه غيرها فنجزم بأنها لم تكن تأخذ من غيرها في
الرواية ولابد ان يكون غيرها قد أخذ الرواية عنها ولم يذكر اسمها
ونسبها
إلى الرسول(ص).
الباب
الثاني
ما
روي عن أُمِّ المؤمنين عائشة خاصّة
O أـ في سيرة النبيّ
(ص) معها
O ب ـ في خبر
التحريم والتخيير
O ج ـ في خبر
المسابقة والتيمّم والافك
O د ـ في خبر وفاة
الرسول (ص)
O ه ـ في خبر ما
بعد وفاة الرسول (ص)
أـ
في سيرة النبيّ (ص) معها
أولاًـ
رآها النبيّ (ص) في المنام قبل ان يتزوجها
في
صحيح البخاري وغيره واللفظ للبخاري عن عائشة (رض) قالت:
قال
لي رسول اللّه (ص): ((رأيتُكِ في المنام يجيء بكِ الملكُ في سرقةٍ من حرير فقال
لي: هذه امرأتُك فكشفتُ عن وجهك الثّوب فإذا أنتِ هي فقُلت: إن يكُ هذا من عند
اللّه يُمضه).
وفي
صحيح مسلم:
((ثلاث
ليال جاءني بك الملك في سرقةٍ من حرير))(48).
وفي
صحيح الترمذي:
عن
عائشة ان جبرائيل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء الى
النبيّ(ص)
فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا والاخرة(49).
هذه
اصل الرواية وقد رواها جمع من المحدثين من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وسائر
الموسوعات الحديثية عن أُمِّ المؤمنين وحدها.
وكان
شأن هذه الرواية شأن غيرها من الروايات اللاتي يعجب بها المنقبيون فيوسعونها.
فقد
رووا عن أبي هريرة انّه قال: ((ان طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر(50))).
وعن
حبيب مولى عروة بن الزبير انّه قال:
((لما
ماتت خديجة حزن عليها النبيّ (ص) فأتاه جبريل بعائشة في مهد، فقال: هذه تذهب ببعض
حزنك وان فيها لخلفاً عن خديجة))(51).
قال
الزركشي تعليقاً على الحديث:
((فيحتمل
انّها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال ويشهد له رواية البخاري
مرتين))(52).
واستفادوا
من هذا الحديث حكماً شرعياً، فقال الزركشي ـ أيضاً ـ:
((وقد
ادخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها، قال بعضهم: وهو استدلال
صحيح لانّ فعل النبيّ (ص) في النوم واليقظة سواء وقد كشف عن وجهها)).
هذا
بعض ما قالوه حول هذه الروايات فما الغاية من روايتها؟
الغاية
من رواية الاحاديث السابقة:
لعل
الهدف من نشر الروايات السابقة معارضة أُمِّ المؤمنين زينب في ما كانت تفخر به على
سائر أمهات المؤمنين، فقد كان في قصة زواجها للنبي (ص) مدعاة فخر لها ولقبيلتها
بني أسد كما ذكروا في قصتها وقالوا: كانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول اللّه (ص)
الى المدينة وكانت امرأة جميلة فخطبها رسول اللّه (ص) على زيد بن حارثة وقالت: يا
رسول اللّه لا أرضاه لنفسي وأنا ايم(53) قريش. قال: ((فإني قد رضيته لك)) فزوجها
زيد بن حارثة وكان مولى رسول اللّه (ص) وقد تبناه، فتزوجت زيداً على كره منها حتّى
جاء زيد الى رسول اللّه(ص) يشتكيها.
وروى
قصتها مولاها مذكور عنها انّها قالت: ((خطبني عدة من قريش فأرسلت أختي حمنة الى
رسول اللّه (ص) استشيره، فقال لها رسول اللّه (ص): ((اين هي ممن يعلمها كتاب ربّها
وسنة نبيّها (ص)؟)).
قالت:
ومن هو يا رسول اللّه؟
قال:((زيد
بن حارثة)).
قالت:
فغضبت حمنة غضباً شديداً فقالت: يا رسول اللّه (ص) أتزوج ابنة عمتك مولاك ؟!
قالت:
وجاءتني فأعلمتني فغضبت اشد من غضبها فقلت اشد من قولها فأنزل اللّه عز وجلّ:(وما
كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً) الاية، قالت: فأرسلت الى رسول
اللّه (ص) فقلت: انّي استغفر اللّه وأطيع اللّه ورسوله، افعل يا رسول اللّه ما
رأيت.
فزوجني
رسول اللّه (ص) زيداً فكنت أزرأ عليه فشكاني الى رسول اللّه(ص) فعاتبني رسول اللّه
(ص) ثمّ عدت فأخذته بلساني فشكاني الى رسول اللّه (ص).
فقال
رسول اللّه (ص):((امسك عليك زوجك واتق اللّه)) فقال: أنا أطلقها، فقالت:
فطلقني...)(54).
وروى
أنس بن مالك(55) وقال: ((لما انقضت عدة زينب بنت جحش قال رسول اللّه (ص) لزيد بن
حارثة: ((اذهب فاذكرني لها)) ـ قال زيد ـ: فلما قال ذلك رسول اللّه (ص) عظمت في
نفسي فذهبت إليها فجعلت ظهري الى الباب فقلت: يا زينب بعث رسول
اللّه(ص)
يذكرك فقالت: ما كنت لاحدث شيئاً حتّى اؤامر ربّي عزَّ وجلَّ، فقامت الى مسجدها
فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ هذه الاية: (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها) فجعل رسول
اللّه (ص) يدخل عليها بغير إذن)). وفي رواية مذكور السابقة بعد قولها:((فطلقني)):
((فلما
انقضت عدتي لم اعلم إلاّ ورسول اللّه (ص) قد دخل عليّ بيتي وأنا مكشوفة الشعر فعلمت انّه أمر من
السماء فقلت: يا رسول اللّه بلا خطبة ولا اشهاد؟ فقال: اللّه زوّج وجبريل
الشاهد)).
ويذكر
الرواة ان نزول الوحي على رسول اللّه (ص) بشأنها كان في بيت عائشة كما روى ابن سعد
في طبقاته وقال:
((بينا
رسول اللّه (ص) جالس يتحدث مع عائشة اوحى اللّه إليه في
زينب:(وإذ
تقول للذي انعم اللّه عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك) الاية، قالت عائشة: فأخذني
ما قرُب وما بعُد لما يبلغنا من جمالها، واخرى هي اعظم الامور واشرفها ما صُنع
لها، زوّجها اللّه من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذا))(56).
وقالت
أُمِّ المؤمنين عائشة ـ أيضاً ـ: ((لم يكن أحد من نساء النبيّ (ص) تساميني في حسن
المنزلة عنده غير زينب بنت جحش، وكانت تفخر على نساء النبيّ (ص) فتقول: انّ آباءكن
أنكحوكنّ وانّ اللّه انكحني إياه من فوق سبع سماوات))(57). واخبرت أمّ سلمة عن ذلك
كما رواه ـ أيضاًـ ابن سعد في طبقاته(58) عن أم سلمة انّها ذكرت زينب بنت جحش
فترحمت عليها وذكرت بعض ما كان يكون بينها وبين عائشة، فقالت زينب: انّي واللّه ما
أنا كأحد من نساء رسول اللّه (ص) أنهن زوجهن بالمهور وزوجهن الاولياء وزوجني اللّه
رسوله، وانزل في الكتاب يقرأ به المسلمون لا يبدل ولا يغير: (وإذ تقول للذي انعم
اللّه عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك واتق اللّه وتخفي في نفسك ما اللّه مبديه
وتخشى الناس واللّه أحقُّ ان تخشاه فلما قضىزيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون
على المؤمنين حرج في أزواج ادعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر اللّه مفعولاً)،
[الاحزاب: 37]. لم يقتصر الامر على مفاخرة زينب أُمِّ المؤمنين عائشة داخل بيوت
أزواج النبيّ (ص) وانّما تعداه إلى الخارج، فقد روى ابن سعد ـ أيضاًـ في طبقاته
((ان
رجلاً
من بني أسد فاخر رجلاً، فقال الاسدي: هل منكم امرأة زوجها اللّه من فوق سبع سماوات
يعني زينب بنت جحش))(59).
كان
هذا التفاخر ينافي ما مر علينا في الجزء الاول من اقتضاء
سياسة
الخلفاء الى السنة السادسة من عهد الخليفة عثمان تفضيل أمّ
المؤمنين
عائشة على جميع المسلمين بما فيهم امّهات المؤمنين وقيامهم بذلك على احسن وجه، فقد
فضلت في العطاء على جميع المسلمين بما فيهم أُمّهات المؤمنين وارجعوا إليها في
الفتيا من بين الصحابة وسائر أمهات المؤمنين، الى غير ذلك مما ذكرناه في بابه من
الجزء الاول. كان لابد من علاج لهذا التفاخر الذي يخالف سياسة الخلافة القائمة،
وكان علاجه نشر أمثال تلكم الاحاديث، وبعد رواية تلكم الاحاديث ان كانت أمّ
المؤمنين زينب تفخر على نساء النبيّ (ص) بنزول آيات في شأنها يقرأها المسلمون، وان
كانت بنو أسد تفخر بزواج زينب من فوق سبع سماوات، فلاُمّ المؤمنين عائشة ان تفخر بقصة
صورتها في سرقة من حرير وللبكريين ـ أيضاً ان يفخروا بهذه القصة بعد ان انتشرت هذه
الروايات في المجتمع الاسلامي. نجحت الدعاية وانتشر هذا الخبر وجعله الزركشي من
خصائص أمّ المؤمنين عائشة (رض) وقال:
الثانية
والاربعين: ان اللّه تعالى اختارها لرسوله. ونقل عن فتوح الفتوح لابن الجوزي في
جواب افتخارها على عائشة:
((يا
زينب لقد صدقت ولقد شاركتك عائشة في ان اللّه تعالى بعث صورتها في سرقة من حرير مع
جبريل فجلاها، فقال: ((هذه زوجتك)) فهذا تزويج مطويُّ في سرّ القدر ظهر أثره يوم
عقد العقد غير ان عائشة كانت من اختيار اللّه لرسوله (ص)، وكنت يا زينب من اختيار
الرسول (ص) لنفسه))(60).
* * *
هكذا
نجحت السياسة ونشرت فضيلة للمقربين إليها في قبال كل فضيلة رويت لغيرهم حتّى في
قبال ما جاء في القرآن الكريم ورواه السلف للخلف جيلاً بعد جيل، وتمسك بها بعض
أبناء الامة الاسلامية ممن كان يلتزم بكل ما يقرره الحكام والتبس الامر على كثير
من المسلمين، وتعسر عليهم معرفة الحقّ من سيرة الرسول (ص) وتاريخ أصحابه حتّى
يومنا الحاضر، ولابد لنا من تدارسها لمعرفة الصواب منها.
ثانياًـ
روايات الخطبة والمؤاخاة
حديث
الخطبة:
في
الاصابة عن عائشة قالت:
لمّا
توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الاوقص امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة: أي
رسول اللّه! ألا تزوج، قال: من؟ قالت: ان شئت بكراً وان شئت ثيباً، قال: فمن
البكر؟ قالت: بنت احبّ خلق اللّه إليك عائشة بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب؟ قالت:
سودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك، قال: فاذهبي فاذكريها عليّ، فجاءت فدخلت بيت أبي
بكر فوجدت أُمِّ رومان فقالت: ما ادخل اللّه عليكم من الخير والبركة! قالت: وما
ذاك؟ قالت أرسلني رسول اللّه (ص) اخطب عليه عائشة، قالت: وددت، انتظري أبا بكر
فجاء أبو بكر فذكرت له فقال: وهل تصلح له وهي بنت أخيه، فرجعت فذكرت لك للنبي (ص) قال: قولي له: أنت أخي في الاسلام
وابنتك تحل لي فجاء فأنكحه... الحديث(61).
نرى
ان غاية الدعاية في نشر الحديث السابق معارضة الخبر الّذي روته أسماء بنت عميس،
قالت: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول اللّه (ص) فلمّا أصبحنا جاء النبيّ (ص) الى
الباب فقال: يا أمّ أيمن ادعي لي أخي فقالت: هو أخوك وتُنْكِحه، قال: نعم يا أمَّ
أيمن، فجاء عليُّ فنضح النبيُّ (ص) عليه من الماء ودعا له، ثمّ قال: ادعي لي
فاطمة، قالت: فجاءت تعثرُ من الحياء فقال لها رسولُ اللّه (ص): اسكني فقد أَنْكَحْتُكِ
أحبَّ أهل بيتي إليَّ، قالت: ونضحَ النبيُّ (ص) عليها من الماء، ثمَّ رجع رسول
اللّه (ص) فرأى سواداً بين يديه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا أسماء، قال أسماء بنت
عميس؟ قلت: نعم، قال: جئت في زفاف ابنة رسول اللّه قلت: نعم، فدعا لي(62).
وغايـة
الدعايـة من نشر حديث أمّ المؤمنين عائشة السابـق وحديثها
الّذي
جاء في الكنز أنّ الرسول (ص) قال: ((أبـو بكر منّي وأنا منه وأبو بكر أخي في
الدنيا والاخرة))(63) هي إثبات مؤاخاة النبيّ (ص) لابي بكـر، ومعارضة الاحاديث
الواردة في مؤاخاة النبيّ (ص) لعليّ الاتي بيانها بإذنه تعالى.
مؤاخاة
الرسول (ص) لابن عمّه:
آخى
النبيّ (ص) ابن عمه عليّاً اكثر من مرة، وكانت الاولى منها في بدء الدعوة بمكة
عندما نزلت عليه: (وأنذر عشيرتك الاقربين)، دعا بني عبد المطلب وقال في حديثه لهم:
((قد امرني اللّه تعالى ان أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على ان يكون
أخي ووصيي ...)) الحديث. وكانت الثانية والثالثة في المدينة(64).
وروى
خبر الثانية أبو عمر باختصار في الاستيعاب وقال:
آخى
رسول اللّه (ص) بين المهاجرين ثمّ آخى بين المهاجرين والانصار وقال في كل واحدة
منهما لعلي: أنت أخي في الدنيا والاخرة وآخى بينه وبين نفسه(65).
وروى
تفصيلها ابن هشام صاحب السيرة وقال: قال ابن إسحاق: وآخى رسول اللّه (ص) بين
أصحابه من المهاجرين والانصار فقال فيما بلغنا ونعوذ باللّه ان نقول عليه ما لم
يقال: ((تآخوا في اللّه أخوين أخوين) ثمّ اخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: ((هذا
أخي)) فكان رسول اللّه (ص) سيد المرسلين ... وعليّ بنأبي طالب أخوين(66).
وكان
حمزة ... وزيد بن حارثة مولى رسول اللّه (ص) أخوين واليه أوصى حمزة يوم أحد حين
حضره القتال إن حدث به حادث الموت. وكان أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة وخارجة بن
زيد أخوين، وعمر وعتبان أخوين. وبلال مولى أبي بكر.. وأبو رويحة... أخوين ـ الى
قوله ـ:
فهؤلاء
من سمي لنا ممن كان رسـول اللّه (ص) آخى بينهم، فلما دوّن عمر بن الخطاب ـ
الدواوين بالشام؛ وكان بلال قـد خرج الى الشام فأقام بها مجاهداً؛ فقال عمـر
لبلال: الى من نجعـل ديوانك يا بلال؟ قال مع أبي رويحة لا افارقه أبداً للاخوة
التي كان رسول اللّه (ص) عقد بينه وبيني، فضم إليـه وضُمَّ ديـوان الحبشة الى
خثعم؛ لمكان بلال منهم، فهو في خثعم الى هذا اليـوم بالشام(67).
وخبر
الثالثة منها عندما تخاصم عليّ وزيد وجعفر في الولاية على ابنة حمزة فقال الرسول
لزيد: ((أنت مولاي ومولاها)) وقال لعلي: ((أنت أخي وصاحبي)) وقال لجعفر: ((أشبهت
خلقي وخلقي...))(68).
وقال
في غير هذا: ((اللّهمّ اشهد قد بلغت هذا أخي وابن عمي وصهري وأبو ولدي...))(69)
الحديث.
وجاء
خبر المؤاخاة في أحاديث كثيرة غير ما ذكرناها(70):
مثل
ما رواه ابن عمر وقال: ان رسول اللّه (ص) آخى بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر
وبين طلحة والزبير وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال عليّ: يا رسول اللّه انك قد
آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال رسول اللّه(ص): أما ترضى يا عليّ ان أكون أخاك؟ قال
ابن عمر: وكان عليّ عليه السّلام جلداً شجاعاً فقال عليّ: بلى يا رسول اللّه! فقال
رسول اللّه (ص): أنت أخي في الدنيا والاخرة(71).
وكان
عليّ يباهي بهذه المؤاخاة كما ناشد أصحاب الشورى فيما روى ابن عبد البر(72) عن أبي
الطفيل قال: لما احتضر عمر جعلها شورى بين عليّ وعثمان... فقال لهم عليّ: انشدكم
اللّه هل فيكم أحد آخى رسول اللّه (ص) بينه وبينه إذ آخى بين المسلمين غيرى قالوا:
اللّهمّ لا.
وكان
يقول: ((أنا عبد اللّه واخو رسوله لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب))(73).
هذه
الاحاديث في مؤاخاة النبيّ (ص) لعلي مشهورة ومنتشرة حتّى ان بعضهم ـ كابن كثير في
تاريخه ـ عقد باباً في هذه المؤاخاة، غير ان خصوم عليّ استطاعوا ان يعارضوا هذه
الاحاديث بحديث أُمِّ المؤمنين عائشة في مؤاخاة النبيّ (ص) لابي بكر الذي سبق
ذكره، على ان الحديث المروي عن أُمِّ المؤمنين عائشة في مؤاخاة النبيّ (ص) أبا بكر
بمكة يخالف الثابت في زمان المؤاخاة انّها كانت في المدينة، ولم يسبق ذلك من
النبيّ في مكة في غير خبر إنذار بني هاشم الاتي بيانه في بحث سيرة النبيّ (ص)
باذنه تعالى.
الهوامش
q1
راجع: أحاديث أُمّ المؤمنين عائشة الجزء الاول فصل: أدوار من حياتها.
q2
ن.م، مع الواهبات انفسهن.
q3
ن.م، كسر أواني أزواج الرسول (ص).
q4
ن.م، مع مارية.
q5
ن.م، مع ذكرى خديجة.
q6
ن.م، مع ذكرى خديجة باجلالها إجلالا لا يدانيه إجلال.
q7
ن.م.
q8 شرح
ابن أبي الحديد 2 / 456 ـ 460. وج 9 / 189 ط. مصر سنة 1960.
q9
الموضوعات لابن الجوزي ج1/ 40 ـ 41ط. الاولى في المدينة المنورة 1386.
q10
ترجمة الغزالي في مقدمة الجزء الاول من إحياء علوم الدين ط. دار المعرفة ـ
بيروت.
ومن هذه الطبعة ننقل في ما يأتي من هذا البحث.
q11
تلبيس إبليس ط. بيروت 1368ه ص
213.
q12
تلبيس إبليس ص 295.
q13 تلبيس إبليس ص 210.
q14 نفس المصدر السابق 3/ 288.
q15
تلبيس إبليس ص 288 ـ 289.
q16 ن
.م.
q17
تلبيس إبليس ص 339 ـ 340.
q18 تلبيس إبليس ص 355.
q19 ن.
م ص 354. وفيه بعض الاختلاف مع ما نقلناه من
لاحياء.
q20
المصدر السابق ج 3/101 وبهامشه قول العلاّمة العرفي حول ما رواه الغزالي عن
أُمِّ المؤمنين عائشة.
q21
راجع مصادر النراقيين في ((قيام الائمة بإحياء السنّة))، 7/ 64ـ 66.
q22
الاصابة ج 1/ 10 ـ 18.
q23 التوبة: 101.
q24
النور: 11 ـ 17.
q25
مسند أحمد 5/ 453؛ ومجمع الزوائد 1/110؛ ومغازي الواقدي 3/1042؛ وامتاع
الاسماع للمقريزي ص 477؛ وتفسير الدر المنثور للسيوطي 3/258ـ 259؛ كان ذلك في
مصادر مدرسة
الخلفاء وفي مدرسة أهل البيت: بحار الانوار: ج 28/ 97.
q26 صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب:(وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلمّا توفيتني) 3/ 86، وكتاب الانبياء، باب:(واتّخذ اللّه إبراهيم خليلاً) 2/156، وكتاب الرقاق، باب: في الحوض، 4/95، وكتاب الفتن، باب: ما جاء في قول اللّه تعالى:(واتقوا فتنة لا تصبين..) الانفال/ 25،4/147، والترمذي، أبواب: صفة القيامة، باب