ــ[1]ــ
تفصيل الشريعة
في
شرح تحرير الوسيلة
الاجتهاد والتقليد
تأليف : الفقيه الأصولي
آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(دام ظلّه)
بِسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلوة والسلام على أشرف بريّته وأفضل أنبيائه محمّد وعلى عترته وأهل بيته وسيّما ولي أمره وخاتم أصفيائه حجّة الحسن المهدي روحي وأرواح العالمين له الفداء ولعنة الله على أعدائهم ومخالفيهم الذين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون.
وبعد فممّا منّ الله سبحانه تعالى على عبده الضعيف الذليل محمّد الموحدي الشهير بالفاضل إبن العلامة الفقيه الفقيد آية الله المرحوم الشيخ فاضل اللنكراني(قدس سره)الشريف وحشره مع من يحبّه ويتولاه من النبي والأئمّة الطاهرين ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ إن وفقه لشرح كتاب تحرير الوسيلة للاستاذ الأكبر زعيم الأمّه الإسلامية وقائد الثورة الدينية الإيرانية محيي الشريعة ومؤيّد الدين سيد الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى الحاج السيد روح الله الإمام الخميني أدام الله ظلاله الوارفة على رؤوس الأمّة الإسلامية ومتّعهم ببقاء وجوده الشريف.
ولو أُريد الوقوف على شرح حاله وخصوصيّاته وكيفيّة قيامه في مقابل الاستعمار الذي أحاط بكلّ شيء وكلّ شأن وكل فرد من الشعب الإيراني ومقابلته معه بحيث ساقه إلى الزوال وقطع أصوله وفروعه لاحتاج إلى تصنيف كتب متعدّدة ضخمة مشتملة على ما لم يكن معهوداً في التاريخ ولا موجوداً في الكتب ولا مسموعاً من الألسن كيف وقد قطع الطاغوت الحاكم على إيران بأصله وفرعه مع كونه مستظهراً بالقدرة الحاكمة على أكثر بلاد العالم وهي قدرة عظيمة جدّاً وكان ذلك في أقلّ من عشرين سنة مع طول تاريخ الاستعمار وعمدته ترجع إلى ما يقرب
من الستين وقد حكم فيها الملعونان «رضاخان وابنه» وكان الثاني أسوء من الأوّل والأوّل أسوء من الثاني ففي هذه المدّة الخبيثة قد قطعت فروع الدين واحد بعد آخر بحيث كاد أن تقطع بتمامها والأصول مشرفة على الزوال والإنقطاع ولو كانت الحكومة بهذه الكيفيّة مستمرّة إلى إثنتين أو ثلاث سنوات لم يبق من الإسلام حتى إسمه ولا من القرآن حتى رسمه كيف لا وقد بدّل التاريخ الهجري الإسلامي الذي هو من أعظم شعائر الإسلام ومظاهر المسلمين إلى تاريخ الكفر والزندقة وأمر بقتل المتظاهرين من الشعب المسلمين من الروحانيين وغيرهم وجرحهم وإيذائهم وحبسهم وإقصائهم من بلادهم إلى بلاد بعيدة غير قابلة للإقامة والسكونة وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر شوال المكرّم سنة 1382 المصادف لوفاة الإمام السادس جعفر ابن محمّد الصادق(عليهما السلام) حينما كانت المدرسة الفيضية المعروفة بقمّ التي هي مركز العلم ومعهد نشر المعارف الجعفرية والمأثر والعلوم النبوية مجتمعة فيها الطبقات المختلفة لإقامة العزاء على صاحب المذهب فإذاً تهاجم عليهم المأمورون من قبله ومعهم أنواع السلام فكم من مقتول ومضروب ومجروح وقد أحرقوا العمائم والألبسة المقدّسة وكتب التفاسير والروايات والفقه وغيرها بل والمصاحف على ما هو المشهور.
ولم يتجاوز عن شيء ممّا يوجب ضعف الدين وتزلزل عقيدة المسلمين بل هيّأ جميع الوسائل المنتجة لذلك وأسّس أصول التعليم والتربية التي هي الأساس لتمدّن كلّ قوم على مبنى الاستعمار والإنحراف عن الدين واعتقاد الإسلام بحيث قلّما يتّفق أن يتديّن من كان تعليمه وتربيته على منواله وأساسه.
وفي هذا الحال كان سعيه على تضعيف الروحانيين والفصل بينهم وبين الناس بتحقيرهم والتبليغ عليهم وإرائتهم على خلاف ما هم عليه من ترويج الشريعة
وتبليغ الحقيقة وإرشاد الناس إلى كمالهم في الدنيا والآخرة مدّعياً للارتجاع فيهم ومضادّتهم للتدمدّن والرقا والكمال والسعادة.
وبالأخرة كان مطيعاً لدستور المستعمرين ومجرياً لأوامرهم وأنظارهم من دون تخلّف وعصيان وذلك لأجل توقّف حكومته عليه واشتراط بقائه به.
ولكن مع ذلك تفضلّ الله سبحانه على الشعب بأن أيقظهم عن نومة الغفلة وعدم الالتفات التي كانوا فيها عشرات السنين وذلك ببركة الروحانية وإرشاداتهم في طول سنين متعدّدة بطرق مختلفة من مكتوب وبيان وغيرهما.
وكانت القيادة والزعامة في ذلك للإمام الخميني أدام الله ظلّه وأبقه للإسلام والمسلمين فقد أظهر علمه بعد ظهور البدع وتحمّل لأجله مشاقّاً كثيرة من حبس وإقصاء من قم إلى تركيا ثمّ إلى العراق(1) ثمّ إخراجه منه وسفره إلى باريس وإقامته ــــــــــــــــــــــــــــ(1) وفي أواخر إقامته في العراق ابتلى ببلاء عظيم تحمّلها حقّ التحمّل وصبر عليها حقّ الصبر وهي وفاة قرّة عينه ونور بصره وثمرة فؤاده العالم المجاهد والفاضل الكامل الجامع للمعقول والمنقول صاحب التآليف القيّمة والتصانيف الثمينة صديقنا الأكبر آية الله الحاج السيد مصطفى الخميني قدّس سرّه الشريف وحشره مع أجداده الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ولم تُعلم علّة وفاته مع كونه صحيحاً سالماً عن كلّ مرض وقد لاقاه في ليلة وفاته جمع من أصدقائه معترفين بسلامته وعدم إحساسه للمرض بوجه والمشهور أنّ العلّة هي دسيسة الحكومة الجائرة الإيرانية وأمره بعض عوامله وأياديه بذلك ويؤيّده أ نّه قد لاقاه في أواسط الليلة المذكورة بعض من لم يعرف إلى الآن والحق الواضح يوم القيامة والمحاكمة فيه أيضاً.
وكان المرحوم في رأس أصدقائي من أول اشتغالي بتحصيل العلوم الدينية وقد باحثت معه كتباً كثيرة من السطح ومباحث متعدّدة من الكتب الفقهية من الخارج ولعمري أ نّه كان في قوّة الذكاء وشدّة الاستعداد قليل النظير وفي التأليف والكتابة شديد التحمّل طيّب الله ثراه وأعطى الصبر الجميل والأجر الجزيل للمصابين به سيّما والده الإمام أبقاه الله للمسلمين والإسلام بحقّ النبي والأئمة الكرام عليه وعليهم الصلوة والسلام.فيه مدّة ولكنّه في جميع تلك المدّة الزائدة على خمس عشر سنة خصوصاً في أيّام إقامته بباريس أيقظ الأمّة وأرشد الشعب وكشف عن جنايات الحكومة والقدرة الحاكمة وهداهم طريق المبارزة والقيام في مقابلها الذي هو الجهاد من المسلم في مقابل الكفر والزندقة.
ونتيجة تلك الارشادات تنبّه الأمّة وخروجهم عن الغفلة وتوجّههم إلى ما يجري عليه حال المملكة من إحاطة الاستعمار عل جميع شؤونها وجوانبها ونهب المخازن والمعادن والمنابع بأجمعها وفي المقابل فقر الأمّه من جميع الجهات السياسيّة والاقتصادية والدينيّة وغيرها.
وبعد يقظتهم وقيامهم في مقابل الحكومة والمظاهرات المتعدّدة المتعاقبة الموجبة للضحايا المتكثّرة واستشهاد الذين يبلغ عددهم عشرات آلات انهدم بيت الحكومة وانفصم أركان السلطنة بحيث اضطرّ من تقمّصها إلى الخروج من المملكة خروجاً لا رجوع بعده أبداً وبذلك اختتم دوران الاختناق والاستعمار ولكنّه مع ذلك كانت بقاياه مانعة عن تشكيل الحكومة الجمهورية الإسلامية وذلك لأجل منعه عن رجوع الإمام إلى الوطن وإقامته مع الشعب ولكن الممانعة قد ارتفعت بقيام الأمّة ومظاهراتهم ولو تأخّر رجوعه عن الزمان الذي رجع فيه لخيف على المملكة.
وبعد رجوعه واستقبال عدد كثير خارج عن حدّ العدو الإحصاء عنه أمر بتشكيل الحكومة المذكورة وأمر بمتابعة الناس وإطاعتهم عنها وبين أنّ الإطاعة عنها كالإطاعة عن مالك الأشتر حين ولاّه الإمام علي(عليه السلام) على مصر.
والأمّة بعد ذلك قد رأوا أنفسهم في مسير الدين الحنيف ومجرى الشريعة المطهّرة ومحلاًّ لهداية الكتاب العزيز وإن وقع بعده أيضاً حوادث ناشئة من عروق
الاستعمار وبقاياه ولكن تلك الحوادث لم يتمكّن من تغيير مسير الأمّة ولم توجب خللا في طريق الحقّ الذي وجدته بعد قرون متعدّدة سيّما في القرن الأخير الذي بلغ فيه الاستعمار المرتبة الكاملة والاستثمار حدّاً ليس فوقه حدّ فنحمد الله تعالى على هذه النعمة الجارية على الأمّة بركة الإمام ونسأل منه إتمامها باستقرار الحكومة الإسلامية بجميع جوانبها وشؤونها وقطع بقايا الاستعمار وعروقه وأن تتّصل هذه الحكومة بالحكومة المهدوية المنتظرة المسيطرة على جميع أقطار العالم إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما يتعلّق بهذا الكتاب متناً وشرحاً فقد ألّف الإمام الماتن ـ دام ظلّه ـ المتن ـ كما أفاده في مقدّمته ـ في مملكة تركيا حين ما أُقصي من إيران إليها وإن وقع تكميله في النجف الأشرف بعد انتقاله منها إليه.
وأمّا الشرح فقد شرعت فيه في بلدة «يزد» المعروفة بدار العبادة والإيمان حين ما كنت مقيماً فيها بالإقامة الإجبارية من ناحية الحكومة الجائرة(1) بعد ما أقمت في «بندر لنگه» من سواحل الجنوب ما يقرب من أربعة أشهر في أواسط الصيف الذي تكون شدّة الحرارة للهواء فيها منضمّة إلى شدّة الرطوبة غير قابلة للتحمّل ولأجله قد خفت على نفسي مكرّراً وبعد الانتقال إلى البلدة المذكورة والإقامة فيها شرعت في شرح الكتاب واشتغلت به جميع مدّة إقامتي فيها الذي هو سنتان وأكثر من نصف ووفقت في تلك المدّة لتأليف مجلّدات متعدّدة منه تعرّضت في آخر كلّ مجلد له واستمر ذلك بعد تمامية مدّة الإقامة والرجوع إلى بلدة قم إلى أن بلغ إلى الآن إثنى عشر مجلّداً نسأل الله تبارك وتعالى التوفيق للإتمام ولعلّه يبلغ أربعين
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) لأجل المبارزة معه تبعاً وإقتداءً بالإمام.
مجلّداً بحقّ النبي الصادق للشرع والأئمّة الكرام ـ عليه وعليهم السلام ـ وسمّيته بـ «تفصيل الشريعة» في شرح «تحرير الوسيلة».
وقد بذلت الجهد في تبيين المطالب بعبارات قريبة إلى الطباع وكلمات مقبولة عند السماع من دون إيجاز مخلّ ولا إطناب مملّ وأسأل من القرّاء أن ينظروا بعين الإغماض وأبتهل إلى الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يثبّتنى حين تزلّ الإقدام على الصراط المستقيم وأن يجعله تذكرة لي وتبصرة لغيري أ نّه خير مسؤول ومجيب.
قم ـ الحوزة العلمية: محمّد الفاضل
شوّال المكرّم 1399 القمرية
بِسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
المقدّمة
اعلم أ نّه يجب على كلّ مكلّف غير بالغ مرتبة الاجتهاد في غير الضروريّات من عباداته ومعاملاته ولو في المستحبّات والمباحات أن يكون إمّا مقلّداً أو محتاطاً بشرط أن يعرف موارد الاحتياط، ولا يعرف ذلك إلاّ القليل، فعمل العامي غير العارف بمواضع الاحتياط من غير تقليد باطل بتفصيل يأتي1
1 ـ في هذا المقام جهات من الكلام:
الجهة الأولى: في بيان المراد من هذا الوجوب، لا ينبغي الإشكال في أنّ المراد منه هو الوجوب العقلي الذي مرجعه إلى إدراك العقل وحكمه بأ نّه بعد الالتفات إلى أصل التشريع، وحصول العلم إجمالا بثبوت أحكام الزامية كثيرة في الشريعة المقدّسة ولزوم رعايتها والتعرّض لامتثالها لعدم كون الناس مهملين في أمورهم، مفوّضين إلى اختيارهم، مضافاً إلى التوعيد الثابت من الشرع قطعاً على ترك التعرّض للامتثال وعدم المبالاة برعاية الأحكام، يلزم لأجل التخلّص عن ترتّب العقوبة وحصول الأمن من العذاب أن يمشي طريقاً يؤمّنه من ذلك.
فمرجع حكم العقل إلى صحّة عقوبة المولى لتارك هذا الطريق وإلزامه إيّاه بالتخلّص عنها لو كان بصدد الفرار عنه العقوبة والتخلّص عنها وعليه فليس الثابت في هذا المقام الإدراك العقل لذلك كسائر الأحكام العقلية وإلاّ من الواضح أ نّه ليس له حكم إلزامي مولوي أصلا كما أ نّه من الواضح أ نّه ليس في المقام حكم
وجوبي شرعي وإن كان في إمكانه كلام يأتي.
ثمّ إنّه يقع الكلام بعد ذلك في أنّ الحكم العقلي المذكور وهو إدراكه لما أفاده في المتن ممّا مرجعه إلى لزوم اختيار أحد الطرق الثلاثة من الاجتهاد والتقليد والاحتياط في غير الضروريّات من العبادات والمعاملات ولو في المستحبّات والمباحات هل هو على نحو الوجوب التخييري بأن كان حاكماً ابتداء بلزوم التوسّل إلى أحد الأمور الثلاثة بنحو التخيير، أو أنّ ما أدرك العقل لزوم مشيه من الطريق هو الأمر الجامع بين هذه الأمور؟.
لا ينبغي الإشكال في أنّ العقل لا يحكم ابتداء بالتخيير بين الأمور المختلفة بل إلزامه بأحد هذه الأمور إنّما هو لأجل وجود جامع بينها يكون ذلك الجامع مؤثراً في حصول الأمن وتحقّق التخلّص، نعم الحكم بالتخيير إنّما هو في النظر الثاني ولحاظ المحقّقات كما فيما يشابه المقام من الأحكام العقلية.
والظاهر أنّ العقلاء أيضاً لا يتجاوزون عن حدود هذا الحكم العقلي فيما يتعلّق بأمورهم في الدنيا فإنّهم في تلك الأمور أيضاً إمّا أن يختاروا طريقاً علميّاً موصلا إلى ما هو المهم لهم، وإمّا أن يرجعوا إلى العالم الخبير بذك الطريق ويقتفوا أثره، وإمّا أن يختاروا الاحتياط بمشي جميع الطرق المحتملة ورعاية تمام الجوانب.
ثمّ إنّه هل يمكن أن يكون وجوب هذه الأمور الثلاثة وجوباً شرعيّاً أم لا؟ قد يُقال بعدم الإمكان كما في شرح بعض السادة الأعلام على كتاب العروة الوثقى ـ على ما في تقريراته ـ وملخّص ما أفاده في هذا المقام أنّ الوجوب الشرعي; إن كان المراد به هو الوجوب النفسي فتارة يكون هذا الوجوب بلحاظ وجوب تعلّم الأحكام نفسياً، وأخرى بلحاظ المصالح الواقعية الباعثة على جعل الأحكام.
فعلى الأوّل لا يتصوّر ذلك في الاحتياط لأ نّه عنوان لنفس العمل، بل في التقليد
بناء على المختار فيه من أ نّه العمل عن استناد.
وعلى الثاني لا يتصوّر في الاجتهاد لأ نّه طريق لمعرفة الأحكام، ولا يتمّ في الاحتياط لعدم الدليل على وجوبه شرعاً.
وإن كان المراد به هو الوجوب الطريقي ـ أعني الإيجاب بداعي التنجيز أو التعذير ـ فإن أُريد به وجوب تعلّم الأحكام فهو لا يتصوّر في الاحتياط بل في التقليد ـ على المختار ـ وإن أُريد به الوجوب بلحاظ التحفّظ على الملاكات الواقعية فلا يصحّ في شيء من الأمور الثلاثة لعدم كونها طريقاً إلى الواقع، وإنّما الطرق هي الأمارات والأصول بالإضافة إلى المجتهد، وفتوى المجتهد بالنسبة إلى المقلِّد.
وإن كان المراد به هو الوجوب الغيري فلا يتصوّر له معنى في المقام لأنّ شيئاً من الأمور الثلاثة لا يكون مقدّمة وجودية لواجب نفسي حتى يتّصف بالوجوب الغيري من قبله. انتهى.
ويرد عليه ـ مضافاً ـ إلى أ نّه لا يلزم في الواجبات الشرعية أن يكون الأمر الذي بلحاظه تعلّق الوجوب بها معلوماً لنا حتى يتردّد في المقام في أنّ الوجوب المتعلّق بأحد هذه الأمور الثلاثة على سبيل التخيير ـ لا محالة بناءً على كونه شرعياً كما هو المفروض ـ هل هو بلحاظ كذا أو كذا بل البحث إنّما هو في إمكان ذلك شرعاً واستحالته ونحن لا نرى وجهاً لعدم الإمكان فإنّه لو دلّ دليل شرعي كآية أو رواية مثلا على وجوبها كذلك فأي مانع يمنع عنه ويوجب التصرّف في دلالته أو سنده مثلا.
إنّه ناش من عدم حمل العبارة على ما هو مقصود الماتن(قدس سره) فإنّ الظاهر أنّ متعلّق الوجوب في جميع الأمور الثلاثة إنّما هو العمل يعني أنّ المكلّف يجب عليه في مقام العمل، إمّا أن يعمل على طبق اجتهاده أو تقليده أو يراعي الاحتياط في هذا المقام،
وعليه فالتفكيك بين هذه الأمور من جهة كون الاحتياط عنواناً لنفس العمل وكذا التقليد على مختاره ـ والاجتهاد طريق لمعرفة الأحكام ولا يكون عنواناً لنفس العل ممّا لا وجه له من جهة ما هو المقصود من العبارة بل لا محيص عن الحمل على العمل.
ضرورة أنّ العقل الحاكم بالوجوب لا يحكم بكفاية الاجتهاد بمجرّده لعدم تأثيره كذلك في امتثال التكاليف المعلومة بالإجمال بل المؤثّر إنّما هو العمل على طبق الاجتهاد فلا مناص من حمل العبارة على العمل وإن كان الجمود على الظاهر يأباه كما هو ظاهر.
ثمّ التمسّك في مقام الاستدلال على إثبات الاستحالة وعدم الإمكان بعدم وجوب الاحتياط شرعاً فيه ما لا يخفى من الغرابة، كما إنّ دعوى استلزام الوجوب الشرعي للتسلسل نظراً إلى أ نّه على تقدير كون الوجوب شرعيّاً لابدّ وأن يكون المكلّف في هذا التكليف أيضاً غير خال عن أحد الحالات الثلاثة بخلاف ما إذا كان الوجوب عقلياً، واضحة الدفع ضرورة أنّ اللابدّية المذكورة لا توجب الانتهاء إلى التسلسل فأيّ مانع من أن تجري هذه الحالات الثلاثة في هذا التكليف أيضاً كما هو ظاهر.
وقد انقدح ممّا ذكرنا أ نّه لا مانع من تعلّق الوجوب الشرعي بهذه الأمور الثلاثة، نعم لا ينبغي الإشكال في أنه على تقدير الوقوع يكون كسائر الأحكام الشرعيّة فلابدّ من أن يكون الوصول إليه إمّا بطريق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط فتدبّر.
الجهة الثانية: إنّه بناء على كون المراد بالوجوب هو الوجوب العقلي الذي مرجعه ـ كما عرفت ـ إلى إدراك العقل لزوم طي أحد هذه الطرق في مقام التخلّص
عن عقوبة المولى والفرار عنها كما هو الظاهر لعدم الدليل شرعاً على ذلك أو لاستحالة الوجوب الشرعي ـ على الخلاف المتقدّم ـ هل هنا طريق رابع أو أنّ الطرق منحصرة بهذه الأمور الثلاثة؟ لا ينبغي الإشكال في عدم الإنحصار.
ضرورة أنّ المكلّف لو حصل له العلم بالتكليف وبخصوصيّاته من أي طريق حصل يكون حجّة عليه ويلزم عقلا متابعته واقتفاء أثره ولأجل ذلك لا يكون المعصوم(عليه السلام) خارجاً عن هذا الحكم العقلي وإلاّ فعلى ما هو ظاهر العبارة يكون خروج المعصوم(عليه السلام) ممّا لا ينبغي الارتياب فيه.
وبالجملة فمع حصول العلم الوجداني الذي هو أقوى الطرق لا وجه للزوم سلوك طريق آخر، نعم هنا كلام في أنّ حجيّة العلم هل يمكن أن تنالها يد الجعل ـ إثباتاً أو نفياً ـ أم لا؟ والتحقيق في محلّه. كما أ نّه وقع الكلام أيضاً في إمكان عدم اجتزاء الشارع بالعلم الحاصل من طريق خاص كالجفر والرمل وأمثالهما وعدمه والتحقيق أيضاً في محلّه.
هذا ويمكن أن يقال بثبوت طريق خامس وهو الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي في بعض الموارد وهو ما لا يكون للمكلّف أية حجة ولا يمكن له الاحتياط فتدبّر.
الجهة الثالثة: هل هذه الأمور الثلاثة التي يتطرّق بها في مقام التخلّص عن تبعة مخالفة تكليف المولى طولية مترتّبة أو أ نّه في رتبة واحدة؟.
وربّما يُقال بتقدّم الأخير ـ أعني الاحتياط ـ على الأولين، نظراً إلى أنّ الاحتياط طريق عقلي يترتّب عليه الأثر المترّقّب ـ قطعاً ـ وأمّا عدلاه فيحتاج إلى الجعل الشرعي وحكم الشارع بحجيّة منشأ الاستنباط وكونه معتبراً عنده ـ كما في الاجتهاد، والتقليد يتفرّع عليه ضرورة أنّ المقلَّد ـ بالفتح ـ لا يكون عالماً بالأحكام الإلهية بالعلم الوجداني إلاّ نادراً، وعليه فمرتبة الاحتياط متقدّمة عليهما.
كما أ نّه ربّما يقال بتقدّم مرتبة الأولين على الاحتياط نظراً إلى أنّ جواز الاحتياط حيث يكون محلّ الخلاف فلابدّ من أن يكون المكلّف مجتهداً فيه أو مقلّداً، ففي الحقيقة الواجب على المكلّف أمّا الاجتهاد وأمّا التقليد وعلى التقديرين فإن أدّى نظره أو نظر مقلّده إلى جواز الاحتياط يجوز وإلاّ فلا.
والظاهر فساد كلا القولين:
أمّا الأوّل فلأنّ الاحتياج إلى حكم الشارع في باب الاجتهاد إنّما هو لتحقّق موضوع الاجتهاد وصغريه، وأمّا الاكتفاء في مقام الامتثال بموافقة الطريق الذي حكم الشارع بجواز التطرّق به، وعدم المنع من انسلاكه فهو حكم عقلي يترتّب على الحجيّة الشرعيّة: والكلام إنّما هو في هذا الحكم لا في تحقّق الموضوع، وكذلك التقليد المتفرّع على هذا النحو من الاجتهاد فإنّ الاجتزاء به من باب رجوع الجاهل في كلّ فن وصنعة إلى العالم به لا يكاد يكون الحاكم به إلاّ العقل كما هو غير خفي.
وأمّا الثاني فقد ذكر المحقّق الاصفهاني(قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد، أنّ كون المسألة خلافية نظرية لا يقتضي جريان التقليد فيه قال: «ألا ترى أنّ أصل التقليد خلافي ـ جوازاً ومنعاً ـ ومع ذك لا يقتضي أن يكون تقليدياً وكذلك تقليد الأعلم خلافي ومع ذلك ليس بتقليدي إلى غير ذلك من النظريات والخلافيات بل كونه تقليدياً يتبع أن يكون على طبق المورد حكم مماثل يمكن أن يكون العامي متعبّداً به ومنشأ لحركته على طبقه فلو لم يكن هناك حكم مماثل أو كان ولكن لم يمكن منشأيته لحركة العامي للزوم المحال فلا محالة لا يكون تقليدياً».
ثمّ قال ما ملخّصه: «إنّ للاحتياط حيثيّتين: احديهما الحيثيّة العارضة للاحتياط بعنوانه من وجوب شرعي حقيقي أو طريقي أو حرمة نفسية بملاحظة انطباق
عنوان مبغوض عليه، ثانيتهما الحيثية المخرجة للاحتياط عن كونه احتياطاً لأنّ الشارع لو تصرّف في مورده بنفي أو إثبات تعيّن أحد الطرفين شرعاً فلا مورد للاحتياط عقلا.
أمّا بلحاظ الحيثيّة الأولى فالمسألة تقليديّة بلحاظ العارض لا المعروض، فترتّب الأثر المترّقّب من العمل الاحتياطي غير منوط بالتقليد وإن كان كونه فاعلا للواجب أو تاركاً للحرام قابلا للاستناد إلى فتوى المجتهد.
وأمّا بلحاظ الحيثيّة الثانية فالمسألة تقليدية من حيث نفس عنوان الاحتياط لعدم تمكّن العامي من استنباط تمحّض المورد للاحتياط إلاّ بالرجوع إلى المجتهد ولذا ذكرنا أنّ إجراء الأصول العقلية منوط بنظر المجتهد».
ثمّ قال: «والتحقيق أنّ حرمة الاحتياط نفسياً وعدمها ليست مهمة في مقام حصر طريق الامتثال في الاجتهاد والتقليد وعدمه بل المهم ترتّب الأثر المترقّب من المعاملة والعبادة على الاحتياط، وحيث أنّ فرض الاحتياط ـ حقيقة ـ هو فرض ترتّب أثر الواقع فلا محالة يؤول البحث إلى البحث عن تحقّق العبادة كالمعاملة بالاحتياط وعدمه لأجل خصوصيّة مأخوذة في العبادة بحيث لا تتحقّق إلاّ بالامتثال التفصيلي عن اجتهاد أو تقليد كقصد الوجه ـ على القول بأ نّه كذلك ـ فهو في الحقيقة بحث عن قبول العبادة للاحتياط وعن التمكّن منه في العبادة وكونه كذلك لا يعلم إلاّ بالاجتهاد والتقليد.
فمعنى التقليد ـ ح ـ التعبّد بعدم اعتبار تلك الخصوصيّة شرعاً ولازمه إمكان الاحتياط لا التعبد بإمكانه ولا التعبّد بجوازه شرعاً في قبال حرمته نفساً، كما إنّ معنى التقليد في مقام إجراء قاعدة الاحتياط اللازم بحكم العقل هو التعبد بعدم الحكم شرعاً ـ نفياً أو إثباتاً ـ بحيث لا يكون مجرى للقاعدة الملزمة بالاحتياط
عقلا لا التعبّد به شرعاً».
وما أفاده(قدس سره) وإ لم يكن بخال عن مناقشة بل مناقشات:
من حيث عدم نهوض دليل على ما جعله ضابطاً لكون المسألة تقليدية من لزوم ثبوت حكم مماثل على طبق المورد يمكن أن يكون العامي متعبّداً به ومنشأ لحركته على طبقه.
ومن جهة تخصيصه الوجه في تعلّق الحرمة النفسية العارضة للاحتياط بعنوانه بانطباق عنوان مبغوض عليه بعد احتمال كون الوجه مبغوضيته بعنوانه كما لا يخفى.
ومن جهة جعل الحيثيّة المخرجة للاحتياط عن كونه احتياطاً حيثيّة ثانية للاحتياط مع عدم معقولية ذلك ضرورة أنّ الحيثيّة المعدمة للشيء لا تكون حيثيّة لنفس ذلك الشيء، مضافاً إلى أنّ تصرّف الشارع في مورد الاحتياط بنفي أو إثبات إن كان معلوماً بالعلم الوجداني فهو يوجب خروج الاحتياط عن كونه كذلك، وأمّا إن لم يكن كذلك بل كان التصرّف مقتضى الأمارة المعتبرة أو الأصل الشرعي فهو لا ينافي الاحتياط بوجه ولا يوجب انهدام هذا العنوان اصلاه ومن بعض الجهات الأخر.
إلاّ أنّ مرجعه إلى أنّ الاحتياط المبحوث عنه في المقام ليس هو عنوان الاحتياط الذي وقع الاختلاف في جوازه وحرمته بل المهمّ هو عدم انحصار طريق الامتثال بالاجتهاد والتقليد وكفاية الاحتياط في ترتّب الأثر المقصود من العبادة والمعاملة، ومن الواضح عدم وقوع الاختلاف في هذه الجهة بل لا يعقل الخلاف فيه، والإشكال ـ على تقديره ـ إنّما هو في إمكان الاحتياط في العبادة ـ مطلقاً أو في بعض الموارد ـ وهو يرجع إلى منع الصغرى وعدم إمكانها لا إلى المناقشة في الكبرى. وبالجملة فالاحتياط المبحوث عنه الذي هو أحد طرق الإجزاء عقلا ليس هو
عنوانه بل ما يصدر من المكلّف في الخارج بهذا العنوان ويترتّب عليه تحقّق المأمور به قطعاً وهذا لاتعقل المناقشة في الاجتزاء به والخلاف إمّا في جواز أصل العنوان وإمّا في إمكانه ـ مطلقاً أو في العبادة أو خصوص بعض مواردها ـ وعليه فلا معنى للحكم بجريان التقليد أو الاجتهاد فيه مع انحفاظ الموضوع وإمكانه.
ثمّ إنّه على تقدير تسليم جريان الاجتهاد والتقليد في الاحتياط وافتقاره إلى أحدهما نقول: إنّ ذلك لا يوجب تأخر رتبته عنهما في مقام الامتثال فإنّ المجتهد بعد ما أدّى نظره إلى الجواز يكون مخيّراً عقلا بين مراجعة الأدلّة واستنباط حكم المسألة منها وبين أن يحتاط بإتيان كلا المحتملين ـ مثلا ـ لأجل حصول العلم بإتيان الواقع.
هذا كلّه فيما يتعقّل بتقدّم رتبة الاجتهاد والتقليد على الاحتياط وتأخّرها عنه أو تساويهما وكون الأمور الثلاثة التي يتطرّق بها في رتبة واحدة.
في تقدّم الاجتهاد على التقليد وعدمه
هل رتبة التقليد متأخّرة عن الاجتهاد أو إنّ رتبته متقدّمة عليه أو إنّهما في رتبة واحدة ولا تقدّم لأحدى الرتبتين على الأخرى؟.
والتحقيق أنّ الكلام يقع ـ تارة ـ فيما هو مقتى حكم العقل، ـ وأخرى فيما هو مقتضى الأدلّة الشرعية:
أما من جهة حكم العقل فالظاهر أ نّه لا مجال للإشكال في تساوي الحالتين وعدم ثبوت مزية في البين وعدم اختلاف الرتبتين ضرورة أنّ العقل لا يحكم إلاّ بلزوم تحصيل العلم لأجل العمل أو الرجوع إلى العالم الخبير لأجله أيضاً من دون ترجيح لأحدهما على الآخر.
وأمّا من جهة الأدلّة الشرعية فتفصيل الكلام فيها يتوقّف على ملاحظة هذين
الموضوعين ومعناهما وملاحظة الآثار والأحكام المترتّبة عليهما.
فنقول: أمّا التقليد فسيجيء البحث عن حقيقته عند تعرّض سيّدنا العلاّمة الأستاذ الماتن له. وأمّا الاجتهاد فالمحكي عن الحاجبي والعلاّمة في تعريفه أ نّه استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، وعن غيرهما أ نّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي عن الأصل فعلا أو قوّة قريبة من الفعل.
ويرد على التعريف الأوّل وجوه من الإيراد عمدتها أنّ مجرّد الظن بالحكم الشرعي من أي طريق حصل ومن أي سبب تحقّق لم يقم على اعتباره دليل بل قام الدليل على عدمه في بعض الموارد كالظن الحاصل من القياس والاستحسان، مضافاً إلى أنّ الأمارة المعتبرة الشرعية ربّما لا تفيد الظن الشخصي لعدم مدخليّته في اعتباره لكون الملاك فيه هو إفادته للظن نوعاً.
وما أفاده المحقّق الخراساني(قدس سره) وتبعه بعض الأعلام في شرح العروة ـ على ما في تقريرات بحثه ـ من أ نّه لو أبدل الظن بالحكم بالحجّة على الحكم لسلم من الإشكال، فيه أ نّه وإن كان يسلم من بعض الإشكالات إلاّ أنّ بعضها باق على حاله ضرورة أنّ المقلِّد لو استفرغ وسعه في تحصيل فتوى مجتهده التي هي حجة على الحكم الشرعي يصدق عليه أ نّه استفرغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم مع أ نّه لا يكون مجتهداً.
فالأولى الإعراض عن هذا التعريف الذي صار سبباً لطعن الإخباريين على الأصوليين منا واعتراضهم عليهم بأنّهم يعتمدون في الاجتهاد على مجرّد الظن بالحكم من أي سبب حصل سواء قام الدليل على اعتباره أو على عدم اعتباره أو لم يقم دليل على شيء من الأمرين، وإلاّ فالاجتهاد بمعناه الحقيقي الذي يرجع إلى القدرة على أخذ الحكم من المدارك المعتبرة والأدلّة القابلة للاستناد من الكتاب
والسنّة والإجماع والعقل لا مجال للإشكال فيه ولا محيص عن الالتزام به.
ومن هذه الجهة يمكن أن يقال إنّ النزاع بينهما لا يتجاوز عن النزاع اللفظي ولا يكون نزاعاً معنوياً لأ نّه لا محيص عن الالتزام بالاجتهاد بمعناه الذي يقول به المجتهدون كما مر.
نعم قد أورد على هذا المعنى بأنّ تفسير الاجتهاد بالملكة الكذائية ينطبق على صاحبها الذي لم يستنبط شيئاً من الأحكام الشرعية ولم يتحقّق منه استنباط عملا أيضاً لعدم الملازمة بين ثبوت الملكة والاستنباط الفعلي بوجه، مع أنه لم يرد هذا العنوان في شيء من الأدلّة موضوعاً لحكم من الأحكام وأثر من الآثار بل العناوين المأخوذة فيها ترجع إلى الفقيه، والعارف بالحلال والحرام، والناظر فيهما، والراوي لأحاديثهم وشبه ذلك من العناوين التي لا تنطبق على الشخص بمجرّد وجود الملكة فيها من دون استنباط لظهورها في الفعلية منها كما لا يخفى.
هذا ما يتعلّق بموضوع الاجتهاد ومعناه، وأمّا حكمه فتارة يلاحظ بالإضافة إلى عمل المجتهد نفسه وأنّ تحصيل الملكة بلحاظ الأعمال الشخصية المبتلى بها لصاحبها حكمه ماذا؟ وأخرى بلحاظ رجوع الغير العامي إليه وإن تحصيلها من جهة تقليد العوام عنه حكمه ماذا؟ وعلى الأوّل ـ تارة ـ يلاحظ من جهة العقل وإنّ اللزوم العقلي متحقّق أم لا؟ وأخرى من جهة الشرع ومقتضى الأدلّة الشرعية الواردة في هذه الجهة.
فنقول: أمّا العقل فقد عرفت أ نّه يحكم ـ لأجل الفرار عن تبعة مخالفة تكاليف المولى المنجزة بسبب العلم الإجمالي بثبوتها ـ بلزوم تحصيل المؤمن من العقاب غالية الأمر أنّ طرق تحقّق هذا المعنى مختلفة كثرة وقلّة ـ حسب اختلاف الموارد والحالات والأشخاص ـ فإذا انسد باب بعض تلك الطرق يبقى سائر الأبواب ومع
انسداد الجميع إلاّ الواحد يتعيّن ذلك الطريق الواحد.
فإذا كان هناك من الأحياء من يكون صالحاً للرجوع إليه وتقليده لا مجال لتعيّن الاجتهاد ولزوم تحصيل الملكة عليه، ومع عدمه ـ والفرض أ نّه لا يجوز تقليد الميت ابتداء لقيام الإجماع عليه كما سيجيء البحث والتكلّم فيه إن شاء الله تعالى ـ يتعيّن عليه الاجتهاد إذا لم يتمكّن من الاحتياط واحراز الواقع من هذا الطريق كما أ نّه مع عدم التمكّن من الاحتياط يتخيّر بين الاجتهاد والتقليد لعدم ثبوت حكم العقل بلزوم التعلّم بل غرضه التعرّض لامتثال التكاليف المعلومة بالإجمال ورعاية موافقتها سواء كان المكلّف عالماً بها تفصيلا أو جاهلا مراجعاً إلى العالم.
فانقدح من ذلك أنّ تعين الاجتهاد ولزومه عقلا إنّما هو فيما إذا انسدّ عليه باب التقليد والاحتياط ومن الواضح أنّ اللزوم في هذا المورد ليس لزوماً نفسياً بل طريقي مرجعه إلى تنجّز التكاليف المعلومة واستحقاق العقوبة على مخالفتها هذا ما هو مقتضى حكم العقل.
وأمّا اللزوم الشرعي فيدلّ على أصله ما دلّ على وجوب التعلّم من الأخبار التي سيجيء نقلها والتكلّم فيها ـ إن شاء الله تعالى ـ وعلى كونه طريقياً لا نفسياً ولا مقدمياً التأمل في تلك الأخبار واستظهار الطريقية منها، وعلى عدم كونه عينياً وضوح استلزام تعيّن الاجتهاد وتحصيل ملكة الاستنباط على كلّ مكلّف للعسر والحرج واختلال النظام سيّما في هذه الأعصار التي كثرت مقدّمات الاجتهاد وكذا الموانع عن تحقّقها، مضافاً إلى أدلّة التقليد الدالّة على جواز رجوع العامي إلى المجتهد، والمستلزمة لعدم وجوب تحصيل الملكة على كلّ أحد. هذا بالإضافة إلى عمل نفسه.
وأمّا بالإضافة إلى رجوع الغير العامي إليه فاللزوم العقلي منتف قطعاً لعدم
حكمه بذلك أصلا بعد ما كان الملاك في حكمه هو تخلّص المكلّف بنفسه من تبعة مخالفة تكاليف المولى وليس هنا ملاك آخر مقتض للزوم العقلي.
وأمّا اللزوم الشرعي فقد يقال بثبوته ـ على وجه النفسي الكفائي التعييني ـ نظراً إلى لزوم حفظ الدين وإبقائه والتحرّز عن اضمحلاله واندراسه ضرورة أن وجوب ذلك غير قابل للإنكار ومن المعلوم ـ بعد عدم جواز تقليد الميت ابتداء وعدم جواز رجوع العامي إلى الأموات ـ إنّ الاجتهاد وتحصيل ملكة الاستنباط لأجل الوصول إلى القوانين الدينيّة والأحكام الشرعية من الطرق الموجبة لبقاء الدين والتحفّظ عن اضمحلاله وانهدامه بداهة أ نّه مع عدم وجود من يرجع إليه العامي والمفروض عدم جواز الرجوع إلى الأموات ينسد باب الاطلاع على الأحكام الشرعية وتطبيق العمل عليها فاللازم ـ لأجل هذا الغرض المهمّ ـ أن يتصدّى بعض من المكلّفين للوصول إلى هذا المقام والبلوغ إلى هذه المرتبة.
ومقتضى ما ذكر عدم كفاية مجرّد الوصول وتحصيل الملكة بل اللازم بعده استنباط الفعلي واستخراج الأحكام من مداركها وتبليغها إلى المكلّفين ليعملوا على طبقها.
هذا ولكنّ الدليل المذكور لا يجدي لإثبات الوجوب النفسي لأنّ الواجب النفسي ـ ح ـ هو التحفّظ على الدين وإبقائه، والاجتهاد مقدّمة له فلا مجال لدعوى النفسية من هذا الطريق بوجه نعم لو استند في ذلك إلى آية النفر المعروفة لكان لذلك وجه.
ويؤيّده ما ورد في تفسيرها من بعض الروايات كرواية عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام): إنّ قوماً يروون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: اختلاف امّتي رحمة، فقال: صدقوا، فقلت: إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب؟ فقال: ليس
حيث تذهب وذهبوا، إنّما أراد قول الله عزّ وجل: (فَلَو لاَ نَفَرَ من كُلِّ فِرْقَة مِنْهُم طائفة لِيَتَفَقَّهُوا في الدين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمهم إذا رجعوا إليهم لَعلَّهم يَحْذَرون)فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيتعلّموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم إنّما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافاً في دين الله، إنّما الدين واحد، إنّما الدين واحد(1).
ويؤيدّه أيضاً قول الرضا(عليه السلام) في حديث ـ على ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان ـ : إنّما أمروا بالحج لعلّة الوفادة إلى الله ـ عزّ وجل ـ وطلب الزيادة والخروج من كلّ ما اقترف العبد إلى أن قال: مع ما فيه من التفقّه في الدين ونقل أخبار الأئمّة(عليهم السلام) فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين(2).
وبهاتين الروايتين يدفع التوهّم الذي يمكن أن يتخيّل من عدم دلالة الكريمة على شمول الحكم لكلّ عصر وزمان كما هو غير خفي.
فانقدّح من جميع ما ذكرنا أنّ المكلّف لا يجب عليه تحصيل ملكة الاجتهاد مع وجود المجتهد لقيام السيرة وعدم ثبوت الردع فهو مخيّر بين التقليد والرجوع إلى الخبرة وبين تحصيل ملكة الاجتهاد وصيرورته خبيراً ولا مزية لأحد الأمرين ولا مرجّح في البين.
في جواز التقليد للمجتهد وعدمه
هل يجوز للمجتهد الواجد لملكة الاستنباط أن يرجع إلى مجتهد آخر فيما لم يجتهد فيه ولم يستنبط حكمه من الأدلّة فعلا أم لا؟ تفصيل القول فيه أ نّه ـ تارة ـ يلاحظ
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ئل باب 11 من أبواب صفات القاضي ح 10.
(2) ئل باب 8 من أبواب صفات القاضي ح 65.
ذلك بالنظر إلى حكم العقل ـ وأخرى ـ بالنظر إلى السيرة التي هي العمدة في باب التقليد ـ وثالثة ـ بالنظر إلى الأدلّة السمعية والآيات والروايات الواردة في هذا الباب.
أمّا بالنظر إلى حكم العقل فالظاهر أ نّه لا يحكم بالجواز حيث لا يحصل له اليقين بفراغ الذمّة مع الاستناد إلى فتوى الغير فيما إذا تمكّن من الاستناد إلى الحجّة واستنباط الحكم من الأدلّة، ومع الشك في حصول البرائة يلزمه العقل بالاستنباط الفعلي والاستناد إلى الحجة خصوصاً مع ملاحظة أ نّه لم ينقل القول بالجواز عن أحد من علمائنا الإمامية ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ كما عن الشيخ(قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد نعم قد نسب الجواز إلى السيد صاحب المناهل(قدس سره).
ولعلّ دعوى الجواز مستندة إلى أ نّه كما كان المكلّف مخيّراً عقلا في ابتداء الأمرين تحصيل ملكة الاجتهاد وبين الرجوع إلى العالم الخبير ولم يكن تقدّم لأحد الأمرين على الآخر كذلك هذا التخيير العقلي ثابت بحاله مع تحصيل الملكة وعدم تحقّق الاستنباط الفعلي لأ نّه بمجرّد حصول القدرة وتحقّق الملكة لا يصدق عليه عنوان العالم الخبير فلا مانع من الرجوع إلى الغير الذي تصدّى للاستنباط واستخرج الحكم من المدارك فإنّه أيضاً من رجوع الجاهل إلى العالم فلا فرق بين الصورتين.
وأمّا بالنظر إلى السيرة فمن الواضح عدم ثبوت السيرة على رجوع من له الملكة إلى المستنبط الفعلي، سواء كان المراد بالسيرة هي سيرة المتشرّعة الثابتة في باب التقليد، أم كان المراد بها هي السيرة العقلائية الثابتة في جميع موارد رجوع الجاهل في كلّ فن وصنعة إلى العالم به والمطّلع عليها.
أمّا على الأوّل فواضح عدم ثبوت سيرة المتشرّعة في باب التقليد على رجوع
الواجد للملكة إلى المستنبط الفعلي ولا أقلّ من الشك في الثبوت وعدمه وهو يكفي في عدم الجواز.
وأمّا على الثاني الذي هو العمدة في باب التقليد لأ نّه من مصاديق رجوع الجاهل إلى العالم، والمتشرّعة قد استقرت سيرتهم على ذلك بما هم عقلاء وكون الجهل بالحكم الشرعي أحد مصاديق الجهل.
فمن الواضح كما يظهر بمراجعة العقلاء عدم ثبوت سيرتهم على الرجوع في مثل المقام، فهل يرجع الطبيب غير العارف بالدواء مع التمكّن من العلم به لو صرف ساعة من الزمان أو ساعتين ـ مثلا ـ إلى غيره العارف؟! وهل يكون على تقدير الرجوع معذوراً عند العقلاء لو كان تشخيص الغير الذي رجع إليه مخالفاً للواقع، ولا أقلّ من الشك في ثبوت السيرة العقلائية في مثل المقام وهو يكفي في عدم الجواز ـ كما عرفت ـ
وأمّا الأدلّة السمعية فالمحكي عن الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد دعوى انصرافها عمّن له ملكة الاجتهاد، بل المحقّق الاصفهاني(قدس سره) بعد حكمه في رسالة الاجتهاد والتقليد بأنّ الواجد لابدّ له من المراجعة إلى الأدلّة السمعية حتى يظهر له الجواز والعدم ولا يجديه استنباط الغير، حكم بأ نّه لا معنى لإطلاق تلك الأدلّة بالنسبة إلى المتمكّن من الاستنباط، لأنّ أدلّة الأحكام الشرعية شاملة لمثل هذا الشخص، فالأحكام الواقعية منجزة في حقّه من طريق الأمارات المعتبرة لتمكّنه من الاستفادة منها ومعه كيف يسعه الرجوع إلى غيره والعمل بفتياه وهذا بخلاف العامي المحض العاجز عن الاستنباط فإنّ تلك الأدلّة لا تشمله لفرض عجزه عن فهم مداليلها.
وأورد عليه بعض الأعلام ـ في شرح العروة ـ بأن تنجز الأحكام الواقعية من
طريق الأمارات لا ينافي حجيّة فتوى المجتهد حتى بالإضافة إلى من له ملكة الاستنباط فيمكن أن يكون الاستناد إليها معذراً عن مخالفة الواقع إذا تحقّقت المخالفة، وهذا نظير تنجز الأحكام الواقعية على العامي بعلمه الإجمالي ومع ذلك فإنّ استناده إلى فتوى المجتهد يعذره عن مخالفة الواقع.
ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكر بين المجتهد المطلق والمتجزي فإنّه لا يجوز له أيضاً فيما حصل له ملكة الاستنباط بالإضافة إليه الرجوع إلى الغير والعمل بفتياه كما هو غير خفي.
الجهة الرابعة: يستفاد من عبارة المتن أنّ الضروريّات كوجوب الصلوة والصوم ونحوهما خارجة عن دائرة الأمور الثلاثه التي يتطرّق بها ويحكم العقل بالزوم تخييراً بينها، والوجه في ذلك أنّ الأحكام الضرورية معلومة للمكلّف ومن المعلوم أ نّه مع حصول العلم للمكلّف بالواقع يكون هو بنفسه حجّة عليه ولا مجال للتعبّد بالأمارة بالإضافة إليه سواء كانت موافقة لعلمه أو مخالفة له، وسواء كانت الأمارة فتوى الغير أو غيرها من الأمارات لأنّ الحكم الظاهري إنّما يختصّ جعله بخصوص الجاهل الذي لا علم له بالواقع فلا مجال له بالإضافة إلى العالم مطلقاً ولذا لو حصل للمكلّف العلم في غير الضروريّات أيضاً لا مجال له للتقليد أو الاجتهاد وإن كان مخالفاً لفتوى المجتهد الذي يقلّده في سائر المسائل.
وقد انقدح من من ذلك أنّ الضروريّات لا معنى لجريان التقليد فيها فالتعبير بعدم الحاجة إلى التقليد فيها ـ كما في العروة ـ المشعر بالجواز لا يخلو عن مسامحة كما أنّ التعميم لليقينيات أيضاً يشعر بل يدلّ على أ نّه يكون في الفقه أحكام خاصّة يقينيّة كما أ نّه يكون فيه أحكام مخصوصة ضرورية مع أ نّه ليس في الفقه أحكام معيّنة متّصفة بكونها يقينيّة.
والظاهر أنّ غرضه(قدس سره) أ نّه متى حصل للمكلّف يقين بحكم من الأحكام من أي طريق حصل لا مجال له للتقليد في خصوص ذلك الحكم اليقيني وإن لم يكن ضروريّاً فيرجع إلى ما ذكرنا.
مسألة 1 ـ يجوز العمل بالاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار على الأقوى1 .
1 ـ في شرح بعض الأعلام على مثل هذه المسألة من العروة ما ملخّصه: «إنّ محلّ الكلام هنا هو الاحتياط غير المخلّ بالنظام لأنّ الاحتياط المخلّ به غير مشروع في نفسه ـ سواء تمكّن المكلّف من الاجتهاد والتقليد أم لم يتمكّن منهما، نعم الاحتياط المستلزم للوقوع في الحرج داخل في محلّ البحث لأنّ نفي الحرج إنّما يدلّ على نفي الوجوب وهو لا ينافي الجواز، كما أنّ محلّ الكلام هو خصوص الواجبات العبادية لعدم المانع في غيرها وإن استلزم التكرار.
وما عن الشيخ(رحمه الله) من النقاش في الاحتياط في باب العقود والإيقاعات نظراً إلى أنّ الجزم ينافي الترديد، مندفع بأنّ التردّد فيما هو الممضي من السبب ـ شرعاً ـ غير التردّد في الإنشاء والاعتبار الذي هو أمر نفساني قائم بالمعتبر والذي يضر بصحّة العقد أو الإيقاع هو الثاني دون الأوّل».
أقول: قد عرفت أنّ البحث في الاحتياط ـ تارة ـ في جوازه بعنوانه الذي هو كسائر العناوين المتعلّقة لواحد من الأحكام الخمسة و ـ أخرى ـ في الاجتزاء بما يتحقّق به الاحتياط في مقام الامتثال أو الموافقة أو ترتّب الأثر المقصود، وعرفت أيضاً أنّ المهمّ في المقام هي الجهة الثانية.
ومن الواضح أ نّه لا فرق من هذه الجهة بين كون الاحتياط مخلاًّ بالنظام أو مستلزماً للوقوع في الحرج أم لا. ضرورة أ نّه بسبب تحقّق هذا العنوان الملازم للعلم بتحقّق المأمور به في الخارج بجميع ما اعتبر فيه من الأجزاء والشرائط، أو بتحقّق ما هو السبب المؤثر في حصول الأثر المترقّب لا مجال لاحتمال عدم الإجزاء وعدم تأثيره في الأثر المقصود سواء كان مخلاًّ بالنظام أو موجباً للوقوع في الحرج أم لا، فإنّ اتّصافه بوصف الإخلال به أو استلزامه للوقوع فيه لا يضرّ بترتّب الأثر
المترقّب بداهة فالتفصيل من هذه الجهة وجعل هاتين الصورتين أو خصوص الصورة الأولى خارجة عن محلّ النزاع لا وجه له أصلا.
ثمّ إنّه على التقدير الأوّل ـ الذي يكون النزاع في جواز الاحتياط بعنوانه ـ يكون المحرم على تقديره هو عنوان الإخلال ولا تتعدّى الحرمة عنه إلى عنوان الاحتياط لما حقّقناه في محلّه من أنّ الحرمة المتعلّقة بعنوان من العناوين لا يعقل أنّ يسري منه إلى غيره ممّا يتّحد معه وجوداً، فحرمة الإخلال لا توجب حرمة الاحتياط بوجه.
ثمّ إن ما أفاده في وجه دخول صورة الاستلزام للحرج في محلّ البحث يمكن أن يخدش فيه بأنّ دليل نفي الحرج وإن كان ظاهره نفي الوجوب وهو لا ينافي الجواز إلاّ أ نّه ربّما يحتمل فيه أن يكون الغرض منه النفي على سبيل العزيمة لا الرخصة كما ربّما يستفاد من بعض الروايات من وجوب قبول المنّة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ
ويؤيّده قوله تعالى: (يُريد الله بِكُمُ اليُسر) الظاهر في تعلّق الإرادة الإلهية باليسر وهو لا يجتمع مع الإيقاع في الحرج والتحقيق في محله.
ثمّ إنّ تخصيص محلّ الكلام بخصوص الواجبات العبادية وإخراج باب العقود والإيقاعات عن حريم النزاع مع وجود النقاش من مثل الشيخ الأعظم ـ عليه الرحمة والرضوان ـ ممّا لا وجه له، ودفع وجه النقاش بما هو التحقيق عنده لا يوجب الخروج عن محلّ النزاع وإلاّ يلزم خروج أكثر المسائل الخلافية عن كونها كذلك بسب التحقيق المؤدّي إلى أحد الطرفين أو الأطراف.
وقد انقدح ممّا ذكرنا أنّ المراد بالجواز في المتن هو الاجتزاء والاكتفاء في مقام الإطاعة والامتثال أو تحقّق ما هو السبب المؤثّر لا الجواز العارض لنفس عنوان الاحتياط ولكنّه ربّما يُقال بأنّ المراد بالجواز ـ في خصوص هذه المسألة ـ هو
الجواز العارض لنفس عنوان الاحتياط لا الاجتزاء في مقام الامتثال وشبهه وذلك لأ نّه على التقدير الآخر يلزم التكرار بعد تصريح الماتن قبل ذلك بكون الاحتياط أحد الأمور الثلاثة التي يتطرّق بها، فالأولى حمل هذه العبارة على الجواز بالمعنى الأوّل لئلا يلزم التكرار.
ويندفع بأ نّه يكفي فى عدم لزوم التكرار التصريح بكون الجواز ثابتاً في الاحتياط ولو كان مسلتزماً للتكرار، وفي الحقيقة الغرض من هذه المسألة تعميم الجواز لصورة استلزام الاحتياط للتكرار مع حفظ كون المقصود من الجواز هو الاجتزاء والاكتفاء لا الجواز العارض لنفس عنوان الاحتياط.
نعم لا مجال لإنكار أنّ الاحتياط بعنوانه يكون معروضاً لحكم من الأحكام الخمسة التكليفيّة والتحقيق إمكان إتّصافه بكلّ منها وجواز تصوّر المورد له: فالاحتياط الواجب إنّما هو في مثل الشبهة المحصورة ـ الوجوبية أو التحريميّة ـ سواء قيل بقيام الدليل الشرعي على الوجوب أو أنّ وجوبه الشرعي مستفاد من الملازمة بين الحكمين: حكم العقل وحكم الشرع.
والاحتياط المحرّم إنّما هو فيها إذا أدّى إلى الوسواس وقلنا بتحريمه نظراً إلى أ نّه من الشيطان كما في بعض الروايات، أو أدّى إلى الإخلال بالنظام بناء على كونه من العناوين المحرّمة، كل ذلك بعد الفراغ عن كون استلزامه للمحرّم موجباً لقبح عنوانه ثمّ حرمته بقاعدة الملازمة فتدبّر جيّداً.
وأمّا الاحتياط المستحبّ فموارده كثيرة لأنّ العقل يحكم بحسنه في غير الموردين المتقدّمين إذا لم يجر فيه احتمال المبغوضية لأجل احتمال كونه من العناوين المبغوضة أو إنطباق عنوان مبغوض عليه، وإلاّ فمع هذا الاحتمال لا مجال للحكم بحسنه ـ بتاً ـ ومن هنا يظهر النظر فيما تكرّر في الكلمات من التحريص على الإتيان بمحتمل
الوجوب غير القائم على وجوبه دليل معتبر بعنوان الرجاء نظراً إلى حسن الاحتياط وعدم اختصاص حسنه بحال دون حال، فإنّ ذلك إنّما يتمّ مع عدم وجود احتمال المبغوضية وإلاّ فالحكم بالحسن ممّا لا وجه له أصلا.
وممّا ذكرنا يظهر جواز فرض المورد لصورتي إباحة الاحتياط وكراهته فإنّ منشأ الإباحة ـ تارة ـ عدم تعلّق الحكم لأجل عدم ثبوت الملاك وأخرى تعارض الملاكين فتأمّل.
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الظاهر أ نّه لم يقل أحد بالمنع من الاحتياط في جميع الموارد وإن كان يمكن توجيهه بوجه غير وجيه.
وأمّا المنع عن الاحتياط في باب العقود والإيقاعات فلم ينقل عن أحد أيضاً إلاّ ما حكي عن الشيخ(رحمه الله) من النقاش الذي عرفت.
والتحقيق في دفعه ـ بعد عدم كون العقود والإيقاعات أسباباً ومؤثرات حقيقة ضرورة أنّ ما يترّتّب عليها ليس إلاّ الأمور الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء والشارع وهي بعيدة عن عالم التأثير والتأثّر بمراحل فهذه أي العقود والإيقاعات موضوعات للاعتبار ومقدّمات له ـ أن يقال: إنّ الجزم المعتبر في المعاملة عبارة عن تعلّق القصد والإرادة الجدّية بتحقّق مقتضاها عقيب الإنشاء وهذا لا ينافي مع الترديد فيما هو الموضوع للاعتبار فإنّ احتمال تحقّق الاعتبار عقيب اللفظ المحتمل، منشأ لتعلّق الإرادة الجديّة بالإنشاء بذلك اللفظ، وبالجملة الداعي والمحرّك له على الإنشاء بكلا اللفظين ليس إلاّ تعلّق القصد الجدي بتحقّق موضوع الاعتبار لدى العرف والشرع فهذا النقاش أيضاً ممنوع.
وأمّا الواجبات، فالتوصيات منها أيضاً ممّا لم ينقل عن أحد المنع أو النقاش في جريان الاحتياط فيها ـ من دون فرق بين ما كان تحقّق عنوانه متوقّفاً على القصد
إليه كأداء الدين مثلا، وما لم يكن كذلك كغسل الثوب ـ نعم ـ بناء على المنع في العبادات لأجل الإخلال بقصد القربة يمكن أن يقال بالمنع منه هنا بالإضالة إلى ترتّب المثوبة فإن قصد القربة وإن لم يكن معتبراً في سقوط الأمر وتحقّق الموافقة إلاّ أ نّه معتبر في ترتّب المثوبة، وعليه فالاحتياط فيها من هذه الجهة يمكن المنع عنه بمعنى أنّ الأثر المترقّب وهو ترتّب المثوبة لا يترّتّب على الاحتياط لإخلاله بقصد القربة على ما هو المفروض.
وأمّا العبادات فظاهر ما نسب إلى المشهور من بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد عدم الاجتزاء بالاحتياط مطلقاً ـ من دون فرق بين ما إذا كان مسلزماً للتكرار وما إذا لم يكن ـ بل ظاهر ما حكي عن الرضي(قدس سره) من دعوى الاتّفاق على بطلان صلوة من لا يعلم أحكامها، وتقرير أخيه المرتضى(قدس سره) له ذلك أيضاً مطلقاً، ولكن استظهر الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره) في رسالة القطع الاتّفاق على عدم الجواز في خصوص ما إذا استلزم التكرار، والمحكي عن الحلي(قدس سره) في مسألة الصلوة في الثوبين المشتبهين عدم الجواز حتى مع عدم التمكّن من العلم التفصيلي وأ نّه يصلي عارياً في هذه الصورة ولكنّ الظاهر أنه يقول بذلك في خصوص ما إذا كان التكرار في الواجب الضمني كمثال الثوبين وأمّا إذا كان التكرار في الواجب الاستقلالي كما إذا تردّد أمر الصلوة بين القصر والإتمام أو بين الظهر والجمعة فالظاهر أ نّه لا يقول بسقوط الصلوة رأساً مع عدم التمكّن من العلم التفصيلي.
وكيف كان فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل فيما إذا لم يستلزم الاحتياط للتكرار كما في الأقل والأكثر ـ سواء كان أمر الزائد دائراً بين الوجوب والاستحباب وكان أصل المحبوبية معلوماً، أم كان دائراً بين الوجوب واللغوية غير المخلّة بتحقّق العبادة.
وتوهّم استلزام الاحتياط في العبادة للتكرار دائماً حتى في الأقلّ والأكثر الارتباطيَّين نظراً إلى ما ربّما يُستفاد من كلام المحقّق ـ صاحب الحاشية(قدس سره) من كون الأقلّ والأكثر طبيعتين متغائرتين لأنّ الأقلّ عبارة عن الأجزاء التي لوحظت بنحو الوحدة وكذا الأكثر فهماً متغائران.
مدفوع بوضوح كون الإتيان بالأكثر مجزياً على أي تقدير خصوصاً إذا كان أمر الجزاء الزائد دائراً بين الوجوب والاستحباب، إلاّ أن يناقش فيه من جهات أخرى نتعرّض لدفعها إن شاء الله تعالى وأمّا من هذه الجهة الراجعة إلى التغاير فلا مجال للمناقشة في اجزاء الأكثر.
وكيف كان فما يمكن الإستناد إليه للمنع عن الاحتياط في هذا المقام أمر:
أحدها: الشهرة المذكورة والإجماع المنقول، وسيجيء الجواب عنه في المقام الآتي.
ثانيها: الإخلال بقصد الوجه والتمييز، والجواب المنع صغرى وكبرى كما سيأتي أيضاً.
ثالثها: حكم العقل بتأخّر رتبة الإمتثال الاحتمالي عن الامتثال الجزمي ولا أقلّ من عدم إدراكه تساوي الرتبتين فيرجع إلى قاعدة الاشتغال، والجواب ما يأتي في المقام الآتي أيضاً.
ثالثها: حكم العقل بأخّر رتبة الامتثال الاحتمالي عن الامتثال الجزمي ولا أقلّ من عدم إدراكه تساوي الرتبتين فيرجع إلى قاعدة الاشتغال، والجواب ما يأتي في المقام الآتي أيضاً.
المقام الثاني فيما إذا كان الاحتياط مستلزماً للتكرار والكلام فيه ـ تارة ـ مع التمكّن من الامتثال التفصيلي ـ وأخرى ـ مع عدمه.
أمّا الصورة الأولى فالنزاع في الجواز وعدمه إن كان مسبباً عن النزاع في اعتبار قصد الوجه والتمييز وعدمه بحيث كان القول بالجواز مستنداً إلى عدم اعتبارهما وبالعدم إلى الاعتبار فهو في الحقيقة نزاع في المسألة الفقهية ولا ينبغي التعرّض له في علم الأصول لأنّ دخالة قصد الوجه والتمييز في المأمور به وعدم حصوله بدونه وبعبارة أخرى تشخيص حدود المأمور به والخصوصيّات المعتبرة فيه أمر ليس له ارتباط بالمسائل الأصولية كما هو أوضح من أن يخفى.
وأما إن كان النزاع في جواز الاجتزاء بالاحتياط ـ مع التمكّن من الامتثال التفصيلي ـ مع قطع النظر عن اعتبار الوجه والتمييز بحيث لم يكن شيء منهما معتبراً أو لم يكن الاحتياط موجباً للإخلال به كما في خصوص قصد الوجه على ما هو التحقيق من عدم كون الاحتياط مانعاً عن رعايته ولو كان موجباً للتكرار نظراً إلى أ نّه يأتي بالصلوتين مثلا لوجوب تلك الصلوة الواجبة واقعاً أو يقصد تحصيل الصلوة الواجبة بما هي واجبة بفعل الصولتين فلا إخلال بقصد الوجه بوجه لما عرفت من إمكان قصده بكلا وجهيه غاية ووصفاً، فهو الذي يكون نزاعاً في المسألة الأصولية.
و ح نقول: إنّ ما يمكن الاستناد إليه للقول بعدم الجواز أمور:
أحدها: ما عرفت من الشهرة المذكورة والإجماع المنقول، وقد حكي عن شيخنا الأعظم الأنصاري(قدس سره) أ نّه استظهر في رسالة الاجتهاد والتقليد عدم الخلاف في بطلان الاحتياط في العبادة إذا استلزم تكرار افراد ماهيّة واحدة بحيث كان التكرار في الواجب الضمني دون الاستقلالي فيما إذا تردّد أمر القراءة بين الجهر والاخفات كما في قراءة صلوة الظهر من يوم الجمعة حيث إنّ مقتضى بعض الروايات وجوب الجهر بها.
والجواب عنه أنّ الشهرة غير متحقّقة لعدم تعرّض كثير من الأصحاب لهذه المسألة، والإجماع المنقول لا يكون قابلا للاستدلال مطلقاً على اختلاف بينهم في بعض موارده والمقام خارج عنه خصوصاً في مثل ما نحن فيه ممّا لم يقع التعرّض له إلاّ من بعض الأصحاب، مضافاً إلى احتمال أن يكون الوجه في المنع هو بعض الأمور العقلية التي صارت موجبة لتخيل المنع.
ومع هذا الاحتمال لا يبقى للتشبّث به مجال، والإجماع الذي ادّعاه الرضي(قدس سره) لا يكون ناظراً إلى المقام بل إلى الاكتفاء بفعل صلوة لا يعلم أحكامها واشتمالها على الخصوصيّات المعتبرة فيها لا ما يعلم اشتمالها على جميع أجزائها وشرائطها غاية الأمر أ نّه لم يتميّز الواجب عن المستحبّ منها بل هذا ـ كما أفاده المحقّق الاصفهاني(قدس سره)نظير قولهم: عمل العامي بلا اجتهاد ولا تقليد باطل، فإنّه لا يكون ناظراً إلى الاحتياط بوجه بل النظر إلى إتيان فعل لا يدري موافقته له أو للفتوى كما لا يخفى.
ثانيها: ما أفاده المحقّق النائيني(قدس سره) على ما في تقريراته، وملّخصه: «إنّ حقيقة الإطاعة ـ عند العقل ـ هو الإنبعاث عن بعث المولى بحيث يكون الداعي والمحرّك. للمكلّف نحو العمل هو تعلّق الأمر به والبعث إليه، وهذا المعنى لا يتحقّق في الامتثال الإجمالي لأنّ الدّاعي في كلّ واحد من الطرفين هو الاحتمال ـ أي احتمال الأمر ـ فالإنبعاث إنّما يكون عن احتمال البعث، وهذه وإن كان قسماً من الإطاعة» ونحواً من الامتثال إلاّ أ نّه لا مجال له مع التمكّن من الامتثال التفصيلي لتأخّره عنه ـ رتبة ـ فالإنصاف أنّ دعوى القطع بتقدّم رتبة الامتثال التفصيلي على الإجمالي مع التمكّن عنه في الشبهات الموضوعية والحكمية غير مجازفة».
ويرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ الإنبعاث لا يعقل أن يكون عن البعث بمجرّد وجوده
والواقعي وإلاّ يلزم عدم تحقّق العصيان من أحد، من غير فرق بين العالم به والجاهل، مع وضوح تحقّق المخالفة من كلا الفريقين، بل الباعث هو العلم بالبعث لا بمجرّده أيضاً بل بما يترتّب عليه من العواقب والتبعات لأنّ العلم بالبعث أيضاً ربّما لا يوجب التحريم نحو العمل المبعوث إليه بل دائماً إلاّ ما شذّ وندر لا يكون كذلك ما لم ينضمّ إليه سائر المقدّمات من ترتّب المثوبة أو العقوبة واشتياق المكلّف إلى الوصول بالأولى والتخلّص عن الثانية، وإلى منع اعتبار كون الانبعاث عن البحث على تقدير إمكانه ومعقوليّته دخيلا في تحقّق الطاعة وصدق الامتثال لعدم قيام الدليل عليه.
وما أفاده من حكم العقل بذلك ممنوع جدّاً لأنّ العقل لا يدرك إلاّ لزوم الإتيان بالمأمور به بجميع ما اعتبر فيه من القيود والخصوصيّات والمفروض تحقّقه في المقام لأنّ الكلام بعد الفراغ عن عدم اعتبار قصد الوجه وشبهه أو عدم كون الاحتياط مسلتزماً للإخلال به.
إنّه على تقدير تسليم مدخلية الإنبعاث عن البعث في تحقّق الطاعة لا دليل على اعتبار عنوان الطاعة في سقوط الأمر ولو كان عبادياً بل الواجب مجرّد الاتيان بما تعلّق به الأمر بشراشر أجزائه وشرائطه ولا وجه للحكم باعتبار تحقّق عنوان آخر بعد عدم نهوض دليل عقلي أو نقلي عليه فالإنصاف أنّ ما أفاده من كون الدعوى المذكورة غير مجازفة، مجرّد ادّعاء بلا بيّنة وبرهان كما هو غير خفي.
مضافاً إلى أنّ الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعة هو العقل ومن الواضح أنّ المكلّف المنبعث عن مجرّد احتمال البعث أقوى عنده ـ في صدق الإطاعة وعنوان المطيع ـ ممّن لا ينبعث إلاّ بعد العلم بثبوت البعث، مع أنّ الإنبعاث في أطراف العلم الإجمالي إنّما هو عن العلم بالبعث ضرورة أ نّه لو لم يكن العلم به ـ ولو إجمالا ـ
متحقّقاً لم يتحقّق الإنبعاث من كثير من الناس الذين لا ينبعثون عن مجرّد احتمال البعث ولا يتحرّكون بحركة الاحتمال كما هو ظاهر.
ثمّ أ نّه ذكر في المستمسك ـ في مقام الجواب عن هذا الوجه ـ إن فعل كلّ واحد من الأطراف، ناش عن داعي الأمر بفعل الواجب، والاحتمال دخيل في دعوية الأمر لا أ نّه الداعي إليه وإلاّ كان اللازم في صورة العلم التفصيلي البناء على كون الفعل بداعي العلم بالأمر لا بداعي نفس الأمر إذ الفرق بين المقامين غير ظاهر.
ويمكن الإيراد عليه بأ نّه في صورة العلم بوجود البعث يكون الإنبعاث مستنداً إلى نفس البعث لأ نّه قد نال الواقع ووصل إليه بالعرض وهذا بخلاف صورة الاحتمال فإنّ الإنبعاث فيها لا محالة يكون مستنداً إلى الاحتمال الذي لا يكون له كاشفية بوجه وهذا هو الفارق بينهما في صدق الإطاعة والامتثال فإنّ المحرّك والداعي في الصورة الأولى هو الواقع المنكشف وفي الصورة الثانية هو نفس الاحتمال فالتحقيق في الجواب ما ذكرنا.
ثالثها: كون التكرار لعباً بأمر المولى وعبثاً محضاً خصوصاً مع كون التمكّن من تحصيل العلم والامتثال التفصيلي بسهولة بحيث لا يحتاج إلى مؤنة زائدة على مثل السؤال عن العالم الحاضر عنده وكان التكرار الذي يحصل به الاحتياط متوقّفاً على تكرار العمل مأة أو أزيد مثلا فإنّه لا يرتاب في كون التكرار مع اجتماع هاتين الجهتين لعباً وعبثاً وهو ينافي العبودية المطلوبة في باب العبادات الذي هو محّل الكلام ومورد النقض والإبرام.
وأجاب عن هذا لوجه المحقّق الاصفهاني(قدس سره) في رسالته في الاجتهاد والتقليد بما حاصله: «إنّ اللعب إمّا يكون ضائراً بداعي الأمر بحيث لا يصدر الفعل عن داعي الأمر، أو يضرّ به بحيث يكون تشريكاً في الداعي، أو يكون عنواناً للفعل فيكون
الفعل معنوناً بعنوان قبيح؟ والكلّ باطل:
أمّا صدور الفعل لا عن داعي الأمر فهو خلف لأنّ المفروض أنّ المحرّك الأصلي نحو الصلوة الواجبة واقعاً هو الأمر بها.
وكذا لو كان تشريكاً في الداعي مع أ نّه لو كان تشريكاً بطلت العبادة ولو كان الدخليل داعياً عقلائياً.
وأما كونه عنواناً لفعل الصلوة فلا وجه له لأنّ اللعب تحصل بالتكرير لا بالعمل المكرّر، وبعبارة أخرى الإطاعة اليقينيّة تحصل بأحد نحوين إمّا بالامتثال التفصيلي وإمّا بإتيان صلوتين أو أكثر، ومن هذه الحيثيّة الراجعة إلى تحصيل اليقين بإطاعة الأمر ليس شيء منهما لغواً وعبثاً لكن مع إمكان الأوّل وعدم ترتّب غرض عقلائي على النحو الثاني يكون لغواً من هذه الجهة لا من حيث المحصليّة لليقين، فالصلوة الواقعية الموجودة في ضمن الصلوات المكرّرة لا توصف باللغوية والعبثية بل المجموع بما هو مجموع، فلم يلزم وصف عنواني قبيح في الصلوة المأتي بها موافقة لأمرها في ضمن المجموع».
أقول لو سلّمنا كون اللعب ضائراً بداعي الأمر ومنافياً للقربة المعتبرة في صحّة العبادة أو الإخلاص المعتبر فيها فهو غير ضائر بما هو محلّ الكلام في المسألة الأصولية لما عرفت من أنّ النزاع فيها إنّما هو في جواز الاجتزاء بالامتثال الإجمالي مع فرض كون المأتي به واجداً لجميع ما اعتبر فيه من القيود والخصوصيّات، ففرض كون اللعب منافياً لرعاية بعض تلك الخصوصيّات يوجب الخروج عمّا هو محلّ البحث.
وأمّا دعوى كون اللعب عنواناً للفعل ويصير موجباً لتعنون الفعل بعنوان قبيح فقد عرفت في كلام المحقّق المذكور الجواب عنها بما يرجع حاصله إلى نفي استلزام
اللعب لصيرورة الفعل متّصفاً بعنوان فبيح لأ نّه يحصل بالتكرير لا بالعمل المكرّر.
ونحن نقول: إنّه لو سلمت هذه الدعوى أيضاً ـ فتارة ـ يراد منها أ نّه يشترط في صحّة العبادة وترتّب الغرض المطلوب عليها عدم انطباق عنوان مثل اللعب عليها بحيث يكون الانطباق موجباً لعدم تحقّق العبادة واجدة لجميع الشرائط المعتبرة فيها لأنّ من جملة الشرائط عدم انطباق مثل هذا العنوان أو أنّ الإنطباق من جملة الموانع فلا تكون العبادة خالية عن المانع ـ وأخرى ـ يراد منها أنّ الإنطباق وإن لم يكن وجوده أو عدمه دخيلا في العبادة شرطاً أو مانعاً إلاّ أ نّه ينافي ـ لأجل قبحه عند العقل ـ مع مقام العبودية وتحقّق الامتثال في خصوص الأمر العبادي.
فعلى الأوّل فهو خارج عن النزاع في المسألة الأصولية لما عرفت من كون المفروض فيها صورة اشتمال العبادة على جميع الخصوصيّات المعتبرة فيها وعدم كون الامتثال الإجمالي مانعاً عن رعايتها كذلك.
وعلى الثاني فهو غير معقول لأ نّه بعد فرض مطابقة المأتي به لِما هو المأمور به بحسب الواقع وعدم وجود خلل فيه أصلا لا يعقل عدم الاجزاء ولا وجه للحكم بعدم الاكتفاء به في مقام الامتثال، والمناقاة إن لم ترجع إلى الدخالة في العبادة لا يتصوّر لها معنى أصلا كما هو واضح من أن يخفى فانقدح أنّ هذا الوجه أيضاً لم ينهض دليلا على المنع في المسألة الأصولية التي هي مسألة عقلية محضة كما عرفت.
رابعها: ما ذكره الشيخ الأعظم(قدس سره) في رسالة الاشتغال من أ نّه قد يقال بعدم جواز الاحتياط للزوم التشريع وذلك لأنّ قصد القربة المعتبر في الواجب الواقعي لازم المراعات في كلا المحتملين ليقطع بإحرازه في الواجب الواقعي ومن المعلوم أنّ الإتيان بكلّ من المحتملين بوصف أنّها عبادة مقرّبة موجب للتشريع بالنسبة إلى ما عدا الواجب الواقعي فيكون محرّماً فالاحتياط غير ممكن في العبادات وإنّما يمكن
في غيرها لعدم اعتبار قصد القربة فيها المستلزم لإتيان غير العبادة بوصف أنها عبادة كما عرفت.
ويرد عليه ـ مضافاً إلى عدم استلزام الاحتياط للتشريع لأنّ اعتبار قصد القربة في العبادة لا يقتضي لزوم رعايته في كلّ من المحتملين بل اللازم الاتيان بما هو الواجب في الواقع بوصف انّها عبادة مقرّبة فيقصد في كلّ منهما حصول التقرّب به أو بصاحبه الذي يأتي به بعده أو أتى به قبله، وإلى أ نّه على تقدير تسليم الاستلزام لا معنى لسراية الحكم عن عنوان التشريع على تقدير كونه من العناوين المعقولة الاختيارية على خلاف ما قرّرنا في محله وتعلّق النهي التحريمي به إلى عنوان الاحتياط المسلتزم له.
إنّ البحث ليس في الجواز والتحريم بل في الاكتفاء في مقام الامتثال بالإجمالي منه ومن المعلوم أنّ قصد التقرّب في غير العبادة لا يوجب بطلان العبادة المأتي بها مع جميع الخصوصيّات حتى القربة المعتبرة كما هو المفروض فتدبّر جيّداً.
ثمّ إنّ هنا روايتين قد استدلّ بهما على بطلان الاحتياط في العبادة:
احديهما ـ وهي التي حكي عن بعض المحقّقين(1) الاستدلال بها: صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال: إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظنّي(2).
والأخرى: ما رواه الصدوق ـ في محكي العيون ـ بإسناده عن الفل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام) في حديث أ نّه كتب إلى المأمون: وصيام شهر رمضان يصام للرؤية
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) هو المحقّق التقي الشيرازي(قدس سره).
(2) ئل كتاب الصوم أبواب أحكام شهر رمضان الباب الثالث ح 16.
ويفطر للرؤية. ورواه في تحف العقول مرسلا نحوه، وفي الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد(عليه السلام) في حديث شرائع الدين مثله(1).
والجواب عن الاستدلال بهما ـ مضافاً إلى أنّ البحث كما عرفت إنّما هو في حكم العقل بجواز الاكتفاء بالاحتياط الذي هو عبارة عن الاتيان بالعبادة بجميع ما اعتبر فيها من الخصوصيّات لا في حكم الشرع الذي هو عبارة عن الاتيان بالعبادة بجميع ما اعتبر فيها من الخصوصيّات لا في حكم الشرع بذلك لعدم كون النزاع في الجواز والحرمة كما مر مراراً، وإلى أنّ مرجع مفاد الروايتين إلى اعتبار أمر آخر في فرائَ الله غير الأمور المعروفة وهو عدم جواز إتيانها من التظنّي وعدم العلم ومرجعه إلى اعتبار التمييز الذي عرفت أنّ الإخلال به في مورد الاحتياط لا يستلزم الحكم بعدم اللاجتزاء به فيما هو محل البحث والنزاع ـ إنّ الروايتين ليس مفادهما ما توهّمه المستدلّ بل ظاهرهما عدم جواز الاتيان بفريضة من فرائض الله مع الشك والتظنّي بعنوان أنّها تلك الفريضة فلا يجوز الاتيان بالصوم في يوم الشك من شعبان بعنوان أ نّه صوم شهر رمضان والفريضة الإلهية في هذا الشهر.
وأمّا الاتيان به بعنوان الاحياط واحتمال كونه من رمضان فلا دلالة في الروايتين على عدم جواز هذا النحو من الاتيان فقوله(عليه السلام): لا تؤدوا بالتظنّي في الرواية الأولى، ويصام للرؤية، في الرواية الثانية معناه عدم جواز الأداء مع الشك بعنوان تلك الفريضة وعدم جواز الصيام قبل الرؤية بعنوان أ نّه من رمضان وفريضة من فرائض الله فهما اجنبيان عمّا نحن بصدده من جواز الاتيان بعنوانالاحتياط.
وقد أورد على الاستدلال بالروايتين بوجوه أخَر من الإيراد أيضاً لكنّها غير
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ئل كتاب الصوم أبواب أحكام شهر رمضان الباب الثالث ح 26.
مجدية أو خالية من الخدشة فراجعها.
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أ نّه لم يقم دليل على تأخّر رتبة الامتثال الإجمالي عن التفصيلي بل الظاهر حكم العقل بكونهما في رتبة واحدة.
في حكم صورة الشك
نقول أنّ الشك المتصوّر ـ تارة ـ في المسألة الفقهية وإنّ قصد الوجه مثلا مع فرض عدم إمكان رعايته في الامتثال الإجمالي هل يكون معتبراً في صحّة العبادة وتحقّق الطاعة أم لا؟ ـ وأخرى ـ في المسألة الأصولية وهي تساوي مرتبتي الامتثالين أو تأخّر الإجمالي عن التفصيلي ـ وثالثة ـ في صغرى المسألة الأصولية مثل الشك في أنّ قصد الوجه المعتبر في العبادة هل يمكن رعايته في الامتثال الإجمالي أم لا يمكن إلاّ في الامتثال التفصيلي؟
أمّا الشكّ في المسألة الفقهية فمع عدم وجود إطلاق رافع له أو عدم جواز التمسّك بالإطلاق، يرجع إلى أصالة البرائة، لو كان الترديد بين الأقلّ والأكثر في متعلّق التكيف، وإلى أصالة الاشتغال لو كان الترديد ينهما في الأسباب والمحصّلات ـ على اختلاف فروضه وصوره ـ والمحكي عن الشيخ الأعظم(قدس سره) أ نّه ذهب إلى عدم دخل قصد الوجه في الإطاعة بنظر العقلاء فيرجع لى دفعه إلى إطلاقات أدلّة الإطاعة فتأمّل.
وأمّا الشكّ في المسألة الأصولية فالذي صرّح به في تقريرات المحقّق النائيني أ نّه يرجع فيه إلى أصالة الاشتغال لدوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير نظراً إلى أنّ الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع القدرة على التفصيلي منه مشكوك لدى العقل فيدور الأمر بين تعيّن الثاني والتخيير بينه وبين الأوّل والحكم فيه هو الرجوع إلى أصالة الاشتغال.
وأجيب عنه ـ تارة ـ كما في المستمسك بأنّ مرجع الشك في المقام إلى الشكّ في اعتبار العلم بالأمر في تحقّق الطاعة وعدمه فيكون من قبيل الأقلّ والأكثر لا من قبيل الدروان بين التعيين والتخيير نعم يتمّ ذلك بناء على أنّ الباعث الاحتمال لتباين نحوي الامتثال، إذ في أحدهما يكون الباعث الأمر وفي الآخر الاحتمال، فالشك في اعتبار الامتثال التفصيلي يكون من التردّد بين التعيين والتخيير ـ وأخرى ـ كما في شرح بعض الأعلام بأنّ مرجع المقام إلى الشك في اعتبار أمر زائد في عبادية العبادة وهو لزوم الانبعاث عن بعث المولى مع الإمكان دون احتماله وفي مثله تجري البرائة على المختار.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا ما أفاده المحقّق النائيني(قدس سره) ففيه أنّك عرفت أ نّه بعد اشتمال الامتثال الإجمالي على جميع الخصوصيّات المعتبرة في العبادة ـ شرطاً وشطراً ـ وعدم كون التكرار مستلزماً للإخلال بشيء من تلك الخصوصيّات لا يعقل أن لا يدرك العقل الاجتزاء والاكتفاء به وأن يبقى شاكّاً متردّداً بعد كون أجزاء المأتي به المطابق للواقع أمراً بديهيّاً لا يجري فيه الارتياب واحتمال الخلاف.
وأمّا ما أفاده الشارحان فيرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ الشكّ في اعتبار العلم بالأمر في تحقّق الطاعة أو في اعتبار أمر زائد في عبادية العبادة مرجعه إلى أنّ متعلّق التكليف هو عنوان الطاعة والعبادة بوصف أنّها عبادة والشكّ في مدخلية شيء في هذا العنوان يكون المرجع فيه أصالة الاشتغال لعدم كون الترديد ـ ح ـ بين الأقل والأكثر في متعلّق التكليف بل في السبب المحصّل للعنوان المأمور به كما هو غير خفي ـ إنّ هذا خروج عمّا هو المفروض من الشكّ في المسألة الأصولية لأنّ المفروض هو صورة اشتمال الامتثال الإجمالي على جميع ما له دخل في صحّة العبادة
واتّصاف المأتي به بكونه مطابقاً لما هو المأمور به ففرض الشكّ في اعتبار شيء آخر في تحقّق الطاعة أو في اتّصاف العبادة بالعبادية خارج عن محلّ الكلام فتدبّر جيّداً.
وأمّا الشكّ في صغرى المسألة الأصولية فالظاهر أنّ المرجع فيه هو أصالة الاشتغال للشكّ في تحقّق ما هو الدخيل في المأمور به ـ قطعاً ـ مع الاقتصار على الامتثال الإجمالي لأنّ المفروض الشكّ في إمكان رعاية مثل قصد الوجه ـ المعتبر فرضاً ـ في الاحتياط والمرجع في مثل هذا الشكّ أصالة الاشتغال بلا إشكال.
هذا تمام الكلام في الصورة الأولى وهو الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي.
وأمّا الصورة الثانية أي صورة عدم التمكّن من الامتثال التفصيلي فالمصرّح بعدم جواز الاحتياط فيها هو الحلّي(قدس سره) على ما حكي عنه سابقاً من حكمه بعدم جواز تكرار الصلوة في الثوبين المشتبهين بالنجاسة وإنّه لابدّ من أن يصلّي عارياً والحقّ أ نّه لا مجال بعد الحكم بالجواز في الصورة الأولى للمناقشة في هذه الصورة أصلا فجواز الاحتياط في كلتا الصورتين بمعنى الاجتزاء والاكتفاء به في مقام الامتثال أو ترتّب الأثر المقصود واضح لا يبقى في باب الاحتياط أمور ينبغي أو يجب التنبيه عليها:
الأوّل: فصل الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره) في العبادات بين الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الإجمالي بالاكتفاء في الأولى بمجرّد قصد احتمال الأمر لأ نّه هو الذي يمكن في حقّه، وبعدم الاكتفاء به في الثانية بل اللازم قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير.
قال: ولازمه أن يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للاتيان بالآخر إذ مع عدم ذلك لا يتحقّق قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير
بل يكون قصد امتثال الأمر على تقديره تعلّقه بالمأتي به وهذا لا يكفي في تحقّق الامتثال مع العلم بالأمر».
واعترض عليه المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ بأنّ العلم بالأمر لا يوجب فرقاً في كيفيّة النيّة فإنّ الطاعة في كلّ من المحتملين ليست إلاّ إحتمالية كالشبهة البدوية إذ المكلّف لا يمكنه أزيد من قصد إمتثال الأمر الاحتمالي عند الإتيان بكلّ من المحتملين وليس المحتملان بمنزلة فعل واحد مرتبط الأجزاء حتى يقال العلم بتعلّق التكليف بعمل واحد يقتضي قصد إمتثال الأمر المعلوم فلو أتى المكلّف بأحد المحتملين من دون قصد الاتيان بالآخر يحصل الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمأتي به وإن كان متجريّاً في عدم قصده الامتثال على كلّ تقدير.
وأجاب عن هذا الاعتراض، سيّدنا العلامة الاستاذ الماتن ـ دام ظلّه العالي ـ بأنّ الفرق بين الصورتين من حيث الداعي واضح جدّاً لأنّ الداعي في الأولى ليس إلاّ احتمال الأمر وفي الثانية له داعيان: داع إلى أصل الإتيان وهو الأمر المعلوم وداع إلى الإتيان بالمحتمل لأجل احتمال إنطباق المعلوم عليه، والإنبعاث في كلّ من المحتملين إنّما هو عن هذين الداعيين، غاية الأمر أنّ الدّاعي الثاني ناش من الداعي الأوّل، فالداعي الأوّل هو الأمر المعلوم تعلّقه بما ينطبق على أحد المحتملين لا احتمال الأمر غاية الأمر أ نّه ينشأ من هذا الداعي إرادة الإتيان بكلّ من المحتملين لتوقّف الإتيان بالمأمور به عليه.
و ـ ح ـ فقد يكون المكلّف بمثابة ينبعث من الأمر المعلوم بحيث يحصل له الداعي إلى الإتيان بالمحتملين معاً لأ نّه لا يرضى إلاّ بالموافقة القطعية التي لا تحصل إلاّ بالإتيان بهما، وقد يكون بحيث ينبعث من الأمر المعلوم بمقدار لا يحصل له إلاّ الداعي الإتيان بأحد المحتملين لأ نّه يخاف من المخالفة القطعية الحاصلة بترك كلا
المحتملين معاً و ـ ح ـ فلو أتى بأحدهما وصادف الواقع يكون ممتثلا لأنّ الداعي له هو قصد الامتثال بالنسبة إلى الأمر المعلوم لا لأجل ما أفاده المحقّق النائيني من كفاية الإتيان باحتمال الأمر.
واستضعف ـ دام ظلّه ـ ما أفاده الشيخ(رحمه الله) بعدم الدليل على الجزم في النيّة بل يكفي كون العمل مأتياً به لله تعالى وهو حاصل في إتيان كلّ واحد من المحتملين، ولا يحتاج إلى الجزم بوجود الأمر في البين حتى لا تصحّ إطاعة المحتمل الأوّل إلاّ مع قصد الإتيان بالآخر وبالجملة: الداعي إلى الإتيان بأحد المحتملين ليس إلاّ إطاعة المولى فهو على فرض الإنطباق مطيع لأمره وقصد الإتيان بالآخر لا ينفع وجوده ولا يقدح عدمه.
أقول: الظاهر أنّ مقصود الشيخ(رحمه الله) أ نّه يعتبر في باب العبادات أن يتحقّق عنوان الإطاعة والإمتثال بخلاف سائر الواجبات التي يكتفي فيها بمجرّد تحقّق المأمور به في الخارج بأي نحو كان، وتحقّق هذا العنوان فيما إذا لم يكن الأمر معلوماً للمكلّف، لا يتوقّف إلاّ على الإتيان بالعمل بداعي مجرّد احتمال الأمر لعدم إمكان الزائد على هذا المقدار في حقّه.
وأمّا إذا كان الأمر معلوماً للمكلّف ولو بالإجمال فتحقّق هذا العنوان يتوقّف على قصد رعاية الأمر وامتثاله مطلقاً ـ أي سواء كان المأمور به هو المحتمل الأوّل أن الثاني ـ وبدون ذلك لا مجال لتحقّق الامتثال فاللازم على المكلّف أن يكون حال الإتيان بالأوّل قاصداً للإتيان بالثاني وإلاّ لا يتحقّق الإمتثال ولو انكشف كونه هو المأمور به.
ويمكن أن يقال عليه: أ نّه لا دليل على اعتبار هذا العنوان وتحقّقه في سقوط الأمر العبادي وحصول الغرض منه بل اللازم في باب العبادات مجرّد كون العمل
صادراً لا عن داع دنيوي، والمفروض تحقّقه فيما نحن فيه، فالظاهر بناء على ما ذكرنا الاكتفاء بمجرّد الاتيان بداعي احتمال كون الأوّل هو المأمور به.
ثمّ إنّه على مبنى الشيخ(رحمه الله) لو بدا له بعد الإتيان بالأوّل قاصداً لعدم الإتيان بالآخر أو غير قاصد للإتيان به أن يأتي بالثاني أيضاً فهل يكفي ذلك في تحقّق الامتثال أم لا؟
الظاهر هو التفصيل بين ما لو انكشف كون الأوّل هو المأمور به فلا يكتفي به لعدم تحقّق قصد الامتثال، وبين ما لو انكشف كون الثاني كذلك فيجتزي به لأنّ إتيانه بداعي احتمال الأمر كاف بعد كونه هو المقدار الممكن في حقّه فتأمّل.
الأمر الثاني: حكي عن المحقّق القمّي(قدس سره) التفصيل في وجوب الاحتياط في باب الشرائط والموانع بين ما يستفاد من مثل قوله(عليه السلام): لا تصل فيما لا يؤكل لحمه» وما يستفاد من مثله قوله(عليه السلام): «لا صلوة إلاّ بطهور» فاختار وجوب الاحتياط في موارد الشبهة الموضوعيّة في الثاني دون الأوّل.
وهذا الكلام بظاهره ممّا لا يتمّ ولذا صار مورداً لاعتراض من تأخّر عنه بأ نّه لا فرق بمقتضى القاعدة العقلية الحاكمة بوجوب الاحتياط بين الصورتين وإن حكم العقل بلزوم الإتيان بالأطراف أو الطرفين ثابت في البين، ولكنّه وقع الإشكال في مبنى هذا التفصيل:
فالذي أفاده المحقّق النائيني ـ على ما في تقريراته ـ بعد استفادته من كلامه أنّ هذا التفصيل في باب الشرائط لا بينها وبين الموانع، إنّ الوجه فيه قياس باب العلم والجهل بالموضوع بباب القدرة والعجز فكما أنّ القدرة من شرائط الفعلية لا التنجيز فكذا العلم. ثمّ أورد عليه بالفرق بين القدرة والعلم فإنّ القدرة من شرائط ثبوت التكليف وفعليته، والعلم من شرائط التنجيز.
والذي اختاره سيدنا العلاّمة الأستاذ ـ دام ظلّه ـ إنّ هذا الكلام من المحقّق القمّي(قدس سره) مبني على ما هو المعروف منه من عدم كون العلم الإجمالي منجزاً أصلا وإنّ الشبهة المقرونة لا تكون إلاّ كالشبهة البدوية و ـ ح ـ فاللازم الرجوع إلى الأصل، وحيث إنّ المستفاد من العبارة الأولى المانعية ومن الثانية الشرطية فالواجب في الصورة الأولى هو الرجوع إلى البرائة لانحلال الحكم حسب افراد المانع فيؤخذ في المعلوم ويجري في المشكوك الأصل، والواجب في الصورة الثانية هو الرجوع إلى أصالة الاشتغال لوجوب إحراز الشرط ولا يحصل إلاّ بالصلوة في الثوبين ـ مثلا ـ .
ثمّ أورد ـ دام ظلّه ـ على ما أفاده المحقّق المتقدّم في مبني التفصيل المذكور ـ أوّلا ـ بأن القياس المذكور لا يصحّح التفصيل لعدم الفرق بين العجز عن الشرط والعجز عن المانع فلو كان مفاد الدليل هو الشرطية المطلقة والمانعية كذلك فلازمه سقوط الأمر بسبب عدم التمكّن، وإن لم يكن كذلك فلازمه سقوط الشرط والمانع عن وصفهما كما لا يخفى.
وثانياً ـ بأنّ العلم والقدرة كليهما من شرائط التنجيز لأنّ الأحكام الشرعية أحكام قانونية مطلقة وليست القدرة من شرائطها وإلاّ لكان الأصل الجاري مع الشك فيها هو أصل البرائة مع أنّ بنائهم على الاحتياط، مضافاً إلى أ نّه من البعيد أن يكون المستفاد من العبارة الأوّلى بنظر المحقّق القمّي(رحمه الله) هو الشرطية بعد كون جمهور الأصحاب قائلا بالمانعية.
ويمكن أن يقال: إنّ ما أفاده المحقّق القمي(رحمه الله) ليس مبنياً على ما هو المعروف منه من عدم ثبوت وصف التنجيز للعلم الإجمالي بل على أنّ الدليل المتضمّن لإفادة الشرعية أو المانعية لو كان بصورة الخطاب وبيان التكليف تقتصر في مفاده على
خصوص المورد الذي يمكن أن يكون التكليف باعثاً إليه أو زاجراً عنه فإنّ التكليف في مثل المقام وإن لم يكن تكليفاً نفسياً بل يكون غيريّاً إلاّ أ نّه مع ذلك لا يفيد الشرطية أو المانعية إلاّ بالمقدار الذي يمكن سعة دائرة التكليف.
ومن الواضح إنّ مثل قوله(عليه السلام): «لا تصل فيما لايؤكل لحمه» لا يمكن أن يكون زاجراً عن الفرد الذي يشكّ في كونه من مصاديق غير المأكول، وهذا بخلاف ما لو كان الدليل مثل قوله(عليه السلام): «لا صلوة إلاّ بطهور» الظاهر في عدم تحقّق الماهية بدونه كما لا يخفى.
وهذا الذي دكرناه وإن لم يكن خالياً عن النظر بل المنع إلاّ أ نّه يمكن أن يكون وجهاً لما أفاده القمّي (رحمه الله) فتأمّل(1).
الأمر الثالث: إذا كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً كالظهرين واشتبه بعض شرائطها كالقبلة والستر، فلا إشكال في جواز الشروع في محتملات الواجب الثاني بعد استيفاء محتملات الأوّل ـ سواء كان الشروع في الثاني على طبق الشروع في الأوّل أم لا ـ ، ولا في عدم جواز استيفاء محتملات الثاني قبل استيفاء الأوّل، ولا في عدم جواز الشروع في محتملات الثاني قبل استيفاء الأوّل على نحو يغاير الشروع في الأوّل كما هو ظاهر، إنّما الإشكال في جواز الإتيان بهما مترتّباً كما إذا
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) إشارة إلى أنّ هذا الوجه إنّما يصحّح التفصيل في خصوص الشبهات البدوية وأمّا الشبهات المقرونة فعلى تقدير كون العلم الإجمالي منجزاً ـ كما هو المفروض ـ لا يبقى فيها فرق كما أ نّه على هذا التقدير يلزم أن لا يكون الاجتناب فى التكاليف النفسية مثل قوله: لا تشرب الخمر في الشبهات المقرونة منها بالعلم الإجمالى لازماً أيضاً كما لا يخفى.
نعم يمكن أن يقال بأنّ هذا التفصيل من القمي(رحمه الله) إنّما هو في خصوص الشبهة البدوية لا الأعمّ منها ومن المقرونة فلابدّ من المراجعة إلى كلامه ليظهر الحال ـ منه ـ .صلى الظهر إلى جهة والعصر إلى تلك الجهة ثمّ صلى الظهر إلى جهة أخرى والعصر إليها وهكذا، أو صلى الظهرين قصراً ثمّ تماماً أو بالعكس.
والذي اختاره المحقّق النائيني ـ على ما في التقريرات ـ هو عدم الجواز بناء على ما اختاره سابقاً من ترتّب الامتثال الإجمالي على الامتثال التفصيلي وتأخّره عنه نظراً إلى أنّ في المقام جهتين:
أحديهما: إحراز القبلة في فرض اشتباهها وهو لا يمكن بنحو التفصيل على ما هو المفروض فيجتزى من جهته بالامتثال الإجمالي.
والأخرى إحراز الترتيب بين الصلوتين وهو بمكان من الإمكان لجواز الإتيان بجميع محتملات الجواب الأوّل ثمّ الشروع في الثاني: وعليه يعمل حين الاشتغال بمحتملات العصر بوقوع الظهر قطعاً وحصول الترتيب جزماً، وعدم العلم بأنّ العصر الواقعي هل هو المحتمل الأوّل أو الوسط أو الأخير إنّما هو للجهل بالقبلة لا الجهل بالترتيب، وسقوط اعتبار الامتثال التفصيلي بالإضافه إلى شرط ـ لعدم الإمكان ـ لا يوجب سقوط اعتباره بالنسبة إلى ما يمكن من الشرائط كالترتيب في المقام فلا وجه لرفع اليد عن هذه الجهة الدخيلة في الامتثال انتهى ملخّص ما أفاده(قدس سره).
وأورد عليه سيّدنا العلامة الاستاذ ـ دام ظلّه ـ مضافاً إلى منع المبنى نظراً إلى ما عرفت من كون الامتثالين في رتبة واحدة وعدم تأخّر الإجمالي عن التفصيلي، بمنع البناء نظراً إلى عدم الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا شرع في محتملات الثاني بعد استيفاء الأوّل وعدم كون الأمر في المقام دائراً بين الموافقة الإجمالية والتفصيليّة، وذلك لأنّ كلّ واحد من محتملات العصر لو صادف القبلة فقد أتى قبله بالظهر ويحصل الترتيب واقعاً، وغير المصادف منها عمل لا طائل تحته كغير المصادف من
الآخر ولا ترتيب بينهما.
وبالجملة: الترتيب أمر إضافي يتقوّم بثلثه أمور: وجود الظهر، وجود العصر، وتأخّر الثاني عن الأوّل، ولا مجال لحصول العمل التفصيلي بتحقّق هذا الأمر الإضافي بعد عدم كون العصر معلوماً إلاّ بالإجمال فلا فرق بين الصورتين.
وربّما يقال: بأنّ الوجه في عدم جواز الشروع في العصر قبل استيفاء محتملات الأوّل، هو أ نّه قد علم من الشرع ـ بمقتضى الأدلّة ـ أنّ الاشتغال بالعصر إنّما يجوز بعد العلم بالفراغ عن الظهر فمع الشك في الفراغ عنه لا يجوز الاشتغال بالأمر المترتّب عليه.
ودعوى: أنّ الاشتغال غير الجائز إنّما هو الاشتغال بالعصر والواقعي، وفي هذه الصورة لا يعلم كونه هو العصر الواقعي بل كونه عصراً يلازم كون السابق ظهراً فلا وجه لعدم جواز الاشتغال به.
مدفوعة بأنّ المستفاد من الأدلّة ـ مثل دليل العدول ونحوه ـ أنّ الشارع لم يرض بالاشتغال بصلوة بعنوان أنّها الصلوة اللاحقة إلاّ بعد العلم بفراغ الذمّة عن التكليف بالصلوة السابقة فمع الشكّ في الفرغ عن عهدة تكليف الظهر كيف يجوز الشروع في صلوة بعنوان أنّها صلوة العصر فتدبر.
الأمر الرابع: قال صاحب العروة بعد حكمه بجواز العمل بالاحتياط ولو كان مستلزماً للتكرار: «لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد» وفي المستمسك: «هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل بل لعلّ عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط فلا يحصل الأمن».
أقول: يرد على المتن أ نّه بعد وضوح عدم كون هذا الوجوب إلاّ وجوباً عقلياً إرشادياً، لا دليل على لزوم المعرفة بكيفيّة الاحتياط من طريق التقليد أو
الاجتهاد، بل اللازم ـ بعد ترك الطريقين ـ هو التوسّل إلى الاحتياط ولو لم يكن عارفاً بكفيّته بل احتاط في الكيفيّة أيضاً.
ألا ترى أ نّه في مثل اشتباه القبلة إذا كان الواجب أمرين مترتّبين شرعاً كالظهرين مثلا، إذا أراد المصلي الاحتياط بالصلوة إلى أربع جهات ـ فتارة ـ يعرف من طريق الاجتهاد أو التقليد أنّ اللازم مثلا هو تقديم محتملات الظهر بجميعها بأن يأتي بها أوّلا ثمّ يأتي بمحتملات العصر ثانياً ـ وأخرى ـ يشكّ في أ نّه هل يلزم عليه ذلك أو يجوز له الإتيان بمحتمل العصر عقيب محتمل الظهر بالنسبة إلى كلّ جهة من الجهات فإذا احتاط في هذه الصورة لأجل تركه الطريقين وأتى بالكيفيّة الأولى الموافقة للاحتياط لا مجال لدعوى عدم الاجتزاء به مستندة إلى عدم كون الكيفيّة معروفة عنده بالاجتهاد أو التقليد.
ضرورة عدم الفرق ـ في كفاية الاحتياط ـ بين الاحتياط في أصل العمل وبين الاحتياط في كيفيّته كما هو ظاهر، نعم يختصّ ذلك بما إذا كانت الكيفيّة جارياً فيها الاحتياط كما في المثال المفروض وإلاّ فلا محيص عن التوسّل بأحد الطريقين.
ويرد على الشرح ـ مضافاً إلى أنّ ظاهر صدر العبارة أن الاحتياط من دون معرفة الكيفيّة بأحد الطريقين لا يجوز الاكتفاء به في نظر العقل ولو مع العلم بإحراز الاحتياط وتحقّقه ونحن لا نتصور وجهاً لذلك ـ أ نّه لم يفهم وجه للترقي إلى أنّ عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط فإنّ عدم المعرفة مانع عن حصول العلم بالاحتياط لا عن حصول أصله لعدم كون العلم بالكيفيّة دخيلا في الذات بوجه.
الأمر الخامس: قال في العروة أيضاً: «قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً، وقد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه، وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر
أو الإتمام».
وفي شرح بعض الأعلام: «لا يخفى أن حصر المصنّف(رحمه الله) كيفيّة الاحتياط في الصورة المذكورة لا يكون حاصراً لجميع الأقسام وذلك لأنّ متعلّق الشكّ قد يكون واقعة واحدة، وقد يكون واقعتين، فإذا كانت الواقعة واحدة فقد يحتمل وجوبها مع القطع بعدم حرمتها لئلا يكون من دوران الأمر بين المحذورين فالاحتياط ـ ح ـ يكون في الفعل ـ سواء كان الوجوب المحتمل استقلاليّاً أم ضمنياً، وقد يحتمل حرمته مع القطع بعدم وجوبه فالاحتياط ـ ح ـ في الترك.
وإذا تعدّدت الواقعة فقد يكون الاحتياط في الجمع بين الفعلين من دون تكرار لأصل الواجب كما إذا تردّد أمر القراءة في صلاة بين الجهر والإخفات، فالاحتياط ـ ح ـ يتحقّق بالقراءة مرّتين في صلوة واحدة أحديهما جهرية والأخرى مستحبّة فإنّها من قراءة القرآن في الصلوة، أو مع التكرار في أصل الواجب كما إذا علم إجمالا بوجوب أحد الفعلين كالقصر والإتمام، وقد يكون الاحتياط في ترك الفعلين معاً كما إذا علم بحرمة أحدهما لا بعينه مع العلم بعدم وجوب الآخر، وقد يكون في فعل أحد الفعلين وترك الآخر كما إذا علم إجمالا بوجوب الأوّل وحرمة الثاني».
ويرد عليه ـ مضافاً ـ إلى أ نّه مع إسقاط قيد التكرار يدخل جميع الفروض في العبارة، ولعلّ ذكره كان للتوضيح بالإضافة إلى بعض الفروض لا للاحتراز فتدبّر. وإلى إمكان المناقشة في بعض الأمثلة المذكورة كالقصر والإتمام نظراً إلى إمكان دعوى كون الاتمام والاتيان بالصلوة أربع ركعات يوجب تحقّق ما هو المأمور به واقعاً سواء كان قصراً أو تماماً، وذلك لأ نّه على تقدير كونه قصراً لا مانع من صحّته تماماً إلاّ إضافة ركعتين وعدم وقوع التسليم في محلّه.
فإذا فرضنا أنّ التسليم ليس من أجزاء الصلوة وكونه مخرجاً والمخرج ليس من
أجزاء المخرج عنه، وفرضنا أيضاً أنّ وقوع المنافي قبل التسليم وبعد التشهّد لا يضرّ بصحّة الصلوة ـ كما ربّما يحتمل ـ فح يتحقّق المأمور به بالإتيان به تماماً ولو كان في الواقع قصراً.
إنّ حصره أيضاً لا يكون حاصراً لجميع الأقسام لأ نّه قد يكون الاحتياط في اختيار أحد الفعلين كما في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير الذي يحكم العقل فيه بالإحتياط والأخذ بالمعين فإنّ الاحتياط هنا ليس في أصل الفعل بل في اختيار الفعل المعيّن كما هو واضح.
وأمّا ما في المستمسك من أنّ الجمع يمكن أن يكون داخلا في الأوّل فتأمّل، ففيه أنّ المراد بالأمرين ـ في عبارة المتن ـ ليس خصوص الفعلين حتى يكون الجمع داخلا في الأوّل بل المراد هو الأعمّ منه ومن التركين ومن فعل وترك كما عرفت ولعلّه لأجل هذا أمر بالتأمّل.
مسألة 2 ـ التقليد هو العمل مستنداً إلى فتوى فقيه معيّن وهو الموضوع للمسألتين الآتيتين، نعم ما يكون مصحّحاً للعمل هو صدوره عن حجّة كفتوى الفقيه وإن لم يصدق عليه عنوان التقليد، وسيأتي أنّ مجرّد انطباقه عليه مصحّح له1 .
(1) في هذه المسألة جهات من البحث:
الجهة الأولى: في معنى التقليد بحسب اللغة، والظاهر أنّ معناه جعل القلادة في الجيد والعنق ـ أي عنق الغير ـ ويتعدّى إلى مفعولين وفيه استعمالات مجازية مثل حديث الخلافة: قلّدها رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً(عليه السلام)، وفي تطبيق هذا المعنى اللغوي على المعنى الاصطلاحي خلاف ينشأ من الاختلاف في المعنى الاصطلاحي وسيأتي توضيحه بعد بيان ذلك المعنى ـ إن شاء الله تعالى ـ .
الجهة الثانية: في تفسير التقليد وبيان معناه الاصطلاحي فنقول: قد اختلف ظاهر كلماتهم في تعريفه، والمتحصّل من مجموعها أربعة:
أحدها: ما حكي عن العلاّمة(قدس سره) في النهاية من أ نّه هو العمل بقول الغير من غير حجّة معلومة، وإليه يرجع تفسيره إلى العمل عن استناد أو الاستناد إلى الغير في العمل.
ثانيها: ما حكى عن جامع المقاصد من أ نّه عبارة عن قبول الغير من غير حجّة.
ثالثها: ما حكي عن العضدي من أ نّه الأخذ بقول الغير من غير حجّة. واختاره المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفاية حيث قال: «إنّه أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيّات، أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبّداً بلا مطالبة دليل على رأيه».
رابعها: التفسير بالالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن كما اختاره صاحب العروة ونسب إلى ظاهر الفصول.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أمرين:
الأمر الأوّل: أ نّه هل الاختلاف الذي عرفته في معنى التقليد اختلاف حقيقي في معناه ومفهومه، أو أ نّه اختلاف بحسب العبارة، والنزاع في الحقيقة لفظي؟
ربّما يقال بالثاني نظراً إلى أنّ عدم تعرّضهم للخلاف في ذلك مع تعرّضهم لكثير من الجهات غير المهمّة يدلّ على عدم تحقّق الاختلاف واقعاً وإنّ مراد الجميع واحد، ويؤيّده ما عن القوانين من نسبة التعريف بالعمل بقول الغير من غير حجّة إلى العضدي وغيره مع أنّ تعريف العضدي ـ كما عرفت ـ إنّما هو الأخذ، مع أنّ الظاهر أنّ المراد بالأخذ هو العمل كما في كثير من المقامات مثل الأخذ بما وافق الكتاب، والأخذ بما خالف العامّة، والأخذ بقول أعدلهما، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة، ولعلّه كان هو المراد من القبول المذكور في كلام بعضهم.
ولكنّ الظاهر عدم كون النزاع لفظيّاً لأ نّه ـ مضافاً إلى أنّ تفسير الأخذ بالعمل مع احتمال أن يكون المراد به التعلّم أو أخذ الرسالة ممّا لا شاهد له وكذا تفسير القبول به ـ أ نّه على تقدير تسليم ذلك لا يرجع النزاع إلى اللفظ لتصريح القائل بالالتزام، بعدم لزوم العمل في تحقّق التقليد كما في العروة وصرّح به صاحب الفصول ـ على ما حكى ـ فكيف يجتمع مع القول بأنّ التقليد هو نفس العمل، وعدم التعرّض للخلاف لا دلالة فيه على عدم كون المسألة خلافية كما هو ظاهر.
مضافاً إلى أنّهم رتّبوا الثمرة على هذا النزاع وبنوا مسألة البقاء على تقليد الميّت، وكذا مسألة العدول عن الحي إلى الآخر المساوي له في الفضل على الخلاف في معنى التقليد فإنّه وإن كان ترتّب الثمرة والابتناء محلّ نظر بل منع ـ كما سيأتي في المسألتين إن شاء الله تعالى ـ إلاّ أنّ البناء على الخلاف في معنى التقليد دليل على كون
الاختلاف فيه لا ينحصر باللفظ بل النزاع في أمر حقيقي كما هو غير خفي.
الأمر الثاني: إنّه ـ بعد البناء على كون الاختلاف في مفهوم التقليد ومعناه اختلافاً معنوياً ـ يقع الكلام في تحقيق ما هو الحقّ في معناه:
فنقول: ربّما يقال ـ كما قيل ـ بأ نّه لا يمكن أن يكون التقليد هو نفس العمل، والأصل في ذلك ما أفاده في الفصول حيث قال على ما حكى: «واعلم أ نّه لا يعتبر في ثبوت التقليد العلم بمقتضاه لأنّ العمل مسبوق بالعلم فلا يكون سابقاً عليه، ولئلا يلزم الدور في العبادات من حيث أنّ وقوعها يتوقّف على قصد القربة وهو يتوقّف على العلم بكونها عبادة فلو توقّف العلم بكونها عبادة على وقعها كان دوراً».
وتقريب الوجه الأوّل: إنّ كلّ مكلّف لابدّ وأن يكون عمله مستنداً إلى معذر، وناشئاً عنه، ومسبوقاً به فالمجتهد يكون عمله مستنداً إلى اجتهاده واستنباطه الحكم من الحجّة المعتبرة، والعامي يكون عمله مستنداً إلى تقليده، فكلّ عمل إمّا أن يكون ناشئاً ومسبوقاً بالاجتهاد وإمّا أن يكون مستنداً إلى التقليد، وعلى هذا الوجه اعتمد المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفاية حيث قال: «ولا يخفى أ نّه لا وجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه عليه وإلاّ كان بلا تقليد فافهم».
وتقريب الوجه الثاني أ نّه لا إشكال في أنّ مشروعيّة العمل تتوقّف على التقليد لأ نّه لا يتمكّن بدون التقليد من الإتيان بصلوة الجمعة ـ مثلا ـ بما أنّها مقرّبة ولا يتمشّى منه قصد القربة بدون التقليد، فالشروع فيها بقصد كونها هي الوظيفة الثابتة بعد الزوال يوم الجمعة والعبادة المقرّبة يتوقّف على التقليد فلو كان التقليد متوقّفاً على العمل ومنتزعاً عنه كما هو ظاهر تفسيره به يتحقّق الدور فلا محيص عن الالتزام بكونه أمراً سابقاً على العمل.
والجواب عن الوجه الأوّل: أنّ غاية مقتضاه لزوم استناد العمل إلى المعذر أو إلى العلم ـ كما في عبارة الفصول المتقدّمة ـ وأمّا كون الأمر السابق على العمل مسمّى بالتقليد وراجعاً إليه فلم يقم عليه دليل.
وبعبارة أخرى: لو كان هناك نصّ أو إجماع على لزوم مسبوقيّة العمل بالاجتهاد أو التقليد لكان مرجعه إلى سبق التقليد ـ في مورد العامّي ـ على العمل، ولكنّه لم يقم على هذا العنوان دليل بل اللازم هو مسبوقيّة العمل بالحجّة والعلم وهو لا يلازم كون التقليد عبارة عن الأمر السابق.
ومنها يظهر الجواب عن الوجه الثاني فإن توقّف مشروعيّة العمل على التقليد لم يدلّ عليه دليل بل المشروعيّة تتوقّف على العلم بكونها عبادة مقربة أما من طريق الاجتهاد أو من طريق فتوى المجتهد، وأما كون الموقوف عليه هو الذي ينطبق عليه عنوان التقليد فلا يقتضيه هذا الوجه بوجه.
فانقدح من ذلك إمكان كون التقليد عبارة عن نفس العمل لكنّه بمجرّده لا يكفى بل لابدّ من إقامة الدليل على ترجيح هذا التفسير على غيره فنقول: إنّ هنا أموراً مرجّحة لكون التقليد بمعنى نفس العمل:
أحدها: مناسبة التقليد بمعنى العمل للمعنى اللغوي فإنّ الظاهر أنّ المراد منه هو جعل القلادة في عنق الغير وهذا يلائم مع كونه في الاصطلاح بمعنى العمل فإنّ المقلّد ـ ح ـ يجعل أعماله المستندة إلى فتوى المجتهد في عنقه فهي بمنزلة القلادة يقلّدها في عنق الغير وهو المجتهد.
وأمّا لو فسّر التقليد بمجرّد الالتزام والتعهّد النفساني فلابدّ من توجيه المناسبة بأنّ المقلّد بسب الالتزام والتعهّد يجعل قلادة المتابعة للمجتهد في عنق نفسه وهذا لا يناسب مع المعنى اللغوي الراجع إلى جعل القلادة في عنق الغير.
ومن العجيب بعد ذلك ما حكي عن شيخنا الأعظم الأنصاري(قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد، من أنّ التقليد بمعنى الالتزام أوفق بمعناه اللغوي. وإن كان لا يرد عليه ما اورد من أنّ مقتضى ذلك هو صدق المقلّد ـ بالفتح ـ على العامي لا على المجتهد مع أنّ الحديث يقول: فللعوامّ أن يقلّدوه.
وجه عدم الورود: إنّ صدق المقلَّد ـ بالفتح ـ لا ينافي صدق المقلِّد ـ بالكسر ـ أيضاً لعدم قيام الدليل على تحقّق التقابل والتغاير بين الأمرين بل التقابل إنّما هو بين التقليد والاجتهاد، والحديث إنّما يدلّ على صدق المقلَّد ـ بالفتح ـ على المجتهد لو قرء بصيغة المبني للفاعل ولم يدلّ دليل عليه فهذا الإيراد غير وارد عليه.
نعم يرد عليه ما ذكرنا من عدم الملائمة بين معناه الاصطلاحي على هذا التقدير وبين معناه اللغوي الراجع إلى جعل القلادة في عنق الغير، ويؤيّد ما ذكرنا أنّ صاحب الفصول بعد العبارة المتقدّمة حكى عن العلاّمة التفسير بالعمل ثمّ قال: «هذا بيان لمعناه اللغوي كما يظهر من ذيل كلامه وإطلاقه على هذا شائع في العرف العام» فإنّه ظاهر في أنّ التفسير بالعمل مطابق لمعناه اللغوي لكن الذي أوجب عدوله عن التفسير المذكور استلزامه للإشكالين المتقدّمين في كلامه، وحيث عرفت عدم الاستلزام بوجه فلا مجال للعدول عمّا يلائم المعنى اللغوي.
ثانيها: إشارة بعض الروايات إليه مثل ما رواه الكليني والشيخ عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: كان أبو عبدالله(عليه السلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمّا سكن قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة فقال أبو
عبدالله(عليه السلام) هو في عنقه قال أو لم يقل، وكلّ مفت ضامن(1).
فإنّ تعبير الأعرابي وسؤاله بقوله: أهو في عنقك، وتقريره(عليه السلام) بقوله: هو في عنقه ظاهر في إضافة العنق إلى المجتهد المفتي وهو لا يلائم إلاّ مع كون المستفتي جاعلا أعماله في عنق المفتي، كما أنّ قوله(عليه السلام) في الذيل: كلّ مفت ضامن مشعر بأنّ التقليد هو العمل لأ نّه قبل تحقّق العمل ليس هنا شيء مستند إلى المفتي حتى يكون هو ضامناً له كما هو غير خفي.
ومثل الروايات المستفيضة الدّالّة على أنّ من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به، فإنه وإن لم يقع التعبير بالتقليد فيها ولا دلالة فيها على انطباق عنوان التقليد على نفس العمل إلاّ أنّ إشعارها بل دلالتها على أ نّه ليس هنا عدى فتوى المفتي شيء سوى عمل المستفتي ممّا لا مجال للارتياب فيه كما هو ظاهر.
ثالثها: أ نّه لم يرد عنوان التقليد في شيء من الأدلّة الدالّة على حجّية فتوى المجتهد وجواز رجوع العامي إليه إلاّ في رواية ضعيفة طويلة محكية عن التفسير المنسوب إلى مولينا الإمام العسكري ـ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وعلى إبنه ـ الواردة في الفرق بين تقليد اليهود علمائهم وتقليد عوام الشيعة لعلمائهم المشتملة على قوله(عليه السلام): «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه»(2) ولا يجوز الاعتماد على هذه الرواية في الحكم بوجوب الالتزام نظراً إلى أ نّه معنى التقليد بل اللازم ملاحظة سائر الأدلّة الواردة في هذا الباب فنقول:
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ئل ج18 الباب السابع من أبواب القاضي ح 2.
(2) ئل ج18 أبواب صفات القاضي الباب العاشر ح20.
لا ينبغي الإشكال في أنّ حكم العقل بجواز التقليد إنّما هو لأجل تحقّق الامتثال بالنسبة إلى التكاليف المعلومة بالإجمال وكون الاستناد إلى العالم أحد الطرق، ففي الحقيقة الواجب بحكم العقل هو الامتثال وتحقّق موافقة التكاليف ولا حكم له بالنظر إلى الالتزام أصلا كما هو واضح لا يخفى.
وأمّا بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم فغير خفي أنّ سيرة العقلاء إنّما استقرّت على الرجوع العملي وتطبيق العمل على قول العالم العارف والالتزام القلبي سيّما مع تجرّده عن العمل الخارجي بعيد من مقاصد العقلاء.
وأمّا الأدلّة اللفظية من الآيات والروايات فالنظر في مفادها والتأمّل في مدلولها ـ بناء على دلالتها على جواز التقليد ـ يقتضي عدم كونها ناظرة إلاّ إلى مقام العمل، فإنّ المراد من الحذر الواجب في آية النفر ـ مثلا ـ ليس إلاّ هو الحذر في مقام العمل وترتيب الأثر على قول المنذر، بالإتيان بما أفتى بوجوبه وترك ما حكم بحرمته.
ضرورة أنّ الحذر القلبي والالتزام النفساني لا يكون غاية للإنذار الواجب وكذا سائر الآيات والأدلّة على ما سيجيء فإنّه من الواضح أنّ المراد من الجميع هو الاستناد في مقام العمل إلى من له الحجّة وتطبيق العمل على طبق ما يقول به.
هذا مضافاً إلى أ نّه أي فرق بين المجتهد والعامي من هذه الجهة، فكما أ نّه لا يجب على المجتهد بعد قيام الأمارة على وجوب صلوة الجمعة ـ مثلا ـ إلاّ الإتيان بها وتطبيق العمل على طبق الأمارة ولا يلزم توسيط الالتزام بوجه، كذلك لا يجب على المقلّد بعد قيام الأمارة ـ وهي فتوى المجتهد ورأي العارف ـ إلاّ ذلك أي تطبيق العمل عليها والإتيان بصلوة الجمعة خارجاً، فالتفكيك بينهما من حيث لزوم الالتزام على المقلّد ووقوعه وسطاً بين الفتوى وعمل المقلّد ممّا لا وجه له أصلا.
وإلى أنّ مورد التقليد ـ كما عرفت ـ هي الأحكام العملية التي متعلّقها نفس
العمل بحيث لو كانت معلومة بالتفصيل لما كان الواجب إلاّ الامتثال والعمل على طبقها من دون أن يكون هنا تكليف بالإضافة إلى القلب والالتزام فالمناسب للتقليد في خصوص هذه الأحكام مع عدم كونها ناظرة إلاّ إلى مقام العمل هو كون التقليد أيضاً راجعاً إلى نفس هذا المقام من دون أن يكون هنا شيء مسمّى بالالتزام.
فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّ التقليد كما أفاده الماتن ـ دام ظلّه ـ هو العمل مع الاستناد ولا مدخلية للالتزام في شيء من الأحكام.
في أدلّة جواز التقليد
الجهة الثالثة فيما يدلّ على جواز التقيد وروجوع الجاهل إلى العالم في باب التكاليف والأحكام، وفي هذه الجهة ـ تارة يبحث عمّا هو مستند العامّي في التقليد وحامل له عليه، وبعبارة أخرى ما يكون محرّكاً للجاهل على أن يرجع إلى العالم بعد علمه بثبوت التكاليف إجمالا ـ وأخرى ـ فيما هو مقتضى الأدلّة ممّا يستنبطه المجتهد منها في هذا الباب.
أمّا من الحيثيّة الأولى من الواضح أنّ ما يمكن أن يكون مستنداً للعامي وحاملا له على التقليد ليس إلاّ حكم عقله بذلك، قال المحقّق الخراساني(قدس سره) في الكفاية: «إنّ جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيّاً جبليّاً فطرياً لا يحتاج إلى دليل وإلاّ لزم سدّ باب العلم به على العامي مطلقاً غالباً لعجزه عن معرفة ما دلّ عليه كتاباً وسنّة، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً وإلاّ لدار أو تسلسل».
وهذا الكلام وإن نوقش فيه بمنع كون هذا الحكم فطرياً نظراً إلى أنّ القضايا الفطرية ما كانت قياساتها معه ككون الأربعة زوجاً لانقسامها إلى متساويين، وما هو فطري بهذا المعنى إنّما هو كون العلم نوراً لا لزوم رفع الجهل بالعلم فضلا عن
التقليد، وبمنع كونه جبليّاً فإنّ ما هو جبلي في الاصطلاح إنّما هو شوق النفس إلى كمالها لا مثل المقام، إلاّ أنّ وضوح حكم العقل بذلك وبداهة إدراكه جواز الرجوع ممّا لا تنبغي المناقشة فيه أصلا.
وأمّا من الحيثيّة الثانية فالدليل عليه ـ مضافاً إلى حكم العقل المذكور ـ أمور:
أحدها: بناء العقلاء على رجوع الجاهل في كلّ صنعة إلى العالم بها، ولا إشكال في أصل ثبوت هذا البناء وتحقّق هذه السيرة المستمرّة العملية، إنّما الإشكال في أنّ بناء العقلاء على شيء لا يكون بمجرّده دليلا على ذلك الشيء وجريانه في محيط الشرع ما لم يكن مورداً لإمضاء الشارع وتصويبه والمستكشف نوعاً من عدم الردع عنه، مع أ نّه قد يقال في المقام أنّ بناء العقلاء على رجوع الجاهل بالأحكام الشرعية إلى المجتهد المستنبط والعارف بها وبعبارة أخرى بناء العقلاء على التقليد الاصطلاحي أمر حادث بعد الغيبة الكبرى ولم يكن ثابتاً في زمان النبي والائمة ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ـ بوجه حتى يكون عدم الردع عنه كاشفاً عن كونه مرضياً للشارع كما هو الشأن في جميع الأمور التي كان بناء العقلاء عليها حادثاً في الأزمنة المتأخّرة فإنّه لا يكون عدم ردعه دليلا على إمضائه لعدم ثبوته في زمانه كما هو واضح.
وأنت خبير بما في هذا الإشكال من النظر والمنع:
أما أوّلا: فلأنّ أصل بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم العارف في أمورهم الدنيوية لا يكون أمراً حادثاً في الزمان المتأخّر فإنّ العقلاء بما هم عقلاء لا يزال يرجع عوامهم إلى علمائهم في كلّ فن وصنعة بحيث صار هذا مرتكزاً لهم ومبنى جميع أمورهم فإذا لم يردع الشارع عن أعمال هذه الطريقة ولم يمنع عن إجرائها في محيط الشريعة يكشف ذلك عن إمضائه وتبعيّته عن هذه السيرة ولا
حاجة في دلالة عدم الردع على الإمضاء على إجرائها أوّلا في محيط الشرع ومصادفته مع عدم الردع.
ألا ترى أ نّه لو قيل إنّ ظاهر الكتاب حجّة لثبوت بناء العقلاء على العمل بظواهر كلمات المتكلّمين في فهم مقاصدهم وكشف مراداتهم والشارع لم يردع عن أعمال هذه الطريقة في الشريعة ليس مرجعه إلى أنّ عدم الردع قد استكشف من تحقّق العمل بظاهر الكتاب خارجاً وهو لم يردع عنه بل معناه أ نّه لو كانت هذه الطريقة غير مرضية للشارع في ألفاظ الكتاب مثلا لكان عليه الردع وتنبيه العقلاء المتديّنين الذين كان مقتضى بنائهم التمسّك بظاهر الكلام، فمع عدم التنبيه يستكشف رضاه بذلك.
وأما ثانياً فلأنّ الظاهر ثبوت التقليد والاجتهاد بهذا النحو في زمن الأئمة(عليهم السلام)وعلى ذلك تدلّ روايات كثيرة بين ما يكون مفاده جواز الاجتهاد والاستنباط وبين ما يدلّ على إرجاع العوام من الناس إلى الخواص من الأصحاب.
فمن الطائفة الأولى ما حكي عن مستطرفات السرائر نقلا من كتاب هشام بن سالم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا(1).
ومنها: ما رواه داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه لو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب(2).
ومنها غير ذلك من الأخبار التي يأتي بعضها في ذكر الروايات الدالّة على جواز
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) ئل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي الباب السادس ح 51.
(2) ئل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي الباب التاسع ح 27.
التقليد.
ويستفاد من هذا القبيل إنّ شأن الرواة عنهم(عليهم السلام) ليس مجرّد النقل والإخبار عن القول أو الفعل أو التقرير، بل كان فيهم الفقهاء المتصدّون للتفريع على الأصول المتلقّاة عنهم ورد المتشابهات إلى المحكمات وهو حقيقة الاجتهاد والاستنباط.
وأمّا ثالثاً فلأنّه على تقدير عدم ثبوت التقليد والاجتهاد في زمانهم(عليهم السلام)نقول: إنّ عدم الردع عن هذه الطريقة المستحدثة كاشف عن رضا الشارع بذلك:
توضيحه: أ نّه لم يكن بناء الشارع في تبليغ الأحكام وهداية الأنام إلاّ على التوسّل بالطرق العقلائية والأمور العادية ولم يكن بنائه في هذا المقام على الرجوع إلى علمه بالمغيبات وتبليغ الأحكام حسب ما يعطيه ذلك العلم و ـ ح ـ فليس دعوينا أنّ الشارع كان عليه أن يردع عن هذه الطريقة الفعلية لو كانت غير مرضية له راجعة إلى أ نّه لأجل كونه عالماً بالمغيبات لابدّ له من الردع أو الإمضاء بالنسبة إلى الأمور المستقبلة والمتأخّرة عن زمانه وإذا لم يردع يكشف ذلك عن رضاه.
بل نقول: إنّ هذه المسألة وهي مسألة الاجتهاد والاستنباط والرجوع إلى العالم بهذا النحو المعمول ممّا يقتضي طبع الأمر حدوثه في هذه الأزمنة بحيث لم يكن حدوثها مخفياً على العارفين بمسألة الإمامة وجهات ختم الوصاية، وأ نّه يغيب الثاني عشر من شموس الهداية، مدّة طويلة عن أعين الناس وأنظار العامّة، بحيث لا يكاد يمكن لهم الرجوع إليه والاستضائة من نور الولاية، وفي ذلك الزمان لابدّ للناس من الرجوع إلى علماء الأمّة وأخذ الأحكام والفتاوى من فقهاء الشريعة، ومع وضوح هذا الأمر بحسب اقتضاء الطبع وانجراره إلى ذلك يكون عدم الردع كاشفاً قطعيّاً عن إمضاء الشارع وتنفيذه لهذه الطريقة.
فانقدح من جميع ذلك أنّ التمسّك ببناء العقلاء واستمرار سيرتهم على جواز
التقليد والرجوع إلى الفقيه تام لا ينبغي الارتياب فيه.
ثانيها: بعض الآيات التي يستفاد منها ذلك:
منها: آية النفر المعروفة، قال الله تبارك وتعالى في سورة التوبة: (وما كان المؤمنون لينفروا كافّة فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذورن) الآية: 122.
والاستدلال بهذه الآية على حجّية فتوى المجتهد وجواز رجوع العامي إليه يتوقّف:
أوّلا على دلالة الآية على وجوب النفر بأن كان مسوقاً لإفادة الوجوب وناظراً إلى جعل هذا الحكم الإلزامي، واللزوم مستفاد من كلمة «لولا» التحضيضيّة.
وثانياً على كون المراد من التفقّه خصوص التفقّه الاصطلاحي الذي مرجعه إلى استنباط الأحكام الفرعية العملية، لا الأعمّ منه ومن التفقّه فى أصول الدين وتعلّم الأمور الاعتقادية، وعلى لزوم التفقّه من جهة كونه غاية للنفر الواجب، وغاية الواجب واجبة.
وثالثاً على كون الإنذار من سنخ ما يتفقّه فيه وبعبارة أخرى صدق الإنذار على مجرّد الفتوى بالوجوب أو الحرمة نظراً إلى أن الحكم بأحدهما يستلزم التوعيد باستحقاق العقوبة على المخالفة وعليه فيصدق على المجتهد عنوان المنذِر ـ بالكسر ـ لهذه الجهة.
ورابعاً على كون المراد بالحذر هو الحذر العملي الذي مرجعه إلى العمل على طبق قول المجتهد، وعلى وجوب التحذّر، إمّا لأجل استعمال كلمة «لعلّ» الدالّة على محبوبيّة التحذّر الملازمة للوجوب شرعاً واللزوم عقلا، أمّا الأوّل فلعدم الفصل، وأمّا الثاني فلأنّ العقل يحكم باللزوم مع وجوب المقتضي، وعدم المحبوبيّة مع العدم.
وأمّا لأجل كونه غاية للإنذار الواجب وغاية الواجب واجبه كما مرّ.
وخامساً على ثبوت الإطلاق لوجوب التحذّر بأن يكون مفادها وجوب العمل على طبق قول المنذر مطلقاً ـ سواء أفاد قوله العلم أم لا ـ . فإذا تمّت هذه المقدّمات يصحّ الاستدلال بالآية الشريفة على حجّية فتوى المجتهد ولزوم العمل على طبقه مع أنّ جلّها لولا كلّها مخدوش بل ممنوع.
أمّا المقدّمة الأولى فيمكن الخدشة فيها بأن يقال: إنّ الآية لا تكون مسوقة لإفادة وجوب النفر على طائفة من كلّ فرقة بل غرضها الردع عن النفر العمومي بأن يكون قوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافّة) إخباراً في مقام الإنشاء ويؤيّده ما ورد من أنّ القوم كانوا ينفرون كافّة للجهاد وبقى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحده فورد النهي عن النفر العمومي والأمر بنفر طائفة للجهاد ويؤيّده أيضاً ما قيل من أنّ كلمة «النفر» في القرآن المجيد لم تستعمل في سائر الموارد إلاّ في الجهاد.
هذا ولكنّ الإنصاف أنّ هذه المقدّمة تامّة وظاهر الآية يساعدها كما لا يخفى.
وأمّا المقدّمة الثانية فممنوعة لعدم الدليل على اختصاص التفقّه وانحصاره بالفرعيّات بل الظاهر أ نّه أعمّ منه ومن التفقّه في الأصول ومن المعلوم أنّ وجوب القبول ـ تعبّداً ـ لا يجري فى هذا القسم من التفقّه فتصير هذه قرينة على عدم كون الآية بصدد إيجاب القبول كذلك إلاّ أن يقال: بأنّ إطلاق الآية يقتضي وجوب القبول تعبّداً مطلقاً خرج منه الأصول وبقى الفروع.
ويؤيّد التعميم ما ورد في تفسير الآية من الأخبار الدالّة على وجوب النفر لأجل معرفة الإمام اللاّحق إذا مات الإمام السابق وانّ النافرين في عذر ما داموا في الطلب والمنتظرين في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم.
وأمّا المقدّمة الثالثة فكذلك لعدم الدليل على كون الإنذار من سنخ ما يتفقّه فيه
لو لم نقل بظهور الآية في خلافه نظراً إلى أ نّه لم يجعل الإنذار مترتّباً على التفقّه بل جعل غاية للنفر في عرض التفقّه ففي الحقيقة يترتّب على النفر أمران: التفقّه والإنذار في رتبة واحدة مضافاً إلى أنّ صدق الإنذار على مجرّد الفتوى بالحكم الوجوبي أو التحريمي من دون أن يكون مقروناً بالتوعيد والتخويف ممنوع فإنّه لا يصدق عنوان المنذر ـ بالكسر ـ على الحاكم بمثل ذلك فضلا عن المجتهد الذي استنبط الحكم.
وأمّا المقدّمة الرابعة فيردها أنّ حمل الحذر في الآية على مجرّد العمل على طبق فتوى المجتهد بالإتيان بما أفتى بوجوبه، وترك ما أفتى بتحريمه خلاف الظاهر بل الظاهر أ نّه عبارة عن الخوف أو الترك الناشىء عن الخوف فيقال للمريض الذي اجتنب عن أكل غذاء مخصوص ـ مثلا ـ أ نّه تحذّر عنه لأجل تركه الناشىء عن خوف إدامة المرض أو شدّته، وإلاّ فمجرّد الترك لا يصدق عليه هذه العنوان فضلا عن الفعل.
ومن المعلوم أنّ مثل هذا الأمر القلبي أمر غير اختياري لا يمكن أن يتعلّق به الحكم الإلزامي نعم يمكن إيجاده بمقدّمات يترتّب عليها ذلك قهراً وليس مثل الأفعال الاختيارية القابلة لتعلّق الإرادة بها كما لا يخفى ومع هذا الوصف لا يبقى مجال لاستفادة الوجوب منها.
وأمّا المقدّمة الخامسة فيردّها وضوح عدم ثبوت الإطلاق للآية من حيث وجوب الحذر لأنّها ليست إلاّ مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غايتيه التحذّر مطلقاً فلا دلالة لها على وجوب التحذّر ولو مع عدم حصول العلم للمنذَر ـ بالفتح ـ .
بل يمكن أن يقال بظهورها في خصوص هذه الصورة إمّا لأجل دلالتها على
وجوب الإنذار على كلّ واحد من الطائفة النافرة بالنسبة إلى جميع القوم والفرقة.
وبعبارة أخرى يجب إنذار جميع القوم على كلّ واحد من الطائفة المتعدّدة النافرة المتفقّهة وفي هذه الصورة يحصل للمنذَرين ـ بالفتح ـ العلم غالباً لأجل تعدّد المنذِرين ـ بالكسر ـ ، وأما لِما أفاده في الكافية من أنّ وجوب الحذر إنّما هو مع إحراز أنّ الإنذار إنّما هو بما تفقّهوا فيه لا بشيء آخر موضوع أو مجعول فلا يجب التحذّر إلاّ مع حصول العلم فتدبّر.
ثمّ إنّه مع تسليم هذه المقدّمات لا يبقى مجال للإشكال على الاستدلال بالآية لوجوب التقليد بما أفاده بعض المحقّقين في رسالته في الاجتهاد والتقليد حيث قال: «إن كان التفقّه موقوفاً على أعمال النظر كانت الآية دليلا على حجيّة الفتوى وإلاّ فلا، ومن الواضح صدق التفقّه في الصدر الأوّل بتحصيل العلم بالأحكام بالسماع من النبي(صلى الله عليه وآله) أو الإمام(عليه السلام) فلا دلالة لها ـ ح ـ إلاّ على حجيّة الخبر فقط، والإنذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم من بيان ترتّب العقاب على شيء فعلا أو تركاً لا ينبغي الريب فيه، بل الإفتاء والقضاء أيضاً كان في الصدر الأوّل بنقل الخبر فتدبّر».
وذلك لأ نّه ـ مضافاً إلى عدم كون التفقّه في الصدر الأوّل صادقاً بمجرّد السماع عن النبي أو الإمام(عليه السلام) لِما عرفت من وجود التفقّه بمعناه الحقيقي الملازم لإعمال النظر، في الصدر الأوّل لمثل الرواية المتقدّمة الدالّة على أنّ وظيفة أصحابهم(عليهم السلام)التفريع على الأصول المتلقّاة عنهم وإنّ من عرف معاني كلامهم يكون أفقه الناس يرد عليه أنّ اختلاف مراتب التفقّه من حيث السهولة والصعوبة لا يوجب اختصاص الآية بخصوص المرتبة الموجودة في الصدر الأوّل لعدم وجود ما يدلّ عليه.
ودعوى عدم كون تلك المرتبة صادقاً عليها عنوان التفقّه، يدفعها استعمال التفقّه
في الآية الشريفة، فمجرّد نقل الخبران كان مصداقاً للتفقّه فالآية غير مختصّة به، وإن لم يكن مصداقاً له فالآية غير شاملة له بل لابدّ من الالتزام بوجود التفقّه الملازم لإعمال النظر في عصر النزول لئلا تكون الآية الشريفة بلا مورد كما لا يخفى.
وقد انقدح من جيمع ما ذكرنا أ نّه لا دلالة للآية على حجيّة فتوى المجتهد بالإضافة إلى المقلد وإنّ معناها(1) بحسب الظاهر ـ والله العالم ـ أ نّه يجب على الفقيه الإنذار والتخويف والتوعيد ليحصل للناس حالة التخوّف والتحذّر النفساني فيصير ذلك موجباً للقيام بما هو وظيفتهم والتعرّض لامتثال ما على عهدتهم من التكاليف الإلهية، والتناسب بين الإنذار والتفقّه لأجل كون الفقيه عالماً بشؤون الإنذار وحدوده وكيفيّته وخصوصيّاته لأ نّه الذي يكون عارفاً بشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالعقوبات المترتّبة على ترك الأوّل وفعل الثاني فالإنذار المطابق للواقع إنّما يتحقّق منه كما هو ظاهر.
ومنها: آية السؤال قال الله ـ تبارك وتعالى ـ : (وما أرسلنا قبلك إلاّ رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(2).
وتقريب الاستدلال بها أنّها تدلّ على وجوب السؤال على الجاهل غير العالم، ومن المعلوم أنّ فائدة السؤال إنّما هي ترتيب الأثر على الجواب لأنّ السؤال بما هو لا يكون له موضوعيّة، فإيجابه من دون وجوب العمل على طبق الجواب يكون
ــــــــــــــــــــــــــــ(1) بل معناها بحسب التحقيق هو تفقّه النافرين بسبب ما يرونه في الجهاد من النصرة الإلهية والإمدادات الغيبيّة وقوّة الإيمان وإنذار القوم الذين هم الكفّار الموجودون في المدينة لعلّهم يحذرون ويدخلون في دين الله أو يصون الإسلام والمسلمون من شرورهم ويؤيّد ذلك رجوع الضمير في ليتفقّهوا وما بعده إلى النافرين لا المتخلّفين لعدم كونهم مذكورين وأيضاً لا يناسب الحذر بالنسبة إلى المجاهدين.
(2) سورة الأنبياء: 7.
لغواً ظاهراً، وحيث إنّ الفقيه من المصاديق الواضحة لأهل الذكر فالآية تدلّ ـ بإطلاقها ـ على حجيّة فتواه إذا كانت مسبوقة بالسؤال، وفيما إذا لم تكن مسبوقة تكون فتواه أيضاً حجّة لعدم الفصل أو لدلالة نفس الآية ـ على ما هو المتفاهم منها عند العرف ـ على عدم دخالة سبق السؤال بوجه كما هو ظاهر.
وأورد على الاستدلال بها بأ نّه إنّما يتمّ لو كان الحكم فيها عامّاً شاملا لكلّ جاهل، وكان المراد من أهل الذكر عنوانه العامّ الشامل للفقيه أيضاً مع أ نّه لو اقتصر النظر على ظاهرها يكون مقتضاها اختصاص الحكم بالمشركين حيث استغربوا أن يخصّص الله ـ تبارك وتعالى ـ رجلا بالنبوّة والسفارة ويحصل لبشر هذه المزيّة والفضيلة، وعليه فالحكم بوجوب السؤال متوجّه إليهم ويكون المراد من أهل الذكر علماء اليهود والنصارى.
والمعنى ـ ح ـ إنّكم أيّها المشركون إن كنتم لا تعلمون ولا يكون إنكاركم ناشئاً عن العناد واللجاج بل عن الجهل وعدم الاطّلاع فاسألوا علماء اليهود والنصارى المطّلعين على الكتب السماوية المبشّرة برسالة خاتم النبيين والمشتملة على ذكر الأمارات والعلائم. ولو راجعنا إلى الأخبار الواردة في تفسير الآية يكون المستفاد منها أنّ أهل الذكر هم الأئمّة المعصومون ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ لا غير، فلا مجال معها لدعوى كون الفقيه أيضاً من أهل الذكر.
وبالجملة فالآية لا دلالة فيها على شمول الحكم لكلّ جاهل وعلى عموم أهل الذكر للفقيه ونحوه.
وقد أُجيب عن هذا الإيراد بأن الآية قد تضمّنت كبرى كليّة قد تنطبق على أهل الكاب وقد تنطبق على الأئمّة(عليهم السلام) وقد تنطبق على العالم والفقيه حسبما تقتضيه المناسبات على اختلافها باختلاف المقامات، فإنّ المورد إذا كان من الاعتقاديّات
كالنبوّة وما يرجع إلى صفات النبي فالمناسب السؤال عن علماء أهل الكتاب، ولو كان من الأحكام الفرعيّة فالمناسب الرجوع إلى النبي أو الأئمّة(عليهم السلام) مع التمكّن ومع عدمه إلى الفقهاء فالآية تضمّنت كبرى رجوع الجاهل إلى العالم المنطبقه على كلّ من أهل الكتاب وغيرهم.
ويمكن الخدشة في هذا الجواب بأ نّه تارة يقال أنّ الآية لا تكون بصدد تحميل تعبّدي وإيجاب مولوي بل غرضها الإرشاد إلى ما هو المرتكز عند العقلاء من رجوع الجاهل إلى العالم. وأخرى يقال بأنّها بصدد إفادة حكم مولوي تعبّدي.
فعلى الأوّل يكون المتّبع هي السيرة العقلائيّة الجارية في سائر الموارد. وعلى الثاني الذي يبتنى عليه الجواب، لا مجال لدعوى أنّ الآية تتضمّن كبرى كليّة قد تنطبق على أهل الكتاب وعلمائهم، وقد تنطبق على الأئمّة(عليهم السلام) فإنّه على تقدير كون المخاطب هم المشركين، وأهل الذكر علماء اليهود والنصارى كيف يمكن دعوى اشتمال الآية على كبرى كليّة وإفادتها أمراً عامّاً، كما أنه مع ملاحظة الروايات الدالّة على أنّ أهل الذكر هم خصوص الأئمة(عليهم السلام) لا مجال لدعوى عموم الحكم في الآية ـ بعد فرض كونه حكماً مولوياً تعبّدياً ـ .
ثمّ أ نّه أورد على الاستدلال بها أيضاً بأن المراد من الآية الكريمة وجوب السؤال عنهم حتى يحصل العلم للسائل من الجواب ويعمل على طبق علمه، لأنّ تعليق وجوب السؤال على عدم العلم ظاهر في ارتفاع عدم العلم ـ الذي هو المعلّق عليه الإيجاب ـ بالسؤال والجواب عقيبه كما هو ظاهر.
وأُجيب عنه بوجهين:
أحدهما: إنّ مثل هذا الخطاب إنّما هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم والمعرفة، في قبال العلم بالحال لا أ نّه مقدّمة لتحصيل العمل، مثلا يقال إذا لست بطبيب فراجع
الطبيب في العلاج فإنّ المتفاهم العرفي من مثله أنّ الغاية من الأمر بالمراجعة إنّما هو العمل على طبق قول الطبيب لا أنّ الغاية صيرورة المريض طبيباً وعالماً بالعلاج حتى يعمل على طبق علمه ونظره.
ويرد على هذا الوجه ـ مضافاً إلى أنّ المقام نظير ما يقال: «إذا كنت مريضاً فراجع الطبيب» فإنّ المتفاهم العرفي من مثله أنّ الغاية من الأمر بالمراجعة هو ارتفاع المرض فالغاية من الأمر بمراجعة المبتلى بمرض الجهل إلى العالم هو ارتفاع مرضه ورفع جهله بالرجوع إلى العالم كما لا يخفى ـ ان مقتضى ذلك تكرّر السؤال ولزومه ثانياً وثالثاً وهكذا إلى أن يحصل العلم لصدق عنوان الجهل ما دام عدم العلم فيجب عليه التكرار لحصول المعلّق ما دام المعلّق عليه متحقّقاً ومن الواضح خلافه فلا محيص من أن يقال: إنّ الغاية هو حصول العلم.
ثانيهما: ما أفاده بعض المحقّقين(قدس سره) في رسالة الاجتهاد والتقليد من أنّ الظاهر وجوب السؤال حتى يحصل له العلم بمجرّد الجواب لا بأمر زائد عليه وهذا لا يتمّ إلاّ مع كون الجواب مفيداً للعلم تعبّداً وعليه فيستفاد من الآية وجوب قبول قول المجيب وترتيب الأثر العملي عليه لأ نّه علم تعبّدي.
ويرد عليه أنّ الظاهر كون المراد بالعلم الحاصل بالجواب، هو العلم الذي علّق وجوب السؤال على عدمه، ومن المعلوم أنّ المراد به هو العلم الواقعي الحقيقي، فالغاية من الأمر بالسؤال إنّما هو تحقّق هذا العلم لا علم تعبّدي كما هو غير خفي.
وأورد على الاستدلال بالآية بإيراد ثالث وهو أنّ موردها ينافي القبول التعبّدي لأ نّه من الأصول الاعتقادية التي يكون الواجب فيها تحصيل العلم.
وقد اعترف بورود هذا الإيراد من أجاب عن الإيراد الأوّل بما عرفت من تضمّن الآية للكبرى الكليّة مع أنّ مقتضى ذلك الجواب عدم هذا الاعتراف
فتأمّل.
وقد تحصَّل من جميع ما ذكرنا عدم تمامية الاستدلال بآية السؤال أيضاً.
ثمّ إنّ هناك آيات دالّة على النهي عن التقليد عموماً أو خصوصاً:
أمّا الطائفة الأولى فهي الآيات الناهية عن العمل بالظنّ واتّباع غير العلم.
وأمّا الطائفة الثانية فكقوله ـ عزّ من قائل ـ حكاية عنهم: (إنّا وجدنا آبائنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون)(1) وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا أولو كان آبائهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون)(2) وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبّع ما ألفينا عليه آبائنا أولو كان آبائهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)(3)
والجواب عن الطائفة الأولى أنّها لا تدلّ على حرمة التقليد وعدم حجيّة فتوى المجتهد، ولا على النهي عن اتّباع شيء من الأمارات المعتبرة وذلك لأنّ اعتبارها مستند إلى العلم إذ لا يعقل الانتهاء إلى الظنّ مع أنّ الأصل الأولى فيه عدم الحجيّة وعدم ترتّب شيء من آثارها ولهذا اشتهر أنّ الشكّ في الحجيّة مساوق للقطع بعدمها فحجيّة كلّ حجّة لا محالة تنتهي إلى العلم، وعليه فلا مجال لشمول قوله ـ تعالى ـ : (ولا تقف ما ليس لك به علم)(4) لمثلها وإلاّ يلزم عدم حجيّة ظاهره لأ نّه أيضاً من الأمارات التي لا تفيد إلاّ الظن نوعاً فاللازم امّا الالتزام بعدم حجيّة ظواهرها الدالّة على النهي والمذمّة على اتّباع غير العلم مطلقاً، وأمّا الالتزام بعدم