و عن الصادق ع أن العبد الولي لله يدعو الله في أمر ينوبه فقال للملك الموكل به اقض لعبدي حاجته و لا تعجلها فإني أشتهي أن
أسمع نداءه و صوته و أن العبد العدو لله ليدعو الله في أمر ينوبه فقال للملك الموكل به اقض لعبدي حاجته و عجلها فإني أكره أن
أسمع دعاءه و صوته قال فيقول الناس ما أعطى هذا إلا لكرامته و ما منع هذا إلا لهوانه
و عنه ع لا يزال المؤمن بخير و رجاء و رحمة من الله ما لم يستعجل فيقنط فيترك الدعاء فقلت له كيف يستعجل قال يقول قد دعوت
الله منذ كذا و كذا و لا أرى حاجة
و عنه ع إن المؤمن ليدعو الله عز و جل في حاجته فيقول عز و جل أخروا إجابته شوقا إلى صوته و دعائه فإذا كان يوم القيامة قال
الله تعالى عبدي دعوتني و أخرت إجابتك و ثوابك كذا و كذا و دعوتني في كذا و كذا فأخرت إجابتك و ثوابك كذا و كذا قال ع فيتمنى
المؤمن أنه لم يستجب له دعوة في الدنيا مما يرى من حسن الثواب
و عنه ع قال قال رسول الله ص رحم الله عبدا طلب إلى الله حاجة فألح في الدعاء استجيب له أو لم يستجب له و تلا هذه الاية وَ
أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
و عنه ع إن الله يحب السائل اللحوح
و قال كعب الاحبار في التوراة يا موسى من أحبني لم ينسني و من رجا معروفي ألح في مسألتي يا موسى إني لست بغافل عن خلقي و
لكن أحب أن تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء من عبادي و ترى حفظتي تقرب بني آدم إلي بما أنا مقويهم عليه و مسببه لهم يا موسى قل
لبني إسرائيل لا تبطرنكم النعمة فيعاجلكم السلب و لا تغفلوا عن الشكر فيقارعكم الذل و ألحوا في الدعاء تشملكم الرحمة
بالاجابة و تهنئكم العافية
و عن الباقر ع لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجته إلا قضاها له
و عن منصور الصيقل قال قلت لابي عبد الله ع ربما دعا الرجل فاستجيب له ثم أخر ذلك إلى حين قال فقال نعم قلت و لم ذلك ليزداد
من الدعاء قال نعم
و عن إسحاق بن عمار قال قلت لابي عبد الله ع أ يستجاب للرجل الدعاء ثم يؤخر قال نعم عشرون سنة
و عن هشام بن سالم عنه ع قال كان بين قول الله عز و جل قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما و بين أخذ فرعون أربعون عاما
و عن أبي بصير عنه ع أن المؤمن ليدعو فيؤخر بإجابته إلى يوم الجمعة
نصيحة ينبغي للعاقل أن يكون دعاء و لا يقطع الدعاء أصلا لوجوه الاول لما عرفت من فضيلة الدعاء و أنه عبادة بل هو مخ العبادة.
الثاني أن تفوز بمزية تقديم الدعاء على البلاء فجاز أن يكون هناك بلاء مقدر لا تعلمه فيرده الدعاء عنك. الثالث إنك إذا أكثرت في
الدعاء صار صوتك معروفا في السماء فلا يحجب عند احتياجك إليه. الرابع أن تنال نصيبا من دعائه ص رحم الله عبدا طلب من الله
الخبر.
الخامس إن صوتك إن كان محبوبا لله فقد وافقت إرادته سبحانه و فعلت ما يحبه و إن لم يكن محبوبا أو لم تكن للاجابة أهلا فهو
كريم رحيم فلعله يرحمك بتكرارك لدعائه و لا يخيب رجاؤك لنعمائه و ينعش استغاثتك و يجيب دعوتك كيف لا و مناديه في كل ليلة
ينادي هل من داع فأجيبه يا طالب الخير أقبل أ و ما ترى إلى قوله ع و متى تكثر قرع الباب يفتح لك.
و عن النبي ص إن العبد ليقول اللهم اغفر لي و هو معرض عنه ثم يقول اللهم اغفر لي و هو معرض عنه ثم يقول اللهم اغفر لي فيقول
]الله [سبحانه للملائكة أ لا ترون إلى عبدي سألني المغفرة و أنا معرض عنه ثم سألني المغفرة و أنا معرض عنه ثم سألني المغفرة علم
عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا أشهدكم أني قد غفرت له
السادس إن صوتك على تقدير كونه محبوبا يحبس عنك الاجابة لتداوم فإذا كنت مداوما لم تبق لحبس الاجابة عنك فائدة لعلمه
باستمرار دعائك و التأخير إنما كان لاجل الاستمرار اللهم إلا أن يكون لادخار ما أعده لك من الثواب في يوم الجزاء و الحساب
يكون فرحك و سرورك أعظم لان ما كان من عطاء الاخرة فهو دائم و ما كان من خير الدنيا فهو منقطع و ما أعظم تفاوت ما بين الدائم
و المنقطع إن كنت تعقل السابع أن تفوز بمحبة الله تعالى لقوله ع إن الله يحب من عباده كل دعاء
الثامن التأسي بإمامك لقول الصادق ع و كان أمير المؤمنين رجلا دعاء فإن قلت يمنعني عن الدعاء ما ذكرت من اشتراط الاقبال بالقلب
و الانتصاب إلى مناجاة الرب و ما ذكرت من قوله ع لا يقبل الله دعاء قلب لاه و قوله ع لا يقبل الله دعاء قلب قاس و أراني لا يتيسر
لي الاقبال في غالب الاحوال و القساوة مستولية على قلبي و هي موجبة للبعد عن ربي فاعلم أنك مع اتصافك بما ذكرت من الاوصاف
متى تركت ذلك كان أعون لعدوك عليك و أحرى ]أجرى [لظفره بك و تعينه عليك نفسك الامارة المستوخمة للدعاء المستثقلة للبكاء
الميالة إلى الشهوات و إنما مثلك و مثله كقرينين ]قرنين [تصاولا فإذا عرفت من نفسك الكسل و الجبن عن محاربته فإياك إياك أن
تلقاه مع ذلك بغير سلاح فإنه ينتهز فرصة الظفر بك و يصرعك لا محالة بل تسلح و تجلد و أظهر له إنك قادر على قتاله غير مول عنه
فلعله يجبن فيولي عنك فيسلم أو لعلك إذا تجلدت قوى قلبك و نشطت نفسك و ذهب عنك ما كنت تجده من التكاسل و التخاذل أو
لعلك إذا فعلت ذلك رحمك الله فأيدك بنصره. و لهذا السر سماه النبي ص بالسلاح حيث يقول
أ لا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم و يدر أرزاقكم قالوا بلى يا رسول الله قال تدعون ربكم بالليل و النهار فإن سلاح المؤمن
الدعاء
و اعلم أن أعداءك أربعة الهوى و الدنيا و الشيطان و نفسك الامارة و هذه الاربعة مجموعة في دعائهم ع
فيا غوثاه ثم وا غوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني و من عدو استكلب علي و من دنيا قد تزينت لي و من نفس أمارة بالسوء إلا ما رحم
ربي
فانظر إلى هذا الدعاء كيف خرج عند ذكر هؤلاء مخرج الاستغاثة و لا تكون الاستغاثة أبدا إلا ممن يخاف على نفسه من أشد الاعداء
القهر و الابتلاء و من استسلم في قبض عدوه هلك لا محالة فعليك بالدعاء و التضرع و إن لم يكن لك إقبال و لا تنتظر خلو البال فإن
ذلك قليل الوجود عزيز المثال فادع كيفما أمكنك و على كل حال فإن مجرد الدعاء و ذكر الله سبحانه مطردة للشيطان عنك.
و قد روي عن النبي ص على كل قلب جاثم من الشيطان فإذا ذكر اسم الله خنس الشيطان و ذاب و إذا ترك الذكر التقمه الشيطان
فجذبه و أغواه و استزله و أطغاه
و كم نشرع في الدعاء بالتكلف من غير إقبال و يكون آخره البكاء و الابتهال و الالحاح في السؤال بل ترك الدعاء و السؤال مقس
للقلب و مظلم له حتى لا يكاد على طول تركه تميل النفس إليه أصلا و إذا اعتيد ألفته و عشقته و عاد هواها و مشتهاها
و قال النبي ص الخير عادة
و كثيرا ما نرى من تتوق نفسه في أوقات إلى البكاء و الدعاء كما تتوق نفس المريض إلى العافية و الشفاء و العطشان إلى لذيذ
الشراب و الماء و إذا جلس متخليا بربه يلقى ذلك راحة لنفسه و فراغا لسره و راحة لعقله و طمأنينة لقلبه و نورا مشرقا قد جلله و
تاج بهاء تكلله و صار جليسا
لربه و محدثا لخالقه و مقترحا على رازقه و مناديا لمالك دار الفناء و دار البقاء و مشرفا بحضرة سلطان السماء
سئل الصادق ع ما بال المتهجدين ]المجتهدين [إنهم من أحسن الناس وجها قال لانهم خلوا بالله سبحانه فكساهم من نوره
عن الصادق عن أبيه الباقر ع قال كان فيما أوحى الله إلى موسى بن عمران ع كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنه الليل نام يا ابن
عمران لو رأيت الذين يصلون لي في الدجى و قد مثلت نفسي بين أعينهم يخاطبوني و قد جليت عن المشاهدة و تكلموني و قد عززت
عن الحضور يا ابن عمران هب لي من عينيك الدموع و من قلبك الخشوع و من بدنك الخضوع ثم ادعني في ظلم الليالي تجدني قريبا
مجيبا
و عن علي بن محمد النوفلي قال سمعته ع يقول إن العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يمينا و شمالا و قد وقع ذقنه على صدره
فيأمر الله أبواب السماء فتفتح ثم يقول للملائكة انظروا إلى عبدي ما يصيبه من ]في [التقرب إلي بما لم أفترضه عليه راجيا مني
ثلاث خصال ذنب أغفر له أو توبة أجددها له أو رزقا أزيده فيه اشهدوا يا ملائكتي أني قد جمعتهن له
و قال الصادق ع يوما للمفضل بن صالح يا مفضل إن لله عبادا عاملوه بخالص من سره فعاملهم بخالص من بره فهم الذين تمر صحفهم
يوم القيامة فرغا و إذا وقفوا بين يديه تعالى ملاها من سر ما أسروا إليه فقلت يا مولاي و لم ذلك فقال أجلهم أن تطلع الحفظة على ما
بينه و بينهم
يا هذا لا تغفل عن هذه المقامات الشريفة التي هي أنفس من الجنة كيف لا و هي السبب في الوصول إليها و إلى ما هو أكبر منها إنها
سبب لرضوان الله رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
و في حديث القدسي عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فإنكم بها تتنعمون في الجنة
و قال سيد الاوصياء ع الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة فإن الجلسة فيها رضا نفسي و الجامع فيها رضا ربي
و قيل لراهب ما أصبرك على الوحدة قال أنا جليس ربي إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه و إذا شئت أن أناجيه صليت
و عن العسكري ع من أنس بالله استوحش من الناس
و علامة الانس بالله الوحشة من الناس أ و لا تنظر إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقامات سيد الاوصياء ع حين دخل على
معاوية فقال صف لي عليا فقال أو تعفيني من ذلك فقال لا أعفيك فقال كان و الله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا و يحكم عدلا
يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و وحشته و كان و الله غزير
العبرة طويل الفكرة يقلب كفيه و يخاطب
نفسه و يناجي ربه يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب كان و الله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه و يجيبنا إذا سألناه و كنا
مع دنوه منا و قربنا منه لا نكلمه لهيبته و لا نرفع أعيننا إليه لعظمته فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم يعظم أهل الدين و يحب
المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله و أشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و
غارت نجومه و هو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين فكأني الان أسمعه و هو يقول
يا دنيا يا دنيا أ بي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات ]لا حان حينك [غري غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة ]لي فيك [
فيها فعمرك قصير و خطرك يسير و أملك حقير آه آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق و عظيم المورد
فوكفت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه و اختنق القوم بالبكاء ثم قال كان و الله أبو الحسن كذلك فكيف كان حبك إياه قال
كحب أم موسى لموسى و أعتذر إلى الله من التقصير قال فكيف صبرك عنه يا ضرار قال صبر من ذبح ولدها على صدرها فهي لا ترقئ
عبرتها و لا تكن حرارتها ثم قام و خرج و هو بال فقال معاوية أما إنكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني علي من هذا الثناء فقال له
بعض من كان حاضرا الصاحب على قدر صاحبه.
الثاني من الاداب المتأخرة عن الدعاء أن يمسح الداعي بيديه وجهه.