>
توحيدالمفضل ص : 39
كلام ابن أبي العوجاء مع صاحبه
روى محمد بن سنان قال حدثني المفضل بن عمر قال كنت ذات يوم بعد العصر جالسا في
الروضة بين القبر و المنبر و أنا مفكر فيما
خص الله تعالى به سيدنا محمدا ص من الشرف
توحيدالمفضل ص : 40
و الفضائل و ما منحه و أعطاه و شرفه و حباه مما لا يعرفه الجمهور من الأمة و ما
جهلوه من فضله و عظيم منزلته و خطير مرتبته فإني
لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه فلما استقر به المجلس إذ رجل
من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلم ابن
أبي العوجاء فقال لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله و حاز الشرف بجميع خصاله و
نال الحظوة في كل أحواله فقال له صاحبه إنه
كان فيلسوفا ادعى المرتبة العظمى و المنزلة الكبرى و أتى على ذلك بمعجزات بهرت
العقول و ضلت فيها الأحلام و غاصت الألباب
على طلب علمها
توحيدالمفضل ص : 41
في بحار الفكر فرجعت خاسئات و هي حسر فلما استجاب لدعوته العقلاء و الفصحاء و
الخطباء دخل الناس في دينه أفواجا فقرن اسمه
باسم ناموسه فصار يهتف به على رءوس الصوامع في جميع البلدان و المواضع التي انتهت
إليها دعوته و علتها كلمته و ظهرت فيها
حجته برا و بحرا سهلا و جبلا في كل يوم و ليلة خمس مرات مرددا في الأذان و الإقامة
ليتجدد في كل ساعة ذكره و لئلا يخمل أمره
فقال ابن أبي العوجاء دع ذكر محمد ص فقد تحير فيه عقلي و ضل في أمره فكري و حدثنا
في ذكر الأصل الذي نمشي له ثم ذكر ابتداء
الأشياء و زعم أن ذلك بإهمال لا صنعة فيه و لا تقدير و لا صانع و لا مدبر بل
الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبر و على هذا كانت الدنيا
لم تزل و لا تزال
محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء
قال المفضل فلم أملك نفسي غضبا و غيظا و حنقا فقلت يا عدو الله أ لحدت في دين الله
و أنكرت الباري جل قدسه الذي خلقك في
أحسن تقويم و صورك في أتم صورة و نقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت فلو تفكرت
في نفسك و صدقك لطيف حسك
لوجدت دلائل الربوبية و آثار الصنعة فيك قائمة و شواهده جل و تقدس في خلقك
توحيدالمفضل ص : 42
واضحة و براهينه لك لائحة فقال يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك فإن ثبتت لك حجة
تبعناك و إن لم تكن منهم فلا كلام لك و
إن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا و لا بمثل دليلك تجادل فينا
و لقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت فما
أفحش في خطابنا و لا تعدى في جوابنا و إنه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه
خرق و لا طيش و لا نزق يسمع كلامنا و يصغى
إلينا و يتعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا و ظنننا إنا قطعناه دحض حجتنا بكلام
يسير و خطاب قصير يلزمنا به الحجة و يقطع
العذر و لا نستطيع لجوابه ردا فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه
سبب إملاء الكتاب على المفضل
قال المفضل فخرجت من المسجد محزونا مفكرا فيما بلي به الإسلام و أهله من كفر هذه
العصابة و تعطيلها فدخلت على مولاي ع
فرآني منكسرا فقال ما لك فأخبرته بما سمعت من الدهريين و بما
توحيدالمفضل ص : 43
رددت عليهما فقال يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جل و علا و تقدس اسمه في خلق
العالم و السباع و البهائم و الطير و
الهوام و كل ذي روح من الأنعام و النبات و الشجرة المثمرة و غير ذات الثمر و الحبوب
و البقول المأكول من ذلك و غير المأكول ما
يعتبر به المعتبرون و يسكن إلى معرفته المؤمنون و يتحير فيه الملحدون فبكر علي غدا
توحيدالمفضل ص : 44
المجلس الأول
قال المفضل فانصرفت من عنده فرحا مسرورا و طالت على تلك الليلة انتظارا لما وعدني
به فلما أصبحت غدوت فاستؤذن لي فدخلت
و قمت بين يديه فأمرني بالجلوس فجلست ثم نهض إلى حجرة كان يخلو فيها و نهضت بنهوضه
فقال اتبعني فتبعته فدخل و دخلت
خلفه فجلس و جلست بين يديه فقال يا مفضل كأني بك و قد طالت عليك هذه الليلة انتظارا
لما وعدتك فقلت أجل يا مولاي فقال يا
مفضل إن الله تعالى كان و لا شيء قبله و هو باق و لا نهاية له فله الحمد على ما
ألهمنا و الشكر على ما منحنا فقد خصنا من العلوم
بأعلاها و من المعالي بأسناها و اصطفانا على جميع الخلق بعلمه و جعلنا مهيمنين
عليهم بحكمه فقلت يا مولاي أ تأذن لي أن أكتب ما
تشرحه و كنت أعددت معي ما أكتب فيه فقال لي افعل يا مفضل
جهل الشكاك بأسباب الخلقة و معانيها
إن الشكاك جهلوا الأسباب و المعاني في الخلقة و قصرت أفهامهم
توحيدالمفضل ص : 45
عن تأمل الصواب و الحكمة فيما ذرأ الباري جل قدسه و برأ من صنوف خلقه في البر و
البحر و السهل و الوعر فخرجوا بقصر علومهم
إلى الجحود و بضعف بصائرهم إلى التكذيب و العنود حتى أنكروا خلق الأشياء و ادعوا أن
تكونها بالإهمال لا صنعة فيها و لا تقدير و
لا حكمة من مدبر و لا صانع تعالى الله عما يصفون و قاتلهم الله أنى يؤفكون فهم في
ضلالهم و غيهم و تجبرهم بمنزلة عميان دخلوا
دارا قد بنيت أتقن بناء و أحسنه و فرشت بأحسن الفرش و أفخره و أعد فيها ضروب
الأطعمة و الأشربة و الملابس و الم آرب التي
يحتاج إليها و لا يستغنى عنها و وضع كل شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير و
حكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يمينا
و شمالا و يطوفون بيوتها إدبارا و إقبالا محجوبة أبصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار
و ما أعد فيها و ربما عثر بعضهم بالشيء الذي
قد وضع موضعه و أعد للحاجة إليه و هو جاهل للمعنى فيه و لما أعد و لما ذا جعل كذلك
فتذمر و تسخط و ذم الدار و بانيها فهذه حال
هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة و ثبات الصنعة فإنهم لما عزبت
أذهانهم عن معرفة الأسباب و العلل في الأشياء
صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون
توحيدالمفضل ص : 46
ما هو عليه من إتقان خلقته و حسن صنعته و صواب هيئته و ربما وقف بعضهم على الشيء
يجهل سببه و الأرب فيه فيسرع إلى ذمه و
وصفه بالإحالة و الخطإ كالذي أقدمت عليه المنانية الكفرة و جاهرت به الملحدة
المارقة الفجرة و أشباههم من أهل الضلال المعللين
أنفسهم بالمحال فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته و هداه لدينه و وفقه لتأمل
التدبير في صنعة الخلائق و الوقوف على ما خلقوا
له من لطيف التدبير و صواب التقدير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها أن
توحيدالمفضل ص : 47
يكثر حمد الله مولاه على ذلك و يرغب إليه في الثبات عليه و الزيادة منه فإنه جل
اسمه يقول لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ
إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
تهيئة العالم و تأليف أجزائه
يا مفضل أول العبر و الدلالة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم و تأليف أجزائه و
نظمها على ما هي عليه فإنك إذا تأملت العالم
بفكرك و خبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده
فالسماء مرفوعة كالسقف و الأرض ممدودة
كالبساط و النجوم مضيئة كالمصابيح و الجواهر مخزونة كالذخائر و كل شيء فيها لشأنه
معد و الإنسان كالملك ذلك البيت و
المخول جميع ما فيه و ضروب النبات مهيأة لم آربه و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و
منافعه ففي هذا دلالة واضحة على أن
العالم مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملائمة و أن الخالق له واحد و هو الذي ألفه و
نظمه بعضا إلى بعض جل قدسه و تعالى جده و
كرم وجهه و لا إله غيره تعالى عما يقول الجاحدون و جل و عظم عما ينتحله الملحدون
توحيدالمفضل ص : 48
خلق الإنسان و تدبير الجنين في الرحم
نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم و هو
محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن و
ظلمة الرحم و ظلمة المشيمة حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء و لا دفع أذى و لا استجلاب
منفعة و لا دفع مضرة فإنه يجرى إليه من
دم الحيض ما يغذوه الماء و النبات فلا يزال ذلك غذاؤه
كيفية ولادة الجنين و غذائه و طلوع أسنانه و بلوغه
حتى إذا كمل خلقه و استحكم بدنه و قوى أديمه على مباشرة الهواء و بصره على ملاقاة
الضياء هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج و
أعنفه حتى يولد فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها و انقلب
الطعم و اللون إلى ضرب آخر من الغذاء و هو
أشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ و حرك
شفتيه طلبا للرضاع فهو يجد ثدي أمه
كالإداوتين المعلقتين لحاجته فلا يزال يتغذى باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء
لين الأعضاء
توحيدالمفضل ص : 49
حتى إذا يحرك و احتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد و يقوى بدنه طلعت له الطواحن من
الأسنان و الأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين
عليه و يسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك و كان ذكرا طلع الشعر في
وجهه فكان ذلك علامة الذكر و عز الرجل
الذي يخرج به من جد الصبا و شبه النساء و إن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر
لتبقى لها البهجة و النضارة التي تحرك الرجل
لما فيه دوام النسل و بقاؤه اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الإنسان في هذه الأحوال
المختلفة هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال أ
فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم و هو في الرحم أ لم يكن سيذوي و يجف كما يجف النبات
إذا فقد الماء و لو لم يزعجه المخاض عند
استحكامه أ لم يكن سيبقى في الرحم كالموءود في الأرض و لو لم يوافقه اللبن مع
ولادته أ لم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا
يلائمه و لا يصلح عليه بدنه و لو لم تطلع له الأسنان في وقتها أ لم يكن سيمتنع عليه
مضغ الطعام و إساغته أو يقيمه على الرضاع
فلا يشتد بدنه و لا يصلح لعمل ثم كان يشغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد
توحيدالمفضل ص : 50
حال من لا ينبت في وجهه الشعر و علة ذلك
و لو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان و النساء فلا
ترى له جلالة و لا وقارا قال المفضل فقلت له
يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته و لا ينبت الشعر في وجهه و إن بلغ الكبر فقال
ع ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللّهَ لَيْسَ
بِظَلّام لِلْعَبِيدِ فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه الم آرب إلا
الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن ثم توكل له بمصلحته
بعد أن كان فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد و التقدير
يأتيان بالخطإ و المحال لأنهما ضد الإهمال و
هذا فظيع من القول و جهل من قائله لأن الإهمال لا يأتي بالصواب و التضاد لا يأتي
بالنظام تعالى الله عما يقول الملحدون علوا
كبيرا
توحيدالمفضل ص : 51
حال المولود لو ولد فهما عاقلا و تعليل ذلك
و لو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته و لبقي حيران تائه العقل
إذا رأى ما لم يعرف و ورد عليه ما لم ير مثله من
اختلاف صور العالم من البهائم و الطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة و يوما
بعد يوم و اعتبر ذلك بأن من سبي من بلد و
هو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع إلى تعلم الكلام و قبول الأدب كما يسرع الذي
سبي صغيرا غير عاقل ثم لو ولد عاقلا كان
يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن
هذا كله لرقة بدنه و رطوبته حين يولد
ثم كان لا يوجد له من الحلاوة و الوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى
الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله فيلقى الأشياء
بذهن ضعيف و معرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا
توحيدالمفضل ص : 52
قليلا و شيئا بعد شيء و حالا بعد حال حتى يألف الأشياء و يتمرن و يستمر عليها فيخرج
من حد التأمل لها و الحيرة فيها إلى التصرف
و الاضطرار إلى المعاش بعقله و حيلته و إلى الاعتبار و الطاعة و السهو و الغفلة و
المعصية و في هذا أيضا وجوه أخر فإنه لو كان
يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد و ما قدر أن يكون
للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة و ما
يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر و العطف عليهم عند حاجتهم إلى
ذلك منهم ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم و لا
يألف الآباء أبناءهم لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء و حياطتهم فيتفرقون
عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه و أمه و
لا يمتنع من نكاح أمه و أخته و ذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن و أقل ما في ذلك
من القباحة بل هو أشنع و أعظم و أفظع و
أقبح و أبشع لو خرج المولود من بطن أمه و هو يعقل أن يرى منها ما لا يحل له و لا
يحسن به أن يراه أ فلا ترى كيف أقيم كل شيء
من الخلقة على غاية الصواب و خلا من الخطإ دقيقه و جليله
توحيدالمفضل ص : 53
منفعة الأطفال في البكاء
اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء من المنفعة و اعلم أن في أدمغة الأطفال رطوبة إن
بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة و عللا
عظيمة من ذهاب البصر و غيره و البكاء يسيل تلك الرطوبة من رءوسهم فيعقبهم ذلك الصحة
في أبدانهم و السلامة في أبصارهم أ
فليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء و والداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان
ليسكتانه و يتوخيان في الأمور مرضاته لئلا يبكي و
هما لا يعلمان أن البكاء أصلح له و أجمل عاقبة فهكذا يجوز أن يكون في كثير من
الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال و لو
عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه و لا يعلمون
السبب فيه فإن كل ما لا يعرفه المنكرون
يعلمه العارفون و كثيرا ما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه و
علت كلمته فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من
الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة
كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته
إلى حد البله و الجنون و التخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج
توحيدالمفضل ص : 54
و اللقوة و ما أشبههما فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في
ذلك من الصحة في كبرهم فتفضل على خلقه
بما جهلوه و نظر لهم بما لم يعرفوه و لو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في
معصيته فسبحانه ما أجل نعمته و أسبغها
على المستحقين و غيرهم من خلقه تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا
آلات الجماع و هيئتها
انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك
عليه فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتى
تصل النطفة إلى الرحم إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره و خلق للأنثى وعاء
قعرا ليشتمل على الماءين جميعا و يحتمل
الولد و يتسع له و يصونه حتى يستحكم أ ليس ذلك من تدبير حكيم لطيف سبحانه و تعالى
عما يشركون
أعضاء البدن و فوائد كل منها
فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع و تدبير كل منها للأرب
توحيدالمفضل ص : 55
فاليدان للعلاج و الرجلان للسعي و العينان للاهتداء و الفم للاغتذاء و المعدة للهضم
و الكبد للتخليص و المنافذ لتنفيذ الفضول و
الأوعية لحملها و الفرج لإقامة النسل و كذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملتها و أعملت
فكرك فيها و نظرك وجدت كل شيء منها قد قدر
لشيء على صواب و حكمة
زعم الطبيعيين و جوابه
قال المفضل فقلت يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة فقال ع سلهم عن هذه
الطبيعة أ هي شيء له علم و قدرة على
مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك فإن أوجبوا لها العلم و القدرة فما يمنعهم من إثبات
الخالق فإن هذه صنعته و إن زعموا أنها تفعل
هذه الأفعال بغير علم و لا عمد و كان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم
أن هذا الفعل للخالق الحكيم فإن الذي سموه
طبيعة هو سنته في خلقه الجارية على ما أجراها عليه
توحيدالمفضل ص : 56
عملية الهضم و تكون الدم و جريانه في الشرايين و الأوردة
فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن و ما فيه من التدبير فإن الطعام يصير إلى
المعدة فتطبخه و تبعث بصفوه إلى الكبد في
عروق دقاق واشجة بينهما قد جعلت كالمصفى للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء
فينكاها و ذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف
ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما و ينفذه إلى البدن كله في مجاري مهيئة
لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ليطرد
في الأرض كلها و ينفذ ما يخرج منه من الخبث و الفضول إلى مفايض قد أعدت لذلك
توحيدالمفضل ص : 57
فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة و ما كان من جنس السوداء جرى إلى
الطحال و ما كان من البلة و الرطوبة جرى
إلى المثانة فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن و وضع هذه الأعضاء منه مواضعها و
أعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا
تنتشر في البدن فتسقمه و تنهكه فتبارك من أحسن التقدير و أحكم التدبير و له الحمد
كما هو أهله و مستحقه
أول نشوء الأبدان تصوير الجنين في الرحم
قال المفضل فقلت صف نشوء الأبدان و نموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام و الكمال
قال ع أول ذلك تصوير الجنين في
توحيدالمفضل ص : 58
الرحم حيث لا تراه عين و لا تناله يد و يدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه
قوامه و صلاحه من الأحشاء و الجوارح و
العوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام و اللحم و الشحم و العصب و المخ و العروق
و الغضاريف فإذا خرج إلى العالم تراه
كيف ينمو بجميع أعضائه و هو ثابت على شكل و هيئة لا تتزايد و لا تنقص إلى أن يبلغ
أشده إن مد في عمره أو يستوفى مدته قبل
ذلك هل هذا إلا من لطيف التدبير و الحكمة
اختصاص الإنسان بالانتصاب و الجلوس دون البهائم
انظر يا مفضل ما خص به الإنسان في خلقه تشرفا و تفضلا على البهائم فإنه خلق ينتصب
قائما و يستوي جالسا ليستقبل الأشياء
بيديه و جوارحه و يمكنه العلاج و العمل بهما فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع
لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال
تخصص الإنسان بالحواس و تشرفه بها دون غيره
انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الإنسان في خلقه و شرف بها على غيره
كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح
فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء و لم تجعل في الأعضاء
توحيدالمفضل ص : 59
التي تحتهن كاليدين و الرجلين فتعترضها الآفات و يصيبها من مباشرة العمل و الحركة
ما يعللها و يؤثر فيها و ينقص منها و لا في
الأعضاء التي وسط البدن كالبطن و الظهر فيعسر تقلبها و اطلاعها نحو الأشياء
الحواس الخمس و أعمالها و ما في ذلك من الأسرار
فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس و هو
بمنزلة الصومعة لها فجعل الحواس خمسا
تلقى خمسا لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت
الألوان و لم يكن بصر يدركها لم تكن فيها
منفعة و خلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات و لم يكن سمع يدركها لم يكن فيها
أرب و كذلك سائر الحواس ثم هذا
يرجع متكافيا فلو كان بصر و لم تكن الألوان لما كان للبصر معنى و لو كان سمع و لم
تكن أصوات لم يكن للسمع موضع
تقدير الحواس بعضها يلقى بعضا
فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه و لكل محسوس حاسة
تدركه و مع هذا فقد جعلت
توحيدالمفضل ص : 60
أشياء متوسطة بين الحواس و المحسوسات لا تتم الحواس إلا بها كمثل الضياء و الهواء
فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم
يكن البصر يدرك اللون و لو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك
الصوت فهل يخفي على من صح نظره و
أعمل فكره إن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس و المحسوسات بعضها يلقى بعضا و
تهيئة أشياء أخر بها تتم الحواس لا يكون
إلا بعمل و تقدير من لطيف خبير
فيمن عدم البصر و السمع و العقل و ما في ذلك من الموعظة
فكر يا مفضل فيمن عدم البصر من الناس و ما يناله من الخلل في أموره فإنه لا يعرف
موضع قدميه و لا يبصر ما بين يديه فلا يفرق
بين الألوان و بين المنظر الحسن و القبيح و لا يرى حفرة إن هجم عليها و لا عدوا إن
أهوى إليه بسيف و لا يكون له سبيل إلى أن
يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة و التجارة و الصياغة حتى أنه لو لا نفاذ
ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى و كذلك من عدم
السمع يختل في أمور كثيرة فإنه يفقد روح المخاطبة و المحاورة و يعدم لذة الأصوات و
اللحون المشجية و المطربة و تعظم
المئونة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به و لا يسمع شيئا من أخبار الناس و
أحاديثهم حتى يكون كالغائب و هو شاهد أو
كالميت
توحيدالمفضل ص : 61
و هو حي فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيرا مما تهتدي إليه
البهائم أ فلا ترى كيف صارت الجوارح و
العقل و سائر الخلال التي بها صلاح الإنسان و التي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله
في ذلك من الخلل يوافي خلقه على التمام حتى لا
يفقد شيئا منها فلم كان كذلك إلا أنه خلق بعلم و تقدير قال المفضل فقلت فلم صار بعض
الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله من
ذلك مثل ما وصفته يا مولاي قال ع ذلك للتأديب و الموعظة لمن يحل ذلك به و لغيره
بسببه كما يؤدب الملوك الناس للتنكيل و
الموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم و يتصوب من تدبيرهم ثم إن للذين تنزل
بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن
شكروا و أنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها حتى أنهم لو خيروا بعد الموت
لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب
الأعضاء المخلوقة أفرادا و أزواجا و كيفية ذلك
فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا و أزواجا و ما في ذلك من الحكمة و التقدير
و الصواب في التدبير فالرأس مما خلق فردا و
لم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له
توحيدالمفضل ص : 62
أكثر من واحد أ لا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير
حاجة إليه لأن الحواس التي يحتاج إليها
مجتمعة في رأس واحد ثم كان الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلم من أحدهما
كان الآخر معطلا لا أرب فيه و لا حاجة
إليه و إن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه و إن تكلم
بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر
السامع بأي ذلك يأخذ و أشباه هذا من الأخلاط و اليدان مما خلق أزواجا و لم يكن
للإنسان خير في أن يكون له يد واحدة لأن ذلك
كان يخل به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء أ لا ترى أن النجار و البناء لو شلت
إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته و إن
تكلف ذلك لم يحكمه و لم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل
الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في الإنسان و عمل كل منها
أطل الفكر يا مفضل في الصوت و الكلام و تهيئة آلاته في الإنسان فالحنجرة كالأنبوبة
لخروج الصوت و اللسان و الشفتان و
الأسنان لصياغة الحروف و النغم أ لا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين و من سقطت
شفته لم يصحح الفاء و من ثقل لسانه لم
يفصح الراء و أشبه
توحيدالمفضل ص : 63
شيء بذلك المزمار الأعظم فالحنجرة تشبه قصبة المزمار و الرئة تشبه الزق الذي ينفخ
فيه لتدخل الريح و العضلات التي تقبض على
الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزامير و
الشفتان و الأسنان التي تصوغ الصوت حروفا و
نغما كالأصابع التي تختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانا غير أنه و إن كان مخرج
الصوت يشبه المزمار بالآلة و التعريف فإن
المزمار في الحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت
ما في الأعضاء من الم آرب الأخرى
قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام و إقامة الحروف و فيها مع الذي
ذكرت لك م آرب أخرى فالحنجرة ليسلك فيها
هذا النسيم إلى الرئة فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو حبس شيئا
يسيرا لهلك الإنسان و باللسان تذاق الطعوم
فيميز بينها و يعرف كل واحد منها حلوها من مرها و حامضها من مرها و مالحها من عذبها
و طيبها من خبيثها و فيه مع ذلك معونة على
إساغة الطعام و الشراب و الأسنان لمضغ الطعام حتى يلين و تسهل إساغته و هي مع ذلك
كالسند للشفتين تمسكهما و تدعمهما من
داخل الفم و اعتبر ذلك فإنك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة و مضطربها و بالشفتين
يترشف الشراب حتى
توحيدالمفضل ص : 64
يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد و قدر لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكي في
الجوف ثم همى بعد ذلك كالباب المطبق على
الفم يفتحها الإنسان إذا شاء و يطبقها إذا شاء و فيما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد
من هذه الأعضاء يتصرف و ينقسم إلى وجوه من
المنافع كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى و ذلك كالفأس تستعمل في النجارة و
الحفر و غيرهما من الأعمال
الدماغ و أغشيته و الجمجمة و فائدتها
و لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض و
تمسكه فلا يضطرب و لرأيت عليه
الجمجمة بمنزلة البيضة كيما تقيه هد الصدمة و الصكة التي ربما وقعت في الرأس ثم قد
جللت الجمجمة بالشعر حتى صارت بمنزلة
الفرو للرأس يستره من شدة الحر و البرد فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه و
جعله ينبوع الحس و المستحق للحيطة و
الصيانة بعلو منزلته من البدن و ارتفاع درجته و خطير مرتبته
توحيدالمفضل ص : 65
الجفن و أشفاره
تأمل يا مفضل الجفن على العين كيف جعل كالغشاء و الأشفار كالأشراح و أولجها في هذا
الغار و أظلها بالحجاب و ما عليه من الشعر
الفؤاد و مدرعته
يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر و كساه المدرعة التي غشاؤه و حصنه بالجوانح و
ما عليها من اللحم و العصب لئلا يصل
إليه ما ينكيه
الحلق و المريء
من جعل في الحلق منفذين أحدهما لمخرج الصوت و هو الحلقوم
توحيدالمفضل ص : 66
المتصل بالرئة و الآخر منفذا للغذاء و هو المريء المتصل بالمعدة الموصل الغذاء
إليها و جعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن
يصل إلى الرئة فيقتل
الرئة و عملها أشراج منافذ البول و الغائط
من جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر و لا تختل لكيلا تتحير الحرارة في الفؤاد فتؤدي
إلى التلف من جعل لمنافذ البول و الغائط
أشراجا تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الإنسان عيشه فكم عسى أن يحصي
المحصي من هذا بل الذي لا يحصى منه و لا
يعلمه الناس أكثر
المعدة عصبانية و الكبد
من جعل المعدة عصبانية شديدة و قدرها لهضم الطعام الغليظ و من جعل الكبد رقيقة
ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء و
لتهضم
توحيدالمفضل ص : 67
و تعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر أ ترى الإهمال يأتي بشيء من ذلك
كلا بل هو تدبير مدبر حكيم قادر عليم بالأشياء
قبل خلقه إياها لا يعجزه شيء و هو اللطيف الخبير
المخ و الدم و الأظفار و الأذن و لحم الأليتين و الفخذين
فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام هل ذلك إلا ليحفظه و يصونه
لم صار الدم السائل محصورا في العروق
بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا
وقاية لها و معونة على العمل لم صار داخل
الأذن ملتويا كهيأه اللولب إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع و ليكسر حمة
الريح فلا ينكي في السمع لم حمل الإنسان
على فخذيه و أليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها كما
يألم من نحل جسمه و قل لحمه إذا لم يكن بينه
و بين الأرض حائل يقيه صلابتها
الإنسان ذكر و أنثى و تناسله و آلات العمل و حاجته و حيلته و إلزامه بالحجة
من جعل الإنسان ذكرا و أنثى إلا من خلقه متناسلا و من خلقه
توحيدالمفضل ص : 68
متناسلا إلا من خلقه مؤملا و من أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا و من خلقه
عاملا إلا من جعله محتاجا و من جعله محتاجا إلا من
ضربه بالحاجة و من ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه و من خصه بالفهم إلا من أوجب
الجزاء و من وهب له الحيلة إلا من ملكه
الحول و من ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم
يبلغ مدى شكره فكر و تدبر ما وصفته هل تجد
الإهمال يأتي على مثل هذا النظام و الترتيب تبارك الله تعالى عما يصفون
الفؤاد و ثقبه المتصلة بالرئة
أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروح
عن الفؤاد حتى لو اختلفت تلك الثقب و تزايل
بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد و لهلك الإنسان أ فيستجيز ذو فكرة و روية أن
يزعم أن مثل هذا يكون بالإهمال و لا يجد
شاهدا من نفسه يزعه عن هذا القول لو رأيت فردا من مصراعين فيه
توحيدالمفضل ص : 69
كلوب أ كنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر
فيبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من
المصلحة و هكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ من فرد أنثى فيلتقيان
لما فيه من دوام النسل و بقائه فتبا و خيبة و
تعسا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير و
العمد فيها
فرج الرجل و الحكمة فيه
لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه و لو كان
منعضا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في
الفراش أو يمشي بين الناس و شيء شاخص أمامه ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك
الشهوة في كل وقت من الرجال و النساء
جميعا فقدر الله جل اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت و لا يكون على
الرجال منه مؤنة بل جعل فيه قوة الانتصاب
وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه من دوام النسل و بقائه
توحيدالمفضل ص : 70
منفذ الغائط و وصفه
اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الإنسان في مطعمه و مشربه و تسهيل خروج الأذى أ
ليس من حسن التقدير في بناء الدار أن
يكون الخلاء في أستر موضع منها فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من
الإنسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزا من
خلفه و لا ناشزا من بين يديه بل هو مغيب في موضع غامض من البدن مستور محجوب يلتقي
عليه الفخذان و تحجبه الأليتان بما
عليهما من اللحم فتواريانه فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء و جلس تلك الجلسة ألفى
ذلك المنفذ منه منصبا مهيأ لانحدار الثفل
فتبارك من تظاهرت آلاؤه و لا تحصى نعماؤه
الطواحن من أسنان الإنسان
فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للإنسان فبعضها حداد لقطع الطعام و قرضه و
بعضها عراض لمضغه و رضه فلم ينقص واحد
من الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعا
توحيدالمفضل ص : 71
الشعر و الأظفار و فائدة قصهما
تأمل و اعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر و الأظفار فإنهما لما كانا مما يطول و يكثر
حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديما
الحس لئلا يؤلم الإنسان الأخذ منهما و لو كان قص الشعر و تقليم الأظفار مما يوجد له
ألم وقع من ذلك بين مكروهين إما أن يدع
كل واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه و إما أن يخففه بوجع و ألم يتألم منه قال المفضل
فقلت فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد
فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه فقال ع إن لله تبارك اسمه في ذلك على العبد نعما لا
يعرفها فيحمده عليها اعلم أن آلام البدن و
أدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه و بخروج الأظفار من أناملها و لذلك أمر الإنسان
بالنورة و حلق الرأس و قص الأظفار في كل
أسبوع ليسرع الشعر و الأظفار في النبات فتخرج الآلام و الأدواء بخروجهما و إذا طالا
تحيرا و قل خروجهما فاحتبست الآلام و
الأدواء في البدن
توحيدالمفضل ص : 72
فأحدثت عللا و أوجاعا و منع مع ذلك الشعر من المواضع التي تضر بالإنسان و تحدث عليه
الفساد و الضر لو نبت الشعر في العين أ
لم يكن سيعمى البصر و لو نبت في الفم أ لم يكن سينغص على الإنسان طعامه و شرابه و
لو نبت في باطن الكف أ لم يكن سيعوقه
عن صحة اللمس و بعض الأعمال و لو نبت في فرج المرأة و على ذكر الرجل أ لم يكن سيفسد
عليهما لذة الجماع فانظر كيف تنكب
الشعر عن هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة ثم ليس هذا في الإنسان فقط بل تجده في
البهائم و السباع و سائر المتناسلات
فإنك ترى أجسامها مجللة بالشعر و ترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه فتأمل
الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطإ و المضرة
و تأتي بالصواب و المنفعة
شعر الركب و الإبطين
إن المنانية و أشباههم حين أجهدوا في عيب الخلقة و العمد عابوا الشعر النابت على
الركب و الإبطين و لم يعلموا أن ذلك من
رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب في مستنفع المياه أ
فلا ترى إلى هذه المواضع أستر و أهيأ
لقبول تلك الفضلة من غيرها
توحيدالمفضل ص : 73
ثم إن هذه تعد مما يحمل الإنسان من مؤنة هذا البدن و تكاليفه لما له في ذلك من
المصلحة فإن اهتمامه بتنظيف بدنه و أخذ ما يعلوه
من الشعر مما يكسر به شرته و يكف عاديته و يشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من
الأشر و البطالة
الريق و ما فيه من المنفعة
تأمل الريق و ما فيه من المنفعة فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق و
اللهوات فلا يجف فإن هذه المواضع لو جعلت
كذلك كان فيه هلاك الأسنان ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة
تنفذه تشهد بذلك المشاهدة و اعلم أن
الرطوبة مطية الغذاء و قد تجري من هذه البله إلى مواضع أخر من المرة فيكون في ذلك
صلاح تام للإنسان و لو يبست المرة لهلك
الإنسان
محاذير كون بطن الإنسان كهيئة القباء
و لقد قال قوم من جهلة المتكلمين و ضعفة المتفلسفين بقلة التمييز
توحيدالمفضل ص : 74
و قصور العلم لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه
و يدخل يده فيعالج ما أراد علاجه أ لم يكن
أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر و اليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة
كمثل النظر إلى البول و جس العرق و ما أشبه
ذلك مما يكثر فيه الغلط و الشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت فلو علم هؤلاء الجهلة
أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أن كان
يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض و الموت و كان يستشعر البقاء و يغتر بالسلامة
فيخرجه ذلك إلى العتو و الأشر ثم كانت
الرطوبات التي في البطن تترشح و تتحلب فيفسد على الإنسان مقعده و مرقده و ثياب
بدلته و زينته بل كان يفسد عليه عيشه ثم إن
المعدة و الكبد و الفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله
محتبسة في الجوف فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى
يصل البصر إلى رؤيته و اليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة
الغريزية و بطل عمل الأحشاء فكان في ذلك
هلاك الإنسان أ فلا ترى أن كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت
توحيدالمفضل ص : 75
به الخلقة خطأ و خطل
أفعال الإنسان في الطعم و النوم و الجماع و شرح ذلك
فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم و النوم و الجماع و ما دبر
فيها فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع
نفسه محرك يقتضيه و يستحث به فالجوع يقتضي الطعم الذي فيه راحة البدن و قوامه و
الكرى يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن
و إجمام قواه و الشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل و بقاؤه و لو كان الإنسان
إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة
بدنه إليه و لم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا
بالثقل و الكسل حتى ينحل بدنه فيهلك كما
يحتاج الواحد إلى الدواء لشيء مما يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض
و الموت و كذلك لو كان إنما يصير إلى
النوم بالفكر في حاجته إلى راحة البدن و إجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك
فيدفعه حتى ينهك بدنه و لو كان إنما يتحرك
للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع فإن من
الناس من لا يرغب في الولد و لا يحفل به
توحيدالمفضل ص : 76
فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان و صلاحه محركا من نفس
الطبع يحركه لذلك و يحدوه عليه و
اعلم أن في الإنسان قوى أربعا قوة جاذبة تقبل الغذاء و تورده على المعدة و قوة
ماسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها
و قوة هاضمة و هي التي تطبخه و تستخرج صفوه و تبثه في البدن و قوة دافعة تدفعه و
تحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها
ففكر في تقدير هذه القوى الأربع التي في البدن و أفعالها و تقديرها للحاجة إليها و
الأرب فيها و ما في ذلك من التدبير و الحكمة فلو
لا الجاذبة كيف كان يتحرك الإنسان لطلب الغذاء الذي به قوام البدن و لو لا الماسكة
كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى
تهضمه المعدة و لو لا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن و
يسد خلله و لو لا الدافعة كيف كان الثفل
الذي تخلفه الهاضمة يندفع و يخرج أولا فأولا أ فلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطف
صنعه و حسن تقديره هذه القوى بالبدن و
القيام بما فيه صلاحه و سأمثل لك في ذلك مثالا إن البدن بمنزلة دار الملك له فيها
حشم و صبية
توحيدالمفضل ص : 77
و قوام موكلون بالدار فواحد لقضاء حوائج الحشم و إيرادها عليهم و آخر لقبض ما يرد و
خزنة إلى أن يعالج و يهيأ و آخر لعلاج ذلك
و تهيئته و تفريقه و آخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار و إخراجه منها فالملك في
هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين و الدار هي
البدن و الحشم هم الأعضاء و القوام هم هذه القوى الأربع و لعلك ترى ذكرنا هذه القوى
الأربع و أفعالها بعد الذي وصفت فضلا و
تزدادا و ليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء و لا قولنا
فيه كقولهم لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه
في صناعة الطب و تصحيح الأبدان و ذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين و شفاء النفوس
من الغي كالذي أوضحته بالوصف الشافي
و المثل المضروب من التدبير و الحكمة فيها
قوى النفس و موقعها من الإنسان
تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس و موقعها من الإنسان
توحيدالمفضل ص : 78
أعني الفكر و الوهم و العقل و الحفظ و غير ذلك أ فرأيت لو نقص الإنسان من هذه
الخلال الحفظ وحده كيف كانت تكون حاله و كم
من خلل كان يدخل عليه في أموره و معاشه و تجاربه إذا لم يحفظ ما له و ما عليه و ما
أخذه و ما أعطى و ما رأى و ما سمع و ما قال و ما
قيل له و لم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به و ما نفعه مما ضره ثم كان لا يهتدي
لطريق لو سلكه ما لا يحصى و لا يحفظ علما و لو
درسه عمره و لا يعتقد دينا و لا ينتفع بتجربة و لا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى
بل كان حقيقا أن ينسلخ من الإنسانية
النعمة على الإنسان في الحفظ و النسيان
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال و كيف موقع الواحدة منها دون الجميع و
أعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ
النعمة في النسيان فإنه لو لا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة و لا انقضت له حسرة و
لا مات له حقد و لا استمتع بشيء من متاع
الدنيا مع تذكر الآفات و لا رجاء غفلة من سلطان و لا فترة من حاسد أ فلا ترى كيف
جعل في الإنسان الحفظ و النسيان و هما مختلفان
متضادان و جعل له في كل منهما ضربا من المصلحة و ما عسى أن يقول الذين قسموا
الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء
المتضادة المتباينة و قد تراها تجتمع
توحيدالمفضل ص : 79
على ما فيه الصلاح و المنفعة
اختصاص الإنسان بالحياء دون بقية الحيوانات
انظر يا مفضل إلى ما خص به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره
العظيم غناؤه أعني الحياء فلولاه لم يقر ضيف
و لم يوف بالعداة و لم تقض الحوائج و لم يتحر الجميل و لم يتنكب القبيح في شيء من
الأشياء حتى إن كثيرا من الأمور المفترضة
أيضا إنما يفعل للحياء فإن من الناس من لو لا الحياء لم يرع حق والديه و لم يصل ذا
رحم و لم يؤد أمانة و لم يعف عن فاحشة أ فلا
ترى كيف وفى الإنسان جميع الخلال التي فيها صلاحه و تمام أمره
اختصاص الإنسان بالمنطق و الكتابة
تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به على الإنسان من هذا المنطق الذي يعبر به
عما في ضميره و ما يخطر بقلبه و ينتجه
فكره
توحيدالمفضل ص : 80
و به يفهم عن غيره ما في نفسه و لو لا ذلك كان بمنزله البهائم المهملة التي لا تخبر
عن نفسها بشيء و لا تفهم عن مخبر شيئا و كذلك
الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين و أخبار الباقين للآتين و بها تخلد
الكتب في العلوم و الآداب و غيرها و بها يحفظ
الإنسان ذكر ما يجري بينه و بين غيره من المعاملات و الحساب و لولاه لانقطع أخبار
بعض الأزمنة عن بعض و أخبار الغائبين عن
أوطانهم و درست العلوم و ضاعت الآداب و عظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم و
معاملاتهم و ما يحتاجون إلى النظر فيه
من أمر دينهم و ما روى لهم مما لا يسعهم جهله و لعلك تظن أنها مما يخلص إليه
بالحيلة و الفطنة و ليست مما أعطيه الإنسان من
خلقه و طباعه و كذلك الكلام إنما هو شيء يصطلح عليه الناس فيجري بينهم و لهذا صار
يختلف في الأمم المختلفة و كذلك لكتابة
العربي و السرياني و العبراني و الرومي و غيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في
الأمم إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على
الكلام فيقال لمن ادعى ذلك أن الإنسان و إن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة
فإن الشيء الذي يبلغ به ذلك الفعل و الحيلة
عطية و هبة من الله عز و جل له في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيأ للكلام و ذهن
يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم أبدا و لو لم
تكن له كف مهيئة و أصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا و اعتبر ذلك من البهائم التي لا
كلام لها و لا كتابة فأصل ذلك فطرة الباري جل
و عز و ما تفضل به على خلقه فمن شكر أثيب
توحيدالمفضل ص : 81
و من كفر فإن الله غني عن العالمين
إعطاء الإنسان ما يصلح دينه و دنياه و منعه مما سوى ذلك
فكر يا مفضل فيما أعطي الإنسان علمه و ما منع فإنه أعطي جميع علم ما فيه صلاح دينه
و دنياه فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق
تبارك و تعالى بالدلائل و الشواهد القائمة في الخلق و معرفة الواجب عليه من العدل
على الناس كافة و بر الوالدين و أداء الأمانة و
مواساة أهل الخلة و أشباه ذلك مما قد توجد معرفته و الإقرار و الاعتراف به في الطبع
و الفطرة من كل أمة موافقة أو مخالفة و كذلك
أعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة و الغراس و استخراج الأرضين و اقتناء الأغنام
و الأنعام و استنباط المياه و معرفة العقاقير
التي يستشفى بها من ضروب الأسقام و المعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر و ركوب
السفن و الغوص في البحر و ضروب
الحيل في صيد الوحش و الطير و الحيتان و التصرف في الصناعات و وجوه المتاجر و
المكاسب و غير ذلك مما يطول شرحه و يكثر
تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار فأعطي علم ما يصلح به دينه و دنياه و منع ما
سوى ذلك مما ليس في شأنه و لا طاقته أن يعلم
كعلم الغيب و ما هو كائن و بعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء و ما تحت الأرض و
ما في لجج البحار و أقطار العالم و ما في
قلوب الناس و ما في الأرحام و أشباه هذا مما حجب عن الناس علمه
توحيدالمفضل ص : 82
و قد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما يبين من خطئهم فيما يقضون
عليه و يحكمون به فيما ادعوا عليه فانظر كيف
أعطي الإنسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه و دنياه و حجب عنه ما سوى ذلك ليعرف
قدره و نقصه و كلا الأمرين فيها صلاحه
ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته
تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته فإنه لو عرف مقدار عمره و
كان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب
الموت و توقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء فقد
استشعر الفقر و الوجل من فناء ماله و خوف
الفقر على أن الذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء
المال لأن من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه
فيسكن إلى ذلك و من أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس و إن كان طويل العمر ثم عرف
ذلك وثق بالبقاء و انهمك في اللذات و
المعاصي و عمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره و هذا مذهب لا يرضاه
الله من عباده و لا يقبله أ لا ترى لو أن عبدا
لك عمل على أنه يسخطك سنة و يرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه و لم يحل عندك محل
العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك و
نصحك في كل الأمور و في كل الأوقات على تصرف الحالات فإن قلت أ و ليس قد يقيم
الإنسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل
توبته قلنا إن ذلك شيء يكون من الإنسان لغلبة
توحيدالمفضل ص : 83
الشهوات له و تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه و يبني عليه أمره فيصفح الله
عنه و يتفضل عليه بالمغفرة فأما من قدر أمره
على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع بأن يتسلف
التلذذ في العاجل و يعد و يمني نفسه التوبة
في الأجل و لأنه لا يفي بما يعد من ذلك فإن النزوع من الترفه و التلذذ و معاناة
التوبة و لا سيما عند الكبر و ضعف البدن أمر صعب و
لا يؤمن على الإنسان مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب
كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل و قد
يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل و قد نفذ المال فيبقى الدين
قائما عليه فكان خير الأشياء للإنسان أن يستر
عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقب الموت فيترك المعاصي و يؤثر العمل الصالح فإن
قلت و ها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته
و صار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش و ينتهك المحارم قلنا إن وجه
توحيدالمفضل ص : 84
التدبير في هذا الباب هو الذي جرى عليه الأمر فيه فإن كان الإنسان مع ذلك لا يرعوى
و لا ينصرف عن المساوئ فإنما ذلك من مرحه و
من قساوة قلبه لا من خطإ في التدبير كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به فإن
كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما
يأمره و لا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته و لم تكن الإساءة في ذلك للطبيب بل
للمريض حيث لم يقبل منه و لئن كان الإنسان
مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن
يخرج إلى الكبائر الفظيعة فترقب الموت
على كل حال خير له من الثقة بالبقاء ثم إن ترقب الموت و إن كان صنف من الناس يلهون
عنه و لا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر
منهم و ينزعون عن المعاصي و يؤثرون العمل الصالح و يجودون بالأموال و العقائل
النفيسة في الصدقة على الفقراء و المساكين
فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظهم منها
الأحلام و امتزاج صادقها بكاذبها و سر ذلك
فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها فمزج صادقها
توحيدالمفضل ص : 85
بكاذبها فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء و لو كانت كلها تكذب لم
يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له فصارت
تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي لها أو مضرة يتحذر منها و تكذب كثيرا
لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد
الأشياء المخلوقة لم آرب الإنسان و إيضاح ذلك
فكر يا مفضل في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من م آربهم فالتراب
للبناء و الحديد للصناعات و الخشب للسفن و
غيرها و الحجارة للأرحاء و غيرها و النحاس للأواني و الذهب و الفضة للمعاملة و
الذخيرة و الحبوب للغذاء و الثمار للتفكه و اللحم
للمأكل و الطيب للتلذذ و الأدوية للتصحح و الدواب للحمولة و الحطب للتوقد و الرماد
للكلس و الرمل للأرض و كم عسى أن يحصي
المحصي من هذا و شبهه أ رأيت لو أن داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوءة من كل ما
يحتاج إليه الناس و رأى كلما فيها مجموعا
معدا لأسباب معروفة أ كان يتوهم أن مثل هذا يكون بالإهمال و من غير عمد فكيف يستجيز
قائل أن يقول هذا من صنع الطبيعة في
العالم و ما أعد فيه من هذه الأشياء
توحيدالمفضل ص : 86
اعتبر يا مفضل بأشياء خلقت لم آرب الإنسان و ما فيها من التدبير فإنه خلق له الحب
لطعامه و كلف طحنه و عجنه و خبزة و خلق له
الوبر لكسوته فكلف ندفه و غزله و نسجه و خلق له الشجر فكلف غرسها و سقيها و القيام
عليها و خلقت له العقاقير لأدويته فكلف
لقطها و خلطها و صنعها و كذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال فانظر كيف كفى
الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة و ترك عليه في
كل شيء من الأشياء موضع عمل و حركة لما له في ذلك من الصلاح لأنه لو كفى هذا كله
حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل و
عمل لما حملته الأرض أشرا و بطرا و لبلغ به ذلك إلى أن يتعاطى أمورا فيها تلف نفسه
و لو كفى الناس كلما يحتاجون إليه لما تهنئوا
بالعيش و لا وجدوا له لذة أ لا ترى لو أن امرأ نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما
يحتاج إليه من مطعم و مشرب و خدمة لتبرم بالفراغ
و نازعته نفسه إلى التشاغل بشيء فكيف لو كان طول عمره مكفيا لا يحتاج إلى شيء فكان
من صواب التدبير في هذه الأشياء التي
خلقت للإنسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة و لتكفه عن تعاطي ما لا
يناله و لا خير فيه إن ناله
توحيدالمفضل ص : 87
الخبز و الماء رأس معاش الإنسان و حياته
و اعلم يا مفضل أن رأس معاش الإنسان و حياته الخبز و الماء فانظر كيف دبر الأمر
فيهما فإن حاجة الإنسان إلى الماء أشد من حاجته
إلى الخبز و ذلك أن صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش و الذي يحتاج إليه من
الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز لأنه
يحتاج إليه لشربه و وضوئه و غسله و غسل ثيابه و سقي أنعامه و زرعه فجعل الماء
مبذولا لا يشترى لتسقط عن الإنسان المئونة في
طلبه و تكلفه و جعل الخبز متعذرا لا ينال إلا بالحيلة و الحركة ليكون للإنسان في
ذلك شغل يكفه عما يخرجه إليه الفراغ من الأشر
و العبث أ لا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدب و هو طفل لم تكمل ذاته للتعليم كل ذلك
ليشتغل عن اللعب و العبث الذين ربما جنيا
عليه و على أهله المكروه العظيم و هكذا الإنسان لو خلا من الشغل لخرج من الأشر و
العبث و البطر إلى ما يعظم ضرره عليه و على
من قرب منه و اعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة و رفاهية العيش و الترفه و الكفاية و ما
يخرجه ذلك إليه
اختلاف صور الناس و تشابه الوحوش و الطير و غيرها من الحكمة في ذلك
اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما تتشابه الوحوش و الطير و غير ذلك فإنك
ترى السرب من الظباء و القطا تتشابه حتى لا
يفرق
توحيدالمفضل ص : 88
بين واحد منها و بين الأخرى و ترى الناس مختلفة صورهم و خلقهم حتى لا يكاد اثنان
منهم يجتمعان في صفة واحدة و العلة في ذلك
أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم و حلاهم لما يجرى بينهم من المعاملات و
ليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج
إلى معرفة كل واحد منها بعينه و حليته أ لا ترى أن التشابه في الطير و الوحش لا
يضرها شيئا و ليس كذلك الإنسان فإنه ربما تشابه
التوأم تشابها شديدا فتعظم المئونة على الناس في معاملتهما حتى يعطى أحدهما بالآخر
و يؤخذ أحدهما بذنب الآخر و قد يحدث مثل
هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصور فمن لطف بعباده بهذه الدقائق التي لا
تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب إلا
من وسعت رحمته كل شيء لو رأيت تمثال الإنسان مصورا على حائط و قال لك قائل إن هذا
ظهر هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع أ
كنت تقبل ذلك بل كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد و لا تنكر في
الإنسان الحي الناطق
توحيدالمفضل ص : 89
نمو أبدان الحيوان و توقفها و سبب ذلك
لم صارت أبدان الحيوان و هي تغتذي أبدا لا تنمي بل تنتهي إلى غاية من النمو ثم تقف
و لا تتجاوزها لو لا التدبير في ذلك فإن تدبير
الحكيم فيها أن تكون أبدان كل صنف منها على مقدار معلوم غير متفاوت في الكبير و
الصغير و صارت تنمي حتى تصل إلى غايتها ثم
تقف ثم لا تزيد و الغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع و لو تنمي نموا دائما لعظمت أبدانها
و اشتبهت مقاديرها حتى لا يكون لشيء منها حد
يعرف
ما يعتري أجسام الإنس من ثقل الحركة و المشي لو لم يصبها ألم
لم صارت أجسام الإنس خاصة تثقل عن الحركة و المشي و تجفو عن الصناعات اللطيفة إلا
لتعظيم المئونة فيما يحتاج إليه الناس
للملبس و المضجع و التكفين و غير ذلك لو كان الإنسان لا يصيبه ألم و لا وجع بم كان
يرتدع عن الفواحش و يتواضع لله و يتعطف
على الناس...
توحيدالمفضل ص : 90
أ ما ترى الإنسان إذا عرض له وجع خضع و استكان و رغب إلى ربه في العافية و بسط يده
بالصدقة و لو كان لا يألم من الضرب بم كان
السلطان يعاقب الدعار و يذل العصاة المردة و بم كان الصبيان يتعلمون العلوم و
الصناعات و بم كان العبيد يذلون لأربابهم و
يذعنون لطاعتهم أ فليس هذا توبيخ ابن أبي العوجاء و ذويه الذين جحدوا التدبير و
المانوية الذين أنكروا الوجع و الألم
انقراض الحيوان لو لم يلد ذكورا و إناثا
و لو لم يولد من الحيوان إلا ذكر فقط أو أنثى فقط أ لم يكن النسل منقطعا و باد مع
أجناس الحيوان فصار بعض الأولاد يأتي ذكورا و
بعضها يأتي إناثا ليدوم التناسل و لا ينقطع
ظهور شعر العانة عند البلوغ و نبات اللحية للرجل دون المرأة و ما في ذلك من التدبير
لم صار الرجل و المرأة إذا أدركا تنبت لهما العانة ثم تنبت اللحية للرجل و تتخلف عن
المرأة لو لا التدبير في ذلك فإنه لما جعل
الله تبارك
توحيدالمفضل ص : 91
و تعالى الرجل قيما و رقيبا على المرأة و جعل المرأة عرسا و خولا للرجل أعطى الرجل
اللحية لما له من العز و الجلالة و الهيبة و
منعها المرأة لتبقى لها نضارة الوجه و البهجة التي تشاكل المفاكهة و المضاجعة أ فلا
ترى الخلقة كيف تأتي بالصواب في الأشياء و
تتخلل مواضع الخطإ فتعطي و تمنع على قدر الأرب و المصلحة بتدبير الحكيم عز و جل قال
المفضل ثم حان وقت الزوال فقام
مولاي إلى الصلاة و قال بكر إلى غدا إن شاء الله تعالى فانصرفت من عنده مسرورا بما
عرفته مبتهجا بما أوتيته حامدا لله تعالى عز و
جل على ما أنعم به علي شاكرا لأنعمه على ما منحني بما عرفنيه مولاي و تفضل به علي
فبت في ليلتي مسرورا بما منحنيه محبور بما
علمنيه
توحيدالمفضل ص : 92
المجلس الثاني
قال المفضل فلما كان اليوم الثاني بكرت إلى مولاي فاستؤذن لي فدخلت فأمرني بالجلوس
فجلست فقال الحمد لله مدبر الأدوار و
معيد الأكوار طبقا عن طبق و عالما بعد عالم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي
الذين أحسنوا بالحسنى عدلا منه تقدست
أسماؤه و جلت آلاؤه لا يظلم الناس شيئا و لكن الناس أنفسهم يظلمون يشهد بذلك قوله
جل قدسه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ
وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ في نظائر لها في كتابه الذي فيه
تبيان كل شيء و لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد و لذلك
توحيدالمفضل ص : 93
قال سيدنا محمد ص إنما هي أعمالكم ترد إليكم ثم أطرق الإمام هنيئة و قال يا مفضل
الخلق حيارى عمهون سكارى في طغيانهم
يترددون و بشياطينهم و طواغيتهم يقتدون بصراء عمى لا يبصرون نطقاء بكم لا يعقلون
سمعاء صم لا يسمعون رضوا بالدون و
حسبوا أنهم مهتدون حادوا عن مدرجة الأكياس و رتعوا في مرعى الأرجاس الأنجاس كأنهم
من مفاجأة الموت آمنون و عن المجازات
مزحزحون يا ويلهم
توحيدالمفضل ص : 94
ما أشقاهم و أطول عناءهم و أشد بلاءهم يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا و لا هم
ينصرون إلا من رحم الله قال المفضل فبكيت لما
سمعت منه فقال لا تبك تخلصت إذ قبلت و نجوت إذ عرفت
أبنية أبدان الحيوان و تهيئتها و إيضاح ذلك
ثم قال أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتضح لك من أمره ما وضح لك من غيره فكر في أبنية
أبدان الحيوان و تهيئتها على ما هي عليه فلا
هي صلاب كالحجارة و لو كانت كذلك لا تنثني و لا تتصرف في الأعمال و لا هي على غاية
اللين و الرخاوة فكانت لا تتحامل و لا تستقل
بأنفسها فجعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب و عروق تشده و تضم
بعضه إلى بعض و غلقت فوق ذلك بجلد
يشتمل على البدن كله و أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان و تلف بالخرق و
تشد بالخيوط و تطلي فوق ذلك بالصمغ
فتكون العيدان بمنزلة العظام و الخرق بمنزلة اللحم و الخيوط بمنزلة العصب و العروق
و الطلاء بمنزلة الجلد فإن جاز أن يكون
الحيوان المتحرك حدث بالإهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة
فإن كان هذا غير جائز في التماثيل
فبالحري أن لا يجوز في الحيوان