>
كشف اليقين ص : 1
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله القديم القاهر العظيم القادر الحليم الغافر
الكريم الساتر الأول الآخر الباطن الظاهر العالم
بمكنونات السرائر الخبير بمستودعات الضمائر المبدع لأجناس الموجودات من غير احتياج
إلى شريك و مؤازر المخترع لأنواع
الممكنات من غير افتقار إلى معين و مظاهر. أحمده على إنعامه الغامر و أشكره على
فضله الزائد الزاخر. و الصلاة على سيد الأوائل و
الأواخر محمد المصطفى و عترته الأماجد الأكابر المعصومين من الصغائر و الكبائر
المؤيدين في الموارد و المصادر. أما بعد فإن
مرسوم السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم ملك ملوك طوائف العرب و العجم شاهنشاه المعظم
راحم العباد و لطف الله في البلاد
رحمة الله تعالى في العالمين و ظل الله على الخلائق أجمعين محيي سنن الأنبياء و
المرسلين باسط العدل و ناشره و مميت الجور و
مدمره المؤيد من عند الله تعالى بالعنايات الربانية و الممدود
كشف اليقين ص : 2
منه تعالى بالألطاف الإلهية ذي النفس القدسية و الرئاسة الإنسية الواصل بفكره
الثاقب إلى أسنى المراتب المرتقي برأيه الصائب
إلى أوج الشهب الثواقب المتميز على جميع البرية بجودة القريحة و صدق الروية
أولجايتو خدابنده محمد سلطان وجه الأرض خلد
الله ملكه إلى يوم العرض و لا زالت ألويته محفوفة بالظفر و النصر و دولته محروسة من
الغير إلى يوم الحشر و النشر رسم بوضع
رسالة تشتمل على ذكر فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و
السلام فامتثلت ما رسمه و سارعت إلى ما حتمه و
وضعت هذا الكتاب الموسوم بكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ع على سبيل الإيجاز و
الاختصار من غير تطويل و لا إكثار فإن
فتح باب ذلك يؤدي إلى الملال إذ لا حصر لفضائله ع
كما رواه أخطب خوارزم عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله ص لو أن الرياض
أقلام و البحر مداد و الجن حساب و الإنس
كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب ع
كشف اليقين ص : 3
و من يصفه النبي ع بمثل ذلك كيف يمكن التعبير عن وصف فضائله. و قال بعض الشعراء و
قد لاموه في ترك مدح علي ع
لا تلمني في ترك مدح علي أنا أدري بالأمر منك و أخبر
كشف اليقين ص : 4
إن أهل السماء و الأرض في العجز سواء عن حصر أوصاف قنبر
و قال بعض الفضلاء و قد سئل عنه ع فقال ما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسدا و
أخفى أولياؤه فضائله خوفا و حذرا فظهر
في ما بين هذين فضائل طبقت الشرق و الغرب. لكن نحن نشير في هذا المختصر إلى يسير من
فضائله ع طاعة لرسم السلطان
و لما رواه أخطب خوارزم قال قال رسول الله ص إن الله تعالى جعل لأخي علي فضائل لا
تحصى كثرة فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا
بها غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و من كتب فضيلة من فضائله لم تزل
الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم و من
استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع و من نظر إلى
كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي
اكتسبها بالنظر ثم قال النظر إلى أخي علي بن أبي طالب عبادة و ذكره عبادة و لا يقبل
الله إيمان عبد إلا بولايته و البراءة من أعدائه
و قد رتبتها على فصول
كشف اليقين ص : 5
الفصل الأول في الفضائل الثابتة له قبل وجوده و ولادته و هي خمسة
الأولى ما ورد في التوراة من ذكره ع
قال الله تعالى لإبراهيم ع و أما إسماعيل فقد سمعت دعاءك فيه و قد باركته و سأثمره
و أكثره جدا جدا و أجعل منه اثني عشر شريفا
يولد و أجعله حزبا عظيما
و لا شك في أن عليا ع أحد الاثني عشر و هذه فضيلة لم يلحقه غيره فيها.
كشف اليقين ص : 6
الثانية روى أخطب خوارزم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص يا عبد الله
أتاني ملك فقال يا محمد سل من أرسلنا قبلك
من رسلنا على ما بعثوا قال قلت على ما بعثوا قال على ولايتك و ولاية علي بن أبي
طالب ع
كشف اليقين ص : 7
الثالثة أن اسمه مكتوب على العرش
روى أخطب خوارزم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص لما خلق الله تعالى آدم
و نفخ فيه من روحه عطس آدم فقال الحمد
لله
كشف اليقين ص : 8
فأوحى الله تعالى إليه حمدتني عبدي و عزتي و جلالي لو لا عبدان أريد أن أخلقهما في
دار الدنيا ما خلقتك قال إلهي فيكونان مني قال
نعم يا آدم ارفع رأسك و انظر فرفع رأسه فإذا هو مكتوب على العرش لا إله إلا الله
محمد نبي الرحمة علي مقيم الحجة و من عرف حق
علي زكا و طاب و من أنكر حقه لعن و خاب أقسمت بعزتي أن أدخل الجنة من أطاعه و إن
عصاني و أقسمت بعزتي أن أدخل النار من
عصاه و إن أطاعني
كشف اليقين ص : 9
و من كتاب المناقب عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله ص مكتوب على باب
الجنة لا إله إلا الله محمد رسول الله علي
بن أبي طالب أخو رسول الله ص قبل أن يخلق الله السماوات و الأرض بألفي عام
كشف اليقين ص : 10
و من المناقب قال قال رسول الله ص أتاني جبرئيل و قد نشر جناحيه و إذا على أحدهما
مكتوب لا إله إلا الله محمد النبي و على
الآخر مكتوب لا إله إلا الله علي الوصي
و من مسند أحمد عن جابر قال قال رسول الله ص مكتوب على باب الجنة محمد رسول الله
علي أخو رسول الله قبل أن تخلق
السماوات بألفي عام
كشف اليقين ص : 11
الرابعة ما روي أن رسول الله ص قال أنا و علي بن أبي طالب من نور واحد
روى صاحب المناقب عن سلمان قال سمعت حبيبي المصطفى ص يقول كنت أنا و علي نورا بين
يدي الله عز و جل مطبقا يسبح الله
ذلك النور و يقدسه قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق الله تعالى
آدم ركب ذلك النور في صلبه فلم نزل في شيء
واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب فجزء أنا و جزء علي
و فيه قال رسول الله ص كنت أنا و علي نورا بين يدي الله عز و جل قبل أن يخلق الله
آدم بأربعة عشر ألف سنة فلما خلق الله تعالى
أبي آدم سلك ذلك النور
كشف اليقين ص : 12
في صلبه فلم يزل الله ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره في صلب عبد المطلب ثم أخرجه من
صلب عبد المطلب فقسمه قسمين قسما
في صلب عبد الله و قسما في صلب أبي طالب فعلي مني و أنا منه لحمه لحمي و دمه دمي
فمن أحبه فيحبني أحبه و من أبغضه فيبغضني
أبغضه
كشف اليقين ص : 13
الخامسة توسل آدم به في التوبة
كشف اليقين ص : 14
روى الخوارزمي بإسناده عن ابن عباس قال سئل النبي ص عن الكلمات التي تلقاها آدم من
ربه فتاب عليه
كشف اليقين ص : 15
فقال سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علي فتاب عليه
كشف اليقين ص : 17
الفصل الثاني في الفضائل الثابتة له حال خلقه و ولادته
ولد أمير المؤمنين ع يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة
في الكعبة و لم يولد أحد سواه فيها لا قبله و
لا بعده
روى صاحب كتاب بشائر المصطفى عن يزيد بن قعنب قال كنت جالسا مع العباس بن عبد
المطلب و فريق من بني عبد العزى بإزاء بيت
الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ع
كشف اليقين ص : 18
و كانت حاملا به لتسعة أشهر و قد أخذها الطلق فقالت يا ربي إني مؤمنة بك و بما جاء
من عندك من رسل و كتب و إني مصدقة بكلام
جدي إبراهيم الخليل ع و إنه بنى بيتك العتيق فبحق الذي بنى هذا البيت و بحق المولود
الذي في بطني إلا ما يسرت علي ولادتي
قال يزيد بن قعنب فرأيت البيت قد انشق عن ظهره و دخلت فاطمة فيه و غابت عن أبصارنا
و عاد البيت إلى حاله فرمنا أن ينفتح لنا
قفل الباب فلم ينفتح فعلمنا أن ذلك من أمر الله تعالى ثم خرجت في اليوم الرابع و
على يدها أمير
كشف اليقين ص : 19
المؤمنين علي بن أبي طالب ع فقالت إني قد فضلت على من تقدمني من النساء لأن آسية
بنت مزاحم عبدت الله سرا في موضع لا يحب
الله أن يعبد فيه إلا اضطرارا و أن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى
أكلت منها رطبا جنيا و أني دخلت بيت الله
الحرام فأكلت من ثمار الجنة و أرزاقها فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف يا فاطمة سميه
عليا فهو علي و الله العلي الأعلى يقول إني
شققت اسمه من اسمي و أدبته بأدبي و أوقفته على غامض علمي و هو الذي يكسر الأصنام في
بيتي و هو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي و
يقدسني و يمجدني فطوبى لمن أحبه و أطاعه و ويل لمن أبغضه و عصاه قالت فولدت عليا و
لرسول الله ص ثلاثون سنة فأحبه رسول
الله ص حبا شديدا
كشف اليقين ص : 20
و قال لي اجعلي مهده بقرب فراشي و كان ص يلي أكثر تربيته و كان يطهر عليا في وقت
غسله و يجره اللبن عند شربه و يحرك مهده عند
نومه و يناغيه في يقظته و يحمله على صدره
كشف اليقين ص : 21
و يقول هذا أخي و وليي و ناصري و صفيي و ذخري و كهفي و صهري و وصيي و زوج كريمتي و
أميني على وصيتي و خليفتي و كان
يحمله دائما و يطوف به جبال مكة و شعابها و أوديتها
كشف اليقين ص : 23
الفصل الثالث في الفضائل الثابتة له حال كماله و بلوغه
إن الفضائل إما أن تكون حاصلة للشخص باعتبار أفعاله و آثاره و إما أن لا تكون حاصلة
بهذا الاعتبار بل بأسباب خارجة عنه. فهنا
بابان
الباب الأول في الفضائل المكتسبة من الفعل و الأثر
هذه الفضائل إما أن تكون نفسانية أو بدنية. فهنا مطلبان
المطلب الأول في الفضائل النفسانية
كشف اليقين ص : 24
و ننظمها مباحث
المبحث الأول الإيمان
و هذه الفضيلة لا يوازنها شيء من الفضائل إذ باعتبارها يحصل للمكلف النعيم المخلد و
الخلاص من العذاب السرمد كما قال تعالى
إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ
يَشاءُ و قد أجمع المسلمون كافة على أن أمير المؤمنين ع سبق إلى الإسلام
قبل كل أحد و لم يشرك بالله تعالى طرفة عين و لم يسجد لصنم بل هو الذي تولى تكسير
الأصنام لما صعد على كتف النبي ص
روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي مريم عن علي ع قال انطلقت أنا و النبي ص حتى
أتينا الكعبة فقال لي رسول الله ص اجلس
فجلست و صعد على منكبي فذهبت لأنهض فلم أطق فرأى مني ضعفا فنزل
كشف اليقين ص : 25
و جلس نبي الله ص و قال اصعد على منكبي فصعدت على منكبيه قال فنهض قال فإنه تخيل
إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى
صعدت على البيت و عليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه و شماله و من بين
يديه و من خلفه حتى إذا استمكنت منه قال
لي رسول الله ص اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير ثم نزلت و انطلقت أنا و
رسول الله ص نستبق حتى توارينا بالبيوت
خشية أن يلقانا أحد من الناس
و روى الطبري صاحب الخصائص عن النبي ص قال صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين و
ذلك لأنه لم ترتفع شهادة أن لا إله إلا
الله إلى السماء إلا مني
كشف اليقين ص : 26
و منه
و من كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد عن ليلى الغفارية عن رسول الله ص أن علي بن أبي
طالب أول الناس إيمانا و أول الناس لقاء بي
يوم القيامة و آخر الناس بي عهدا عند الموت
و من كتاب مسند أحمد عن ابن عباس قال أول من صلى مع النبي ص بعد خديجة علي ع
و روى أبو المؤيد عن سلمان قال سمعت النبي ص يقول أول الناس ورودا علي الحوض يوم
القيامة أولهم إسلاما و هو علي بن أبي
طالب
و من كتاب مسند أحمد بن حنبل عن عمرو بن ميمون قال إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه
تسعة رهط فقالوا يا ابن عباس إما أن تقوم
معنا و إما أن تخلو بنا عن
كشف اليقين ص : 27
هؤلاء قال فقال ابن عباس بل أقوم معكم قال و هو يومئذ صحيح لم يعم قال فانطلقوا
فتحدثوا فلا ندري ما قالوا قال فجاء ينفض
ثوبه و هو يقول أف و تف وقعوا في رجل قال له النبي ص لأبعثن رجلا لا يخزيه الله
أبدا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله
كشف اليقين ص : 28
قال فاستشرف لها من استشرف قال أين علي قالوا هو في الرحى يطحن قال و ما كان أحدكم
يطحن عنه قال فجاء و هو أرمد لا يكاد أن
يبصر فتفل في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي قال ثم بعث
فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها
منه قال لا يذهب بها إلا رجل مني و أنا منه قال و قال لبني عمه أيكم يواليني في
الدنيا و الآخرة قال و علي جالس معهم فأبوا فقال
علي أنا أواليك في الدنيا و الآخرة فقال أنت وليي في الدنيا و الآخرة قال و كان أول
من أسلم من الناس بعد خديجة
كشف اليقين ص : 29
قال و أخذ رسول الله ص ثوبه فوضعه على علي و فاطمة و حسن و حسين فقال إِنَّما
يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ
يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
كشف اليقين ص : 30
قال و شرى علي نفسه لبس ثوب رسول الله ص ثم نام مكانه
كشف اليقين ص : 31
قال و كان المشركون يريدون رسول الله ص فجاء أبو بكر و علي نائم قال و أبو بكر يحسب
أنه نبي الله قال فقال يا نبي الله قال
فقال له علي إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه قال فانطلق أبو بكر فدخل
معه الغار قال و جعل علي يرمي بالحجارة كما
كان يرمي رسول الله و هو يتضور قد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن
كشف اليقين ص : 32
رأسه الثوب فقالوا كان صاحبك نرميه فلا يتضور و أنت تتضور و قد استنكرنا ذلك قال و
خرج بالناس في غزاة تبوك فقال له علي
أخرج معك فقال له نبي الله لا
كشف اليقين ص : 33
فبكى علي فقال له أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي إنه
لا ينبغي أن أذهب إلا و أنت خليفتي قال و
قال له رسول الله ص أنت ولي كل مؤمن بعدي قال و سدوا أبواب المسجد غير باب علي
فيدخل المسجد جنبا و هو طريقه ليس له
طريق غيره قال و قال من كنت مولاه فعلي مولاه قال و أخبرنا الله عز و جل في القرآن
أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فَعَلِمَ ما فِي
قُلُوبِهِمْ هل حدثنا أحد أنه سخط عليهم بعد
و من كتاب مسند أحمد عن عفيف الكندي قال كنت
كشف اليقين ص : 34
تاجرا فقدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة و كان تاجرا
فو الله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء
قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها قد مالت قام يصلي قال ثم خرجت امرأة من ذلك
الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه
تصلي ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي قال فقلت للعباس من
هذا يا عباس قال هذا محمد بن عبد الله ابن
أخي فقلت من هذه المرأة قال هذه امرأته خديجة بنت خويلد فقلت من هذا الفتى
كشف اليقين ص : 35
فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عمه فقلت فما هذا الذي يصنع قال يصلي و هو يزعم أنه
نبي و لم يتبعه على أمره إلا امرأته و ابن عمه
هذا الفتى و هو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى و قيصر قال فكان عفيف و هو ابن عم
الأشعث يقول بعد ذلك و قد أسلم لو كان الله
رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثالثا مع علي ع
و من كتاب المناقب عن زيد بن أرقم قال أول من صلى مع النبي ص علي بن أبي طالب ع
و من مسند أحمد أن النبي ص قال لفاطمة ع أ و ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما و
أكثرهم علما و أعظمهم حلما
كشف اليقين ص : 36
و قال الثعلبي في تفسير قوله تعالى وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ اتفقت العلماء على أن أول من آمن بعد خديجة من
الذكور برسول الله ص علي بن أبي طالب ع
و من كتاب الخصائص للطبري عن أبي ذر و سلمان قالا أخذ رسول الله ص بيد علي فقال إن
هذا أول من
كشف اليقين ص : 37
آمن بي و هذا فاروق هذه الأمة و هذا يعسوب المؤمنين و أول من
كشف اليقين ص : 38
يصافحني يوم القيامة و هذا الصديق الأكبر
كشف اليقين ص : 39
و فيه عن العباس بن عبد المطلب قال سمعت عمر بن الخطاب و هو يقول كفوا عن ذكر علي
بن أبي طالب فإني سمعت رسول الله ص
يقول في علي ثلاث خصال وددت أن لي واحدة منهن فواحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه
الشمس كنت أنا و أبو بكر و أبو عبيدة بن
الجراح و نفر من أصحاب رسول الله ص إذ ضرب النبي ص كتف علي بن أبي طالب ع فقال يا
علي أنت أول المسلمين إسلاما و أنت
أول المؤمنين إيمانا و أنت مني بمنزلة هارون من موسى كذب يا
كشف اليقين ص : 40
علي من زعم أنه يحبني و يبغضك
و لما نزل قوله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع رسول الله ص بني
عبد المطلب في دار أبي طالب و هم أربعون رجلا و أمر أن
يصنع لهم فخذ شاة مع مد من طعام البر و يعد لهم صاعا من اللبن و قد كان الرجل يأكل
الجذعة في مقام واحد و يشرب
كشف اليقين ص : 41
الزق من الشراب فأكلوا من اليسير ما كفاهم إظهارا لمعجزته ثم قال لهم يا بني عبد
المطلب إن الله تعالى بعثني إلى الخلق كافة و
بعثني إليكم خاصة فقال وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ و أنا أدعوكم إلى
كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما
العرب و العجم و تنقاد لكم بها الأمم و تدخلون بهما الجنة و تنجون بهما من النار
شهادة ألا إله إلا الله و أني رسول الله فمن
يجيبني إلى هذا الأمر و يؤازرني على القيام به يكن أخي و وصيي و وزيري و وارثي و
خليفتي من بعدي فلم يجبه أحد منهم فقال أمير
المؤمنين ع فقمت بين يديه و أنا إذ ذاك أصغرهم سنا فقلت أنا يا رسول الله أؤازرك
على هذا الأمر فقال اجلس ثم أعاد على القوم
القول ثانية فصمتوا و قمت فقلت مثل مقالتي الأولى
كشف اليقين ص : 42
فقال اجلس ثم أعاد على القوم مقالته ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت و قلت أنا
يا رسول الله أنا أؤازرك على هذا الأمر فقال
اجلس فأنت أخي و وصيي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي فنهض القوم و هم يقولون
لأبي طالب ليهنئك اليوم إن دخلت اليوم
في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميرا عليك
و الأخبار في ذلك كثيرة لا تحصى
المبحث الثاني العلم
و قد أجمع الناس كافة على أن علي بن أبي طالب ع كان أعلم أهل زمانه و منه استفاد
الناس جميع العلوم العقلية و النقلية و يدل على
ذلك وجوه
كشف اليقين ص : 43
الأول أن علي بن أبي طالب ع كان في غاية الذكاء و الفطنة شديد الحرص على التعلم
عظيم الملازمة لرسول الله ص ليلا و نهارا من
صغر سنه إلى حين مفارقته و هو أكمل أشخاص البشر علما و فضلا. و من المعلوم بالضرورة
أن مثل هذا التلميذ الملازم هذه الملازمة
لهذا المعلم الكامل مع شدة حرص المعلم على التعليم و حرص المتعلم على التعلم فإن
التلميذ يكون في غاية الكمال و نهاية الفضل
و العلم.
كشف اليقين ص : 44
و هذا برهان قطعي لمي لا خلاف فيه الثاني قال الله تعالى في حقه وَ تَعِيَها أُذُنٌ
واعِيَةٌ.
روى الثعلبي في تفسيره قال قال رسول الله ص سألت الله عز و جل أن يجعلها أذنك يا
علي
و روى أبو نعيم الحافظ الشافعي بإسناده قال قال رسول الله
كشف اليقين ص : 45
ص يا علي إن الله عز و جل أمرني أن أدنيك و أعلمك فأنزلت هذه الآية وَ تَعِيَها
أُذُنٌ واعِيَةٌ فأنت أذن واعية لعلمي
الثالث قال رسول الله ص أقضاكم علي
و القضاء يستلزم العلم و الدين فإذا كان أقضى من غيره وجب أن يكون أعلم منه
و روى البيهقي عن علي ع قال بعثني رسول
كشف اليقين ص : 46
الله ص إلى اليمن فقلت بعثتني و أنا شاب أقضي بينهم و لا أدري ما القضاء
كشف اليقين ص : 47
فضرب في صدري و قال اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه قال فو الذي فلق الحبة ما شككت
بعدها في قضاء بين اثنين
كشف اليقين ص : 48
و روى النسائي في صحيحة و أحمد بن حنبل في مسنده قال قال علي ع بعثني رسول الله ص
إلى اليمن و أنا حديث السن
كشف اليقين ص : 49
قال قلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث و لا علم لي بالقضاء قال إن
الله سيهدي قلبك و يثبت لسانك فما شككت
في قضاء بين اثنين بعده
كشف اليقين ص : 50
الرابع روى سلمان الفارسي قال قال رسول الله ص أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب
كشف اليقين ص : 51
الخامس روى أخطب خوارزم عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص قسمت الحكمة على
عشرة أجزاء فأعطي علي بن أبي طالب
منها تسعة و الناس جزء واحدا
السادس روى الترمذي في صحيحه أن رسول الله ص قال أنا مدينة العلم و علي بابها
و ذكر البغوي في الصحاح أن النبي ص قال أنا دار الحكمة و علي بابها
و عن ابن عباس قال قال رسول الله ص أنا مدينة العلم و علي بابها فمن أراد العلم
فليأت الباب
و روى الخوارزمي عن ابن عباس قال قال رسول الله ص أنا مدينة الحكمة و علي بابها فمن
أراد الحكمة فليأت الباب
كشف اليقين ص : 52
السابع روى البغوي في الصحاح عن أبي الحمراء قال قال رسول الله ص من أراد أن ينظر
إلى آدم في علمه و إلى نوح في فهمه و إلى
يحيى بن زكريا في زهده و إلى موسى بن عمران في بطشه فلينظر إلى علي بن أبي طالب
كشف اليقين ص : 53
و روى البيهقي بإسناده إلى رسول الله ص قال من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه و إلى
نوح في تقواه و إلى إبراهيم في حلمه و إلى
موسى في هيبته و إلى عيسى في عبادته فلينظر إلى علي بن أبي طالب
كشف اليقين ص : 54
و من كتاب المناقب عن الحارث الأعور صاحب راية علي بن أبي طالب قال بلغنا أن النبي
ص كان في جمع من أصحابه فقال أريكم آدم
في علمه و نوحا في فهمه و إبراهيم في حكمته فلم يكن بأسرع من أن طلع علي بن أبي
طالب ع
كشف اليقين ص : 55
فقال أبو بكر يا رسول الله أ قست رجلا بثلاثة من الرسل بخ بخ لهذا الرجل من هو يا
رسول الله قال النبي ص أ لا تعرفه يا أبا بكر قال
الله و رسوله أعلم قال النبي هو أبو الحسن علي بن أبي طالب فقال أبو بكر بخ بخ لك
يا أبا الحسن و أين مثلك
و منه عن علي ع قال و الله ما نزلت آية إلا و قد علمت فيم أنزلت و أين أنزلت و إن
ربي وهب لي قلبا عقولا و لسانا سئولا
و منه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال و الله ما رأيت قرشيا أقرأ لكتاب الله عز و جل
من علي
و منه عن أبي البختري قال رأيت عليا ع صعد المنبر بالكوفة و عليه مدرعة كانت لرسول
الله ص متقلدا بسيف رسول الله ص متعمما
بعمامة رسول الله ص و في إصبعه خاتم رسول الله
كشف اليقين ص : 56
ص فقعد على المنبر و كشف عن بطنه فقال سلوني من قبل أن تفقدوني فإنما بين الجوانح
مني علم جم هذا سفط العلم هذا لعاب
رسول الله ص هذا ما زقني رسول الله ص زقا من غير وحي أوحي إلي فو الله لو ثنيت لي
الوسادة فجلست عليها لأفتيت لأهل التوراة
بتوراتهم و لأهل الإنجيل بإنجيلهم و لأهل الزبور بزبورهم حتى ينطق الله التوراة و
الإنجيل و الزبور فيقول صدق علي قد أفتاكم
بما أنزل الله في و أنتم تتلون الكتاب أ فلا تعقلون
و قال يوما اسألوني من قبل أن تفقدوني سلوني عن طرق السماء فإني أعرف بها من طرق
الأرض
كشف اليقين ص : 57
و من مسند أحمد بن حنبل أن النبي ص قال لفاطمة أ و ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي
سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما
و روي عن ابن عباس قال لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم و ايم الله لقد
شاركهم في العشر العاشر
و عن عائشة قالت علي ع أعلم الناس بالسنة
و من مناقب أبي المؤيد عن ابن عباس قال خطبنا عمر فقال علي أقضانا
الثامن أن مبادئ العلوم مستندة إليه و هو الذي مهد قواعد
كشف اليقين ص : 58
الدين و بين أحكام الشريعة و قرر مطالب العلوم العقلية و النقلية. أما الفقه
فالفقهاء كلهم يرجعون إليه فيه. و أما الإمامية
فانتسابهم إليه معلوم و منه أخذوا علومهم و أحكامهم كلها مستندة إليه و إلى أولاده
المعصومين ع. و أما الحنفية فإن أصحاب أبي
حنيفة كأبي يوسف و محمد و زفر فإنهم أخذوا عن أبي حنيفة و هو تلميذ الصادق ع و
الصادق تلميذ الباقر و الباقر تلميذ زين
العابدين و زين العابدين قرأ على الحسين و الحسين ع قرأ على أبيه أمير المؤمنين ع.
و أما الشافعية فأخذوا عن الشافعي و هو قرأ
على محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة و على مالك فرجع فقهه إليهما. و أما أحمد بن
حنبل فقرأ على الشافعي فرجع فقهه إليه. و أما
مالك فقرأ على ربيعة الرأي و قرأ ربيعة على عكرمة و قرأ عكرمة على عبد الله بن عباس
و عبد الله بن عباس تلميذ علي ع و أما
الخوارج فأكابرهم و رؤساؤهم تلامذة له. و أما النحو فهو واضعه قال لأبي الأسود
الدؤلي الكلام كله ثلاثة أشياء اسم و فعل و حرف
و بين له وجوه الإعراب. و أما علم التفسير فإنه مستند إليه لأن ابن عباس كان تلميذ
علي ع
كشف اليقين ص : 59
فيه و قال حدثني أمير المؤمنين ع في تفسير الباء من بسم الله الرحمن الرحيم من أول
الليل إلى آخره. و أما علم الكلام فهو الذي
قرر قواعده و أوضح براهينه و من خطبه استفاد الناس كافة و مرجعهم كلهم إليه فإن
القيم بعلم الكلام أربعة المعتزلة و الأشاعرة و
الشيعة و الخوارج. أما الشيعة فانتسابهم إليه معلوم. و أما الخوارج فإن فضلاءهم
رجعوا إليه و أخذوا العلم عنه. و أما المعتزلة
فإنهم انتسبوا إلى واصل بن عطاء و هو كبيرهم و كان تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد
بن الحنفية و أبو هاشم تلميذ أبيه و أبوه
تلميذ والده علي بن أبي طالب. و أما الأشاعرة فإنهم تلامذة أبي الحسن علي بن أبي
بشر الأشعري و هو تلميذ أبي علي الجبائي و هو
من مشايخ المعتزلة. و أما علم الطريقة فإن جميع الصوفية يسندون الخرقة إليه
كشف اليقين ص : 60
و أصحاب الفتوة يرجعون إليه لأن جبرئيل ع نزل يوم أحد من السماء و هو يقول لا سيف
إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي.
و خرج رسول الله ص يوما فرحا مسرورا و قال أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى
أما إنه الفتى فلأنه سيد العرب و أما إنه ابن الفتى فلأنه ابن إبراهيم خليل الرحمن
الذي نزل في حقه فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ
إِبْراهِيمُ و أما إنه أخو الفتى فلأنه أخو علي ع الذي قال جبريل عنه إنه لا فتى
إلا علي. و أما علم الفصاحة فهو منبعه و أصله قد بلغ
فيه الغاية و تجاوز النهاية حتى قيل في كلامه بأنه فوق كلام المخلوق و دون كلام
الخالق و كل الخطباء تعلموا منه. التاسع أن
جميع الصحابة كانوا يرجعون إليه في الأحكام
كشف اليقين ص : 61
و يتعلمون الفتاوي منه و يلتجئون إليه في حل المشكلات. و رد على عمر في قضايا كثيرة
فإنه أمر برجم امرأة حامل
كشف اليقين ص : 62
كانت قد زنت فنهاه علي ع و قال له إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها
سبيل أمهلها إلى أن تضع و ترضع فامتثل عمر و
قال لو لا علي لهلك عمر
و أتي عمر بامرأة كانت قد وضعت لستة أشهر فأمر برجمها فنهاه علي ع عن ذلك فسأله
السبب فقال علي ع الله تعالى يقول وَ حَمْلُهُ وَ
فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ثم قال وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ فبقي مدة الحمل ستة أشهر فخلى عمر عنها و قال لو لا علي
لهلك عمر
و أتي عمر بامرأة مجنونة حبلى قد زنت فأمر برجمها فقال له علي ع أ ما سمعت ما قال
رسول الله ص قال و ما قال قال قد قال رسول
الله ص رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يبرأ و عن الغلام حتى يدرك و عن النائم
حتى يستيقظ قال فخلى عنها و قال لو لا علي
لهلك عمر
و خطب عمر يوما فقال من غالى في مهر ابنته فقد جعلته في بيت المال فقامت امرأة إليه
و قالت كيف تمنعنا ما منحنا الله تعالى
كشف اليقين ص : 63
به في كتابه في قوله تعالى وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا
مِنْهُ شَيْئاً فقال كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت
و أتي عمر أيضا بامرأة نسب إليها الزنى فأمر برجمها فلقيها علي ع فقال ما بال هذه
فقالوا أمر بها أن ترجم فردها علي ع فقال له أمرت
برجمها فقال نعم لأنها اعترفت عندي بالفجور فقال فلعلك انتهرتها أو أخفتها أو
تهددتها فقال قد كان ذاك فقال أ و ما سمعت رسول
الله ص يقول لا حد على معترف بعد بلاء إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له
فخلى عمر سبيلها ثم قال عجزت النساء أن تلد
مثل علي بن أبي طالب لو لا علي لهلك عمر
و من مناقب أبي المؤيد أن عمر خطب الناس فقال لو
كشف اليقين ص : 64
صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين فسكتوا قال ذلك ثلاثا فقال له علي
ع إذا كنا نستتيبك فإن تبت قبلناك قال فإن
لم أتب قال إذا نضرب الذي فيه عيناك فقال الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا
اعوججنا أقام أودنا
و قال سعيد بن المسيب سمعت عمر يقول اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها علي بن أبي طالب
حيا
و عن جابر قال قال عمر كانت لأصحاب محمد ص ثمان عشرة سابقة فخص علي منها بثلاث عشرة
و شركنا في الخمس
و قال ابن عباس العلم ستة أسداس لعلي بن أبي طالب من ذلك خمسة أسداس و للناس سدس و
لقد شاركنا في
كشف اليقين ص : 65
السدس حتى لهو أعلم به منا
و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. العاشر أنه اشتغل بجمع القرآن بعد موت النبي ص
قبل كل أحد.
روى أبو المؤيد بإسناده إلى علي ع قال لما قبض رسول الله ص أقسمت لا أضع ردائي عن
ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين فما
وضعت ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن و علم الناس تفسيره و كان أخصهم به في ذلك ابن
عباس
الحادي عشر قضاياه العجيبة الدالة على كمال علمه و غزارة فضله
منها أنه جاءه شخصان كانا سائرين في طريق مع أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة
فجلسا يأكلان فقدم عليهما ثالث فأكل معهما
فلما فرغوا رمى لهما ثمانية دراهم عوضا عن أكله فطلب صاحب الأكثر خمسة فامتنع عليه
صاحب الأقل فترافعا إلى علي ع فقال
لصاحب الأقل قد أنصفك فقال له ما آخذ إلا حقي و هو أكثر من ثلاثة و أنا أريد مر
الحق فقال له علي ع إذا كان كذلك فلك درهم واحد
لأن كل واحد منكم قد أكل رغيفين و ثلثي رغيف فبقي لك من
كشف اليقين ص : 66
خبزك ثلث رغيف أكله الثالث و أكل من خبز صاحبك رغيفين و ثلث رغيف فلكل ثلث درهم
و منها أن امرأة ركبت على أخرى فجاءت ثالثة فنخست المركوبة فوقعت الراكبة فماتت
فقضى بثلثي ديتها على الناخسة و المركوبة
لأن التلف وقع منهما و أسقط الثلث لركوبها عبثا فصوبه النبي ص
و منها أنه كانت جارية بين اثنين وطئاها في طهر واحد فحملت فأشكل الحال فترافعا
إليه فحكم ع بالقرعة فصوبه رسول الله ص و
قال الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود ع يعني به القضاء
بالإلهام
و منها أن بقرة قتلت حمارا فترافع المالكان إلى أبي بكر فقال بهيمة قتلت بهيمة لا
شيء على ربها ثم مضيا إلى عمر فقضى بما قضى
صاحبه ثم مضيا إلى علي ع فقال إن كانت البقرة دخلت على الحمار في منامه فعلى ربها
قيمة الحمار لصاحبه و إن كان
كشف اليقين ص : 67
الحمار دخل على البقرة في منامها فقتلته فلا غرم على صاحبها فقال رسول الله ص لقد
قضى علي بن أبي طالب بينكما بقضاء الله عز و
جل
و منها أن امرأتين جاءتا إليه و معهما طفل ادعته كل منهما فوعظهما فلم ترجعا فقال
يا قنبر ائتني بالسيف فقالتا له ما تصنع به فقال
أشقه نصفين و أعطي كل واحد منكما نصفه فرضيت إحداهما و صاحت الأخرى و قالت يا أمير
المؤمنين إن كنت لا بد فاعلا فأعطها إياه
فعرف أنه ولدها و لا شيء للراضية فسلمه إليها فرجعت مدعية الباطل إلى الحق
و منها أنه وقعت دار على قوم و خرج منها صبيان ادعى كل واحد
كشف اليقين ص : 68
منهما أنه مالك الآخر فأمر بإخراج رأسيهما من روزنة ثم قال يا قنبر جرد السيف و
أشار إليه لا تفعل إلا ما آمرك ثم قال يا قنبر اضرب
رقبة العبد فهرب أحدهما و بقي الآخر و رجع الهارب إلى الحق و اعترف بأنه العبد
و منها أن رجلا رفع إلى أبي بكر و قد شرب الخمر فأراد أن يقيم عليه الحد فقال له
إنني شربتها و لا علم لي بتحريمها لأني نشأت بين
قوم يستحلونها فارتج على أبي بكر الأمر بالحكم عليه و لم يعلم وجه القضاء فيه
فاستخبر عليا ع عن الحكم في ذلك فقال ابعث
ثقتين من رجال المسلمين يطوفان على مجالس المهاجرين و الأنصار و يناشدانهم هل فيهم
أحد تلا عليه آية التحريم من رجلين
ثقتين من المسلمين أو أخبراه بذلك عن رسول الله ص فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم
الحد عليه و إن لم يشهد أحد بذلك فاستتبه و
خل سبيله ففعل ذلك أبو بكر فلم يشهد عليه أحد من المهاجرين و الأنصار أنه تلا آية
التحريم عليه و لا أخبره عن رسول الله ص
فاستتابه و خلى سبيله
كشف اليقين ص : 69
و منها أن أبا بكر سئل عن قوله تعالى وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا ما معنى الأب فقال أي
سماء تظلني أم أي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله بما لا
أعلم أما الفاكهة فنعرفها و أما الأب فالله أعلم به فبلغ أمير المؤمنين ع مقالته
فقال ع يا سبحان الله أ ما علم أن الأب هو الكلأ و
المرعى و أن الله تعالى ذكر ذلك تعريفا لعباده ما أنعم به عليهم و على أنعامهم مما
يحيا به أنفسهم و تقوم به أجسادهم
و منها أن أبا بكر سئل عن الكلالة فقال أقول فيها برأيي فإن أصبت فمن الله و إن
أخطأت فمني و من الشيطان فبلغ أمير المؤمنين ع
ذلك فقال ما أغناه عن الرأي في هذا المكان أ ما علم أن الكلالة هم الإخوة و الأخوات
من قبل الأم و الأب و من قبل الأب على انفراده
و من قبل الأم أيضا على انفرادها
كشف اليقين ص : 70
و منها أن رجلا من أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال له أنت خليفة نبي هذه الأمة
قال نعم قال إنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء
أعلم أممهم فأخبرني عن الله أين هو أ في السماء أم في الأرض فقال أبو بكر هو في
السماء على العرش فقال اليهودي فأرى الأرض
خالية منه و أراه على هذا القول في مكان دون مكان فقال له أبو بكر هذا كلام
الزنادقة اغرب عني و إلا قتلتك فولى الحبر متعجبا
يستهزئ بالإسلام فاستقبله أمير المؤمنين ع فقال يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه و ما
أجبت به و إنا نقول إن الله جل جلاله أين
الأين فلا أين له و جل عن أن يحويه مكان و هو في كل مكان بغير مماسة و لا مجاورة
يحيط علما بما فيها و لا يخلو شيء منها من
تدبيره تعالى و إني مخبرك بما جاء في
كشف اليقين ص : 71
كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك فإن عرفته أ تؤمن به قال اليهودي نعم قال ع تجدون
في بعض كتبكم أن موسى بن عمران ع كان
ذات يوم جالسا إذ جاءه ملك من المشرق فقال له موسى ع من أين أقبلت فقال من عند الله
عز و جل ثم جاءه ملك من المغرب فقال له
من أين جئت فقال من عند الله عز و جل ثم جاءه ملك آخر فقال له من أين جئت فقال قد
جئتك من السماء السابعة من عند الله تعالى
ثم جاءه ملك آخر فقال قد جئتك من الأرض السفلى السابعة من عند الله عز و جل فقال
موسى سبحان من لا يخلو منه مكان و لا يكون
إلى مكان أقرب من مكان فقال اليهودي أشهد أن هذا هو الحق و أنك أحق بمقام نبيك ممن
استولى عليه
كشف اليقين ص : 72
و منها أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن يحده فقال له قدامة لا يجب علي
الحد لقوله تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ
عَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ
عَمِلُوا الصّالِحاتِ فدرأ عمر عنه الحد فبلغ ذلك أمير المؤمنين ع فمشى
إلى عمر و أنكر عليه في ترك إقامة الحد فاعتذر بالآية فقال أمير المؤمنين ع ليس
قدامة من أهل هذه الآية إن الذين آمنوا و عملوا
الصالحات لا يستحلون حراما فاردده و استتبه مما قال فإن تاب فأقم عليه الحد و إن لم
يتب فأقتله فقد خرج عن الإسلام فاستيقظ
عمر و لم يدر كم يحده فقال لأمير المؤمنين ع عرفني الحد فقال حده ثمانين إن شارب
الخمر إذا شربها سكر و إذا سكر هذى و إذا هذى
افترى فحده عمر ثمانين
و منها أن عمر استدعى امرأة كانت تتحدث الرجال عندها فلما جاءها رسوله فزعت و خافت
فأسقطت فوقع ولدها إلى الأرض
كشف اليقين ص : 73
مستهلا ثم مات فجمع الصحابة و سألهم عن الحكم فقالوا له نراك مؤدبا و لا شيء عليك
فقال لأمير المؤمنين ع ما عندك يا أبا
الحسن فقال ع إن كان القوم قاربوك فقد غشوك و إن كانوا ارتئوا فقد قصروا و الدية
على عاقلتك لأن قتل الصبي خطأ تعلق بك
فقال أنت و الله نصحتني من بينهم و الله لا أبرح حتى تجزئ الدية على بني عدي ففعل
أمير المؤمنين ع
و منها أن امرأة نكحها شيخ كبير فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها و أنكر حملها في خلافة
عثمان فاشتبه الحكم عليه و سأل المرأة هل
افتضك الشيخ و كانت بكرا فقالت لا فأمر عثمان بإقامة الحد عليها فأنكر أمير
المؤمنين ع ذلك و قال لعل الشيخ كان ينال منها و
يسيل الماء في قبلها من غير افتضاض فسأل الشيخ فقال كنت أنزل الماء في قبلها من غير
وصول إليها بالافتضاض
كشف اليقين ص : 74
فقال أمير المؤمنين ع الحمل له و الولد ولده و أرى عقوبته على الإنكار
و منها أن امرأة ولدت ولدا له رأسان و بدنان على حقو واحد فالتبس الأمر عليهم
فالتجئوا إلى أمير المؤمنين ع فقال اعتبروه إذا نام
ثم أنبهوا أحد البدنين و الرأسين فإن انتبها جميعا معا في حالة واحدة فهما إنسان
واحد و إن استيقظ أحدهما و الآخر نائم فهما
اثنان و حقهما من الميراث حق اثنين
و منها استخراج حكم ذي الفرجين بعد الأضلاع. و منها أحكام البغاة. قال الشافعي
عرفنا من رسول الله ص أحكام المشركين و من
علي بن أبي طالب ع أحكام البغاة و القضايا الغريبة كثيرة لا تحصى الثاني عشر أنه ع
تحدى العلماء في زمانه و أمرهم بسؤاله فقال
في غير موطن
سلوني قبل أن تفقدوني و قال لكميل بن زياد متأوها آه إن هنا لعلما جما و أشار بيده
إلى صدره لو أصبت له حملة بلى لا تخلو الأرض
من قائم لله بحجة على عباده إما ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله
كشف اليقين ص : 75
و بيناته
و قال في بعض خطبه أيها الناس عليكم بالطاعة و المعرفة لمن لا تعذرون بجهالته فإن
العلم الذي هبط به آدم و جميع ما فضلت به
النبيون إلى محمد خاتم النبيين في عترة محمد ص فأين يتاه بكم بل أين تذهبون
المبحث الثالث الأخبار بالغيب
و كان من جملة فضائله النفسانية إخباره بالمغيبات و لم يحصل لأحد من أمة محمد ص من
ذلك. فمن ذلك
أنه ع خطب يوما فقال في خطبته سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألوني عن فئة تضل
مائة و تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها و
سائقها إلى يوم القيامة فقام إليه رجل فقال أخبرني كم على رأسي و لحيتي من طاقة شعر
فقال ع و الله لقد حدثني خليلي رسول الله
ص بما سألت عنه و أن على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك و أن على كل طاقة شعر من
لحيتك شيطانا يستفزك و أن في بيتك
لسخلا يقتل ابن رسول الله و لو لا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به و لكن
آية ذلك ما نبأتك به من نفسك و سخلك
الملعون
كشف اليقين ص : 76
و كان ابنه في ذلك الوقت صبيا صغيرا فلما كان من الحسين ع ما كان تولى ابنه قتله
و من ذلك قوله لطلحة و الزبير لما استأذناه في الخروج إلى العمرة لا و الله ما
يريدان العمرة إنما يريدان البصرة و إن الله تعالى
سيرد كيدهما و يظفرني بهما و كان الأمر كما قال. و من ذلك قوله ع و قد جلس لأخذ
البيعة يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا
يزيدون واحدا و لا ينقصون واحدا يبايعوني على الموت قال ابن عباس فجزعت لذلك و خشيت
أن ينقص القوم عن العدد أو يزيدوا
عليه فلم أزل مهموما فجعلت أحصيهم فاستوفيت تسع مائة و تسعة و تسعين رجلا ثم انقطع
مجيء القوم فبينا أنا مفكر في ذلك إذ
رأيت شخصا قد أقبل فإذا هو أويس القرني تمام العدد. و من ذلك إخباره بقتل ذي الثدية
من الخوارج فلما قتلوا جعل يطلبه في
القتلى و يقول و الله ما كذبت و لا كذبت حتى وجده في القوم فشق قميصه و كان على
كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات إذا جذبت
انجذبت كتفه معها و إذا تركت رجعت كتفه إلى موضعها.
كشف اليقين ص : 77
و من ذلك
ما رواه جندب بن عبيد الله الأزدي قال جاء فارس إلى أمير المؤمنين ع فقال إن القوم
قد عبروا النهر فقال كلا ما عبروه فقال بلى و
الله لقد فعلوا فقال كلا ما فعلوا فجاء آخر فأخبر بعبورهم و قال ما جئت حتى رأيت
الرايات في ذلك الجانب و الأثقال فقال و الله ما
فعلوا و إنه لمصرعهم فحلفت في نفسي إن كان الأمر كما أخبر أولئك لأكونن أول من
يقاتله و إن لم يكن بقيت على المحاربة معه ثم
مضيت معه إلى الصفوف فوجدت الأمر كما قال أمير المؤمنين ع
و من ذلك إخباره عن قتل نفسه فقال و الله لتخضبن هذه من هذا و وضع يده على رأسه و
لحيته. و من ذلك إخباره بصلب جويرية بن
مسهر بعد قطع يديه و رجليه فقطع زياد في أيام معاوية يديه و رجليه و صلبه. و من ذلك
إخباره بصلب ميثم التمار و طعنه بحربة
عاشر عشرة
كشف اليقين ص : 78
على باب دار عمرو بن حريث و أراه النخلة التي يصلب على جذعها فكان ميثم يأتيها و
يصلي عندها و يقول لعمرو بن حريث إني
مجاورك فأحسن جواري فصلبه عبيد الله بن زياد في ذلك الموضع و طعنه بحربة و من ذلك
إخباره بقطع يدي رشيد الهجري و رجليه
و صلبه ففعل به ذلك. و من ذلك إخباره بأن الحجاج يقتل كميل بن زياد و كان الأمر
كذلك. و من ذلك إخباره بقتله قنبر و كان
الحجاج قال يوما أحب أن أصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله تعالى بدمه.
فقيل له ما نعلم أحدا كان أطول صحبة
لأبي تراب من قنبر مولاه. فأحضره و قال ابرأ من دينه. قال فإذا برئت من دينه تدلني
على دين غيره أفضل منه قال إني قاتلك فاختر أي
قتلة أحب إليك. قال قد صيرت ذلك إليك قال و لم قال لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتك
مثلها و بهذا أخبرني أمير المؤمنين ع أن منيتي
تكون ذبحا ظلما بغير حق.
كشف اليقين ص : 79
فأمر به فذبح. و من ذلك
أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ع فقال يا أمير المؤمنين إني مررت بوادي القرى فرأيت
خالد بن عرفطة قد مات بها فاستغفر له فقال
أمير المؤمنين ع إنه لم يمت و لا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حمار
فقام رجل من تحت المنبر فقال يا أمير
المؤمنين إني لك شيعة و إني لك محب فقال و من أنت قال أنا حبيب بن حمار قال إياك أن
تحملها و لتحملنها فتدخل بها من هذا
الباب و أومأ بيده إلى باب الفيل
فلما مضى أمير المؤمنين ع و مضى الحسن بن علي ع من بعده و كان من أمر الحسين ع ما
كان بعث ابن زياد بعمر بن سعد عليهم اللعنة
إلى الحسين ع و جعل خالد بن عرفطة على مقدمته و حبيب بن حمار صاحب رايته فسار بها
حتى دخل المسجد من باب الفيل. و من
ذلك
قوله للبراء بن عازب يقتل ابني الحسين و أنت حي لا تنصره
كشف اليقين ص : 80
فلما قتل الحسين ع كان البراء يقول حدثني و الله علي بن أبي طالب ع بقتل الحسين ع و
لم أنصره ثم يظهر الحسرة و الندم. و من
ذلك
ما رواه جويرية بن مسهر العبدي قال لما توجهنا إلى صفين مع أمير المؤمنين ع فبلغنا
طفوف كربلاء وقف ع ناحية من العسكر ثم
نظر يمينا و شمالا و استعبر ثم قال هذا و الله مناخ ركابهم و موضع منيتهم فقيل له
يا أمير المؤمنين ما هذا الموضع فقال هذا كربلاء
يقتل فيه قوم يدخلون الجنة بغير حساب
ثم سار و كان الناس لا يعلمون تأويل ما قال حتى كان من أمر الحسين ع ما كان. و من
ذلك إخباره بعمارة بغداد و ملك بني العباس و
ذكر أحوالهم و أخذ المغول الملك منهم رواه والدي رحمه الله تعالى و كان ذلك سبب
سلامة أهل الحلة و الكوفة و المشهدين
الشريفين من القتل لأنه لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد و قبل أن يفتحها هرب أكثر
أهل الحلة إلى البطائح إلا القليل فكان
من جملة القليل والدي رحمه الله و السيد مجد الدين بن طاوس و الفقيه ابن أبي العز
فأجمع رأيهم على مكاتبة
كشف اليقين ص : 81
السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الإيلية و أنفذوا به شخصا أعجميا فأنفذ السلطان
إليهم فرمانا مع شخصين أحدهما يقال له
تكلم و الآخر يقال له علاء الدين و قال لهما إن كانت قلوبهم كما وردت به كتبهم
فيحضرون إلينا فجاء الأميران فخافوا لعدم
معرفتهم بما ينتهي الحال إليه. فقال والدي رحمه الله إن جئت وحدي كفى فقالا نعم
فأصعد معهما فلما حضر بين يديه و كان ذلك قبل
فتح بغداد و قبل قتل الخليفة قال له كيف أقدمتم على مكاتبتي و الحضور عندي قبل أن
تعلموا ما ينتهي إليه أمري و أمر صاحبكم و
كيف تأمنون أن صالحني و رحلت عنه فقال له والدي إنما أقدمنا على ذلك لأنا روينا عن
إمامنا علي بن أبي طالب ع أنه قال في بعض
خطبه
الزوراء و ما أدراك ما الزوراء أرض ذات أثل يشتد فيها البنيان و يكثر فيها السكان و
يكون فيها قهازم و خزان يتخذها ولد العباس
موطنا و لزخرفهم مسكنا
كشف اليقين ص : 82
تكون لهم دار لهو و لعب يكون بها الجور الجائر و الخوف المخيف و الأئمة الفجرة و
القراء الفسقة و الوزراء الخونة يخدمهم
أبناء فارس و الروم لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه و لا يتناهون عن منكر إذا أنكروه
يكتفي الرجال منهم بالرجال و النساء بالنساء
فعند ذلك الغم الغميم و البكاء الطويل و الويل و العويل لأهل الزوراء من سطوات
الترك و ما هم الترك قوم صغار الحدق
وجوههم كالمجان المطرقة لباسهم الحديد جرد مرد يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم
جهوري الصوت قوي الصولة عالي الهمة لا
يمر بمدينة إلا فتحها و لا ترفع له راية إلا نكسها الويل الويل لمن ناواه فلا يزال
كذلك حتى يظفر
فلما وصف لنا ذلك و وجدنا الصفات فيكم رجوناك فقصدناك. فطيب قلوبهم و كتب لهم
فرمانا باسم والدي رحمه الله يطيب فيه
قلوب أهل الحلة و أعمالها و الأخبار الواردة في ذلك كثيرة
كشف اليقين ص : 83
المبحث الرابع في الشجاعة
و لا خلاف بين الأمة أن عليا ع كان أشجع الناس بعد رسول الله ص و أعظمهم بلاء في
الحروب تتعجب من حملاته ملائكة السماء
و جعل رسول الله ص يقول قتله لعمرو بن عبد ود العامري أفضل من عبادة الثقلين
و نزل جبرئيل في يوم أحد و هو يقول و يسمعه المسلمون كافة لا سيف إلا ذو الفقار و
لا فتى إلا علي
و نقل أحمد بن حنبل في مسنده قال خطب الحسن ع فقال لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه
الأولون بعلم
كشف اليقين ص : 84
و لا يدركه الآخرون كان رسول الله ص يبعثه بالراية جبريل عن يمينه و ميكائيل عن
شماله لا ينصرف حتى يفتح له
و روى الخوارزمي قال حدثنا عبيد الله بن عائشة عن أبيه قال كان المشركون إذا أبصروا
عليا في الحرب عهد بعضهم إلى بعض
و مقاماته في الغزوات مشهورة و بسيفه قام الدين و اعتدل و اضمحل الكفر و بطل و
سيأتي في باب الجهاد نبذ من غزواته ص
كشف اليقين ص : 85
المبحث الخامس في الورع و الزهد
و قد أجمع الناس كافة على أنه أزهد الناس في الدنيا بعد رسول الله ص و أكثرهم تركا
لها طلق الدنيا ثلاثا
روى الخوارزمي في مناقبه عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله ص يقول يا علي إن الله
تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة
هي أحب إليه منها زهدك فيها و بغضها إليك و حبب إليك الفقراء فرضيت بهم أتباعا و
رضوا بك إماما يا علي طوبى لمن أحبك و صدق
بك و الويل لمن أبغضك و كذب عليك أما من أحبك و صدق بك فإخوانك في دينك و شركاؤك في
جنتك و أما من أبغضك و كذب عليك
فحقيق على الله تعالى أن يقيمه يوم القيامة مقام الكذابين
قال عبد الله بن أبي الهذيل رأيت على علي ع
كشف اليقين ص : 86
قميصا زريا إذا مده بلغ الظفر و إذا أرسله كان مع نصف الذراع
و قال عمر بن عبد العزيز ما علمنا أن أحدا كان في هذه الأمة بعد النبي ص أزهد من
علي بن أبي طالب ع
و قال قبيصة بن جابر ما رأيت في الدنيا أزهد من علي بن أبي طالب
و قال سويد بن غفلة دخلت على علي بن أبي طالب ع فوجدته جالسا بين يديه صحيفة فيها
لبن أجد ريحه من شدة حموضته و في يده
رغيف أرى آثار قشار الشعير في وجهه و هو يكسره بيده أحيانا فإذا أعيا عليه كسره
بركبته و طرحه في اللبن فقال ادن فأصب من
طعامنا هذا فقلت إني صائم فقال سمعت رسول الله ص يقول من منعه الصيام من طعام
يشتهيه كان حقا على الله أن يطعمه من طعام
الجنة و يسقيه من شرابها
كشف اليقين ص : 87
فقلت لجاريته و هي قائمة بقرب منه ويحك يا فضة أ لا تتقين الله في هذا الشيخ أ لا
تنخلين له طعاما مما أرى فيه من النخالة فقالت
لقد تقدم إلينا أن لا ننخل له طعاما قال لي ما قلت لها فأخبرته فقال بأبي و أمي من
لم ينخل له طعام و لم يشبع من خبز البر ثلاثة
أيام حتى قبضه الله عز و جل
و اجتاز يوما في السوق فاشترى قميصا بثلاثة دراهم و لبسه ما بين الرسغين إلى
الكعبين و قال حين لبسه الحمد لله الذي رزقني من
الرياش ما أتجمل به في الناس
و قال ع يا صفراء غري غيري يا بيضاء غري غيري
و خرج ع يوما إلى السوق و معه سيفه ليبيعه فقال من يشتري مني هذا السيف فو الذي فلق
الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه
رسول الله ص و لو كان عندي من إزار لما بعته
كشف اليقين ص : 88
و خرج ع يوما و عليه إزار مرقوع فعوتب عليه فقال يخشع القلب بلبسه و يقتدي به
المؤمن إذا رآه علي
و اشترى يوما ثوبين غليظين فخير قنبرا فيهما فأخذ واحدا و لبس هو الآخر فرأى في كمه
طولا عن أصابعه فقطعه
و كان ع قد ولى على عكبر رجلا من ثقيف فقال له ع إذا صليت الظهر غدا فعد إلي قال
فعدت إليه فلم أجد عنه حاجبا يحجبني دونه
فوجدته جالسا و عنده قدح و كوز ماء فدعا بوعاء مسدود مختوم فقلت في نفسي لقد أمنني
حتى يخرج إلي جواهر فكسر الختم و حله
فإذا فيه سويق فأخرج منه قبضة في القدح و صب ماء فشرب و سقاني فلم أصبر فقلت يا
أمير المؤمنين أ تصنع هذا في العراق و طعامه
كما ترى في كثرته فقال ع أما و الله ما أختم عليه بخلا به و لكني أبتاع قدر ما
يكفيني فأخاف أن ينفض فيوضع فيه من غيره و أنا أكره
أن أدخل بطني إلا طيبا فلذلك أحترز كما ترى فإياك و تناول ما لا تعلم
كشف اليقين ص : 89
حله
و الأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى
المبحث السادس في السخاء و الكرم
لا خلاف في أن أمير المؤمنين ع أسخى الناس بعد رسول الله ص و أكرمهم و أشرفهم جاد
بنفسه حين بات على فراش رسول الله ص
قال ابن الأثير إن قوله تعالى وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ
مَرْضاتِ اللّهِ نزل في علي ع ذلك لأن
كشف اليقين ص : 90
النبي ص لما هاجر و ترك عليا ع في بيته بمكة و أمره أن ينام على فراشه ليوصل إذا
أصبح ودائع الناس إليهم فقال الله عز و جل
لجبرئيل و ميكائيل إني قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما
يؤثر أخاه فاختار كل منهما الحياة فأوحى
الله تعالى إليهما أ لا كنتما مثل علي آخيت بينه و بين محمد فبات على فراشه يفديه
بنفسه و يؤثره بالحياة اهبطا إليه فاحفظاه من
عدوه فنزلا إليه فحفظاه جبريل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه و جبريل يقول بخ بخ يا
ابن أبي طالب من مثلك و قد باهى الله بك
الملائكة.
كشف اليقين ص : 92
و كان عند أمير المؤمنين ع أربعة دراهم لم يملك سواها فتصدق بدرهم ليلا و بدرهم
نهارا و بدرهم سرا و بدرهم علانية فنزل قوله
تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ
عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا
هُمْ يَحْزَنُونَ
و من تفسير الثعلبي و غيره من المفسرين أن الحسن و الحسين ع مرضا فعادهما جدهما
رسول الله ص
كشف اليقين ص : 93
و معه أبو بكر و عمر و عادهما عامة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك
نذرا و كل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء فقال
علي ع إن برئ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكرا و قالت فاطمة ع إن برئ ولداي
مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكرا و قالت
جاريتهما فضة إن برئ سيداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكرا فألبس الغلامان
العافية و ليس عند آل محمد قليل و لا كثير فانطلق
أمير المؤمنين ع إلى شمعون بن حابا الخيبري و كان يهوديا فاقترض منه ثلاثة أصوع من
شعير فقامت فاطمة ع إلى صاع فطحنته و
اختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرص و صلى أمير المؤمنين ع المغرب مع
كشف اليقين ص : 94
رسول الله ص ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين من مساكين المسلمين
فوقف بالباب و قال السلام عليكم يا
أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه
علي ع فقال أعطوه حصتي فقالت
فاطمة ع و الباقون كذلك فأعطوه الطعام و مكثوا يومهم و ليلتهم لم يذوقوا إلا الماء
القراح فلما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة
ع صاعا و اختبزته و أتى أمير المؤمنين ع من صلاة المغرب مع رسول الله ص
كشف اليقين ص : 95
و وضع الطعام بين يديه إذ أتاهم يتيم فقال السلام عليكم أهل بيت محمد يتيم من أولاد
المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة
أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي و فاطمة ع و الباقون فأعطوه الطعام و
مكثوا يومين و ليلتين لم يذوقوا إلا
الماء القراح فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة ع إلى الصاع الباقي فطحنته و
اختبزته و صلى علي ع مع النبي ص المغرب ثم أتى
المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف على الباب فقال السلام عليكم أهل
بيت محمد تأسروننا و لا
كشف اليقين ص : 96
تطعموننا أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله من موائد الجنة فسمعه علي ع ف آثره و
آثروه معه و مكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم
يذوقوا سوى الماء القراح فلما كان اليوم الرابع و قد قضوا نذرهم أخذ علي الحسن بيده
اليمنى و الحسين باليسرى و أقبل نحو
رسول الله ص و هما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع فلما بصر بهم النبي ص قال يا أبا
الحسن ما أشد ما يسوؤني مما أرى بكم
انطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها و هي في محرابها لقد لصق بطنها بظهرها من شدة
الجوع و غارت عيناها فلما رآها النبي ص قال
وا غوثاه يا لله أهل بيت محمد تموتون جوعا فهبط جبريل ع
كشف اليقين ص : 97
و قال يا محمد خذها هنأك الله في أهل بيتك قال و ما ذا آخذ يا جبريل فأقرأه هَلْ
أَتى عَلَى الْإِنْسانِ
كشف اليقين ص : 98
و من تفسير الثعلبي عن غباية بن الربعي قال بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير
زمزم يقول قال رسول الله ص إذا أقبل رجل
متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله
كشف اليقين ص : 99
إلا و قال الرجل قال رسول الله فقال ابن عباس سألتك بالله أن تكشف عن وجهك فكشف
العمامة عن وجهه و قال يا أيها الناس من
عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر
الغفاري سمعت رسول الله ص بهاتين و إلا
فصمتا و رأيته بهاتين و إلا فعميتا يقول علي قائد البررة و قاتل الكفرة منصور من
نصره مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله
ص يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل
يده إلى السماء و قال اللهم اشهد أني
سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا و كان علي ع راكعا فأومأ إليه بخنصره
اليمنى و كان يتختم فيها فأقبل السائل حتى
أخذ الخاتم من خنصره و ذلك بعين النبي ص فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء و
قال اللهم إن موسى سألك قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي
صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا
قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
وَ أَشْرِكْهُ فِي
أَمْرِي فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما
سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِ آياتِنا اللهم و أنا محمد نبيك و
صفيك اللهم فاشرح لي صدري