>
فتح الأبواب ص : 107المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم رب سهل يقول علي بن موسى بن جعفر بن
محمد بن محمد الطاوس أحمد الله جل جلاله الذي عطف على أوليائه و خاصته و لطف لهم
بما أراهم من أسرار ملكوته و مملكته و كشف الحجب بينهم و بين عظمة ربوبيته فأشرقت
على سرائر قلوبهم شموس إقباله و تحققت بصائرهم بما شاء من مقدس جلاله فعصمهم بتلك
الهيبة أن يقع في حضرته الاشتغال عنه منهم و اشتغلوا بمراقبته جل جلاله عنهم و
اقتدى بهم قوم من أهل الأحلام و الأفهام في شرف ذلك المقام فلم تبق لهم إرادة تعارض
مولاهم و هو يراهم في إرادته و لا كراهية تخالف مقدس كراهته و صارت كل الإرادات غير
إرادته عندهم مدحوضة و جميع الاختيارات غير اختياراته مرفوضة و سائر المشورات غير
مشوراته منقوضة و جميع الإشارات غير فتح الأبواب ص : 110إشاراته مبغوضة فهم في سفر
اليقين إليه سائرون و على بساط الأنس و القدس بين يديه متعاشرون و لما أراد منهم
النظر إليه من أنوار جوده و ثمار وعوده ناظرون و صارت إرادتهم و كراهاتهم و حركاتهم
و سكناتهم صادرة عن تدبير مولاهم الذي هم بين يديه حاضرون و إليه صائرون فاستراحوا
و سلموا من مواقف الحساب و قال لسان حالهم لمالك آمالهم في يوم الم آب التدبير في
الدنيا لنا كان بك و منك فصدقهم سبحانه في مقالهم و لسان حالهم بغير ارتياب و قال
ببيان المقال أو لسان الحال لقد كنتم في الدنيا متدبرين بمشورتي في جميع الأسباب
فسيروا على مراكب السعد و الإقبال إلى ما أعددت لخاصتي من تمام دوام الثواب و بقي
الذين قدموا رأيهم على رأيه و تدبيرهم على تدبيره أيام كانوا في دار الفناء و
الذهاب موقوفين في ذل العتاب أو العقاب. و أشهد أن لا إله إلا هو شهادة صدر
الاعتقاد في الانقياد و الاعتراف بها من مقدس باب جوده و أنطق بها لساننا اختيارا
لا اضطرارا كما أراد من عبيده و صانها بدروع الملاطفة و حصون المكاشفة عن حيرة
التائهين في الشك في وجوده و عن الإقدام على هول جحوده و أشهد أن جدي محمدا ص أعظم
واع لمراده و مقصوده و أكمل داع إلى الوقوف عند حدوده الذي أغناه عند المخصوصين
فتح الأبواب ص : 111بلطفه جل جلاله و عناياته عن النظر في براهينه صلوات الله عليه
الباهرة و آياته بما أفرده ع عن العالمين من كمال ذاته و جلال صفاته فهو ص أحق بقول
الشاعر لانفراده بكماله
لقد بهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمر
ثم زاده غنى بعد وفاته عن النظر في دلائل التحدي و كثير من معجزاته بما اشتهر و بهر
من تصديقه جل جلاله في الأخبار التي أخبر ع عنها في مغيباته و بما عجل لداع من أمته
في سرعة إجاباته و بما فرج بالتوسل به ص إلى الله جل جلاله عن مكروب هائل كرباته و
بما أظهر على قبره الشريف و قبور عترته من بيناته و بما كفى و شفى بتراب قبورهم عمن
عجز الأطباء عنه و يئسوا من حياته ذلك الحد الذي أودعه ما يحتاج إليه ع و أمته من
أسرار الأولين و الآخرين و جمع لهم مواريث الأنبياء و المرسلين و جعل طاعة رسوله ع
طاعته سبحانه إلى يوم الدين حتى قال جل جلاله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ
اللّهَ و هذه شهادة صريحة منه جل جلاله أن رسوله فتح الأبواب ص : 112ما ينطق بل ما
يعمل عملا عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى من رب العالمين. و أشهد أن تلك الودائع و
الأسرار و مواريث الأنبياء و الرسل و الأطهار يحتاج رسوله محمد ص في حفظها و نقلها
مع بقاء شريعته إلى من يكون مقطوعا سرا و جهرا على عصمته ليؤمن على مستودعها من
التعمد لتضييع أمانته و من السهو و النسيان اللذين لا يدخلان تحت طاقته كيلا تنقطع
فوائد رسالته و تضيع ذخائر نبوته. و بعد فإنني وجدت العبد المؤدب و المملوك المهذب
يجتهد أن لا يقع منه شيء إلا بإذن مولاه و مالك نعمته ليسلم بذلك من معاقبته أو
معاتبته و ليكون ضمان درك أعمال العبد على مولاه الذي تابعه في إشارته و كان معه في
إرادته و وجدت العمل بالمشاورة لله جل جلاله بالاستخارة قد دلني العقل و النقل
عليها كما سيأتي في أبواب هذا الكتاب من المعنى و العبارة و أنها طريق إلى ضمان درك
حركاتي و سكناتي بها على من وفقني لها و عرفت أن الله جل جلاله العالم بالعواقب
يدلني بالمشاورة له على عواقب المطالب و يكشف لي عن مصالحي فيما أشاوره فيه من كل
أمر حاضر و غائب و يؤمنني بذلك من الغلط في المسالك و المذاهب فلو وجدت ذلك عند ملك
مقرب روحاني أو نبي أو وصي أو تابع لهما بشري أو منجم دنيوي لعذرني على المشاورة له
عقلاء المسلمين بل ما كان يعذرني على ترك مشاورته أحد من الفاضلين و لا أعلم كيف
قال قوم و اعتقدوا أن مشاورة الله جل جلاله و هو أرحم الراحمين و أكرم الأكرمين
المحسن إلى
فتح الأبواب ص : 113المسيئين الذي لا يتهم في مشورته و إشارته على اليقين العالم
بعواقب ما يشير به من أمور الدنيا و الدين تكون دون مشاورة ملك روحاني أو نبي أو
وصي أو غيرهما من العالمين إن هذا بعيد من مذاهب العارفين و قد رأيت عندي يوم
الثلاثاء رابع عشرين من شهر رجب سنة اثنتين و أربعين و ستمائة باعثا قويا عرفت أنه
من جانب العناية الإلهية علي أن أصنف في المشاورة لله جل جلاله كتابا ما أعلم أن
أحدا سبقني إلى مثله يعرف قدر هذا الكتاب من نظره بعين إنصافه و فضله و اتفق أن هذا
يوم رابع عشرين يوم فتح الله جل جلاله أبواب النصرة في حرب البصرة على مولانا أمير
المؤمنين ص و يوم إعزاز الدين و يوم كشف الحق بين المختلفين فوجدته أهلا أن يكشف
الله جل جلاله فيه على يدي الحق في مشاورته جل جلاله و استخارته بلطفه و عطفه و
رحمته و عنايته و قد سميته كتاب فتح الأبواب بين ذوي الألباب و بين رب الأرباب و
يصير حجة لله جل جلاله على من عرفه أو بلغه من المكلفين في تقديم مشاورته جل جلاله
على العالمين و قاطعا لأعذار من تخلف عن مشاورته سبحانه فيما يشاور فيه جل جلاله من
أمور الدنيا و الدين. و هذه أبواب الكتاب نذكرها بابا بابا جملة قبل الشروع في
التفصيل ليعرف الناظر فيها ما يتضمنه كل باب منه فيقصد إلى ما يريد من ذلك على
التعجيل و لعله يكون أربعة و عشرين بابا حيث كان شروعي فيه بالله جل جلاله يوم رابع
عشرين و فيها بلاغ لقوم عابدين. الباب الأول في بعض ما هداني الله جل جلاله إليه من
فتح الأبواب ص : 114المعقول المقوي لما رويته في الاستخارة من المنقول. الباب
الثاني في بعض ما عرفته من صريح القرآن هاديا إلى مشاورة الله جل جلاله و حجة على
الإنسان. الباب الثالث في بعض ما وجدته من طريق الاعتبار كاشفا لقوة العمل في
الاستخارة بما ورد في الأخبار. الباب الرابع في بعض ما رويته من تهديد الله جل
جلاله لعبده على ترك استخارته و تأكيد ذلك ببعض ما أرويه عن خاصته. الباب الخامس في
بعض ما رويته عن حجة الله جل جلاله على بريته في عدوله عن نفسه لما استشير مع عصمته
إلى الأمر بالاستخارة و هو حجة على من كلف الاقتداء بإمامته. الباب السادس في بعض
ما رويته من عمل حجة الله جل جلاله المعصوم في خاص نفسه بالاستخارة أو أمره بذلك من
طريق الخاصة و الجمهور و قسمه بالله جل جلاله أنه سبحانه يخير لمن استخاره مطلقا في
سائر الأمور. فتح الأبواب ص : 115الباب السابع في بعض ما رويته من أن حجة الله جل
جلاله المعصوم عليه أفضل الصلوات لم يقتصر في الاستخارة على ما يسميه الناس مباحات
و أنه استخار في المندوبات و الطاعات و الفتوى بذلك عن بعض أصحابنا الثقات. الباب
الثامن فيما أقوله و بعض ما أرويه من فضل الاستخارة و مشاورة الله جل جلاله بالست
رقاع و بعض ما أعرفه من فوائد امتثال ذلك الأمر المطاع و روايات بدعوات عند
الاستخارات. الباب التاسع فيما أذكره من ترجيح العمل في الاستخارة بالرقاع الست
المذكورة و بيان بعض فضل ذلك على غيره من الروايات المأثورة. الباب العاشر فيما
رويته أو رأيته من مشاورة الله جل جلاله بصلاة ركعتين و الاستخارة برقعتين. الباب
الحادي عشر في بعض ما رويته من الاستخارة بمائة مرة و مرة. الباب الثاني عشر في بعض
ما رويته في الاستخارة بمائة مرة و الإشارة في بعض الروايات إلى تعيين موضع
الاستخارات و إلى الاستخارة عقيب المفروضات.
فتح الأبواب ص : 116الباب الثالث عشر في بعض ما رويته من الاستخارة بسبعين مرة.
الباب الرابع عشر في بعض ما رويته مما يجري فيه الاستخارة بعشر مرات. الباب الخامس
عشر في بعض ما رويته من الاستخارة بسبع مرات. الباب السادس عشر في بعض ما رويته في
الاستخارة بثلاث مرات. الباب السابع عشر في بعض ما رويته في الاستخارة بمرة واحدة.
الباب الثامن عشر فيما رأيته في الاستخارة بقول ما شئت من مرة. الباب التاسع عشر في
بعض ما رأيته من مشاورة الله جل جلاله برقعتين في الطين و الماء. الباب العشرون في
بعض ما رويته أو رأيته من مشاورة الله جل جلاله بالمساهمة. الباب الحادي و العشرون
في بعض ما رويته من مشاورة الله جل جلاله بالقرعة. الباب الثاني و العشرون في
استخارة الإنسان عمن يكلفه الاستخارة من الإخوان. الباب الثالث و العشرون فيما لعله
يكون سببا لتوقف قوم عن العمل بالاستخارة أو لإنكارها و الجواب عن ذلك. الباب
الرابع و العشرون فيما أذكره من أن الاعتبار في صواب العبد في الأعمال و الأقوال
على ما وهب الله جل جلاله فتح الأبواب ص : 117من العقل في المعقول و على ما نبه ص
في المنقول دون من خالف في ذلك على كل حال. فتح الأبواب ص : 119ذكر تفصيل ما
أجملناه من الأبواب على ما يفتحه جل جلاله علينا من وجوه الصواب
فتح الأبواب ص : 121الباب الأول في بعض ما هداني الله جل جلاله إليه من المعقول
المقوي لما رويته في الاستخارة من المنقول
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاوس أيده الله تعالى اعلم أنني وجدت
تدبير الله جل جلاله لمصالح عباده ما ليس هو على مرادهم بل هو على مراده و ما ليس
هو على الأسباب الظاهرة لهم في المكروه و المأمول بل هو لما يعلمه الله جل جلاله من
مصالحهم التي لا يعلمونها أو أكثرها إلا من جانبه جل جلاله و من جانب الرسول ص و لو
كان العقل كافيا في الاهتداء إلى تفضيل مصالحهم لما وجبت بعثة الأنبياء حتى أن في
تدبير الله جل جلاله في مصالح الأنام ما يكاد ينفر منه كثير من أهل الإسلام. فلما
رأيت تدبيري ما هو على مرادي و لا على الأسباب الظاهرة في معرفتي و اجتهادي و عرفت
أنني لا أعرف جميع مصلحتي بعقلي و فطنتي فتح الأبواب ص : 122فاحتجت لتحصيل سعادتي
في دنياي و آخرتي إلى معرفة ذلك ممن يعلمه جل جلاله و هو علام الغيوب و تيقنت أن
تدبيره لي خير من تدبيري لنفسي و هذا واضح عند أهل العقول و القلوب و رأيت مشاورته
جل جلاله بالاستخارة بابا من أبواب إشاراته الشريفة و من جملة تدابيره لي بألطافه
اللطيفة فاعتمدت عليها و التجأت إليها. شعر
لو أن لي بدلا لم أبتدل بهم فكيف ذاك و ما لي عنهم بدلو كم تعرض لي الأقوام غيرهم
يستأذنون على قلبي فما وصلوا
فتح الأبواب ص : 123الباب الثاني في بعض ما عرفته من صريح القرآن هاديا إلى مشاورة
الله جل جلاله و حجة على الإنسان
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى اعلم أنني
وجدت الله جل جلاله يقول عن الملائكة الذين اختياراتهم و تدبيراتهم من أفضل
الاختيارات و التدبيرات لأنهم في مقام المكاشفة بالآيات و الهدايات إنهم عارضوه جل
جلاله لما قال لهم إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها
مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ
نُقَدِّسُ لَكَ فقال جل جلاله لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فعرفهم بذلك
أن علومهم و أفهامهم قاصرة عن أسراره في التدبير المستقيم حتى اعترفوا في موضع آخر
ف قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. فلما رأيت الملائكة عاجزين و قاصرين عن معرفة تدبيره علمت
أنني فتح الأبواب ص : 124أعظم عجزا و قصورا فالتجأت إليه جل جلاله في معرفة ما لا
أعرفه إلا من مشاورته جل جلاله في قليل أمري و كثيره
فصل
ثم وجدت الأنبياء الذين هم أكمل بني آدم ع قد استدرك الله عليهم في تدبيراتهم عند
مقامات فجرى لآدم ع في تدبيره في أكل ثمرة الشجرة ما قد تضمنه صريح الآيات و جرى
لنوح ع في قوله إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ مما لا يخفى
عمن عرفه من أهل الصدق و جرى لداود ع في بعض المحاكمات ما قد تضمنه الكتاب حتى قال
الله جل جلاله وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ
راكِعاً وَ أَنابَ و جرى لموسى ع لما اختار سبعين رجلا من قومه للميقات ما قد تضمنه
صريح الآيات. فلما رأيت الأنبياء الذين هم أكمل العباد في الإصدار و الإيراد قد
احتاجوا إلى استدراك عليهم في بعض المراد علمت أنني أشد حاجة و ضرورة إلى معرفة
إرشادي فيما لا أعرفه من مرادي إلا بمشاورته سبحانه و إشارته فالتجأت إلى تعريف ذلك
بالاستخارة من أبواب رحمته
فصل
ثم وجدت صريح القرآن قد تضمن عموما عن بني آدم بواضح البيان فتح الأبواب ص :
125فقال وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ و
قال جل جلاله لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ و قال جل جلاله وَ لَوِ
اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ
فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ و هذا
تصريح عظيم بالشهادة من الله جل جلاله بقصور بني آدم الذين تضمنهم محكم هذا القرآن
و عزلهم عن الخيرة و أن له جل جلاله الأمر من قبل و من بعد و أن الحق لو اتبع
أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن و أن أهواءهم كانت تبلغ بهم من الفساد
إلى هذا الحد. فلما علمت ذلك و صدقت قائله جل جلاله على اليقين هربت من اختياري
لنفسي إلى اختياره لي باتباع مشورته و رأيته قد عزلني عن الأمر فعدلت عن أمري لنفسي
و عولت على أمره جل جلاله و شريف إشارته و صدقته جل جلاله في أنه لو اتبع الحق هواي
فسد حالي و رأيي فاعتمدت على مشورة الحق و عدلت عن اتباع أهوائي و هذا واضح عند من
أنصف من نفسه و عرف إشراق شمسه
فتح الأبواب ص : 127الباب الثالث في بعض ما وجدته من طريق الاعتبار كاشفا لقوة
العمل في الاستخارة بما ورد في الأخبار
اعلم أنني وجدت الموصوفين بالعقل و الكمال يوكل أحدهم وكيلا يكون عنده أمينا في
ظاهر الحال و لا يطلع على سريرته فيسكن إلى وكيله في تدبيره و مشورته و يشكره من
عرف صلاح ذلك الوكيل و يحمدونه على التفويض إلى وكيله فيما يعرفه من كثير و قليل و
ما رأيت أن مسلما يجوز أن يعتقد أن الله جل جلاله في التفويض إليه و التوكل عليه
بالاستخارات و المشورات و العمل بأمره المقدس دون وكيل غير معصوم في الحركات و
السكنات
فصل
و وجدت الموصوفين بالعقل و الفضل يصوبون تدبير من يشاور أعقل من في بلده و أعقل من
في محلته و أعلم أهل دينه و نحلته مع أن ذلك الذي يشاور في الأشياء لا يدعي أنه
أرجح تدبيرا من الملائكة و الأنبياء بل ربما يكون المستشار قد غلط في كثير من
تدبيراته و ندم على كثير من فتح الأبواب ص : 128اختياراته و مع هذا فيشكرون هذا
المستشير و يستدلون بذلك على عقله و سداده و يقولون هذا من أحسن التدبير أ فيجوز أن
يكون في المعقول و المنقول مشاورة الله جل جلاله و تدبيره لعبده دون عاقل البلد و
عاقل المحلة و عالم النحلة كيف يجوز أن يعتقد هذا أحد من أهل الملة
فتح الأبواب ص : 129الباب الرابع في بعض ما رويته من تهديد الله جل جلاله لعبده على
ترك استخارته و تأكيد ذلك ببعض ما أرويه عن خاصته
فمن ذلك في كتاب المقنعة تصنيف المفيد محمد بن محمد بن النعمان الذي انتهت رئاسة
الإمامية في وقته إليه رضوان الله عليه ما أخبرني به والدي قدس الله روحه و نور
ضريحه عن شيخه الفقيه حسين بن رطبة عن أبي علي الحسن الطوسي عن والده جدي أبي جعفر
الطوسي فتح الأبواب ص : 130عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان بجميع ما تضمنه كتاب
المقنعة و أخبرني والدي أيضا قدس الله روحه عن شيخه الفقيه الكامل علي بن محمد
المدائني عن شيخه أبي الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي عن علي بن عبد الصمد
النيسابوري عن أبي عبد الله جعفر الدوريستي عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان
رضوان الله فتح الأبواب ص : 131عليهم بجميع ما تضمنه كتاب المقنعة و أخبرني شيخي
الفقيه محمد بن نما جزاه الله جل جلاله خير الجزاء و أخبرني شيخي العالم أسعد بن
عبد القاهر بن أسعد بن محمد بن هبة الله بن حمزة المعروف بشفروه الأصفهاني جميعا عن
الشيخ العالم أبي الفرج علي بن السعيد أبي الحسين الراوندي عن والده عن الشيخ أبي
جعفر محمد بن علي بن محسن الحلبي عن الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي عن
شيخه محمد بن محمد بن النعمان فيما يرويه في الجزء الأول من كتاب المقنعة عن الصادق
ع أنه فتح الأبواب ص : 132قال يقول الله عز و جل إن من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال
ثم لا يستخيرني
رواه سعد بن عبد الله في كتابه كتاب الأدعية قال و عنه عن الحسين بن سعيد عن عثمان
بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله ع قال أنزل الله أن من شقاء عبدي أن يعمل
الأعمال و لا يستخيرني
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى و وجدت هذا
الحديث أيضا في أصل من أصول أصحابنا تاريخ كتابته في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة
و ثلاثمائة
يرويه عن الصادق ع قال قال الله تبارك و تعالى من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال و لا
يستخيرني
أقول أنا و إذا علم المكلف ورود الأخبار بالمشاورة لله جل جلاله و استخارته كما سوف
نذكره في الأبواب و نكشف عن حقيقته فما يحتاج فتح الأبواب ص : 133إلى التهديد من
الله جل جلاله على ترك مشاورته إلى إيراد أخبار عنه جل جلاله و عن خاصته و إنما
أوردنا هذا المقدار من الأخبار لنوضح أن النقل ورد معاضدا للعقل. و بيان ذلك أنك لو
عرفت أن الله جل جلاله قد آتى رجلا من الحكمة و العقل و الرأي مثل ما أوتي لقمان و
جعل له قدرة مثلا على خلق إنسان و خلق ما يحتاج إليه هذا الإنسان من مصالحه و
مراشده و أن هذا الحكيم عارف بتدبير هذا الإنسان و بما يسلمه من مهالكه و مفاسده
فبنى هذا الحكيم دارا لهذا الإنسان قبل أن يخلقه و أتقنها و كملها و ما يعرف أسرار
بنائها و تدبيرها جميعا غير هذا الحكيم ثم عاد إلى الإنسان الذي يريد أن يسكنه فيها
ففطره من عدم محض و جعله ترابا ثم ألف من التراب جوهرا إلى جوهر و عرضا إلى عرض و
جعله جسما و ركبه تركيبا عجيبا و كمله تكميلا غريبا و لا يطلع على جميع تدبير هذا
الحكيم لهذا الإنسان إلا الحكيم وحده. فلما بلغ هذا الإنسان و تكمل بقدرة الحكيم
المذكور و أسكنه داره بما فيها من عجائب الأمور صار يعدل عن الحكيم في معرفة أسرار
الدار و أسرار جسده و تدبيره الذي لا يحيط بجميع قليله و كثيره سوى الحكيم المشار
إليه من غير إساءة وقعت من الحكيم و لا تقصير يحتج به هذا الإنسان فتح الأبواب ص :
134عليه أ ما كان كل عاقل يعرف ذلك يبلغ من ذم هذا الإنسان الغايات و يعتقد أنه
يستحق من الحكيم أن يعاجله بالنقمات و أن يخرب الدار التي بناها له و يخرجه عنها و
يخرب جسده الذي عمره بقدرته و يستعيد حياته التي لا بدل له منها فالله جل جلاله كان
في بناء دار الدنيا و تدبير جسد الإنسان و تأليفه و إنعامه الذي وقع منه ابتداء و
تفضلا و الله أتم و أعظم من ذلك الحكيم الذي لو لا إقدار الله جل جلاله ما قدر على
شيء مما ضربناه مثلا فكيف صار ذلك الإنسان بمفارقة الحكيم مستحقا للتهديد و الذم و
الانتقام و لا يكون من عدل عن مشاورة الله جل جلاله كما قال الصادق ع شقيا مذموما
عند أهل الإسلام
فصل
و أخبرني شيخي العالم الفقيه محمد بن نما و الشيخ أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني معا
عن الشيخ العالم أبي الفرج علي بن سعيد أبي الحسين الراوندي عن والده عن الشيخ أبي
جعفر محمد بن علي المحسن الحلبي عن السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قال
أخبرني جماعة عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن
إبراهيم بن هاشم و يعقوب بن يزيد و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن أبي
عمير و عن صفوان عن عبد الله بن مسكان قال قال أبو عبد الله ع من دخل في
فتح الأبواب ص : 135أمر من غير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر
و أخبرني شيخي الفقيه محمد بن نما و الشيخ أسعد بن عبد القاهر بإسنادهما المذكور عن
عبد الله بن مسكان عن ابن مضارب عن أبي عبد الله ع قال من دخل في أمر بغير استخارة
ثم ابتلي لم يؤجر
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى أ ما يظهر لك
من هذين الحديثين المذكورين أن من دخل في أمر بغير استخارة فقد خرج عن ضمان الله جل
جلاله و تدبيره و صار بلاؤه على نفسه لا يؤجر على قليله و كثيره أ ما تبين لك من
هذا أنه لو كان الله جل جلاله مع العبد إذا دخل في أمر بغير مشاورته ما كان قد ضاع
عليه شيء من ثواب مصيبته فأي عاقل يرضى لنفسه أن يدخل في أمر قد أعرض الله جل جلاله
فيه عنه و إذا ابتلي فيه تبرأ الله جل جلاله منه و هذا كاف في التهديد لأهل الإنصاف
و التأييد
فتح الأبواب ص : 136فصل
قد رأينا و روينا تصريحا في النهي عن تقديم مشاورة أحد من العباد قبل مشاورة سلطان
المعاد
أخبرني شيخي الفقيه العالم محمد بن نما و الشيخ العالم أسعد بن عبد القاهر
الأصفهاني عن الشيخ العالم أبي الفرج علي بن السعيد أبي الحسين الراوندي عن السيد
السعيد شرف السادة المرتضى بن الداعي الحسني عن الشيخ أبي عبد الله جعفر بن محمد بن
أحمد بن العباس الدوريستي عن أبيه عن الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين
بن بابويه القمي فيما رواه في كتاب معاني الأخبار في باب معنى مشاورة الله تعالى
قال رحمه الله ما هذا لفظه أبي رحمه الله قال حدثنا محمد بن أبي القاسم ماجيلويه عن
محمد بن علي الكوفي عن عثمان بن عيسى عن هارون بن خارجة قال سمعت أبا عبد الله ع
يقول إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يشاور الله عز و جل قلت
و ما مشاورة الله عز و جل قال يبدأ فيستخير الله عز و جل أولا ثم يشاوره فيه فإذا
بدأ بالله عز و جل أجرى الله الخير على لسان من أحب من فتح الأبواب ص : 137الخلق
أقول و قد تضمن كتاب المقنعة للشيخ المفيد نحو ذلك
أخبرني والدي موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس عن شيخه الفقيه حسين بن رطبة
عن أبي علي الحسن بن محمد الطوسي عن والده محمد بن الحسن الطوسي عن المفيد محمد بن
محمد بن النعمان بجميع ما تضمنه كتاب المقنعة و أخبرني والدي قدس سره عن شيخه
المفيد الفقيه الكمال علي بن محمد المدائني العلوي عن أبي الحسين سعيد بن هبة الله
الراوندي عن علي بن عبد الصمد النيسابوري عن أبي عبد الله جعفر الدوريستي عن المفيد
محمد بن محمد بن النعمان بجميع ما تضمنه كتاب المقنعة أيضا كما قدمناه و أخبرني
شيخي الفقيه محمد بن نما و الشيخ أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني بإسنادهما الذي
قدمناه إلى الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قال رحمه الله فيما رواه في الجزء
الأول من مقنعته في أول باب الاستخارة عن الصادق ع أنه قال إذا أراد أحدكم أمرا فلا
يشاور فيه أحدا حتى يبدأ فيشاور الله عز و جل فقيل له ما مشاورة الله عز و جل قال
يستخير الله فيه أولا ثم يشاور فيه فإنه إذا بدأ بالله أجرى الله له الخير على لسان
من شاء من الخلق
فتح الأبواب ص : 138 و أخبرني شيخي العالم الفقيه محمد بن نما و الشيخ أسعد بن عبد
القاهر الأصفهاني بإسنادهما الذي قدمناه إلى جدي أبي جعفر الطوسي فيما وجدناه عن
هارون بن خارجة و قال جدي أبو جعفر الطوسي هارون بن خارجة له كتاب أخبرنا جماعة عن
أبي المفضل عن ابن بطة عن حميد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن هارون بن خارجة قلت
أنا هارون بن خارجة عن أبي عبد الله قال إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا
حتى يشاور الله تبارك و تعالى قلنا و كيف يشاوره قال يستخير الله فيه أولا ثم يشاور
فيه فإذا بدأ بالله تعالى أجرى الله الخيرة على لسان من أحب من الخلق
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى أ فلا ترى هذه
الأحاديث قد تضمنت نهيا صريحا عن العدول عن مشاورة الله جل جلاله و استخارته فيما
يراد ثم ما جعل لمشاورة غيره جل جلاله أثرا أبدا إذا استشارهم بعد مشاورة سلطان
المعاد بل قال إذا فتح الأبواب ص : 139استخاره سبحانه أولا أجرى الله جل جلاله
الخيرة على لسان من أحب من العباد و هذا واضح في النهي عن مشاورة سواه و هاد لمن
عرف معناه
أقول و قد روى سعد بن عبد الله رحمه الله في كتاب الدعاء كيفية مشاورة الناس فقال
ما هذا لفظه حسين بن علي عن أحمد بن هلال عن عثمان بن عيسى عن إسحاق بن عمار قال
قال أبو عبد الله ع إذا أراد أحدكم أن يشتري أو يبيع أو يدخل في أمر فليبدأ بالله و
يسأله قال قلت فما يقول قال يقول اللهم إني أريد كذا و كذا فإن كان خيرا لي في ديني
و دنياي و آخرتي و عاجل أمري و آجله فيسره و إن كان شرا لي في ديني و دنياي فاصرفه
عني رب اعزم لي على رشدي و إن كرهته و أبته نفسي ثم يستشير عشرة من المؤمنين فإن لم
يقدر على عشرة و لم يصب إلا خمسة فليستشر خمسة مرتين فإن لم يصب إلا رجلين
فليستشرهما خمس مرات فإن لم يصب إلا رجلا فليستشره عشر مرات
فتح الأبواب ص : 141الباب الخامس في بعض ما رويته عن حجة الله جل جلاله على بريته
في عدوله عن نفسه لما استشير مع عصمته إلى الأمر بالاستخارة و هو حجة الله على من
كلف الاقتداء بإمامته
أخبرني شيخي الفقيه محمد بن نما و الشيخ العالم أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني معا
عن الشيخ العالم أبي الفرج علي بن السعيد أبي الحسين الراوندي عن والده عن الشيخ
أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي عن السعيد أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
قال أخبرنا ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين
بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط قال دخلت على فتح الأبواب ص : 142أبي الحسن يعني
الرضا ع فسألته عن الخروج في البر أو البحر إلى مصر فقال لي ائت مسجد رسول الله ص
في غير وقت صلاة فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة و مرة فانظر ما يقضي الله
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله هذا لفظ الحديث
المذكور أ فلا ترى مولانا علي بن موسى الرضا ع لما استشاره علي بن أسباط فيما أشار
إليه عدل عن مشورته مع عصمته و طهارة إشارته و كان أقصى نصيحته لمن استشاره أنه
أشار عليه بالاستخارة فمن يقدم بعد مولانا الرضا ع أن يعتقد أن رأيه لنفسه أو
مشاورة غير المعصوم أرجح من مشورته ص أو يعدل عن مشاورة الله جل جلاله إلى غيره و
يخالف مولانا الرضا ع فيما أشار إليه. و يزيدك كشفا
ما رواه سعد بن عبد الله في كتاب الأدعية عن علي بن مهزيار قال كتب أبو جعفر الثاني
إلى إبراهيم بن شيبة فهمت ما استأمرت فيه من أمر ضيعتك التي تعرض لك السلطان فيها
فاستخر الله مائة مرة خيرة في عافية فإن احلولى بقلبك بعد الاستخارة فتح الأبواب ص
: 143بيعها فبعها و استبدل غيرها إن شاء الله تعالى و لا تتكلم بين أضعاف الاستخارة
حتى تتم المائة إن شاء الله
و يزيدك بيانا ما أخبرني به شيخي العالم الفقيه محمد بن نما و الشيخ العالم أسعد بن
عبد القاهر الأصفهاني معا عن الشيخ أبي الفرج علي بن أبي الحسين الراوندي عن والده
عن أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي عن السعيد أبي جعفر الطوسي عن الشيخ
المفيد محمد بن محمد بن النعمان عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي
عن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني قال محمد بن يعقوب الكليني فيما صنفه من كتاب رسائل
الأئمة ص فيما يختص بمولانا الجواد ص فقال و من كتاب إلى علي بن أسباط بسم الله
الرحمن الرحيم فهمت ما ذكرت من أمر بناتك و أنك لا تجد أحدا مثلك فلا تفكر في ذلك
يرحمك الله فإن رسول الله ص قال إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوجوه و إِلّا
تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ و فهمت ما استأمرت
فيه من أمر ضيعتيك اللتين تعرض لك السلطان فتح الأبواب ص : 144فيهما فاستخر الله
مائة مرة خيرة في عافية فإن احلولى في قلبك بعد الاستخارة فبعهما و استبدل غيرهما
إن شاء الله و لتكن الاستخارة بعد صلاتك ركعتين و لا تكلم أحدا بين أضعاف الاستخارة
حتى تتم مائة مرة
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى فهذا جواب
مولانا الجواد ع و قد تقدم جواب مولانا الرضا ع لما استشارهما و فوض إليهما كيف
عدلا عن مشورتهما مع ما هما عليه من التأييد و المزيد فيه إلى المشورة عليه
بالاستخارة و هذا قولهما صلوات الله عليهما حجة على كل من عرفه من مكلف به قريب و
بعيد إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ
هُوَ شَهِيدٌ. و لو لا أن الاستخارة من أشرف الأبواب إلى معرفة صواب الأسباب ما
كانا ع قد عدلا عن مشورتهما و هما من نواب مالك يوم الحساب إلى الاستخارة و
المستخار و المستشار مؤتمن و لو كان مستشيره بعيدا من الصواب فمن ذا يقدم على
مخالفة قولهما أو يعدل عنه وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ
يُقْبَلَ مِنْهُ و يدلك جواب مولانا فتح الأبواب ص : 145الرضا و كتاب مولانا الجواد
ع أن المستشير لهما كان عندهما مرضي الأعمال و الاعتقاد لمشورة مولانا الرضا ع
باستخارة مائة مرة و مرة و هي أبلغ الاستخارات و لأنها لا يعرفها المخالفون لنا و
لا تروى إلا من طريق الشيعة دون غيرهم من أهل الاعتقادات و لأجل ما تضمنه جواب
مولانا الجواد ص فيما كتب إليه أن بناته لا يجد لهن مثله لعله أراد في اعتقاده و
قوله ع له يرحمك الله و هو دعاء شفيق عليه كونه يتألم إليه ع من سلطان ذلك الزمان و
كل ذلك يشهد أنه كان في المشورة عليه في مقام اختصاص و عزة مكان
فتح الأبواب ص : 147الباب السادس في بعض ما رويته من عمل حجة الله جل جلاله المعصوم
في خاص نفسه بالاستخارة أو أمره بذلك من طريق الخاصة و الجمهور و قسمه بالله جل
جلاله أنه سبحانه يخير لمن استخاره مطلقا في سائر الأمور
أخبرني شيخي الفقيه محمد بن نما و الشيخ أسعد بن عبد القاهر الأصفهاني معا عن الشيخ
العالم أبي الفرج علي بن الشيخ السعيد أبي الحسين الراوندي عن والده عن الشيخ أبي
جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي عن السعيد أبي جعفر الطوسي قال أخبرني ابن أبي
جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفار عن محمد بن عبد الجبار عن الحسن بن علي
بن فضال عن عبد الله بن ميمون فتح الأبواب ص : 148القداح عن أبي عبد الله ع قال ما
أبالي إذا استخرت الله على أي طرفي وقعت و كان أبي يعلمني الاستخارة كما يعلمني
السور من القرآن
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى و رأيت بعد
هذا الحديث المذكور في الأصل الذي رويته منه و هو أصل عتيق مأثور دعاء و ما أعلم هل
هو متصل بالحديث و أنه منه أو هو زيادة عليه و خارج عنه و ها هو على لفظه و معناه
اللهم إني أستخيرك بعلمك و أستعينك بقدرتك و أسألك باسمك العظيم إن كان كذا و كذا
خيرا لي في ديني و دنياي و آخرتي و عاجل أمري و آجله فقدره و يسره لي و إن كان شرا
فاصرفه عني برحمتك فإنك تقدر و لا أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب
أقول و وجدت في أصل العبد الصالح المتفق عليه محمد بن أبي عمير رضوان الله عليه ما
هذا لفظه ربعي عن الفضيل قال فتح الأبواب ص : 149سمعت أبا عبد الله ع يقول ما
استخار الله عز و جل عبد مؤمن إلا خار له و إن وقع في ما يكره
و أما روايتي للاستخارة على العموم من طريق الجمهور
فهو ما أخبرني به الشيخ محمد بن محمود بن النجار المحدث بالمدرسة المستنصرية فيما
أجازه لي ببغداد في ذي القعدة من سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة من سائر ما يرويه و من
ذلك كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي قال سمعته من أبي أحمد عبد الوهاب بن علي بن
علي لسماعة بعضه من أبيه و تاليه من إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقي كلاهما
عن الحميدي فتح الأبواب ص : 150قال الحميدي في مسند جابر بن عبد الله قال كان النبي
ص يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم
بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك و أستقدرك
بقدرتك و أسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر و لا أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام
الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني و دنياي و معاشي و عاقبة
أمري أو قال عاجل أمري و آجله فاقدره لي و يسره لي ثم بارك لي فيه اللهم و إن كنت
تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني و دنياي و معاشي و عاقبة أمري أو قال عاجل أمري و
آجله فاصرفه عني و اصرفني عنه و اقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال و يسمي حاجته
يقول علي بن موسى مؤلف هذا الكتاب و رأينا أيضا من طريق الجمهور ما هذا لفظه
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن ابن مسعود كان يقول
في الاستخارة اللهم إنك تعلم و لا أعلم و تقدر و لا أقدر و أنت علام الغيوب اللهم
إن علمك بما يكون كعلمك بما كان اللهم إني عزمت على كذا و كذا فإن كان لي فيه خير
للدين و الدنيا و العاجل و الأجل فيسره و سهله و وفقني له و وفقه لي و إن كان غير
ذلك فامنعني منه فتح الأبواب ص : 151كيف شئت ثم يسجد و يقول مائة مرة و مرة اللهم
إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية و يكتب ست رقاع في ثلاث منها خيرة من الله العزيز
الحكيم لفلان بن فلان افعل على اسم الله و عونه و في ثلاث منها خيرة من الله العزيز
الحكيم لفلان بن فلان لا تفعل و الخيرة فيما يقضي الله و يكون تحت السجادة فإذا
فرغت من الصلاة و الدعاء مددت يدك إلى الرقاع فأخذت واحدة منها فما خرج فيه فاعمل
على الأكثر إن شاء الله تعالى و هو حسبي
هذا آخر ما روي عن ابن مسعود. يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس
مؤلف هذا الكتاب أيده الله تعالى و اعلم أنني وقفت على تصنيف لبعض المخالفين الزهاد
أيضا الذي يقتدون به في الأسباب يتضمن هذا حديث الاستخارة و يذكر فيه الرقاع الست و
أنا أذكره بألفاظه و هذا المصنف اسمه محمود بن أبي سعيد بن طاهر السجزي و اسم
الكتاب الذي وجدت فيه من تصنيفه كتاب الأربعين في الأدعية المأثورة عن سيد المرسلين
في الحديث الثاني منه و حدثني من أسكن إليه أن هذا المصنف زاهد كثير التصنيف عند
أصحاب أبي حنيفة معتمد عليه فقال ما هذا لفظه فتح الأبواب ص : 152
قال رضي الله عنه أخبرني الصدر الإمام الأجل الكبير الأستاد ركن الدين هذا تغمده
الله بغفرانه و أسكنه أعلى جنانه بقراءتي عليه في شهر ربيع الأول سنة سبع و ثمانين
و خمسمائة قال أخبرنا الشيخ الصالح بقية المشايخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن
شعيب السجزي الصوفي في شهور سنة إحدى و خمسين و خمسمائة قال أخبرنا الشيخ الإمام
جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي قراءة عليه بفوشنج و
أنا أسمع في شهور سنة خمس و ستين و أربعمائة قال و كنت في ذلك الوقت ابن خمس سنين
فحملني والدي عيسى السجزي على عنقه كل يوم يكون سماع الحديث سبعة فراسخ و يذهب بي
إلى جمال الإسلام للسماع قال أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن
فتح الأبواب ص : 153حمويه الحموي السرخسي قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن
مطر الفربري قال أخبرنا إمام الدنيا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا قتيبة بن
سعيد قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنه قال كان رسول الله ص يعلمنا الاستخارة في الأمور كما فتح الأبواب ص :
154يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة
ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك و أستقدرك بقدرتك و أسألك من فضلك العظيم فإنك
تقدر و لا أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر
خير لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري أو قال في عاجل أمري و آجله فاقدره لي و يسره
لي ثم بارك لي فيه و إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري
أو قال في عاجل أمري و آجله فاصرفه عني و اصرفني عنه و اقدر لي الخير حيث كان ثم
رضني به
قال رضي الله عنه و قال بعض المشايخ رحمهم الله أنه لما صلى هذه الصلاة و دعا بهذا
الدعاء يقطع بعد ذلك كاغذة ست رقاع يكتب في ثلاث منها افعل و في ثلاث منها لا تفعل
ثم يخلط بعضها ببعض و يجعلها في كمه ثم يخرج ثلاثا منها واحدا بعد أخرى فإن وجد
فيها كلها افعل أقدم على ذلك الأمر طيب القلب و إن وجد في اثنتين منها افعل و في
واحدة لا تفعل فلا بأس بالإقدام على ذلك الأمر لكنه دون الأول و إن وجد في كلها لا
تفعل لا تفعل فليحذر عن الإقدام على ذلك الأمر و إن وجد في اثنتين منها لا تفعل
فالحذر أولى فللأكثر حكم الكل. قال رضي الله عنه و هذا إنما يحتاج إليه في الأمور
الخفية التي هي فتح الأبواب ص : 155مترددة بين المصلحة و المضرة كالنكاح و الشركة و
السفر و نحوها فأما ما ظهرت مصلحته بالدلائل القطعية كالفرائض من الصلاة و الزكاة
فإنه لا يسأل إن كان هذا الأمر مصلحة فكذا و إن كان غير ذلك فكذا و لو سأل و كتب
فإنه لا يحترز عنها و إن خرج الكل لا تفعل و هذا لا يكون حجة له لأنه لا عبرة
للدلالة و الإشارة مع التصريح بخلافها و كان الواجب عليه طلب التوفيق لا سؤال أنه
هل هو خير أم لا فإن خيرته معلومة و ما ظهرت مضرته كالمناهي فلا يقدم عليها و إن
خرج الكل افعل لأنه مأمور بالاحتراز عنها صريحا فكان الواجب عليه الاحتراز عنها لا
طلب المصلحة فيها. و من الدعوات التي وردت في الاستخارة
قوله ص اللهم خر لي و اختر لي
و بلغني عن بعض العلماء في كيفية الاستخارة أنه قال تكتب ثلاث رقاع في كل رقعة بسم
الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم افعل و في ثلاث بسم الله الرحمن
الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لا تفعل و تضع الرقاع تحت السجادة ثم تصلي
ركعتين في كل ركعة فاتحة الكتاب و سورة الإخلاص ثلاثا ثم تسلم و تقول اللهم إني
أستخيرك بعلمك إلى آخره ثم تسجد و تقول مائة مرة أستخير الله العظيم ثم ترفع رأسك و
تخرج من الرقاع خمسة و تترك واحدة فإن كان في ثلاث افعل فاقصده فالصلاح فيه و إن
كان في ثلاث لا تفعل فأمسك فإن الخيرة فيه إن شاء الله تعالى فتح الأبواب ص : 156
و ذكر الإمام الشيخ الخطيب المستغفري رحمه الله بسمرقند في دعواته إذا أردت أن
تتفأل بكتاب الله عز و جل فاقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات ثم صل على النبي ص ثلاثا ثم
قل اللهم إني تفألت بكتابك و توكلت عليك فأرني من كتابك ما هو المكتوم من سرك
المكنون في غيبك ثم افتح الجامع و خذ الفال من الخط الأول في الجانب الأول من غير
أن تعد الأوراق و الخطوط كذا أورد مسندا إلى رسول الله ص
و في فردوس الأخبار أن النبي ع قال يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات
ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخيرة فيه يعني افعل ذلك
و في وصايا النبي ص لعلي عليه الصلاة و السلام يا علي إذا أردت أمرا فاستخر ربك ثم
ارض ما يخير لك تسعد في الدنيا و الآخرة
فتح الأبواب ص : 157 و روي عن أبي جعفر محمد بن علي ع قال كان علي بن الحسين ع إذا
هم بحج أو عمرة أو شرى أو بيع تطهر و صلى ركعتين للاستخارة يقرأ فيهما بسورة الرحمن
و سورة الحشر فإذا فرغ من الركعتين استخار مائتي مرة ثم قال اللهم إني قد هممت بأمر
قد علمته فإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني و دنياي و آخرتي فاصرفه عني رب اعزم لي
على رشد و إن كرهت أو أحبت ذلك نفسي بسم الله الرحمن الرحيم ما شاء الله لا حول و
لا قوة إلا بالله حسبي الله و نعم الوكيل ثم يمضي و يعزم
قال رضي الله عنه و معنى استخارته عند الهم بالحج و العمرة و إن كانا من جملة
العبادات و الله أعلم لأنه ربما يرغب الشيطان الإنسان في أداء شيء من النوافل و
مقصوده أن يحرمه عند اشتغاله به من بعض الفرائض و يمنعه عما هو أهم له منه و
للشيطان تسويلات و تعذيرات فاستخار الله تعالى ليرشده إلى ما هو الأهم و يوفقه لما
هو الأصلح له و بالله الثقة و عليه التكلان. قال رضي الله عنه و بلغني عن بعض
العلماء قال من أراد أمرا فلا يشاور فيه أحدا حتى يشاور الله فيه بأن يستخير الله
أولا ثم يشاور فيه فإنه إذا بدأ بالله عز و جل أجرى له الخيرة على لسان من شاء من
الخلق ثم ليصل ركعتين بقل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد ثم ليحمد الله تعالى و
ليثن عليه و ليصل على النبي و آله ع و يقول اللهم إن كان هذا الأمر خيرا لي في ديني
و دنياي فيسره لي و قدره لي و إن كان غير ذلك فتح الأبواب ص : 158فاصرفه عني فإذا
فعل هكذا استجاب الله دعاءه. و قال رضي الله عنه و رأيت أيضا أنه يقول في آخر ركعة
من صلاة الليل و هو ساجد مائة مرة أستخير الله برحمته و قيل بل يستخيره في آخر سجدة
من ركعتي الفجر مائة مرة و يحمد الله و يثني عليه و يصلي على النبي ص و يتم المائة
و الواحدة و يقول اللهم يا أبصر الناظرين و يا أسمع السامعين و يا أسرع الحاسبين و
يا أرحم الراحمين صل على محمد و آله و خر لي في كذا. و قل أيضا لا إله إلا الله
العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم رب بحرمة محمد و آله صل على محمد و آله
و خر لي في كذا في الدنيا و الآخرة خيرة في عافية. يقول علي بن موسى بن جعفر بن
محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى هذا آخر لفظ المخالف المذكور و إذا كان
وجوه هذه الاستخارات بالرقاع و ما ذكره و ذكرنا من الدعوات فقد صار ذلك إجماعا ممن
رواه من أصحابنا و ممن رواه من علماء المخالفين أ فما يظهر للمنصف من العارفين أن
هذه الاستخارة من جملة الطرق إلى مشورة رب العالمين و تعليق العامل لها ما يعمله
بها على تدبير مالك يوم الدين و ظفره بالسلامة من الندامة في الدنيا و يوم القيامة
و ما زال أهل الاحتياط من الأصحاب المنصفين إذا اتفق في مسألة لهم روايتهم و رواية
غيرهم من علماء المسلمين فتح الأبواب ص : 159أن يجعلوا ذلك حجة واضحة و دلالة راجحة
على صحة المسألة المذكورة و يصير العمل بها كأنه معلوم من دين النبي ص كالضرورة
و يقول أيضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس و مما رويته بإسنادي
إلى جدي أبي جعفر الطوسي فيما رواه و أسنده إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن
عقدة عما رواه أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة في كتاب تسمية المشايخ من الجزء السادس
منه في باب إدريس قال حدثني شهاب بن محمد بن علي بن شهاب الحارثي قال حدثنا جعفر بن
محمد بن معلى قال حدثنا إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن قال حدثني أبي
عن إدريس بن عبد الله بن الحسن عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كنا نتعلم الاستخارة
كما نتعلم السورة من القرآن
و مما رأيته في أواخر المجلدة التي فيها جزء من كتاب تسمية فتح الأبواب ص :
160المشايخ تصنيف أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المذكور بإسناد قد تضمنه الكتاب
المذكور قال سمعت أبا عبد الله ع يقول كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من
القرآن ثم قال ما أبالي إذا استخرت الله على أي جنبي وقعت
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى و لعل قائلا
يقول إن هذا التأكيد في الاستخارة ليس في أكثره ذكر الاستخارة بالرقاع لا في معناه
و لا في العبارة. و الجواب عن ذلك أنه قد يمكن أن يكون المعصوم ص أحال السامع
للحديث في الرقاع على ما يعرفه من غير هذين الحديثين و يكون هذا الدعاء مضافا إلى
رقاع الاستخارة
كما رواه أحمد بن محمد بن يحيى قال أراد بعض أوليائنا الخروج للتجارة فقال لا أخرج
حتى آتي جعفر بن محمد ع فأسلم عليه و أستشيره في أمري هذا و أسأله الدعاء لي قال
فأتاه فقال يا ابن رسول الله إني عزمت على الخروج للتجارة و إني آليت على نفسي ألا
أخرج حتى ألقاك و أستشيرك و أسألك الدعاء لي قال فدعا لي و قال ع عليك بصدق اللسان
في حديثك و لا تكتم عيبا يكون في تجارتك و لا تغبن المسترسل فإن غبنه ربا و لا ترض
للناس إلا ما ترضاه فتح الأبواب ص : 161لنفسك و أعط الحق و خذه و لا تخف و لا تخن
فإن التاجر الصدوق مع السفرة الكرام البررة يوم القيامة و اجتنب الحلف فإن اليمين
الفاجرة تورث صاحبها النار و التاجر فاجر إلا من أعطى الحق و أخذه و إذا عزمت على
السفر أو حاجة مهمة فأكثر الدعاء و الاستخارة فإن أبي حدثني عن أبيه عن جده أن رسول
الله ص كان يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن و إنا لنعمل ذلك متى
هممنا بأمر و نتخذ رقاعا للاستخارة فما خرج لنا عملنا عليه أحببنا ذلك أم كرهنا
فقال الرجل يا مولاي فعلمني كيف أعمل فقال إذا أردت ذلك فأسبغ الوضوء و صل ركعتين
تقرأ في كل ركعة الحمد و قل هو الله أحد مائة مرة فإذا سلمت فارفع يديك بالدعاء و
قل في دعائك يا كاشف الكرب و مفرج الهم و مذهب الغم و مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها
يا من يفزع الخلق إليه في حوائجهم و مهماتهم و أمورهم و يتوكلون عليه أمرت بالدعاء
و ضمنت الإجابة اللهم فصل على محمد و آل محمد و ابدأ بهم في كل أمري و افرج همي و
نفس كربي و أذهب غمي و اكشف لي عن الأمر الذي قد التبس علي و خر لي في جميع أموري
خيرة في عافية فإني أستخيرك اللهم بعلمك و أستقدرك بقدرتك و أسألك من فضلك و ألجأ
إليك في كل أموري و أبرأ من الحول و القوة إلا بك و أتوكل عليك و أنت حسبي و نعم
الوكيل اللهم فافتح لي أبواب رزقك و سهلها لي و يسر لي جميع أموري فإنك تقدر و لا
أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب اللهم إن كنت فتح الأبواب ص : 162تعلم أن
هذا الأمر و تسمي ما عزمت عليه و أردته هو خير لي في ديني و دنياي و معاشي و معادي
و عاقبة أموري فقدره لي و عجله علي و سهله و يسره و بارك لي فيه و إن كنت تعلم أنه
غير نافع لي في العاجل و الآجل بل هو شر علي فاصرفه عني و اصرفني عنه كيف شئت و أنى
شئت و قدر لي الخير حيث كان و أين كان و رضني يا رب بقضائك و بارك لي في قدرك حتى
لا أحب تعجيل ما أخرت و لا تأخير ما عجلت إنك على كل شيء قدير و هو عليك يسير ثم
أكثر الصلاة على محمد النبي و آله صلوات عليهم أجمعين و يكون معك ثلاث رقاع قد
اتخذتها في قدر واحد و هيئة واحدة و اكتب في رقعتين منها اللهم فاطر السماوات و
الأرض عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم إنك
تعلم و لا أعلم و تقدر و لا أقدر و تقضي و لا أقضي و أنت علام الغيوب صل على محمد و
آل محمد و أخرج لي أحب السهمين إليك و خيرهما لي في ديني و دنياي و عاقبة أمري إنك
على كل شيء قدير و هو عليك يسير و تكتب في ظهر إحدى الرقعتين افعل و على ظهر الأخرى
لا تفعل و تكتب على الرقعة الثالثة لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم استعنت
بالله و توكلت على الله و هو حسبي و نعم الوكيل توكلت في جميع أموري على الله الحي
الذي لا يموت و اعتصمت بذي العزة و الجبروت و تحصنت بذي الحول و الطول و الملكوت و
سلام على
فتح الأبواب ص : 163المرسلين و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد النبي و
آله الطاهرين ثم تترك ظهر هذه الرقعة أبيض و لا تكتب عليه شيئا ثم تطوي الثلاث رقاع
طيا شديدا على صورة واحدة و تجعل في ثلاث بنادق شمع أو طين على هيئة واحدة و وزن
واحد و ادفعها إلى من تثق به و تأمره أن يذكر الله و يصلي على محمد و آله و يطرحها
إلى كمه و يدخل يده اليمنى فيجيلها في كمه و يأخذ منها واحدة من غير أن ينظر إلى
شيء من البنادق و لا يتعمد واحدة بعينها و لكن أي واحدة وقعت عليها يده من الثلاث
أخرجها فإذا أخرجها أخذتها منه و أنت تذكر الله عز و جل و تسأله الخيرة فيما خرج لك
ثم فضها و اقرأها و اعمل بما يخرج على ظهرها و إن لم يحضرك من تثق به طرحتها أنت
إلى كمك و أجلتها بيدك و فعلت كما وصفت لك فإن كان على ظهرها افعل فافعل و امض لما
أردت فإنه يكون لك فيه إذا فعلته الخيرة إن شاء الله تعالى و إن كان على ظهرها لا
تفعل فإياك أن تفعله أو تخالف فإنك إن خالفت لقيت عنتا و إن تم لم يكن لك فيه
الخيرة و إن خرجت الرقعة التي لم تكتب على ظهرها شيئا فتوقف إلى أن تحضر صلاة
مفروضة ثم قم فصل ركعتين كما وصفت لك ثم صل الصلاة المفروضة أو صلهما بعد الفرض ما
لم تكن الفجر أو العصر فأما الفجر فعليك بعدها بالدعاء إلى أن تنبسط الشمس ثم صلهما
و أما العصر فصلهما قبلها ثم ادع الله عز و جل بالخيرة كما ذكرت لك و أعد الرقاع و
اعمل بحسب ما يخرج لك و كلما فتح الأبواب ص : 164خرجت الرقعة التي ليس فيها شيء
مكتوب على ظهرها فتوقف إلى صلاة مكتوبة كما أمرتك إلى أن يخرج لك ما تعمل عليه إن
شاء الله
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى أ فلا ترى هذا
الاهتمام بالاستخارة من الطريقين ثم قول رواة الفريقين إن المعصوم كان يعلمهم
الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن و هذا من أبلغ الاهتمام عند أهل الإسلام و
الإيمان ثم اعتبر في الحديث الأول
قول الصادق ع لا أبالي إذا استخرت الله على أي طرفي وقعت
و هذا عظيم في جلالة الاستخارة عند من عرف ما تضمنه من شريف المعنى و العبارة. و
أما أمر مولانا الصادق ع بالاستخارة و قسمه بالله عز و جل إن الله جل جلاله يخير
لمن استخاره
فمن ذلك ما أخبرني به شيخي الفقيه محمد بن نما و الشيخ العالم أسعد بن عبد القاهر
الأصفهاني معا عن الشيخ أبي الفرج علي بن السعيد أبي الحسين الراوندي عن والده عن
الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي عن السعيد أبي جعفر الطوسي عن الشيخ
محمد بن محمد بن النعمان عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن الشيخ محمد
بن يعقوب الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن النضر بن
سويد عن يحيى الحلبي عن عمرو بن حريث قال قال أبو عبد الله ع صل ركعتين و استخر
الله فو الله ما استخار الله مسلم إلا فتح الأبواب ص : 165خار الله له البتة
أقول و رويت هذا الحديث بألفاظه بإسنادي المتقدم إلى جدي أبي جعفر الطوسي فيما رواه
في كتاب تهذيب الأحكام بإسناده في أول باب صلاة الاستخارة. و رويت هذا الحديث أيضا
عن جدي أبي جعفر الطوسي بألفاظه فيما رواه في كتاب المصباح الكبير. فهل تقدم أيها
العادل عن استخارة الله جل جلاله على أن تحلف أنت أو تجد من يحلف معك من المعصومين
أن استخارة و مشاورة غير الله جل جلاله نجاة لمن استشار فيها البتة على اليقين فكيف
تعدل بنفسك عن ضمان الصادق ع بالقسم الذي أشار إليه إلى مشورة نفسك أو مشاورة من لا
يدري عاقبة ما يشير إليه
فتح الأبواب ص : 167الباب السابع في بعض ما رويته في أن حجة الله جل جلاله المعصوم
عليه أفضل الصلوات لم يقتصر في الاستخارة على ما يسميه الناس مباحات و أنه استخار
في المندوبات و الطاعات و الفتوى بذلك عن بعض أصحابنا الثقات
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاوس أيده الله تعالى اعلم أنني
اعتبرت ما وقفت عليه مما ذكره شيوخ المعتزلة من المتكلمين و قول من تابعهم على
قولهم من المتقدمين و المتأخرين في أنهم ادعوا أن للمكلف مباحا ليس له صفة زائدة
على حسنه و لا أدب من الله و رسوله ع زائد على إباحته فما وجدت هذا القول صحيحا مع
كثرة القائلين به و المعتقدين لصحته و إنما قلت ذلك لأمور منها ما أذكره على سبيل
الجملة و منها ما أذكره على سبيل بعض التفصيل. أما الذي أذكره على سبيل الجملة
فإنني وجدت العبد المكلف حاضرا بين يدي الله جل جلاله في سائر الحركات و السكنات و
في سائر فتح الأبواب ص : 168الأوقات و الله جل جلاله مطلع عليه بإحاطة العلم به و
بالإحسان إليه و لله جل جلاله حرمة باهرة و هيبة قاهرة و جلالة ظاهرة و نعم متواترة
يستحق من عبده أن يعرفها و يعبده بالقيام بحقها لكونه جل جلاله أهلا للعبادة بذلك
فلا ينفك العبد من تكليفه بأدب العبودية في سائر المواقف و المسالك فأي حركة أو
سكون يخلو فيها العبد من اطلاع الله عز و جل عليه و من إحسانه إليه و من لزوم علم
العبد أنه بين يدي مولاه و أنه يراه حتى يكون متصرفا فيها بإباحة مطلقة تصرف الدواب
و تكون خالية من التكليف بشيء من الآداب هذا لا يقبله من نظر بعين الصواب و اعتمد
على الله عز و جل في صدق الألباب فإن الإنسان يعلم من نفسه أن على العبد أدبا في
العبودية متى كان سيده يراه لا يجوز أن ينفك العبد منه إما أدبا قليلا أو كثيرا
بخلاف حال العبد إذا كان سيده لا يراه و هذا واضح لا يخفى على من عرف معناه. جواب
آخر على سبيل الجملة اعلم أنني عرفت أن كل ما في الوجود مما يسميه الناس مباحات لم
يزل ملكا لله تعالى جل جلاله فلما أطلقه للمكلفين و أجراه عليهم على جهة الإحسان
إليهم و كان إطلاقه و إجراؤه مستمرا مع بقائهم وجب عليهم استمرار أدب الاعتراف بحق
هذه النعمة و القيام بشكرها فإذا لم يكن للمكلف انفكاك من استمرار هذه النعم فكيف
صح أن يكون نعمة منها مستمرة في وقت من الأوقات خالية من استمرار أدب الاعتراف بها
و شكرها حتى تصير تلك النعمة كما يقولون خالية من صفة زائدة على حسنها مثل إباحتها
لغير المكلفين و للدواب أن القول بذلك بعيد من الصواب و هذا واضح لأولي الألباب و
لقد وجدت في فتح الأبواب ص : 169أخبار مولانا أمير المؤمنين ع و أخبار الصادقين و
أخبار مولانا زين العابدين ع ما ينبه المكلفين على ما ذكرناه.
فمما أرويه عن مولانا علي ع بإسنادي إلى جدي أبي جعفر الطوسي و هو ما ذكره في
المصباح في خطبة يوم الأضحى عن مولانا علي ع فقال ما هذا لفظه فو الله لو حننتم
حنين الواله المعجال و دعوتم دعاء الحمام و جأرتم جؤار متبتلي الرهبان و خرجتم إلى
الله من الأموال و الأولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة و غفران سيئة أحصتها
كتبته و حفظتها رسله لكان قليلا فيما ترجون من ثوابه و تخشون من عقابه و تالله لو
انماثت قلوبكم انمياثا و سالت من رهبة الله عيونكم دما ثم عمرتم عمر الدنيا على
أفضل اجتهاد و عمل ما جزت أعمالكم حق نعمة الله عليكم و لا استحققتم الجنة بسوى
رحمته و منه عليكم
و أما روايات الصادقين و مولانا زين العابدين ع فهي كثيرة لا نطول بنشرها لكنا نذكر
رواية منها لما نرجوه من فوائد ذكرها.