[242]
كان المتوكل يجتهد في ايقاع حيلة بعلي بن محمد (عليه السلام)، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس، فلا يتمكن من ذلك، وله معه احاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات له (عليه السلام) ودلالات فلا بأس بذكر بعضها رجاء ان يملأ اللّه تعالى به صحائفنا من الحسنات.
منها ما رواه القطب الراوندي عن أبي سعيد سهل بن زياد قال: حدثنا ابو العباس فضل بن احمد بن اسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامراء فجرى ذكر ابي الحسن (عليه السلام)، فقال: يا ابا سعيد اني احدثك بشيء حدثني به ابي، قال: كنا مع المعتز وكان ابي كاتبه، فدخلنا الدار واذا المتوكل على سريره قاعد فسلم المعتز ووقف ووقفت خلفه، وكان عهدي به اذا دخل رحب به ويأمره بالقعود فاطال القيام وجعل يرفع رجلا ويضع اخرى، وهو لا يأذن له بالقعود، ونظرت الى وجهه يتغير ساعة ويقبل الفتح بن خاقان ويقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول ويردد عليه القول، والفتح مقبل عليه يسكنه ويقول مكذوب عليه يا امير المؤمنين، وهو يتلظّى ويقول: واللّه لاقتلن هذا المرائي وهو الذي يدَّعي الكذب ويطعن في دولتي، ثم قال جئني باربعة من الخزر جلاف(1) لا يفقهون فجيء بهم ودفع اليهم اربعة اسياف وامرهم ان يرطنوا بألسنتهم اذ دخل ابو الحسن (عليه السلام) ويقبلوا عليه باسيافهم فيخبطوه وهو يقول واللّه لأحرقنه بعد القتل، وانا منتصب قائم خلف المعتز، من وراء الستر، فما علمت الا بأبي الحسن (عليه السلام) قد دخل وقد بادر الناس قدامه وقالوا قد جاء، والتفت فاذا انا به وشفتاه يتحركان وهو غير مكروب ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى
_________________________
(1) جمع جلف وهو الجافي الغليظ والصحيح في جمعها: اجلاف.
[243]
بنفسه عن السرير اليه وسبقه وانكب عليه فقبل ما بين عينيه ويديه وسيفه بيده، وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول اللّه يا خير خلق الله، يا ابن عمي، يا مولاي يا ابا الحسن، وابو الحسن (عليه السلام) يقول اعيذك يا امير المؤمنين باللّه، اعفني من هذا، فقال ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟ قال جاءني رسولك، فقال: المتوكل يدعوك، ثم قال: كذب ابن الفاعلة ارجع يا سيدي من حيث شئت، يا فتح يا عبد اللّه يا معتز شيعوا سيِّدكم وسيِّدي، فلما بصر به الخزر خروا سجَّداً مذعنين(1) فلما خرج دعاهم المتوكل ثم امر الترجمان ان يخبره بما يقولون، ثم قال لهم: لِمَ لم تفعلوا ما امرتكم به؟ قالوا: شدة هيبته، رأينا حوله أكثر من مئة سيف لم نقدر أن نتأملهم فمنعنا ذلك عما أمرت به وامتلأت قلوبنا من ذلك رعباً، فقال المتوكل يا فتح هذا صاحبك، وضحك الفتح في وجهه، فقال: الحمد للّه الذي بيَّض وجهه وأنار حجته.
ومنها ما رواه المسعودي عن محمد بن عرفة النحوي عن المبرد، قال: قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام): ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: وما يقول ولد ابي يا امير المؤمنين في رجل افترض اللّه طاعه نبيه على خلقه وافترض طاعته على نبيه، فأمر له بمئة الف درهم، وانما أراد ابو الحسن (عليه السلام) طاعة اللّه على نبيِّه فعرض، فظن المتوكل انه (عليه السلام) أراد من طاعته على نبيه طاعة عمه العباس وانما أراد (عليه السلام) طاعة اللّه تعالى لا طاعة عمه.
وقد كان سُعي بأبي الحسن عليّ بن محمد (عليه السلام) الى المتوكل وقيل له: ان في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته فوجه اليه ليلاً من الاتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله، على غفلة ممن في داره، فوجده في البيت وحده، مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر ولا بساط في البيت الا
____________________
(1) صاغرين، مذعورين (ظ).
[244]
الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجهاً الى ربه، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه وحمل الى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه اعظمه واجلسه الى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا امير المؤمنين ما خامر(1) لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فعفاه وقال: انشدني شعراً استحسنه، فقال اني لقليل الرواية للاشعار، فقال لا بد أن تنشدني فانشده:
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم*** غلب الرجال فما اغناهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم(2)*** فاودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعدما قبروا*** اين الاسرة(3) والتيجان والحلل
اين الوجوه التي كانت منعمة؟*** من دونها تضرب الاستار والكلل(4)
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم***تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما اكلوا دهراً وما شربوا**** واصبحوا بعد طول الاكل قد اكلوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم(5)*** ففارقوا الدور والاهلين وانتقلوا
___________________________
(1) أي خالط وداخل فيه.
(2) جمع معقل وهو الملجأ او الجبل المرتفع.
(3) جمع سرير وهو التخت، ويغلب على تخت الملك.
(4)كلل: جمع كلة بكسر الكاف وهي الستر الرقيق.
(5) لتمنعهم وتحميهم.
[245]
وطالما كنزوا الاموال وادخروا*** فخلفوها على الاعداء وارتحلوا
اضحت منازلهم قفراً معطلة*** وساكنوها الى الاجداث(1) قد رحلوا
قال فاشفق من حضر على عليّ (عليه السلام) وظنوا ان بادرة(2) تبدر منه اليه، قال واللّه لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له يا ابا الحسن اعليك دين؟ قال نعم اربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها اليه ورده الى منزله من ساعته مكرَّماً.
ومنها ما عن القطب الراوندي عن زرارة حاجب المتوكل، قال: اراد المتوكل ان يمشي علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) يوم السلام فقال له وزيره: ان في هذا شناعة عليك وسوء قالة(3) فلا تفعل، قال: لا بد من هذا، قال: فان لم يكن بد من هذا فتقدم بأن يمشي القواد والاشراف كلهم حتى لا يظن الناس انك قصدته بهذا دون غيره، ففعل ومشى (عليه السلام) وكان الصيف، فوافى الدهليز وقد عرق، قال فلقيته واجلسته في الدهليز ومسحت وجهه بمنديل وقلت: ابن عمك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك، فقال: ايهاً(4) عنك، تمتعوا في داركم ثلاثة ايام ذلك وعد غير مكذوب، قال زرارة وكان عندي معلم يتشيع وكنت كثيراً ما امازحه بالرافضي فانصرفت الى منزلي وقت العشاء وقلت تعال يا رافضي حتى احدثك بشيء سمعته اليوم من إمامكم، قال لي وما سمعت؟ فاخبرته بما قال فقال: اقول لك فاقبل نصيحتي، قلت هاتها قال: ان
___________________________
(1) اجداث: جمع جدث بفتح الأولين وهو القبر.
(2) البادرة: ما يبدو من الإِنسان عند حدته. السهم من جهة النصل.
(3) أي باعث لقول السوء فيك، والقالة: القول الفاشي في الناس خيراً او شراً.
(4) بكسر الهمزة أي اسكت وكف، واذا اردت التبعيد قلت ايها بفتح الهمزة بمعنى هيهات (منه).
[246]
كان علي بن محمد (عليه السلام) قال بما قلت فاحترز واخزن كل ما تملكه فان المتوكل يموت او يقتل بعد ثلاثة ايام، فغضبت عليه وشتمته وطردته من بين يديّ، فخرج فلما خلوت بنفسي تفكرت، وقلت: ما يضرني ان آخذ بالحزم، فان كان من هذا شيء كنت قد اخذت بالحزم، وان لم يكن لم يضرّني ذلك، قال فركبت الى دار المتوكل فاخرجت كل ما كان لي فيها، وفرقت كل ما كان في داري الى عند اقوام اثق بهم، ولم اترك في داري الا حصيراً اقعد عليه، فلما كانت الليلة الرابعة قتل المتوكل وسلمت، انا ومالي، وتشيعت عند ذلك فصرت اليه، ولزمت خدمته وسألته ان يدعو لي، وتواليته حق الولاية.
اقول وقصته (عليه السلام) مع زينب الكذَّابة بحضرة المتوكل ونزوله (عليه السلام) الى بركة السباع وتذللها له ورجوع زينب عما ادعته مشهورة، اغنانا شهرتها عن ذكرها.
قال القطب الراوندي وأما عليّ بن محمد الهادي (عليه السلام) فقد اجتمعت فيه خصال الإَمامة وتكامل فضله وعلمه وخصاله الخيِّرة، وكانت اخلاقه كلها خارقة للعادة كاخلاق آبائه وكان بالليل مقبلا على القبلة لا يفتر ساعة وعليه جبة صوف وسجادته على حصير، ولو ذكرنا محاسن شمائله لطال بها الكتاب. انتهى.
وقد تقدم ما نقلناه عن المسعودي مما يشهد لكلامه، وتقدم ايضاً انه لما دخل دار المتوكل قام يصلّي، فقال بعض المخالفين: الى كم هذا الرياء فوقع الرجل ميتاً.
[247]
قبض ابو الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام ) مسموماً بسر من رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة 254 اربع وخمسين ومئتين(1) وله يومئذ احدى واربعون سنة واشهر، وكانت مدة امامته ثلاثاً وثلاثين سنة واشهراً، وكان ايام امامته بقية ملك المعتصم ثم ملك الواثق ثم ملك المتوكل ثم ملك المنتصر ثم ملك المستعين ثم ملك المعتز، ودفن في داره بسر من رأى، وخرج ابو محمد (عليه السلام) في جنازته وقميصه مشقوق وصلى عليه ودفنه.
وقال المسعودي: وكانت وفاة ابي الحسن (عليه السلام) في خلافة المعتز باللّه وذلك في يوم الاثنين لاربع بقين من جمادى الآخرة سنة 254 وهو(2) ابن اربعين سنة وقيل ابن اثنتين واربعين وقيل اكثر من ذلك، و سمع في جنازته جارية، تقول: ماذا لقينا في يوم الاثنين قديماً وحديثاً، وصلى عليه احمد بن المتوكل على اللّه في شارع ابي احمد في داره بسامراء، ودفن هناك. انتهى.
اقول: اشارت الجارية بهذه الكلمة الى يوم وفاة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وجلافة(3) المنافقين الطغام(4) والبيعة التي عمّ شؤمها الإِسلام، واخذت الجارية هذه عن عقيلة الهاشميين زينب بنت امير المؤمنين، (عليهما السلام)، في ندبتها على الحسين (عليه السلام): يأبي من اضحى عسكره يوم الاثنين نهباً.
_____________________
(1) وقيل 26 من جمادى الآخر. وقيل ثاني الرجب، وقيل خامسة، وقيل ثالث عشره.
(2) وهذا مختاره في اثبات الوصية.
(3) مصدر جلف الرجل: كان جلفاً أي جافياً غليظاً.
(4) بفتح الطاء (للواحد والجمع): اوباش الناس ورذا لهم.
[248]
وقال في اثبات الوصية: حدثنا جماعة كل واحد منهم يحكي، انه دخل الدار، أي دار ابي الحسن (عليه السلام)، يوم وفاته وقد اجتمع فيها جل بني هاشم من الطالبيين والعباسيين واجتمع خلق من الشيعة ولم يكن ظهر عندهم، امر ابي محمد (عليه السلام)، ولا عرف خبره الا الثقات الذين نص ابو الحسن (عليه السلام) عندهم عليه، فحكوا انهم كانوا في مصيبة وحيرة، فهم في ذلك اذ خرج من الدار الداخلة خادم فصاح بخادم آخر يا رياش خذ هذه الرقعة وامض بها الى دار امير المؤمنين، وادفعها الى فلان، وقل له: هذه رقعة الحسن بن علي، فاستشرف الناس لذلك،ثم فتح من صدر الرواق باب وخرج خادم اسود، ثم خرج بعده ابو محمد (عليه السلام) حاسراً مكشوف الرأس مشقوق الثياب وعليه مبطنة ملحم(1) بيضاء وكان وجهه وجه ابيه (عليه السلام) لا يخطئ(2) منه شيئاً وكان في الدار اولاد المتوكل وبعضهم ولاة العهد فلم يبق احد الا قام على رجله، ووثب اليه ابو احمد الموفق، فقصده ابو محمد (عليه السلام) فعانقه ثم قال له: مرحباً بابن العم وجلس بين بابي الرواق والناس كلهم بين يديه، وكانت الدار كالسوق بالاحاديث، فلما خرج وجلس امسك الناس فما كنا نسمع شيئاً الا العطسة والسعلة وخرجت جارية تندب ابا الحسن (عليه السلام) فقال ابو محمد (عليه السلام) ما ها هنا من يكفي مؤونة هذه الجاهلة (الجارية - خ)، فبادر الشيعة اليها فدخلت الدار، ثم خرج خادم فوقف بحذاء ابي محمد فنهض صلى اللّه عليه وأخرجت الجنازة وخرج يمشي حتى اخرج بها إلى الشارع الذي بازاء دار موسى بن بغا، وقد كان ابو محمد (عليه السلام)، صلى عليه، قبل ان يخرج الى الناس، وصلى عليه لما اخرج المعتمد، ودفن صلى اللّه عليه في دار من دوره، الى ان قال: وتكلمت الشيعة في شق ثيابه (عليه السلام) وقال بعضهم رأيتم احداً من الأئمة شق ثوبه في مثل هذا
[249]
الحال؟ فوقع الي من قال ذلك: يا احمق ما يدريك ما هذا، قد شق موسى على هارون (عليهما السلام). انتهى.
وروى عنه (عليه السلام) قال هذا الدعاء كثيراً ما ادعو اللّه به وقد سألت اللّه عز وجل ان لا يخيب من دعا به في مشهدي بعدي وهو:
(يا عدتي عند العُدد (بضم العين) ويا رجائي والمعتمد ويا كهفي والسند ويا واحداً يا احد ويا قل هو اللّه احد، اسألك اللهم بحق من خلقته من خلقك، ولم تجعل في خلقك مثلهم احداً، صلِّ على جماعتهم وافعل بي كذا وكذا).
[250]
وسبط سيد البشر ووالد الخلف المنتظر السيد الرضي الزكي صلوات الله عليه
وعلى آبائه الكرام وخلفه خاتم الأئمة الاعلام
ولد (عليه السلام) بالمدينة الطيبة يوم العاشر او الثامن من شهر ربيع الآخر وقيل في رابعه 232 اثنتين وثلاثين ومئتين(1).
قال شيخنا الحر العاملي في تاريخه:
مولده شهر ربيع الآخر*** وذاك في اليوم الشريف العاشر
في يوم الاثنين وقيل الرابع*** وقيل في الثامن وهو شائع
امه (عليه السلام) تسمى حديث(2) او سليل، ويقال لها الجدة، وكانت من العارفات الصالحات، وكفى في فضلها انها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة ابي محمد (عليه السلام)، روى الشيخ الصدوق عن احمد بن ابراهيم قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا اخت ابي الحسن صاحب العسكر (عليهم السلام) في سنة اثنتين وستين ومئتين فكلمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم، ثم قالت: والحجة بن الحسن (عليه السلام)، فسمته الى ان قال: فقلت لها: اين
________________________
(1) وقيل في عاشر رمضان، وقيل في عام ولادته انه سنة 231 هجري.
(2) مصغراً (منه).
[251]
الولد؟ يعني الحجة (عليه السلام) قالت مستور، فقلت: الى من تفرغ الشيعة؟ فقالت الى الجدة ام ابي محمد (عليه السلام)، فقلت لها أَقْتَدِي بمن وصيَّتُه الى امرأة؟ قالت: اقتداء بالحسين بن علي، والحسين بن علي (عليه السلام)، اوصى الى اخته زينب بنت علي (عليهما السلام)، في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين (عليه السلام) من علم ينسب الى زينب ستراً على علي بن الحسيين (عليه السلام).
قال القطب الراوندي، واما الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) فقد كانت اخلاقه كأخلاق رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وكان رجلاً اسمر، حسن القامة جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة وهيئة حسنة، يعظمه العامة والخاصة اضطراراً، يعظمونه لفضله، ويقدمونه لعفافه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه واصلاحه، وكان جليلاً نبيلاً فاضلاً كريماً يحمل الاثقال ولا يتضعضع(1) للنوائب، اخلاقه خارقة للعادة على طريقة واحدة.
ونبدأ بنبذ مما شاهده ابو هاشم الجعفري ورواه الطبرسي من كتاب ابن عياش وغيره من غيره: فمن ذلك، ما روى انه قال ابو هاشم دخلت على ابي محمد (عليه السلام) وانا اريد أن اسأله ما اصوغ به خاتماً اتبرك به، فجلست ونسيت ما جئت له، فلما ودعته ونهضت رمى الي بخاتم، فقال: اردت فضة فاعطيناك خاتماً وربحت الفص والكرا، هنأك اللّه يا أبا هاشم، فتعجبت من ذلك فقلت يا سيدي إنك وليّ اللّه وامامي الذي ادين اللّه بفضله
______________________
(1) أي لا يخضع للحوادث والمصائب.
[252]
وطاعته، فقال غفر اللّه لك يا ابا هاشم. وعنه ايضاً قال شكوت الى ابي محمد (عليه السلام) ضيق الحبس وثقل القيد فكتب اليَّ تصلي الظهر اليوم في منزلك، فاخرجت في وقت الظهر وصليت في منزلي كما قال (عليه السلام)، وقال: كنت مضيقاً فاردت ان اطلب منه دنانير في كتابي، فاستحييت فلما صرت الى منزلي وجه اليَّ مئة دينار وكتب الي اذا كانت لك حاجة فلا تستحيي ولا تحتشم(1) واطلبها فانك ترى ما تحب، قال: وكان ابو هاشم حبس مع ابي محمد (عليه السلام)، كان (المعتمد ظ) حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان وخمسين ومئتين، وروي عنه قال: كنت في الحبس مع جماعة فحبس ابو محمد (عليه السلام) واخوه جعفر، قال: وكان الحسن (عليه السلام) يصوم فاذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه اليه في جونة مختومة وكنت اصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت فافطرت في بيت آخر على كعكة وما شعر بي واللّه احد، ثم جئت فجلست معه، فقال لغلامه اطعم ابا هاشم شيئاً فانه مفطر فتبسمت، فقال: ما يضحكك يا ابا هاشم؟ اذا اردت القوة فكل اللحم فان الكعك لا قوة فيه، فقلت صدق اللّه ورسوله وانتم عليكم السلام، فأكلت، فقال لي: افطر ثلاثاً فان المنة(2) لا ترجع لمن انهكه(3) الصوم في اقل من ثلاث. وعنه قال: سأل الفهفكي ابا محمد (عليه السلام) ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فقال ان المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة(4) انما ذلك على الرجال، قال ابو هاشم، فقلت في نفسي: قد كان قيل لي ان ابن ابي العوجاء سأل ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب، فأقبل ابو محمد (عليه السلام) فقال:
___________________
(1) الاحتشام: الانقباض والاستحياء.
(2) المنة بالضم: القوة (منه).
(3) أي أضناه واجهده.
(4) معقلة، بضم القاف: الدية (منه).
[253]
نعم هذه مسألة ابن ابي العوجاء والجواب منها واحد، اذا كان معنى المسألة واحداً جرى لآخرنا ما جرى لأولنا، وأولنا وآخرنا في العلم والامر سواء، ولرسول اللّه وامير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما وآلهما) فضلهما.
وعنه (رضي اللّه عنه) قال: سمعت ابا محمد (عليه السلام) يقول: من الذنوب التي لا يغفر قول الرجل ليتني لا اؤاخذ الا بهذا، فقلت في نفسي ان هذا لهو الدقيق، وينبغي للرجل ان يتفقد من نفسه كل شيء. فأقبل عليّ ابو محمد (عليه السلام) فقال: صدقت يا ابا هاشم الزم ما حدثتك به نفسك، فان الاشراك في الناس اخفى من دبيب الذر(1) على الصفا(2) في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح(3) الاسود.
اقول: يعبر عن هذا القسم من الذنوب بالمحقرات، قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) نزل بارض قرعاء فقال لاصحابه ائتونا بحطب، فقالوا يا رسول اللّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال فليأت كل انسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال إياكم والمحقرات من الذنوب، فان لكل شيء طالباً وان طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء احصيناه في امام مبين.
وحكي عن توبة بن الصمة انه كان محاسباً لنفسه في اكثر اوقات ليله ونهاره، فحسب يوماً ما مضى من عمره فاذا هو ستون سنة فحسب ايامها فكانت احد وعشرين الف يوم وخمسمئة يوم، فقال يا ويلتي القى كذا ما لك باحد وعشرين الف ذنب، ثم صعق صعقة كانت فيها نفسه.
_______________
(1) الذر: صغار النمل.
(2) الصفا: الحجر الصلب الملس.
(3) أي اللباس او الكساء من شعر.
[254]
وعنه قال: سمعت ابا محمد (عليه السلام) يقول ان في الجنة لبابا يقال له المعروف لا يدخله الا اهل المعروف فحمدت اللّه في نفسي وفرحت مما اتكلفه من حوائج الناس فنظر الي ابو محمد (عليه السلام) وقال: نعم فدم على ما انت عليه، وان اهل المعروف في الدنيا هم اهل المعروف في الآخرة، جعلك اللّه منهم يا ابا هاشم ورحمك.
وعن ابي هاشم ايضاً انه راكب ابو محمد (عليه السلام) يوماً الى الصحراء فركبت معه فبينما يسير قدامي وانا خلفه اذ عرض لي فكر في دين كان عليَّ قد حان أجله، فجعلت افكر في أيّ وجه قضاؤه فالتفت الي وقال: اللّه يقضيه، ثم انحنى على قربوس سرجه فخط بسوطه خطة في الأرض فقال يا ابا هاشم انزل فخذ واكتم، فنزلت فاذا سبيكة(1) ذهب، قال: فوضعتها في خفي وسرنا، فعرض لي الفكر، فقلت: ان كان فيها تمام الدين والا فاني ارضي صاحبه بها ونحب ان ننظر في وجه نفقة الشتاء وما تحتاج اليه فيه من كسوة وغيرها، فالتفت الي ثم انحنى ثانية فخط بسوطه مثل الاولى، ثم قال: انزل وخذ واكتم، قال فنزلت بسبيكة فجعلتها في الخف الاخر وسرنا يسيراً ثم انصرف الى منزله وانصرفت الى منزلي فجلست وحسبت ذلك الدين وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب، فخرج بقسط ذلك الدين وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب، فخرج بقسط ذلك الدين ما زادت ولا نقصت، ثم نظرت ما نحتاج اليه لشتوتي من كل وجه فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه، على الاقتصاد بلا تقتير(2) ولا اسراف ثم وزنت سبيكة الفضة، فخرجت على ما قدرته ما زادت ولا نقصت.
وعنه (رضي اللّه عنه) قال دخلت على ابي محمد (عليه السلام) وكان يكتب كتاباً فحان وقت الصلاة الأولى فوضع الكتاب من يده وقام الى الصلاة فرأيت القلم يمر على باقي القرطاس من الكتاب ويكتب حتى انتهى. إلى
_______________
(1) السبيكة: القطعة من الفضة او الذهب ذوبت وافرغت في قالب.
(2) التقتير: ضد الاسراف وهو المماكسة في المعيشة.
[255]
آخره، فخررت ساجداً، فلما انصرف من الصلاة اخذ القلم بيده واذن للناس.
اقول: هذا قليل من كثير ما شاهده ابو هاشم من آياته ودلائله فقد روى عنه، رحمه اللّه، قال: ما دخلت على ابي الحسن وابي محمد (عليهما السلام) قط الا رأيت منهما دلالة وبرهاناً.
قال القطب الراوندي في الخرايج حدث فطرس (بطريق خ د) رجل متطبب(1) وقد أتى عليه مئة سنة ونيف(2) فقال: كنت تلميذ بختيشوع(3) طبيب المتوكل وكان يصطفيني، فبعث اليه الحسن العسكري (عليه السلام) ان يبعث اليه بأخص اصحابه عنده، ليفصده، فاختارني وقال: قد طلب مني الحسن (عليه السلام) من يفصده فسر اليه وهو اعلم في يومنا هذا ممن هو تحت السماء فاحذر ان تتعرض عليه فيما يأمرك به فمضيت اليه فامرني الى حجرة، وقال كن ها هنا الى ان اطلبك، قال: وكان الوقت الذي اتيت اليه فيه عندي جيداً محموداً للفصد، فدعاني في وقت غير محمود له فاحضر طستاً كبيراً عظيماً، ففصدت الاكحل، فلم يزل الدم يخرج حتى امتلأ الطست، ثم قال لي اقطع الدم فقطعته وغسل يده وشدها وردني الى الحجرة، وقدم لي من الطعام الحار والبارد شيئاً كثيراً، وبقيت الى العصر ثم
____________
(1) متطبب ما على بناء الفاعل: التاء فيه للمبالغة.
(2) نيف بالتشديد والتخفيف: كلما زاد عن العقد الثاني. مثلا يقال عشرة ونيف ومئة ونيف.
(3) وهو من اشهر اطباء الدولة العباسية. استخدمه الرشيد واشتهر بالدربة في صناعته، وقد استحضره الهادي قبل من جند يشابور لمعالجته وله حكاية مع الرشيد حين امتحنه. وله ولد يسمى بجبرائيل، فاق اقرانه.
[256]
دعاني وقال: سرح(1) ودعا بذلك الطست فسرحت وخرج الدم الى ان امتلأ الطست، فقال: اقطع فقطعت وشد يده وردني الى الحجرة فبت فيها، فلما اصبحت وظهرت الشمس دعاني واحضر ذلك الطست وقال: سرح، فسرحت وخرج من يده مثل اللبن الحليب(2) الى ان امتلأ الطست، ثم قال: اقطع فقطعت وشد يده وتقدم اليَّ بتخت ثياب وخمين ديناراً، وقال: خذ هذا واعذر وانصرف، فاخذت ذلك وقلت يأمرني السيد بخدمة؟ قال نعم، بحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول، فصرت الى بختيشوع فقلت له القصة، فقال اجمعت الحكماء على ان اكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة امنان من الدم وهذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجباً، واعجب ما فيه اللبن، ففكر ساعة ثم مكث ثلاثة أيام بلياليها يقرأ الكتب على ان يجد في هذه القصة ذكراً في العالم، فلم يجد، ثم قال: لم يبق اليوم في النصرانية اعلم بالطب من راهب بدير العاقول(3) فكتب اليه كتاباً يذكر فيه ما جرى، فخرجت وناديته فاشرف علي وقال: من انت؟ قلت صاحب بختيشوع، قال معك كتابه؟ قلت نعم، فأرخى اليّ زنبيلاً فجعلت الكتاب فيه فرفعه وقرأ الكتاب، فنزل من ساعته، فقال: انت الرجل الذي فصدت؟ قلت نعم، قال طوبى لأمك، وركب بغلاً ومر في فيافي(4) سر من رأى، وقد بقي من الليل ثلثه، قلت: اين تحب دار استاذنا او دار الرجل؟ فقال دار الرجل فصرنا الى بابه قبل الأذان ففتح الباب، فخرج الينا خادم اسود، وقال: ايكما صاحب دير العاقول ؟ فقال الراهب: انا، جعلت فداك، فقال انزل، وقال لي الخادم: احفظ البغلين، واخذ بيده
______________
(1) يقال سرح اذا اجراه جرياً سهلاً.
(2) الحليب: اللبن المحلوب، يقال حلب الشاة: اذا اخرج ما في ضرعها من اللبن .
(3) دير العاقول بين مداين كسرى والنعمانية: موضع بين واسط وبغداد (منه) اقول ولزيادة الايضاح، انظر مراصد الاطلاع.
(4) جمع فيفاء وهي المفازة لا ماء فيها او المكان المستوي.
[257]
ودخلا، فأقمت الى أن اصبحنا وارتفع النهار، ثم خرج الراهب وقد رمى ثياب الرهابين (بثياب الرهبانية خ د) ولبس ثيابا بيضاء وقد اسلم، وقال خذ بي الآن الى دار استاذك، فسرنا الى باب بختيشوع، ولما رآه بادر يعدو اليه، ثم قال: ما الذي ازالك عن دينك؟ قال وجدت المسيح فأسلمت على يده، قال: وجدت المسيح؟ فقال: نعم او نظيره فان هذه الفصدة لم يفعلها في العالم الا المسيح وهذا نظيره في آياته وبراهينه، ثم عاد الى الإِمام (عليه السلام) ولزم خدمته الى ان مات.
وروى انه وقع ابو محمد (عليه السلام) وهو صغير في بئر الماء وابو الحسن (عليه السلام) في الصلاة والنسوان يصرخن، فلما سلم قال: لا بأس، فرأوه وقد ارتفع الماء الى رأس البئر وابو محمد (عليه السلام) على رأس الماء يلعب بالماء.
وعن محمد بن (احمد خ د) الاقرع قال كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) اسأله عن الإِمام هل يحتلم؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ اللّه اولياءه من ذلك، فورد الجواب حال الأئمة في النوم، حالهم في اليقظة، لا يغير النوم منهم شيئاً، وقد أعاذ اللّه اولياءه من لمة(1) الشيطان، كما حدثتك نفسك.
وعن عيسى بن صبيح قال دخل الحسن العسكري (عليه السلام) علينا الحبس وكنت به عارفاً وقال: لك خمس وستون سنة، واشهرا ويوماً، وكان معي كتاب دعاء وعليه تاريخ مولدي وإنني نظرت فيه، فكان كما قال (عليه السلام)، وقال: هل رزقت من مولد (ولد ظ) قلت لا، قال اللهم
__________
(1) أي المس (منه).
[258]
ارزقه ولدا يكون له عضداً، فنعم العضد الولد، ثم تمثل (عليه السلام):
من كان ذا ولد يدرك ظلامته*** ان الذليل الذي ليست له عضد
قلت الك ولد؟ قال اي واللّه، سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فأما الان فلا، ثم تمثل:
لعلك يوماً أن تراني كأنّما*** بنيّ حواليّ الاسود اللوابد(1)
فان تميماً قبل ان يلد الحصى(2)*** اقام زماناً وهو في الناس واحد
المفيد عن ابن قولويه، عن الكليني، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن اسحاق، عن ابي هاشم الجعفري، قال: قلت لابي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) جلالتك تمنعني من مسألتك، افتأذن لي أن أسألك؟ فقال سل، فقلت يا سيدي هل لك ولد؟ قال نعم؟ فقلت ان حدث حادث فأين اسأل عنه؟ قال بالمدينة.
الشيخ الكليني، عن علي بن محمد، عن محمد بن ابراهيم المعروف بابن الكردي، عن محمد بن علي بن ابراهيم بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: ضاق بنا الأمر فقال لي ابي: امض بنا حتى نصير الى هذا الرجل يعني ابا محمد (عليه السلام) فإنه قد وصف عنه سماحة(3) فقلت: تعرفه؟ قال: ما اعرفه ولا رأيته قط، قال فقصدناه، فقال لي ابي، وهو في
___________________
(1) اللبدة، بالكسر: الشعر المتراكب بين كتفيه (منه).
(2) أي العدد الكثير (منه).
(3) السماحة: الجود.
[259]
طريقه: ما أحوجنا الى ان يأمر لنا بخمسمئة درهم مئتا درهم للدين (للدقيق. خ د) ومئة للنفقة، فقلت في نفسي ليته امر لي بثلاثمئة درهم مئة اشتري بها حماراً ومئة للنفقة ومئة للكسوة واخرج الى الجبل، قال فلما وافينا الباب خرج الينا غلامه، فقال: يدخل علي بن ابراهيم ومحمد ابنه، فلما دخلنا عليه وسلمنا قال لأبي: يا علي ما خلّفك عنا الى هذا الوقت فقال: يا سيدي استحييت ان القاك على هذه الحال، فلما خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول ابي صرة فقال هذه خمسمئة درهم، مئتان للكسوة ومئتان للدين (للدقيق. خ د) ومئة للنفقة، وأعطاني صرة فقال هذه ثلاثمئة درهم اجعل مئة في ثمن حمار، ومئة للكسوة، ومئة للنفقة، ولا تخرج الى الجبل وصر الى سوراء(1) فصار الى سوراء وتزوج بأمرأة فدخله اليوم الف دينار(2) ومع هذا يقول بالوقف، فقال محمد بن ابراهيم، فقلت له: ويحك اتريد امراً هو أبين من هذا؟ قال: فقال هذا امر(3) قد جرينا عليه.
وعن ابي حمزة نصير الخادم قال: سمعت ابا محمد (عليه السلام) غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم، ترك وروم وصقالبة، فتعجبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتى مضى ابو الحسن (عليه السلام) ولا رآه احد، فكيف احدث نفسي بذلك؟ فأقبل عليَّ فقال: ان اللّه تبارك وتعالى بيَّن حجته من سائر خلقه لكل شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الانساب والآجال والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق.
وعن اسماعيل بن محمد بن علي بن اسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب قال: قعدت لأبي محمد (عليه السلام) على ظهر الطريق فلما مر بي شكوت اليه الحاجة، وحلفت له انه ليس عندي درهم،
______________________
(1) سوراء بضم السين و المد ويروى بالقصر :موضع الى جنب بغداد وقيل سوراء موضع بالجزيرة، والجبل: كورة بحمص.
(2) اربعة آلاف في الإرشاد(منه).
(3) هذا هو التقليد الذي ذمه اللّه عز وجل في شريف كتابه فقال حكاية عن الكفار انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون (منه).
[260]
فما فوقه ولا غداء ولا عشاء، قال فقال: تحلف باللّه كاذباً وقد دفنت مئتي دينار. وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية، اعطه يا غلام ما معك، فاعطاني غلامه مئة دينار، ثم أقبل عليَّ فقال لي: إنك تحرمها احوج ما تكون اليها يعني الدنانير التي دفنت، وصدق (عليه السلام) وكان كما قال، دفنت مئتي دينار وقلت: تكون ظهراً وكهفاً لنا، فاضطررت ضرورة شديدة الى شيء انفقه وانغلقت عليَّ ابواب الرزق، فنبشت عنها فاذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها علي شيء.
وروى عن احمد بن اسحاق قال: قلت لأبي محمد (عليه السلام) جعلت فداك اني مغتم بشيء يصيبني في نفسي وقد أردت أن أسأل اباك فلم يقض لي ذلك، فقال وما هو يا احمد؟ فقلت يا سيدي روي لنا عن آبائك (عليهم السلام)، ان نوم الانبياء على اقفيتهم ونوم المؤمنين على ايمانهم ونوم المنافقين على شمائلهم، ونوم الشياطين على وجوههم، فقال (عليه السلام): كذلك هو، فقلت يا سيدي: فإني اجهد ان أنام على يميني فما يمكنني ولا يأخذني النوم عليها، فسكت ساعة، ثم قال: يا احمد ادن مني، فدنوت منه، فقال: ادخل يدك تحت ثيابك فادخلتها فأخرج يده من تحت ثيابه وادخلها تحت ثيابي، فمسح بيده اليمني على جانبي الايسر وبيده اليسرى على جانبي الايمن ثلاث مرات، قال احمد: فما اقدر ان انام على يساري منذ فعل ذلك بي (عليه السلام) وما يأخذني نوم عليها اصلاً.
روى الشيخ المفيد وغيره، أنه دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس ابو محمد (عليه السلام)، فقالوا له ضيق عليه ولا توسع، فقال لهم صالح ما أصنع به وقد وكلت به رجلين، شر من قدرت عليه، (علي بن بارمش وافنامش خ د) فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم، ثم أمر باحضار الموكلين، فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا
[261]
يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فاذا نظر الينا ارتعدت فرائصنا(1) وداخلنا ما لا نملكه من انفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين(2).
اقول: يظهر من الروايات انه (عليه السلام) كان أكثر أوقاته محبوساً وممنوعاً من المعاشرة وكان مشغولاً بالعبادة للّه عز وجل، فروي انه لما حبسه المعتمد في يدي علي بن حزين وحبس جعفر اخاه معه، كان المعتمد يسأل علياً عن اخباره في كل وقت، فيخبره انه يصوم النهار ويصلي الليل، وفي بعض الأدعية اشير اليه بهذه العبارة: (وبحق النقي والسجاد الاصغر، وببكائه ليلة المقام بالسهر).
وعن السيد بن طاوس قال: إعلم أن مولانا الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) كان قد أراد قتله الثلاثة ملوك الذين كانوا في زمانه حيث بلغهم ان مولانا المهدي (عليه السلام) يكون من ظهره (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وحبسوه عدة دفعات فدعا على من دعا عليه منهم، فهلك في سريع من الأوقات.
وروي انه (عليه السلام) سلم الى نحرير، وكان يطبق عليه ويؤذبه فقالت له امرأته: اتق الله فانك لا تدري من في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت له: إني اخاف عليك منه، فقال: والله لأرمينه بين السباع. ثم استأذن في ذلك، فاذن له، فرمى به اليها ولم يشكوا في اكلها له، فنظروا الى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه (عليه السلام) قائماً يصلي، وهي حوله فأمر بإخراجه الى داره.
اقول: والى هذه الدلالة الباهرة اشير في التوسل به (عليه السلام) في الساعة الحادية عشر: (وبالامام الحسن بن علي (عليه السلام) الذي طرح للسباع فخلصته من مرابضها(3) وامتحن بالدواب الصعاب فذللت له
_____________________
(1) جمع فريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف او بين الثدي والكتف ترتعد عند الفزع.
(2) أي متركين مطرودين.
(3) جمع مربض كمسجد: موضع ربض للدواب، يقال ربضت الدابة اذا بركت، والبروك هو ان يلصق صدره بالأرض.
[262]
مراكبها)، وفي الفقرة الثانية اشارة إلى ما شاع وذاع من انه كان للخليفة المستعين باللّه بغل صعب شموس(1) لا يقدر أحد على إلجامه ولا إسراجه ولا على ركوبه، فجاء ابو محمد (عليه السلام) يوماً الى رؤية الخليفة فقال له التمس منك يا ابا محمد إلجام هذا البغل وإسراجه، وكان غرضه اما يذلل البغل ويركبه او يقتله البغل، فقام (عليه السلام) ووضع يده علي كفل البغل فعرق، حتى سال العرق منه، وصار في غاية التذلل له، فاسرجه والجمه ثم ركبه واركضه(2) في الدار فتعجب الخليفة من ذلك ووهبه له (عليه السلام).
المناقب، ابو القاسم الكوفي في كتاب التبديل: أن اسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه اخذ في تأليف تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك، وتفرد به في منزله، وان بعض تلامذته دخل يوماً على الإِمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فقال له ابو محمد (عليه السلام) أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عما اخذ فيه من تشاغله بالقران؟ فقال التلميذ نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا، او في غيره؟ فقال له ابو محمد (عليه السلام): اتؤدي اليه ما القيه اليك؟ قال نعم، قال: فسر اليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فاذا وقعت الأنسة في ذلك فقل قد حضرتني مسألة اسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك فقل له: ان أتاك هذا المتكلم بهذا القران هل يجوز ان يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت اليها، فسيقول انه من الجائز لأنه رجل يفهم اذا سمع، فاذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت انت فيه فتكون واضعاً لغير معانيه، فصار الرجل الى الكندي وتلطف الى ان القى عليه هذه المسألة، فقال له اعد علي فأعاد عليه، فتفكر في نفسه، ورأى ذلك محتملاً في اللغة، وسائغاً في النظر، فقال اقسمت عليك الا اخبرتني من اين لك؟ فقال انه شيء عرض بقلبي
______________________
(1) الشموس بفتح الشين: الدابة التي لا تمكن ابداً من ركوبها.
(2) ركضه برجليه، استحثه للعدو.
[263]
فاوردته عليك ، فقال كلا، ما مثلك من اهتدى الى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من
أين لك هذا؟ فقال أمرني به ابو محمد (عليه السلام)، فقال: الآن جئت به وما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت، ثم انه دعا بالنار واحرق جميع ما ألفه، والروايات في هذه كثيرة، وفيما اثبتناه منها كفاية فيما نحوناه(1) ان شاء اللّه تعالى.
قال: لا تمار(2) فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيجترئ عليك. وقال: من التواضع السلام على كل من تمر به والجلوس دون شرف المجلس. وقال: من الجهل الضحك من غير عجب. وقال: أورع الناس من وقف عند الشبهة، اعبد الناس من اقام على الفرائض، ازهد الناس من ترك الحرام اشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. وقال: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر. وقال: اذا نشطت القلوب فأودعوها واذا نفرت فودعوها(3). وقال: قلب الاحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه. وقال: لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض. وقال: ليس من الأدب اظهار الفرح عند المحزون. وقال: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز. وقال: التواضع نعمة لا يحسد عليها. وقال: لا تكرم الرجل بما يشق عليه. وقال: من وعظ اخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. وقال: ما اقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذله. وقال: لو عقل اهل الدنيا خربت. وقال: ان للجود مقدارا فاذا زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقداراً
________________________________
(1) أي قصدناه.
(2) من المراء وهو الجدال والنزاع.
(3) يقول اذا كانت القلوب ذات نشاط فاصرفوها في طلب العلم واقبلوا بها الى العبادة واذا كانت غير نشيطة وذات كدورة فدعوها وذروها ولا تتكلفوا التعلم والعبادة.
[264]
فاذا زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فاذا زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا فاذا زاد عليه فهو تهور، كفاك ادباً لنفسك تجنبك ما تكره من غيرك. وقال: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال: من أنس باللّه استوحش من الناس. وقال: من أكثر المنام رأى الاحلام، يعني ان طالب الدنيا كالنائم وما يظفر به كالحلم. وقال: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال: من كان الورع سجيته والكرم طبيعته والحلم خلته كثر صديقه والثناء عليه وانتصر من اعدائه بحسن الثناء عليه. وقال: ان الوصول الى اللّه عز وجل سفر لا يدرك الا بامتطاء(1) الليل، من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي.
وكتب (عليه السلام) الى الشيخ الجليل، عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المدفون بقم (رحمه اللّه) بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان الا على الظالمين، ولا إله الا اللّه احسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين، اما بعد، اوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي (خ) ابا الحسن علي بن الحسين القمي، وفقك اللّه لمرضاته، وجعل من صلبك اولاداً صالحين برحمته، بتقوى اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنه لا تقبل الصلاة من مانع (مانعي خ د) الزكاة، واوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ وصلة الرحم، ومواساة الاخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال اللّه تعالى: (لا خير في كثير من نجويهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس)، واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة الليل، فان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اوصى عليّاً (عليه السلام) فقال: يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل،
_____________________
(1) أي بركوب الليل وجعلها مطية لسفره الى اللّه تعالى.
[265]
ومن استخف بصلاة الليل فليس منا، فاعمل بوصيَّتي وامُر جميع شيعتي بما امرتك به حتى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: افضل اعمال امتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتي يظهر ولدي الذي بشَّر به النبيُّ (صلى اللّه عليه وآله وسلم): انه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فاصبر يا شيخي ومعتمدي ابا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر، (فان الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة اللّه وبركاته، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
اقول: قد اكد (عليه السلام) التوصية بالصبر لما في الصبر من الفوائد والعوائد(1)،قال أبو جعفر (عليه السلام) الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، وقال الصادق (عليه السلام) اذ ا أُدخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرُّ مطلّ(2) عليه ويتنحى الصبر ناحية، فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فأنا دونه، وعن امير المؤمنين (عليه السلام) قال:
اني وجدت وفي الايام تجربة*** للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقلَّ من جد في امر يطالبه*** فاستصحب الصبر الا فاز بالظفر
حكي عن بعض التواريخ، انه سخط كسرى على بوذرجمهر، فحبسه في بيت مظلم وامر أن يصفد(1) بالحديد، فبقي اياماً على تلك الحال، فأرسل اليه من يسأله عن حاله، فاذا هو منشرح الصدر، مطمئن القلب،
____________________
(1) اقول المراد بالصبر هنا الصبر في انتظار الفرج بقرينة قوله قبل وعليك بالصبر وانتظار الفرج وذكر الآية بعده.
(2) أي مشرف عليه.
(1) يصفد: أي يقيد ويوثق به.
[266]
فقالوا له أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم(1) البال؟ فقال اصطنعت ستة اخلاط، وعجنتها واستعملتها فهي التي ابقتني على ما ترون، فقالوا صف لنا هذه الأخلاط لعلنا تنتفع بها عند البلوى، فقال نعم، اما الخلط الأول: فالثقة باللّه عز وجل، واما الثاني: فكل مقدَّر كائن، واما الثالث: فالصبر خير ما استعمله الممتحن، واما الرابع: فاذا لم اصبر فماذا اصنع؟ ولا اعين على نفسي بالجزع، واما الخامس: فقد تكون اشد مما انا فيه، واما السادس: فمن ساعة الى ساعة فرج، فبلغ ما قاله كسرى فاطلقه واعزه.
قبض ابو محمد (عليه السلام) بسر من رأى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول(2) سنة ستين ومئتين في خلافة المعتمد، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه ابوه (عليه السلام) بسر من رأى.
قال شيخنا الطبرسي ذهب كثير من اصحابنا الى انه مضى مسموماً وكذلك ابوه وجده وجميع الأئمة (عليهم السلام)، خرجوا من الدنيا بالشهادة، واسناده في ذلك، بما رُوِيَ عن الصادق (عليه السلام)، ما منا الا مقتول او شهيد، واللّه اعلم بحقيقة ذلك.
اقول: وروي عن ابي محمد الحسن ابن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال عند وفاته لجنادة بن ابي امية: ما منا الا مسموم او مقتول.
______________________________________
(1) أي مرفه الحال: طيب العيش ومتسعه.
(2) وقيل يوم الاحد. وقيل يوم الأربعاء، وعلى أي تقدير قيل انه توفي في غرة الربيع. والاصح ما ذكره المصنف (رحمه اللّه).
[267]
وقال الكفعمي وغيره: سمه المعتمد.
روى الشيخ الصدوق عن ابيه وابن الوليد معاً، عن سعد بن عبد اللّه قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي، بن محمد العسكري (عليهم السلام)، ودفنه ممن لا يوقف على احصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التعاطي بالكذب، وبعد، فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومئتين وذلك بعد مضي ابي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بثمانية عشر سنة او اكثر مجلس احمد بن عبيد اللّه بن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق اللّه واشدهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل ابي طالب بسر من رأى ومذاهبهم وصلاحهم واقدارهم عند السلطان، قال احمد بن عبيد اللّه ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، (عليهم السلام)، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند اهل بيته، والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم اياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتاب وعوام الناس، وإني كنت قائماً ذات يوم على رأس ابي وهو يوم مجلسه للناس، اذ دخل عليه حجابه فقالوا له: ابن الرضا على الباب، فقال بصوت عال ائذنوا له، فدخل رجل اسمر، اعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة، فلما نظر اليه ابي قام فمشى اليه خطوات (خطى خ د ) ولا اعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم، ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه ومنكبيه، واخذ بيده واجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجلس الى جنبه مقبلاً عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويكنيه ويفديه بنفسه وأبويه، وانا متعجب مما ارى منه، اذ دخل عليه الحجاب، فقالوا الموفّق قد جاء، وكان الموفّق(1) اذا جاء ودخل على ابي،
________________________
(1) الموفق باللّه هو ابو احمد طلحة بن المتوكل اخو المعتمد على اللّه وولي عهده وهو الذي الف باسمه زبير بن بكار الموفقيات وكان يخطب له بلقبين اللهم اصلح الأمير الناصر لدين اللّه ابا احمد طلحة الموفق باللّه ولي عهد المسلمين واخا امير المؤمنين ولقب بالناصر حين فرغ من امر محمد بن علي صاحب الزنج (منه).
[268]
تقدم حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس ابي، وبين باب الدار سماطين الى ان يدخل ويخرج، فلم يزل ابي مقبلاً عليه يحدثه حتى نظر الى غلمان الخاصة، فقال (رحمه اللّه) اذا شئت فقم، جعلني اللّه فداك، أبا محمد، ثم قال لغلمانه خذوا به خلف السماطين لئلا يراه الامير، يعني الموفّق، وقام ابي فعانقه وقبل وجهه ومضى، فقلت لحجاب ابي وغلمانه ويلكم، من هذا الذي فعل به ابي، هذا الذي فعل؟ فقالوا هذا رجل من العلوية يقال له الحسن بن علي، يعرف بابن الرضا، فازددت تعجباً، فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر ابي وما رأيت منه حتى كان الليل، وكانت عادته ان يصلّي العتمة(1) ثم يجلس فينظر فيما يحتاج من المؤامرات وما يرفعه الى السلطان، فلما نظر وجلس جئت فجلست بين يديه، فقال يا احمد الك حاجة؟ قلت نعم يا ابه، ان اذنت سألتك عنها، فقال قد اذنت لك يا بني، فقل ما احببت، فقلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت، من الاجلال والاكرام والتبجيل، وفديته بنفسك، وابويك؟ فقال يا بني ذلك ابن الرضا، ذاك امام الرافضة، فسكت ساعة فقال: يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها احد من بني هاشم غير هذا، فان هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل اخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه، لرأيت رجلا جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً، فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على ابي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همة بعد ذلك الا السؤال عن خبره، والبحث عن امره، فما سألت عنه احدا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس الا وجدته عندهم في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع، والقول الجميل، والتقديم له، على اهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكل يقول: هو امام الرافضة، فعظم قدره عندي، اذ لم أر له ولياً ولا عدواً الا وهو يحسن القول
_____________________
(1) العتمة بفتح العين والتاء: صلاة العشاء الاخيرة.
[269]
فيه، والثناء عليه فقال له بعض اهل المجلس من الاشعريين: يا ابا بكر: فما حال اخيه جعفر؟ فقال ومن جعفر فيسأل عن خبره او يقرن به؟ ان جعفر معلن بالفسق، ماجن(1) شريب(2) للخمور، اقلّ من رأيت من الرجال، وأهتكهم لستره، فدم خمار جبار، قليل في نفسه، خفيف واللّه، لقد ورد على السلطان واصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي، (عليهما السلام)، ما تعجبت منه، وما ظننت انه يكون، وذلك انه لما اعتلّ بعث الى ابي ان ابن الرضا (عليه السلام) قد اعتل، فركب من ساعته مبادراً الى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم امير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فمنهم نحرير، وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي، (عليهما السلام)، وتعرف خبره وحاله، وبعث الى نفر من المتطببين، فأمرهم بالاختلاف اليه، وتعاهده في صباح ومساء فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من اخبره، انه قد ضعف، فركب حتى بكر اليه، ثم امر المتطببين بلزومه وبعث الى قاضي القضاة فاحضره مجلسه، وامره ان يختار من اصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فاحضرهم فبعث بهم الى دار الحسن (عليه السلام) وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفي (عليه السلام) لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومئتين، فصارت سر من رأى ضجة واحدة، مات ابن الرضا، وبعث السلطان الى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا اثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه، فنظر(3) اليهن، فذكر بعضهن ان هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة، ووكّل بها نحرير الخادم واصحابه، ونسوة معهم، ثم اخذوا بعد ذلك في تهيئته (عليه السلام)، وعطلت الاسواق، وركب ابي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر
___________________________________
(1) الماجن: من قل حياؤه وكثر مزاحه.
(2) الشريب: بفتح الأول وتخفيف الراء، او بكسر الاول وتشديد الراء: مبالغة شارب.
(3) فنظرن. (ظ).
[270]
الناس الى جنازته (عليه السلام)، فكانت سر من رأى يومئذ شبيهة بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان الى أبي عيسى المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا ابو عيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام)، مات حتف انفه، على فراشه، حضر من خدم امير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن المتطببين، فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطى وجهه، وقام، فصلى عليه وكبر عليه خمساً وأمر بحمله، وحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه ابوه، (عليهما السلام)، فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان واصحابه في طلب ولده. وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا على قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل، فقسم ميراثه بين امه واخيه جعفر، وادعت امه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان على ذلك، يطلب اثر ولده، فجاء جعفر بعد قسمته الميراث الى ابي، وقال له: اجعل لي مرتبة ابي واخي وأوصل اليك في كل سنة عشرين الف دينار، فزبره(1) أبي واسمعه(2) وقال له: يا احمق ان السلطان اعزه اللّه جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا ان اباك واخاك ائمة ليردهم عن ذلك، فلم يقدر عليه ولم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد ان يزيل اباك واخاك عن تلك المرتبة، فلم يتهيأ له ذلك، فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك الى سلطان، يرتبك مراتبهم، ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بها، واستقله عند ذلك واستضعفه، وأمر ان يحجب عنه فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا والأمر على تلك الحال، والسلطان يطلب اثر ولد الحسن بن علي، (عليهما السلام)، حتى اليوم.
____________________
(1) أي منعه ونهاه.
(2) أي شتمه (منه).
[271]
وصل: روى الشيخ عن ابي سهل اسماعيل بن علي النوبختي قال: دخلت على ابي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) في المرضة التي مات فيها وانا عنده، اذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم اسود نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد وهو ربي الحسن، (عليه السلام) فقال له: يا عقيد اغل لي ماء بمصطكى، فاغلى له، ثم جاءت به صيقل الجارية ام الخلف (عليه السلام)، فلما صار القدح في يديه وهمّ بشربه جعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن (عليه السلام)،فتركه من يده، وقال لعقيد ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجداً فأتني به، قال ابو سهل قال عقيد: فدخلت اتحرى فاذا انا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء ، فسلمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت ان سيّدي يأمرك بالخروج اليه اذ جاءت امه صيقل، فاخذت بيده واخرجته الى ابيه الحسن (عليه السلام)، قال ابو سهل فلما مشى الصبي بين يديه سلم، واذا هو دري اللون، وفي شعر رأسه قطط مفلج الاسنان فلما رآه الحسن (عليه السلام) بكى، وقال يا سيد أهل بيته، اسقني الماء فإني ذاهب الى ربّي، وأخذ الصبي القدح المغلى بالمصطكي بيده، ثم حرك شفتيه ثم سقاه فلما شربه، قال: هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضاه الصبي واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له ابو محمد (عليه السلام) ابشر يا بنيّ، فانت صاحب الزمان، وانت المهدي، وانت حجة اللّه على ارضه، وانت ولدي ووصيي، وانا ولدتك، وانت م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، (عليهم السلام)، ولدك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)،
وانت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وسماك وكناك بذلك، عهد الى أبي عن آبائك الطاهرين، (صلى اللّه على اهل البيت)، ربنا انه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته، (صلوات اللّه عليهم اجمعين)، انتهى.
[272]
وروي انه لما مات الحسن بن علي (عليه السلام)، حضر غسله عثمان بن سعيد (رضي اللّه عنه وأرضاه)، وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره، وقال الشيخ علي السدابادي في المقنع: ان الحسن بن علي نصّ على ولده الخلف الصالح (عليه السلام)، وجعل وكيله ابا محمد عثمان بن سعيد العمري الوسيط بينه وبين شيعته في حياته، فلما ادركته الوفاة امره فجمع شيعتهم واخبرهم ان ولده الخلف صاحب الامر بعده، وان ابا محمد عثمان بن سعيد العمري وكيله، وهو بابه والسفير بينه وبين شيعته، فمن كانت له حاجة قصده كما كان يقصده في حال حياته، وسلم اليه جواريه، فلما قبض (عليه السلام) تكلم اخوه جعفر، وادعى الامامة لنفسه، وبذل للمعتمد بذلًا اشاع ذكره، فقال له وزير المعتمد قد كان المتوكل وغيره يروم نسخ ناموس اخيك فلم يصح لهم، فاستمل انت شيعته بما تقدر عليه، فلما لم يبلغ غرضه سعى بجواري اخيه، وقال: في جملة الجواري جارية اذا ولدت ولداً يكون ذهاب دولتكم على يده فانفذ المعتمد الى عثمان بن سعيد وأمره ان ينقلهن الى دار القاضي، او بعض الشهود حتي يستبرئهن بالوضع، فسلمهن الى ذلك العدل، فأقمن عنده سنة، ثم ردهن الى عثمان بن سعيد، لأن الولد المطلوب كان قد ولد قبل ذلك بست سنين، وقيل بخمس، وقيل باربع، واظهره ابو الحسن بخاصة شيعته، وأراهم شخصه، وعرفهم بأنه الذي يقصد اليه منه، فلما تسلم عثمان بن سعيد الجواري وفيهم ام صاحب الأمر (عليه السلام) نقلهن الى مدينة السلام، وكانت الشيعة تقصده من كل بلد: بقصص وحوائج، وكانت الاجوبة تخرج اليهم على يده. انتهى.
وروي عن ابي محمد (عليه السلام) انه قال يوماً لأمه، تصيبني في سنة ستين ومئتين خزارة اخاف ان انكب منها نكبة فاظهرت الجزع، واخذها البكاء، فقال لابد من وقوع امر اللّه لا تجزعي، وفي رواية انه امرها بالحج في سنة تسع وخمسين ومئتين وعرّفها ما يناله في سنة ستين، وخرجت ام ابي محمد (عليه السلام) الى مكة.
[273]
وروي عنه (عليه السلام) قال: في سنة مئتين وستين تفترق شيعتي، ففيها قبض (عليه السلام) فتفرقت شيعته.
قال شيخنا المفيد (رحمه اللّه) ومرض ابو محمد (عليه السلام) في اول شهر ربيع الأول سنة ستين ومئتين، ومات في يوم الجمعة لثماني ليال خلون من هذا الشهر في السنة المذكورة، وله يوم وفاته ثمان وعشرون سنة ودفن في البيت الذي دفن فيه ابوه من دارهما بسر من رأى، وخلف ابنه المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان الزمان، واجتهاده في البحث عن أمره، ولما شاع من مذهب الشيعة الإِمامية فيه، وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده (عليه السلام) في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي، اخو ابي محمد (عليه السلام) اخذ تركته، وسعى في حبس جواري ابي محمد (عليه السلام) واعتقال(1) حلائله، وشنع على اصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده، والقول بإمامته، واغرى بالقوم حتى اخافهم وشردهم (2) وجرى على مخلفي ابي محمد (عليه السلام) بسبب ذلك كل عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل، ولم يظفر السلطان منهم بطائل(3) وحاز جعفر ظاهر تركة ابي محمد (عليه السلام)، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، ولم يقبل احد منهم ذلك، ولا اعتقده فيه، فصار الى سلطان الوقت يلتمس مرتبة اخيه وبذل مالاً جليلاً، وتقرب بكل ما ظن انه يتقرب به، فلم ينتفع بشيء من ذلك، انتهى.
وقال عثمان بن سعيد (قدس اللّه روحه) لعبد اللّه بن جعفر الحميري ان الأمر عند السلطان أن ابا محمد (عليه السلام) مضى ولم يخلف ولداً، وقسم ميراثه واخذه من لا حق له، وصبر على ذلك وهو ذا عياله يجولون وليس احد يجسر ان يتعرف اليهم او ينيلهم شيئاً.
___________________
(1) أي حبسهن.
(2) التشريد: التبعيد.
(3) الطائل: المنفعة.
[274]
وفي الدروس، وروى ابو هاشم الجعفري قال: قال لي ابو محمد الحسن بن علي (عليه السلام): قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين، وقال المفيد (رحمة الله): يزاران من ظاهر الشباك، ومنع من دخول الدار، وقال الشيخ ابو جعفر وهو الاحوط، لأنها ملك الغير فلا يجوز التصرف فيها الا بإذنه، قال ولو أن أحداً دخلها لم يكن مأثوماً. وخاصة اذا تأول في ذلك، ما روي عنهم (عليهم اسلام)، انهم جعلوا شيعتهم في حل من مالهم.
اقول: قال علي بن عيسى الاربلي (رحمه اللّه): حكى لي بعض الاصحاب ان الخليفة المستنصر مشى مرة الى سر من رأى وزار العسكريين (عليهما السلام)، وخرج، فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه، وأهل بيته، وهم في قبة خربة يصيبها المطر وعليها ذرق(1) الطيور، وأنا رأيتها على هذه الحال، فقيل له انتم خلفاء الأرض وملوك الدنيا ولكم الأمر في العالم وهذه قبور آبائكم بهذه الحال؟ لا يزورها زائر ولا يخطر بها خاطر، وليس فيها احد يميط(2) عنها الاذى، وقبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور(3) والقناديل والفروش والزلالي والفراشين والشمع والبخور وغير ذلك، فقال هذا امر سماويّ لا يحصل باجتهادنا ولو حملنا الناس على ذلك ما قبلوه ولا فعلوا، وصدق، فان الاعتقادات لا تحصل بالقهر ولا يتمكن احد من الإِكراه عليها.
______________________
(1) الذرق: السلح وهو فضلة المأكولات بعد الهضم.
(2) أي يزيل الأوساخ.
(2) جمع الستر (بكسر السين): ما يستر به.