[211]
الكشي عن محمد بن مرزبان عن ابن سنان قال : شكوت الى الرضا (عليه السلام) وجع العين فاخذ قرطاساً فكتب الى ابي جعفر (عليه السلام) وهو اقل من ثلاث(1) ودفع الكتاب الى الخادم وأمرني ان اذهب معه وقال : اكتم، فأتيناه وخادم قد حمله، قال ففتح الخادم الكتاب بين يدي ابي جعفر (عليه السلام) قال فجعل ابو جعفر (عليه السلام) ينظر في الكتاب ويرفع رأسه الى السماء ويقول : بأح(2) ففعل ذلك مراراً فذهب كل وجع في عيني وابصرت بصراً لا يبصره احد. قال فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعل اللّه(3) شيخاً على هذه الأمة كما جعل عيسى بن مريم شيخاً على بني اسرائيل، قال : ثم قلت يا شبيه صاحب فطرس، قال فانصرف وقد امرني الرضا (عليه السلام) ان اكتم، فما زلت صحيح البصر حتى أذعت ما كان من ابي جعفر (عليه السلام) في امر عيني فعاودني الوجع.
قال : قلت لمحمد بن سنان ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس، قال فان اللّه عز وجل غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس فدق جناحه ورمى به في جزيرة من جزائر البحر فلما ولد الحسين (عليه السلام) بعث اللّه عز وجل جبرائيل الى محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ليهنئه بولادة الحسين (عليه السلام) وكان جبرائيل صديقاً لفطرس فمر به وهو في الجزيرة مطروح فخبّره بولادة الحسين (عليه السلام) وما أمر اللّه به، فقال له : هل لك ان احملك على جناح من اجنحتي وامضي بك الى محمد (صلى اللّه عليه
_________________________
(1) أي من الذين لهم ثلاث سنين.
(2) (تاج. راح. خ د).
(3) جعلك اللّه.
[212]
وآله وسلم) يشفع فيك ؟ قال فقال له فطرس نعم، فحمله على جناح من اجنحته حتى اتى به محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فبلغه تهنئة ربِّه تعالى ثم حدّثه بقصة فطرس فقال محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لفطرس امسح جناحك على مهد الحسين (عليه السلام) وتمسح به ففعل ذلك فطرس، فجبر اللّه تعالى جناحه ورده الى منزله مع الملائكة.
وروى القطب الراوندي ان المعتصم دعا جماعة من وزرائه فقال : اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) زوراً واكتبوا انه أراد أن يخرج، ثم دعاه، فقال : انك أردت أن تخرج علي فقال : واللّه ما فعلت شيئاً من ذلك قال : ان فلاناً وفلاناً شهدوا عليك، فاحضروا فقال : نعم هذه الكتب اخذناها من بعض غلمانك، قال وكان جالساً في بهو(1) فرفع ابو جعفر (عليه السلام) يده وقال اللهم ان كانوا كذبوا عليّ فخذهم، قال فنظرنا الى ذلك البهو كيف يرجف ويذهب ويجيء وكلما قام واحد وقع، فقال المعتصم يا ابن رسول اللّه اني تائب مما قلت فادع ربك ان يسكنه، فقال : اللهم سكنه انك تعلم انهم اعداؤك واعدائي، فسكن.
قال الشيخ المفيد في الارشاد وكان المأمون قد شغف بابي جعفر (عليه السلام) لما رأى من فضله مع صغر سنه وبلوغه في العلم والحكمة والادب وكمال العقل ما لم يساوه احد من مشائخ اهل الزمان فزوجه ابنته ام الفضل وحملها معه الى المدينة وكان متوفراً على اكرامه وتعظيمه واجلال قدره.
اخبرني الحسن بن محمد بن سليمان عن علي بن ابراهيم بن هاشم عن ابيه عن الريان بن شبيب قال : لما اراد المأمون ان يزوج ابنته ام الفضل ابا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم واستكبروه (استنكروه) وخافوا ان ينتهي الامر معه الى ما انتهى اليه مع
__________________
(1) البهو : البيت المقدم امام البيوت (منه).
[213]
الرضا (عليه السلام) فخاضوا في ذلك واجتمع منهم اهل بيته الأدنون منه فقالوا : ننشدك اللّه يا امير المؤمنين ان تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فأنا نخاف ان تخرج به عنا امراً قد ملّكناه اللّه، وتنزع منا عزّاً قد البسناه اليك، قد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتى كفانا اللّه المهم من ذلك فاللّه اللّه ان تردنا الى غم قد انحسر(1) عنا واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل الى من تراه من اهل بيتك يصلح لذلك دون غيره، فقال لهم المأمون : اما ما بينكم وبين آل أبي طالب فانتم السبب فيه، ولو انصفتم القوم لكانوا اولى بكم، واما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعاً للرحم واعوذ باللّه من ذلك، واللّه ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا، ولقد سألته ان يقوم بالامر وانزعه عن نفسي فابى وكان امر اللّه قدراً مقدوراً، واما ابو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريز على كافة اهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه، والاعجوبة فيه بذلك. وانا ارجو أن يظهره للناس ما قد عرفته منه فيعلموا ان الرأي ما رأيت فيه، فقالوا ان هذا الفتى وان راقك منه هديه فانه صبي لا معرفة له ولا فقه، فامهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم : ويحكم اني أعرف بهذا الفتى منكم، وان هذا من اهل بيت علمهم من اللّه ومواده والهامه(2)، لم يزل آباؤه اغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فان شئتم فامتحنوا ابا جعفر بما تبين لكم به ما وصفت من حاله، قالوا له قد رضينا لك يا امير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فحل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء، من فقه الشريعة فان اصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في امره وظهر للخاصة والعامة سديد رأي امير المؤمنين، وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، فقال لهم المأمون
_____________________
(1) أي انكشف ورفع عنا.
(2) وبارادته. ظ.
[214]
شأنكم وذاك متى أردتم، فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن اكثم وهو يومئذ قاضي الزمان (القضاة. خ - د) على ان يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه باموال نفيسة على ذلك، وعادوا الى المأمون فسألوه ان يختار لهم يوماً للاجتماع، فاجابهم الى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن اكثم، فأمر المأمون ان يفرش لأبي جعفر (عليه السلام) دست(1) ويجعل له فيه مسورتان(2) ففعل ذلك، وخرج ابو جعفر (عليه السلام) وهو يومئذ ابن سبع سنين واشهر، فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن اكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست ابي جعفر (عليه السلام)، فقال يحيى بن اكثم للمأمون تأذن لي يا امير المؤمنين ان اسأل ابا جعفر ؟ فقال له المأمون استأذنه في ذلك، فاقبل عليه يحيى بن اكثم فقال : اتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ قال له ابو جعفر سل ان شئت، قال يحيى ما تقول، جعلني اللّه فداك، في محرم قتل صيداً ؟ فقال له ابو جعفر (عليه السلام) قتله في حل او حرم ؟ عالماً كان المحرم ام جاهلاً ؟ قتله عمداً او خطأ ؟ حراً كان المحرم ام عبداً ؟ صغيراً كان او كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل ام معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيد ام من غيرها ؟ من صغار الصيد كان ام من كباره مصراً على ما فعل او نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد ام نهاراً ؟ محرماً كان بالعمرة او بالحج ؟ فتحير يحيى بن اكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة اهل المجلس امره، فقال المأمون الحمد للّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر الى اهل بيته وقال لهم اعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ ثم اقبل على ابي جعفر (عليه السلام) فقال له اتخطب يا ابا جعفر ؟ قال نعم يا امير المؤمنين، فقال له المأمون اخطب جعلت فداك لنفسك ؟ فقد رضيتك لنفسي ، وانا مزوجك ام الفضل ابنتي
__________________
(1) يمكن ان يكون بمعنى صدر المجلس.
(2) المسور والمسورة : متكأ من جلد.
[215]
فقال ابو جعفر (عليه السلام) : الحمد للّه اقراراً بنعمته، ولا إله الا اللّه اخلاصاً لوحدانيته، وصلى اللّه على محمد سيد بريته، والاصفياء من عترته، اما بعد، فقد كان من فضل اللّه على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم، ان يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله، واللّه واسع عليم، ثم ان محمد بن علي بن موسى يخطب ام الفضل بنت عبد اللّه المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد (عليهما السلام)، وهو خمسمائة درهم جياداً فهل زوجته يا امير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟ قال المأمون : نعم زوجتك يا ابا جعفر ام الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح ؟ فقال ابو جعفر (عليه السلام) قد قبلت ذلك ورضيت به فأمر المأمون ان يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة، قال الريّان ولم نلبث ان سمعنا اصواتاً تشبه اصوات الملاحين في محاوراتهم، فاذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من الفضة يشبه الجبال (مشدودة بالحبال خ د) من الابريسيم على عجلة(1) مملوءة من الغالية فأمر المأمون ان يخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدت الى دار العامة فطيبوا منها، ووضعت الموائد، تأكل الناس وخرجت الجوائز الى كل قوم على قدرهم الخ.
_____________________
(1) العجلة : بالتحريك أي الآلة التي تحمل عليها الاثقال أي تجري عليها. او بمعنى الاستعجال، أي تجرون على الاستعجال.
روي عن زكريا بن آدم قال : اني لعند الرضا (عليه السلام) اذ جيء بابي جعفر (عليه السلام) وسنه اقل من اربع سنين، فضرب بيديه الى الأرض ورفع رأسه الى السماء فاطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام)
[216]
بنفسي فلم طال فكرك ؟ فقال فيما صنع بامي فاطمة (عليها السلام)، اما واللّه لأخرجنهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما(1) ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً(2) فاستدناه وقبل بين عينيه، ثم قال بأبي انت وامي انت لها (يعني الامامة).
الشيخ الكليني (رحمه اللّه) عن محمد بن ابي العلا قال : سمعت يحيى بن اكثم قاضي سامراء بعدما جاهدت به وناظرته وحاورته وراسلته وسألته عن علوم آل محمد (عليهم السلام)، فقال : بينا انا ذات يوم دخلت اطوف بقبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ورأيت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فاخرجها اليّ فقلت له : واللّه اني اريد ان اسألك مسألة واحدة واني واللّه لأستحيي من ذلك، فقال لي : انا اخبرك قبل ان تسألني، تسألني عن الإِمام، فقلت هو واللّه هذا، فقال انا هو، فقلت علامة، فكان في يده عصا فنطقت، فقالت : ان مولاي امام هذا الزمان وهو الحجة.
وفي الدر النظيم قال ابراهيم بن سعيد رأيت محمد بن علي أي الجواد (عليه السلام) يضرب بيده الى ورق الزيتون فيصير في كفه وَرِقاً(3) فاخذت منه كثيراً وانفقته في الاسواق فلم يتغير.
وقال محمد بن يحيى لقيت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) على دجلة فالتقى له طرفاها حتى عبر، ورايته بالانبار على الفرات فعل مثل ذلك.
عن كتاب الاختصاص عن علي بن ابراهيم عن ابيه قال لما مات ابو الحسن الرضا (عليه السلام) حججنا فدخلنا على ابي جعفر (عليه السلام) وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا الى ابي جعفر (عليه السلام)، فدخل عمه عبد اللّه بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً عليه ثياب
_____________________
(1) ذري ذرواً وذرى تذرية واذرى اذراء الريح التراب : اطارته وفرقته.
(2) أي لنطيرنه ونذرينه في البحر.
(3) أي نقداً مسكوكاً.
[217]
خشنة وبين عينيه سجادة فجلس وخرج ابو جعفر (عليه السلام) من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل حذو بيضاء، فقام عبد اللّه واستقبله وقبل بين عينيه وقامت الشيعة، وقعد ابو جعفر (عليه السلام) على كرسي، ونظر الناس بعضهم الى بعض تحيراً لصغر سنه فانتدب رجل من القوم فقال لعمه اصلحك اللّه ما تقول في رجل أتى بهيمة ؟ فقال يقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب ابو جعفر (عليه السلام) ثم نظر اليه فقال : يا عم اتق اللّه، اتق اللّه انه لعظيم ان تقف يوم القيامة بين يدي اللّه عز وجل فيقول لك لِمَ أفتيت الناس بما لا تعلم ؟ فقال عمه يا سيدي اليس قال هذا ابوك صلوات اللّه عليه، فقال ابو جعفر : انما سئل ابي عن رجل نبش قبر امرأة، فنكحها فقال ابي : تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فان حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال صدقت يا سيدي وانا استغفر اللّه، فتعجب الناس، فقالوا يا سيدنا اتأذن لنا ان نسألك ؟ فقال نعم : فسألوه في مجلس عن ثلاثين الف مسألة فاجابهم فيها وله تسع سنين.
وعن عيون المعجزات لما قبض الرضا (عليه السلام) كان سن ابي جعفر (عليه السلام) نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الامصار، واجتمع الريان بن الصلت وصفران بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبد الرحمان بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمان (رضوان اللّه عليهم اجمعين) وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمان بن الحجاج في بركة ذلول، يبكون ويتوجعون، من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمان(1)، دعوا البكاء، من لهذا الأمر ؟ والى من نقصد بالمسائل الى ان
________________________
(1) يونس بن عبد الرحمان مولى علي بن يقطين كان وجيهاً في اصحابنا مقدماً عظيم المنزلة. روى عن ابي الحسن موسى والرضا وكان الرضا يشير اليه في العلم والفتيا وكان وكيلاً له وكان بذل له على الوقف مال جليل فامتنع من اخذه وثبت على الحق وقال فيه ابو محمد صاحب العسكر.
حين عرض عليه ابو هاشم كتاب يوم وليلة ليونس : اعطاه اللّه بكل حرف نوراً يوم القيامة وذكر له المحقق الاسترآبادي في رجاله الكبير نيفاً وعشرين مصنفاً، مات سنة ثمان وماتين.
[218]
يكبر هذا يعني ابا جعفر (عليه السلام) ؟ فقام اليه الريان بن الصلت(1) ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول له انت تظهر الايمان لنا وتبطن الشك والشرك(2) ان كان أمره من اللّه جل وعلا فلو انه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وان لم يكن من عند اللّه فلو عمر الف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي ان يكفر فيه فاقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه وكان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد والامصار وعلمائهم ثمانون رجلاً فخرجوا الى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا ابا جعفر (عليه السلام) فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادق (عليه السلام) لأنها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج اليهم عبد اللّه بن موسى فجلس في صدر المجلس، وقام مناد وقال هذا ابن رسول اللّه فمن اراد السؤال فليسأله، فسئل عن اشياء اجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيرهم وغمهم واضطربت الفقهاء وقاموا وهموا بالانصراف وقالوا في انفسهم لو كان ابو جعفر (عليه السلام) يكمل لجواب المسائل لما كان من عبد اللّه ما كان، ومن الجواب بغير الواجب، ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال هذا ابو جعفر (عليه السلام) فقاموا اليهم بأجمعهم واستقبلوه وسلموا عليه، فدخل (عليه السلام) وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وامسك الناس كلهم، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائل فاجاب عنها بالحق ففرحوا ودعوا له واثنوا عليه وقالوا له ان عمك عبد اللّه افتى بكيت وكيت فقال : لا إله الا اللّه يا عم، انه عظيم عند اللّه ان تقف غداً بين يديه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لم تعلم ؟ وفي الامة من هو اعلم منك.
___________________________
(1) ريان صلت البغدادي القمي. خراساني الأصل روى عن الرضا (عليه السلام) وكان ثقة صدوقاً وقد اعطاه الرضا (عليه السلام) ثوباً من ثيابه وثلاثين درهماً من دراهمه.
(2) فيه ان يونس (رحمه اللّه) اجل شأناً من ان لا يعرف امامه. وقد صحب قبل ذلك ابا الحسن موسى والرضا (عليه السلام) وكان من ثقاتهما واسامي الائمة غير خفية عن مثله. وعليه لو كان الحديث صحيحاً لعله صدر منه اختباراً او تقية من بعضهم حيث ان الريان نفسه (مع وثاقته) كان من خواص المعتصم.
[219]
وروى عن عمر بن فرج الرخجي(1) قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان شيعتك تدعي انك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه، وكنا على شاطئ دجلة فقال لي : يقدر اللّه تعالى ان يفوض علم ذلك الى بعوضة من خلقه ام لا ؟ قلت نعم يقدر فقال : انا اكرم على اللّه تعالى من بعوضة ومن اكثر خلقه.
الشيخ الكليني عن رجل من بني حنيفة، من اهل بست(2) وسجستان(3) قال رافقت ابا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها في اول خلافة المعتصم، فقلت له وانا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السلطان، ان والينا جعلت فداك، رجل يتولاكم اهل البيت، ويحبكم وعليَّ في ديوانه خراج، فان رأيت، جعلني اللّه فداك ان تكتب اليه بالاحسان اليّ، فقال لا اعرفه، فقلت : جعلت فداك انه على ما قلت من محبيكم، اهل البيت، وكتابك ينفعني عنده فاخذ القرطاس وكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فان موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وان مالك من عملك ما احسنت فيه، فاحسن الى اخوانك واعلم ان اللّه عز وجل سائلك عن مثاقيل الذر والخردل، قال فلما وردت سجستان سبق الخبر الى الحسين بن عبد اللّه النيسابوري وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة، فدفعت اليه الكتاب فقبله ووضعه على عينيه، وقال لي : حاجتك ؟ فقلت خراج عليَّ في ديوانك، قال : فامر بطرحه عني وقال لا تؤد خراجاً ما دام لي عمل ثم سألني عن عيالي فاخبرته بمبلغهم فامر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً(4) فما اديت في عمله خراجاً ما دام حياً ولا قطع عني صلته حتى مات.
_______________________
(1) كورة ومدينة من نواحي كابل.
(2) بست بالضم : مدينة بين سجتان وغزنين وهراة كثيرة الانهار والبساتين.
(3) سجستان بكثر الأولين : ناحية كبيرة وهي في جنوب هراة وارضها كلها رملة ويسمى الآن سيستان.
(4) أي زائداً عما يقوتهم.
[220]
وروى عن موسى بن القاسم قال : قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) قد اردت ان اطوف عنك وعن ابيك فقيل لي ان الاوصياء لا يطاف عنهم، فقال لي بل طف ما امكنك فان ذلك جائز، ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين اني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن ابيك فاذنت لي في ذلك، فطفت عنكما ما شاء اللّه، ثم وقع في قلبي شيء فعملت به، قال وما هو ؟ قلت طفت يوماً عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال ثلاث مرات صلى اللّه على رسول اللّه ثم اليوم الثاني عن امير المؤمنين (عليه السلام) وثم طفت اليوم الثالث عن الحسن (عليه السلام) والرابع عن الحسين (عليه السلام) والخامس عن علي بن الحسين (عليه السلام) والسادس عن ابي محمد بن علي (عليه السلام) واليوم السابع، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) واليوم الثامن عن ابيك موسى (عليه السلام) واليوم التاسع عن ابيك علي (عليه السلام) واليوم العاشر عنك يا سيدي وهؤلاء الذين ادين اللّه بولايتهم (عليهم السلام)، فقال اذن واللّه تدين اللّه بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره، قلت وربما طفت عن امك فاطمة (صلوات اللّه عليها) وربما لم اطف، فقال استكثر من هذا فانه افضل ما انت عامله ان شاء اللّه تعالى.
الصدوق عن البزنطي(1) قال قرأت كتاب ابي الحسن الرضا إلى ابي جعفر (عليه السلام) : يا ابا جعفر بلغني ان المووالي اذا ركبت اخرجوك من الباب الصغير وانما ذلك من بخل لهم، لئلا ينال منك احد خيراً فاسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك الا من الباب الكبير، واذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك احد الا أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبرَّه(2) فلا تعطه اقل من خمسين ديناراً، والكثير اليك، ومن
_____________________
(1) هو احمد بن محمد بن ابي نصر الكوفي البزنطي. ممن اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه واقروا له بالفقه وكان ممن لقي الرضا والجواد وكان من الواقفة فاستبصر وحسن ايمانه. توفي سنة 221 هجري.
(2) ان حين تقصد له الاحسان.
[221]
سألك من عماتك فلا تعطها اقل من خمسة وعشرين ديناراً والكثير اليك، اني انما اريد ان يرفعك اللّه فانفق ولا تخش من ذي العرش إقتاراً.
قال شيخنا الحر العاملي في اثبات الهداة قال الشيخ ابو الصلاح الحلبي في كتاب تقريب المعارف عند ذكر بعض معجزات الأئمة (عليهم السلام) ومن ذلك توضأ ابو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) في مسجد ببغداد يعرف موضعه بدار المسيب في اصل نبقة يابسة فلم يخرج من المسجد حتى اخضرت واينعت حدثني الشيخ ابو الحسن محمد بن محمد قال حدثنا الشيخ ابو عبد اللّه محمد بن محمد المفيد (رضي اللّه عنه) انه اكل من نبقها وهو لا عجم له(1).
بيان : (النبق بفتح النون وكسر الباء وقد تسكن ثمر السدر واحدته نبقة واشبه شيء به العناب قبل ان تشتد حمرته).
قال من استفاد اخا في اللّه فقد استفاد بيتاً في الجنة وقال : القصد الى اللّه تعالى بالقلوب ابلغ من اتعاب الجوارح بالاعمال. وقال : من اطاع هواه اعطى عده مناه. وقال : راكب الشهوات لا يقال(2) عثرته. وقال : بالثقة باللّه تعالى ثمن لكلِّ غالٍ وسلَّم الى كل عال. وقال : عز المؤمن غناه عن الناس. وقال : لا تكن ولي اللّه في العلانية عدوَّاً له في السر. وقال : اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحق واصبر عما تحب فيما يدعوك الى الهوى(3)
_____________________________
(1) أي لا نواة فيه.
(2) من الاقالة وهي الفسخ والمراد به الاغماض.
(3) يقول : التزم الصبر فيما كان حقا وان شق عليك، واعرض عما تحبه ولكن يدعوك الى اتباع الشيطان.
[222]
وقال : كيف يضيع مَن اللّه كافله وكيف ينجو من اللّه طالبه ومَن انقطع الى غير اللّه وكله اللّه اليه ومَن عمل على غير علم افسد اكثر مما يصلح وقال : مَن استغنى كرم على اهله، فقيل له وعلى غير اهله؟ قال : لا الا ان يكون يجدي عليهم نفعاً، وقال : قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعاً لما يهواه. وقال (عليه السلام) : اياك ومصاحبة الشرير فانه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح آثاره. وقال (عليه السلام) : كفى بالمرء خيانة ان يكون اميناً للخونة(1).
قبض ابو جعفر الجواد (عليه السلام) مسموماً ببغداد في آخر ذي(2) القعدة سنة 220 عشرين ومئتين وهو ابن خمس وعشرين سنة ودفن بمقابر قريش في ظهر جده موسى بن جعفر (عليه السلام).
وعن ابي الحسن الهادي (عليه السلام) في جواب من سأله عن فضل زيارة الحسين وزيارتهما (عليهم السلام) : ابو عبد اللّه المقدم، وهذان اجمع واعظم اجراً.
وكان سبب وروده بغداد، إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد اليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومئتين.
روى الشيخ المفيد عن اسماعيل بن مهران قال : لما خرج ابو جعفر (عليه السلام) من المدينة الى بغداد في الدفعة الأولى من خرجته(3) قلت له
________________________________
(1) أي الخائنين.
(2) وقيل في سادس ذي الحجة سنة 220 ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام) الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً. وقد توفي المأمون في رجب سنة 218 واللّه العالم (منه) اقول وقيل في اول ذي القعدة وقيل في خامس ذي الحجة.
(3) الخرجة : المرة من الخروج.
[223]
عند خروجه : جعلت فداك اني اخاف عليك في هذا الوجه، فالى من الأمر بعدك ؟ قال فكرَّ اليّ(1) بوجهه ضاحكاً وقال لي : ليس حيث كما ظننت في هذه السنة، فلما استدعى به المعتصم صرت اليه فقلت له : جعلت فداك انت خارج فالى من هذا الأمر من بعدك ؟ فبكى حتي اخضلَّت(2) لحيته، ثم التفت اليّ فقال عند هذه(3) تخاف عليّ، الأمر من بعدي الى ابني عليّ وروى ان زوجته ام الفضل سمته.
وفي البحار، عن تفسير العياشي، عن زرقان صاحب ابن ابي داود(4) وصديقه بشدة، قال رجع ابن ابي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم انّي قد مت منذ عشرين سنة، قال قلت له ولم ذاك ؟ قال لما كان من هذا الاسود، أبو جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي امير المؤمنين، قال : قلت له وكيف كان ذلك ؟ قال ان سارقاً اقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره باقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد احضر محمد بن علي (عليه السلام)، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب ان يقطع ؟ قال فقلت من الكرسوع قال وما الحجة في ذلك ؟ قال قلت لأن اليد هي الاصابع والكف الى الكرسوع، لقول اللّه في التيميم (فامسحوا بوجوهكم وايديكم) واتفق معي في ذلك قوم، وقال آخرون بل يجب القطع من المرفق، قال وما الدليل على ذلك ؟
________________________
(1) أي رجع وعطف اليه.
(2) خضل الشيء : ندى وابتل.
(3) أي السنة (منه).
(4) اقول الظاهر ان داود تصحيف والصحيح ابن دؤاد. فان الذي سعى في قتل ابي جعفر الجواد (عليه السلام) هو ابن ابي دؤاد كسعال. واسمه احمد وكان قاضياً في عهد المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل وكان هلذه السعاية سبباً لأن ابتلى في آخر عمره بنكبة الزمان والفلج وتوفي بعد ثكله بولده محمد بعشرين يوماً سنة 240 ببغداد.
لدغته افعاله أي لدغ*** رب نفس افعاله أفعاها
(منه)
[224]
قالوا لأن اللّه لما قال : (وايديكم الى المرافق) في الغسل دل ذلك على ان حد اليد هو المرفق، قال فالتفت الى محمد بن عليّ (عليه السلام) قال ما تقول في هذا يا ابا جعفر ؟ فقال قد تكلم القوم فيه يا امير المؤمنين، قال دعني مما تكلموا به ، أي شيء عندك ؟ قال اعفني عن هذا يا امير المؤمنين، قال اقسمت عليك باللّه لما اخبرت بما عندك فيه، فقال اما إذ أقسمت عليّ باللّه اني اقول انهم اخطأوا فيه السنة، فان القطع يجب ان يكون من مفصل اصول الأصابع فيترك الكف، قال : وما الحجة في ذلك ؟ قال قول رسول اللّه السجود على سبعة اعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فاذا قطعت يده من الكرسوع او المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال اللّه تبارك وتعالى : (وان المساجد للّه) يعني بها هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها : (فلا تدعوا مع اللّه احداً) وما كان للّه لم يقطع قال : فاعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الاصابع دون الكف، قال ابن ابي داود قامت قيامتي وتمنيت اني لم اك حياً، قال زرقان، قال ابن ابي داود : صرت الى المعتصم بعد ثلاثة فقلت ان نصيحة امير المؤمنين علي واجبة وانا اكلمه بما اعلم اني ادخل به النار، قال وما هو ؟ قلت اذا جمع امير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لامر واقع من امور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فاخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه اهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه ثم يترك اقاويلهم كلهم، لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بامامته، ويدعون انه اولى منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء، قال فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال جزاك اللّه عن نصيحتك خيراً، قال : فأمر اليوم الرابع فلاناً من كتاب وزرائه بان يدعوه الى منزله، فدعاه فأبى ان يجيبه وقال قد علمت اني لا احضر مجالسكم، فقال انّي انما ادعوك الى الطعام واحب ان تطأ ثيابي وتدخل منزلي فاتبرك بذلك، فقد احب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك، فصار اليه، فلما طعم منها احس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل ان يقيم، قال خروي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك
[225]
وليله في حلقه(1) حتى قبض (عليه السلام).
وفي اثبات الوصية قال لما انصرف ابو جعفر (عليه السلام) الى العراق لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبِّران ويعملان الحيلة في قتله (عليه السلام)، فقال جعفر لأخته ام الفضل (وكانت لأمه وابيه) في ذلك، لأنه وقف على انحرافها عنه وغيرتها عليه لتفضيله ام ابي الحسن ابنه (عليه السلام) عليها مع شدة محبتها له ولانها لم ترزق منه ولداً، فاجابت اخاها جعفراً وجعلوا سماً في شيء من عنب رازقي وكان يعجبه العنب الرازقي، فلما اكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال لها ما بكاؤك ؟ واللّه ليضربنك بفقر لا ينجي (لا ينجبر ظ) وبلاء لا يتستر (لا يستتر ظ) فبليت بعلة في اغمض المواضع في جوارحها صار ناسوراً(2) ينتقض عليها في وقت، فانفقت ما لها وجميع ملكها على العلة، حتى احتاجت الى رفد الناس، ويروى ان الناسور كان في فرجها، وترّدى جعفر بن المأمون في بئر فاخرج ميتاً، وكان سكراناً.
___________________
(1) أي احس السم او جراحته في حلقه. والا فالسم ان لم يخالط الدم لا يؤثر الموت.
(2) نسر الجرح اللحم : نقضه. والناسور : العرق الغبر في باطنه فساد. وهي علة تكون في حوالي المقعدة.
[226]
والبدر الباهر ذو الشرف والكرم والمجد والايادي صلوات اللّه عليه
ولد بصريا من المدينة للنصف من ذي الحجة سنة 212 اثنتي عشرة ومئتين وقيل يوم الجمعة ثاني رجب وقيل خامسه من تلك السنة.
امه المعظمة الجليلة سمانة المغربية. وفي الدر النظيم هي تعرف بالسيدة وتكنى ام الفضل، قال : قال محمد بن الفرج بن ابراهيم بن عبد اللّه بن جعفر : دعاني ابو جعفر الجوا (عليه السلام) فاعلمني ان قافلة قد قدمت فيها نخاس معه جواري ودفع الي ستين ديناراً وامرني بابتياع جارية، وصفها، فمضيت فعملت ما أمرني به، فكانت تلك الجارية ام ابي الحسن الهادي (عليه السلام).
وروى محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار عن السيد(1) (عليه السلام) انه قال : امي عارفة بحقي وهي من اهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة(2) بعين اللّه لا تنام، ولا تختلف عن امهات الصديقين والصالحين. انتهى.
وكان نقش خاتمه : اللّه ربّي وهو عصمتي من خلقه، وله ايضاً خاتم نقشه حفظ العهود من اخلاق المعبود.
______________________
(1) أي ابو الحسن.
(2) أي محفوظة ومحروسة.
[227]
روى الطبرسي عن ابن عياش بسنده عن ابي هاشم الجعفري، قال : كنت بالمدينة حين مر بها بغا(1) ايام الواثق في طلب الاعراب، فقال ابو الحسن (عليه السلام) : اخرجوا بنا حتى ننظر الى تعبئة هذا التركي، فخرجنا فوقفنا فمرت بنا تعبئته، فمر بنا تركي فكلمه ابو الحسن (عليه السلام) بالتركية فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته، قال فحلفت التركي وقلت له : ما قال لك الرجل ؟ قال هذا نبي ؟ قلت ليس هذا بنبي، قال دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك، ما علمه احد الى الساعة.
وعنه ايضاً عن ابي هاشم الجعفري، قال : دخلت على ابي الحسن (عليه السلام) فكلمني بالهندية، فلم احسن ان ارد عليه، وكان بين يديه ركوة ملئت حصىً، فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها ملياً ثم رمى بها اليَّ فوضعتها في فمي، فواللّه ما برحت من عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لساناً اولها الهندية.
وروى الشيخ عن كافور الخادم قال : قال لي الإِمام علي بن محمد (عليهما السلام)، اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطهَّر منه للصلاة، وانفذني في حاجة، وقال اذا عدت فافعل ذلك ليكون معدّاً اذا تاهبت للصلاة، واستلقى (عليه السلام) لينام، ونسيت ما قال لي، وكانت ليلة باردة فأحسست به وقد قام الى الصلاة، وذكرت انني لم اترك السطل، فبعدت عن الموضع خوفاً من لومه وتألمت له حيث يشقى بطلب
___________________________
(1) بغا : اسم لقائدين كبيرين من قواد الترك في سلطنة بني العباس اولهما مشهور ببغا الكبير والثاني بالشرابي وهو من الذين هجموا على المتوكل وقتلوه.
[228]
الإناء فناداني نداء مغضب ، فقلت إنا للّه ايش (1) عذري ان اقول نسيت مثل هذا ، و لم اجد بداً من اجابته فجئت مرعوباً، فقال: يا ويلك اما عرفت رسمي انني لا اتطهر الا بماء بارد فسخنت لي ماء فتركته في السطل، فقلت و اللّه يا سيدي ما تركت السطل ولا الماء، قال الحمد للّه واللّه لا تركنا رخصته و لا رددنا منحه، الحمد للّه الذي جعلنا من اهل طاعته، ووفقنا للعون على عبادته، ان النبي (صلى اللّه عليه و آله وسلم) يقول: ان اللّه يغضب على من لا يقبل رخصته .
الشيخ الصدوق عن ابي هاشم الجعفري: قال اصابتني ضيقة شديدة، فصرت الى ابي الحسن بن علي بن محمد (عليه السلام ) فاذن لي ، فلما جلست قال: يا أبا هاشم أي نعم اللّه عز وجل عليك تريد ان تؤدي شكرها؟ قال ابو هاشم فوجمت فلم ادر ما اقول له، فابتدأ (عليه السلام) فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فاعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل، يا ابا هاشم انما ابتدأتك بهذا لأني ظننت انك تريد ان تشكو لي من فعل بك هذا، و قد امرت لك بمئة دينار فخذها.
الطبرسي عن محمد بن الحسن الاشتر العلوي: قال كنت مع ابي على باب المتوكل وانا صبّي في جمع من الناس ما بين طالبي الى عباسي و جعفري، و نحن وقوف اذ جاء ابو الحسن (عليه السلام) ترجل الناس كلهم حتى دخل، فقال بعضهم لبعض لِمَ نترجل لهذا الغلام؟ وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا باسنِّنا، والله لا ترجلنا له، فقال ابو هاشم الجعفري والله لتترجلن له صغرة اذا رأيتموه، فما هو الا ان اقبل وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم فقال لهم ابو هاشم اليس زعمتم انكم لا تترجلون له فقالوا له واللّه ما ملكنا انفسنا حتى ترجلنا.
وروي ان ابا هاشم شكا الى مولانا ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) ما يلقى من الشوق اليه اذا انحدر من عنده الى بغداد، وقال له:
_________________
(1) أي ايُّ شيء (منه).
[229]
يا سيدي ادع اللّه لي فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه ، فقال قواك اللّه يا ابا هاشم وقوى برذونك، قال فكان ابو هاشم يصلّي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سُرَّ من رأى ويعود من يومه الى بغداد اذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من اعجب الدلائل التي شوهدت.
اقول: ابو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب (عليه السلام) البغدادي الثقة الجليل الذي ادرك الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام). وقد اشرنا اليه عند ولادة الصادق (عليه السلام)، وكان عظيم المنزلة عندهم (عليهم السلام). وقد روى عنهم كلهم، وله اخبار ومسائل، وله شعر جيد فيهم، ومن شعره في ابي الحسن الهادي (عليه السلام) وقد اعتل:
حين قيل الإِمام نضو(3) عليل*** قلت نفسي فدته كل الفداء
مرض الدين لاعتلالك واعت*** ل وغارت(4) له نجوم السماء
عجباً ان منيت بالداء والسق*** م وانت الامام حسم الداء
انت آسي(5) الادواء(6) في الدين*** والدنيا ومحيي الأموات والاحياء
القطب الراوندي عن جماعة من اهل الصفهان، قالوا: كان باصفهان رجل يقال له عبد الرحمان وكان شيعياً، قيل له ما السبب الذي وجب عليك القول بامامة علي النقي (عليه السلام) دون غيره من الزمان؟ قال شاهدت ما اوجب ذلك عليَّ وهو أنّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة فأخرجني
_________________________
(1) مادت أي اضطربت (منه) (2) اد ت أي ثقلت (منه).
(3) نضو يعني مقلّ هزيل (منه). (4) أي انخسفت.
(5) يعني طبيب وجراح (منه).
(6) بفتح الهمزة جمع داء وبالكسر: مصاحبة المريض.
[230]
اهل اصفهان سنة من السنين (فخرجت خ) مع قوم آخرين الى باب المتوكل متظلمين، فكنا بباب المتوكل يوماً اذ خرج الأمر باحضار علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقلت لبعض من حضر من هذا الرجل الذي قد امر باحضاره؟ فقيل هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال ويقدَّر ان المتوكِّل يحضره للقتل، فقلت لا ابرح من ها هنا حتى انظر الى هذا الرجل، أيّ رجل هو، قال فأقبل راكباً على فرس وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون اليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، فجعلت ادعو له في نفسي بان يدفع اللّه عنه شر المتوكل، فاقبل يسير بين الناس وهو ينظر على عرف(1) دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة وانا اكرر في نفسي الدعاء له، فلما صار بازائي اقبل بوجهه اليَّ (علي خ د ) وقال: قد استجاب اللّه دعاءك وطوَّل عمرك وكثر مالك وولدك، قال فارتعدت من هيبتته ووقعت بين اصحابي فسألوني وهم يقولون ما شأنك؟ فقلت خيراً ولم اخبر بذلك مخلوقاً، فانصرفنا بعد ذلك الى اصفهان، ففتح اللّه عليّ بدعائه وجوهاً من المال حتى انا اليوم أغلق بابي على ما قيمته الف الف درهم سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الاولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفاً و سبعين سنة، وانا اقول بامامة الرجل على الذي علم ما في قلبي واستجاب اللّه دعاءه في امري.
وروي عن هبة اللّه بن ابي منصور الموصولي انه قال: كان بديار ربيعة كاتب نصراني وكان من اهل كفر توثا(2) يسمى يوسف بن يعقوب وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافانا فنزل عند والدي، فقلت (فقال د) له ما شأنك قدمت في هذا الوقت، قال دعيت الى حضرة المتوكل ولا ادري ما
________________________
(1) أي الشعر النابت علي مقدم عتق الفرس.
(2) كفر توثا: قرية كبيرة من اعمال الجزيرة بينها وبين دارا خمسة فراسخ وكفر توثا ايضاً من قرى فلسطين. والجزيرة اسم للبلاد التي بين دجلة والفرات من امهات مدنها الموصل وحران ونصيبين وآمد.
[231]
يراد مني الا أنّي اشتريت نفسي من اللّه بمئة دينار قد حملتها لعلي بن محمد بن الرضا (عليهم
السلام) معي، فقال له والدي: قد وفقت في هذا، قال: وخرج الى حضرة المتوكل وانصرف الينا بعد ايام قلائل فرحاً مستبشراً، فقال له والدي: حدثني حديثك، قال صرت الى سر من رأى وما دخلتها قط، فنزلت في واد وقلت احب ان اوصل المئة الدينار الى ابن الرضا (عليه السلام) قبل مصيري الى باب المتوكل وقبل ان يعرف احد قدومي، قال فعرفت ان المتوكل قد منعه من الركوب وانه ملازم لداره، فقلت كيف اصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا (عليه السلام)؟ لا آمن ان يبدر بي فيكون ذلك زيادة فيما احاذره، قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي ان اركب حماري واخرج في البلد ولا امنعه من حيث يذهب لعلي اقف على معرفة داره من غير ان أسأل احداً، قال فجعلت الدنانير في كاغذة وجعلتها في كمي وركبت، فكان الحمار يتخرق الشوارع والاسواق يمر حيث يشاء الى ان صرت الى باب دار فوقف الحمار، فجهدت ان يزول فلم يزل، فقلت للغلام سل لمن هذه الدار، فقيل هذه دار ابن الرضا (عليه السلام)، فقلت: اللّه اكبر دلالة مقنعة، قال واذا خادم اسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت نعم، قال انزل، فنزلت فاقعدني في الدهليز فدخل، فقلت في نفسي: هذه دلالة اخرى، من اين عرف هذا الغلام اسميُ وليس في هذا البلد من يعرفني ولا دخلته قط، فخرج الخادم فقال مئة دينار التي في كمك في الكاغذة هاتها، فناولته اياها، قلت وهذه ثالثة، ثم رجع اليَّ، و قال: ادخل فدخلت اليه، وهو في مجلسه وحده فقال يا يوسف ما ان لك؟ فقلت يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال هيهات انك لا تسلم ولكن سيسلم ولدك فلان وهو من شيعتنا، يا يوسف ان اقواما يزعمون ان ولايتنا لا تنفع امثالكم، كذبوا، واللّه انها لتنفع امثالك، امض فيما وافيت له فانك سترى ما تحب وسيولد لك ولد مبارك، قال فمضيت الى باب المتوكل فنلت كل ما اردت فانصرفت، قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد هذا (يعني بعد موت والده) وهو مسلم حسن
[232]
التشيع، فاخبرني ان اباه مات على النصرانية وانه اسلم بعد موت ابيه، و كان يقول انا بشارة
مولاي (عليه السلام).
روى السيد بن طاوس في امان الاخطار عن ابي محمد القاسم بن العلا، قال: حدثنا خادم لعلي بن محمد (عليه السلام) قال استأذنته في الزيارة الى طوس، فقال لي: يكون معك خاتم فصه عقيق اصفر عليه ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه استغفر اللّه وعلي الجانب الآخر محمد وعليّ فانه امان من القطع واتم للسلامة واصون لدينك، قال: فخرجت واخذت خاتماً على الصفة التي امرني بها ثم رجعت اليه، فقال يا صافي قلت لبيك يا سيدي، قال ليكن معك خاتم آخر فيروزج فانه يلقاك في طريقك اسد بين طوس و نيسابور فيمنع القافلة من المسير فتقدم اليه وأره الخاتم وقل له: مولاي يقول لك تنح عن الطريق، ثم قال ليكن نقشه اللّه الملك وعلى الجانب الآخر الملك للّه الواحد القهار فأنه خاتم امير المؤمنين علي (عليه السلام) كان عليه: اللّه الملك، فلما ولي الخلافة نقش على خاتمه الملك للّه الواحد القهار و كان فصه فيروزج وهو امان من السباع خاصة وظفر في الحروب، قال الخادم فخرجت في سفري فلقيني واللّه السبع ففعلت ما امرت ورجعت وحدثته، فقال لي: بقيت عليك خصلة لم تحدثني بها ان شئت حدثتك بها، فقلت يا سيدي لعلي نسيتها، فقال: نعم، بت ليلة بطوس عند القبر. فصار الى القبر قوم من الجن لزيارته فنظروا الى الفص في يدك فقرأوا نقشه فأخذوه من يدك وصاروا الى عليل لهم وغسلوا الخاتم بالماء وسقوه ذلك الماء فبرئ وردوا الخاتم اليك، وكان في يدك اليمنى فصيروه في يدك اليسرى، فكثر تعجبك من ذلك ولم تعرف السبب فيه، ووجدت عند رأسك حجر ياقوت فاخذته وهو معك فاحمله الى السوق فانك ستبيعه بثمانين ديناراً، فحملته الى السوق وبعته بثمانين ديناراً كما قال سيدي (منه) في الحاشية.
وعن زرارة حاجب المتوكل، قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند الي المتوكل يلعب بالحق لم ير مثله، وكان المتوكل لعاباً(1) فاراد ان يخجل علي
___________________
(1)اي كثير اللعب.
[233]
ابن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقال لذلك الرجل: ان انت اخجلته اعطيتك الف دينار ركنية قال: تقدم بان يخبز دقاق خفاف واجعلها على المائدة واقعدني الى جنبه، ففعل واحضر عليّ بن محمد (عليهما السلام)، وكانت له مسورة عن (على خ د) يساره كان عليها صورة اسد، وروي انه كان على باب من الابواب ستر وعليه صورة اسد، وجلس اللاعب الى جانب المسورة وقدم الطعام، فمد علي بن محمد (عليه السلام) يده الى دقاقة فطيرها المشعبذ في الهواء، فمد (عليه السلام) يده الى اخرى فطيرها، فتضاحك الناس، فضرب علي بن محمد (عليه السلام) يده على تلك الصورة التي على المسورة وقال خذ عدو اللّه، فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتلعت الرجل اللاعب وعادت في المسورة كما كانت، فتحيَّر الجميع، فنهض علي بن محمد (عليه السلام) ليمضي، فقال المتوكل سألتك الا جلست ورددته، فقال واللّه لا يرى بعدها، اتسلط اعداء اللّه على اولياء اللّه، وخرج من عنده فلم ير الرجل بعد ذلك.
وروي ان المتوكل امر العسكر وهم تسعون الف فارس من الاتراك الساكنين بسر من رأى ان يملأ كل واحد مخلاة فرسه من الطين الأحمر ويجعل ( ويجعلوا خ د) بعضه على بعض في وسط برية واسعة هناك، فلما فعلوا ذلك صار مثل جبل عظيم واسمه تل المخالي، صعد فوقه واستدعى ابا الحسن (عليه السلام) واستصعده وقال استحضرتك لنظارة خيولي، وقد كان امرهم ان يلبوا التجافيف(1)، ويحملوا الاسلحة، وقد عرضوا باحسن زينة وأتم عدد وعظم هيبة، وكان غرضه ان يكسر قلب كل من يخرج عليه، و كان خوفه من ابي الحسن (عليه السلام) ان يأمر احدا من اهل بيته ان يخرج على الخليفة، فقال له ابو الحسن (صلوات اللّه عليه) وهل (تريد ان) اعرض عليك عسكري؟ قال نعم فدعا اللّه سبحانه فإذا بين السماء والأرض من المشرق والمغرب ملائكة مدججون(2) فغشي على
_______________________
(1) جمع تجفاف بالكسر وهو آلة للحرب يلب الفرس والحيوان ليقيه في الحرب (منه).
(2) فلان مدجج كمعظم أي شاك في السلاح (منه).
[234]
الخليفة، فلما افاق قال له ابو الحسن (عليه السلام) نحن لا ننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، فلا عليك مني مما تظن بأس.
الدر النظيم، قال محمد بن يحيى، قال: يحيى بن اكثم: في مجلس الواثق و الفقهاء بحضرته، من حلق رأس آدم (عليه السلام) حين حج؟ فتعايى القوم(1) عن الجواب، فقال الواثق انا احضركم من ينبئكم بالخبر، فبعث الى علي بن محمد الهادي (عليه السلام) فاحضره، فقال له يا ابا الحسن من حلق رأس آدم حين حج؟ فقال سألتك يا امير المؤمنيين إلا أعفيتني، قال اقسمت لتقولن، قال: اما اذا ابيت فان ابي حدثني عن جدي، عن ابيه عن جدَّه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، أمر جبرائيل ان ينزل بياقوتة من الجنة فهبط بها فمسح بها رأس آدم فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً.
روى الاربلي ان ابا الحسن (عليه السلام) خرج يوماً من سر من رأى الى قرية، لمهّم عرض له، فجاء رجل من الاعراب يطلبه، فقيل له: قد ذهب الى الموضع الفلاني، فقصده، فلما وصل اليه قال (عليه السلام) له: ما حاجتك؟ فقال انا رجل من اعراب الكوفة المتمسكين بولاء جدِّك عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) وقد ركبني دين فادح(2) اثقلني حمله، ولم أر من اقصده لقضائه سواك، فقال له ابو الحسن (عليه السلام) طب نفساً وقر عيناً، ثم انزله فلما اصبح ذلك اليوم قال له ابو الحسن (عليه السلام): اريد منك حاجة، اللّه اللّه ان تخالفني فيها، فقال الأعرابي لا أخالفك، فكتب ابو الحسن (عليه السلام) ورقة بخطه معترفاً فيها ان عليه للاعرابي مالاً عينه فيها يرجح على دينه، وقال خذا هذا الخط فاذا وصلت الى سر من رأى احضر الي وعندي جماعة، فطالبني به واغلظ القول علي في ترك ابقائك اياه، اللّه اللّه في مخالفتي، فقال افعل واخذ الخط، فلما وصل ابو
__________________________
(1) أي عجزوا. من العي وهو ظهور العجز (بسكون الجيم).
(2) أي عظيم ثقيل.
[235]
الحسن (عليه السلام) الي سر من رأى وحضر عنده جماعة كثيرون من اصحاب الخليفة، وغيرهم، حضر ذلك الرجل واخرج الخط وطالبه، وقال: كما أوصاه، فألان(1) ابو الحسن (عليه السلام) له القول ورفقه وجعل يعتذر اليه ووعده بوفائه وطيبة نفسه، فنقل ذلك الى الخليفة المتوكل فامر ان يحمل الى ابي الحسن (عليه السلام) ثلاثون الف درهم، فلما حملت اليه تركها الى ان جاء الرجل، فقال: خذ هذا المال فاقض منه دينك، وانفق الباقي على عيالك واهلك، واعذرنا فقال له الاعرابي: ياابن رسول اللّه و اللّه ان أملي كان يقصر عن ثلث هذا ولكن الّله اعلم حيث يجعل رسالته، واخذ المال و انصرف، وهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الاخلاق، قلت ويشبه هذا ما روي عن الديلمي في كتاب اعلام الورى عن ابي امامة: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال ذات يوم لاصحابه الا احدثكم عن الخضر؟ قالوا بلى يا رسول اللّه، قال بينا هو يمشي في سوق من اسواق بني اسرائيل، اذ بصر به مسكين فقال تصدق عليَّ بارك اللّه فيك، قال الخضر آمنت باللّه، ما يقضي اللّه يكون، ما عندي من شيء اعطيكه، قال المسكين بوجه اللّه لما تصدقت عليَّ، اني رأيت الخير في وجهك ورجوت الخير عندك، قال الخضر (عليه السلام) آمنت باللّه، انك سألتني بامر عظيم، ما عندي من شيء اعطيكه الا ان تأخذني فتبيعني، قال المسكين و هل يستقيم هذا، قال: الحق اقول لك، انك سألتني بأمر عظيم، سألتني بوجه ربي عز وجل، اما اني لا اخيبك في مسألتي بوجه ربّي، فبعني، فقدمه الى السوق فباعه باربعمئة درهم فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء، فقال الخضر (عليه السلام) انما ابتعتني التماس خدمتي فمرني بعمل، قال: اني اكره ان اشق عليك، انك شيخ كبير، قال: لست تشق عليَّ، قال فقم فانقل هذه الحجارة، قال وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فقام فنقل الحجارة في ساعته، فقال له احسنت
____________________
(1) ألان له أي اخذه بالملاطفة واللينة: ضد الخشونة.
[236]
واجملت واطقت ما لم يطقه احد، قال: ثم عرض للرجل سفر فقال إنِّي احسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، وانِّي اكره ان اشق عليك، قال: لست تشق عليَّ، قال: فاضرب من اللبن شيئاً حتى ارجع اليك، قال فخرج الرجل لسفره ورجع و قد شيد بناء فقال له الرجل اسألك بوجه اللّه ما حسبك و ما أمرك؟ قال إنّك سألتني بامر عظيم، بوجه اللّه عز وجل، ووجه اللّه اوقعني في العبودية، و سأخبرك من انا، انا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء اعطيه، فسألني بوجه اللّه(1) عز وَجل فراد سائله و هو قادر على ذلك وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد و لا لحم و لا دم الا عظم يتقعقع(2) قال الرجل شققت عليك ولم اعرفك، قال لا بأس اتقيت واحسنت، قال: بأبي انت وامّي احكم في اهلي ومالي بما أراك اللّه عز وجلّ، ام اخيرك فاخلي سبيلك، قال احب اليَّ ان تخلي سبيلي فاعبد اللّه على سبيله، فقال الخضر: الحمد للّه الذي اوقعني في العبودية فأنجاني منها.
قال: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. و قال: راكب الحرون(3) اسير نفسه والجاهل اسير لسانه. وقال: الناس في الدنيا بالاموال وفي الآخرة بالاعمال. وقال: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان، وقال: الهزل (الهزء خ د) فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، وقال: السهر الذُّ للمنام والجوع يزيد في طيب الطعام، يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار. وقال: اذكر مصرعك بين يدي اهلك، فلا طبيب يمنعك ولا حبيب ينفعك. وقال: المقادير تريك ما لا يخطر ببالك. وقال لرجل وقد
_______________________________________
(1) فجعلت نفسي عبداً له حتي باعني، ومن سأل اللّه عز وجل الخ ظ .
(2) أي صوَّت عند التحريك.
(3) حرن البغل: وقف ولم ينقد فهو وهي حرون.
[237]
اكثر من افراط الثناء عليه: اقبل على شأنك، فان كثرة الملق(1) يهجم على الظنة، واذا حللت من اخيك، في محل الثقة فاعدل عن الملق الى حسن النية. وقال: الحكمة لا تنجع(3) في الطباع الفاسدة. وقال: اذا كان زمان العدل فيه اغلب من الجود فحرام ان تظن باحد سوءاً حتى تعلم ذلك، واذا كان زمان الجور فيه اغلب من العدل فليس لأحد ان يظن باحد خيرا حتى يرى ذلك، منه.
عن سهل بن زياد قال: كتب اليه بعض اصحابنا يسأله ان يعلمه دعوة جامعة للدنيا والآخرة، فكتب اليه: اكثر من الاستغفار و الحمد، فانك تدرك بذلك الخير كله.
وقال للمتوكل في جواب كلام دار بينهما لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك اليه فانما قلب غيرك كقلبك له، الى غير ذلك. ومن أراد أن يقف على الكلمات الصادرة عن جنابه فعليه بالزيارة الجامعة الكبيرة المروية عنه (سلام اللّه عليه)، فانها كما قال العلامة المجلسي اصح الزيارات سنداً وافصحها لفظاً وابلغها معنىً واعلاها شأناً.
اشخص ابا الحسن (عليه السلام) المتوكل من المدينة الى سر من رأى، و كان السبب في ذلك، ان عبد اللّه بن محمد، وكان والي المدينة سعى به (عليه السلام) اليه،فكتب المتوكل اليه كتاباً، يدعو به فيه الى حضور
______________________
(1) ملقه: تودد اليه وتذلل له وابدى له بلسانه ما ليس في قلبه.
(2) نجع بالنون والجيم أي اثر (منه).
[238]
العسكر على جميل من القول، وبعث يحيى بن هرثمة ثلاثمئة رجل لاشخاصه من طريق البادية، وقد رأى يحيى منه (عليه السلام) في ايام المصاحبة معه من الدلائل والآيات ما لا يتحملها المقام.
روى المسعودي عن يحيى بن هرثمة، قال وجهني المتوكل الى المدينة لإشخاص علي بن محمد (عليه السلام) لشيء بلغه عنه، فلما صرت اليها ضج اهلها، وعجوا ضجيجاً وعجيجاً، ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف اني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت بيته فلم اصب فيه الا مصحفاً(1) ودعاءً وما اشبه ذلك، فاشخصته وتوليت خدمته واحسنت عشرته، فبينا انا في يوم من الايام والسماء صاحية والشمس طالعة اذ ركب وعليه ممطر وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله فلم يكن بعد ذلك الا هنيهة حتى جاءت سحابة فارخت عزاليها(3) ونالنا من المطر امر عظيم جداً، فالتفت اليَّ، وقال: انا اعلم انك انكرت ما رأيت، وتوهمت اني علمت من الامر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت، ولكني نشأت بالبادية فانا اعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما اصبحت هبت ريح لا تخلف، وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك، فلما قدمت مدينة السلام بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاطري وكان على بغداد، فقال يا يحيى ان هذا الرجل قد ولده رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) والمتوكل من تعلم، وان حرضته على قتله كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) خصمك فقلت واللّه ما وقفت منه الا على كل امر جميل، فصرت الى سامراء فبدأت بوصيف التركي، وكنت من اصحابه، فقال: واللّه لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري، فعجبت من قولهما وعرَّفت المتوكل ما وقفت عليه وما سمعته من الثناء عليه، فاحسن جائزته واظهر بره وتكرمته. انتهي.
_________________________
(1) وفي تذكرة السبط فلم اجد فيه الا مصاحف وادعية وكتب العلم فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي الخ (منه).
(2) عزالي جمع عزلاء امطارها.
[239]
وقال في اثبات الوصية حدَّث ابو عبد اللّه محمد بن احمد الحلبي القاضي قال: حدثني الخضر بن محمد البزاز، وكان شيخاً، مستوراً ثقة يقبله القضاة والناس: قال: رأيت في المنام كأني على شاطئ دجلة بمدينة السلام في رحبة الجسر(1) والناس مجتمعون خلقاً كثيراً يزحم بعضهم بعضاً وهم يقولون قد اقبل بيت اللّه الحرام فبينا نحن كذلك اذ رأيت البيت بما عليه من الستائر الديباج والقباطي(2) قد اقبل ماداً على الأرض يسير حتى عبر الجسر من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي والناس يطوفون به وبين يديه حتى دخل دار خزيمة الى ان قال: فلما كان بعد أيام خرجت في حاجة حتى انتهيت الى الجسر، فرأيت الناس مجتمعين، وهم يقولون قد قدم ابن الرضا (عليه السلام) من المدينة فرأيته قد عبر من الجسر على شهري تحته كبير، يسير عليه سيراً رفيقاً، والناس بين يديه وخلفه، وجاء حتى دخل دار خزيمة بن حازم فعلمت انه تأويل الرؤيا التي رأيتها، ثم خرج الى سر من رأى انتهى.
وقال الشيخ الطبرسي، (رضي اللّه عنه)، فلما وصل إلى سرَّ من رأى تقدم المتوكل ان يحتجب عنه في منزله، فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك(3) فقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل اليها، ثم روى عن صالح بن سعيد، قال: دخلت على ابي الحسن (عليه السلام) في يوم وروده فقلت له جعلت فداك في كل الامور أرادوا اطفاء نورك، والتقصير بك، حتى انزلوك هذا الخان الاشنع، خان الصعاليك، فقال ها هنا انت يا بن سعيد ثم اومأ بيده فاذا بروضات انقات(4) وانهار جاريات فيها خيرات
___________________________
(1) أي محله المتسع.
(2) القبطية بضم القاف وبكسرها: ثياب من كتان منسوبة الى القبط. جمعها: القباطي.
(3) صعلوك كعصفور: درويش. صعاليك جمع، وصعاليك العرب: لصوصهم وفقراؤهم (منه).
(4)اي معجبات مؤثرات على ما سواها.
[240]
عطرات وولدان كانهن اللؤلؤ المكنون فحار بصري وكثر عجبي، فقال: حيث كنا فهذا يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.
وفي اثبات الوصية روى انه (عليه السلام) دخل دار المتوكل فقام يصلي فاتاه بعض المخالفين فوقف حياله فقال له: الى كم هذا الرياء؟ فاسرع الصلاة وسلم، ثم التفت اليه فقال: ان كنت كاذباً سحتك اللّه، فوقع الرجل ميتا فصار حديثاً في الدار.
وروي عنه (عليه السلام) قال: اخرجت الى سر من رأى كرهاً ولو أخرجت عنها أخرجت كرهاً، قيل ولم يا سيدي؟ قال لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها.
الشيخ المفيد عن ابن قولويه عن الكليني عن علي بن محمد عن ابراهيم بن محمد الطاهري، قال: مرض المتوكل من خرّاج(1) خرج به فأشرف منه على الموت، فلم يجسر احد ان يسِمه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي ان تحمل الى ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) مالاً جليلاً من مالها وقال له الفتح بن خاقان لو بعثت الى هذا الرجل يعني ابا الحسن (عليه السلام) فسألته فإنه ربما كان عنده صفة شيء يفرج اللّه به عنك، فقال ابعثوا اليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب(2) الغنم فديفوه(3) بماء الورد وضعوه على الخراج فانه نافع، باذن اللّه، فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فواللّه اني لأرجو الصلاح به، فاحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج فانفتح وخرج ما كان فيه وسرّت أم المتوكل بعافيته فحملت الى ابي الحسن (عليه السلام) عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستقل(4) المتوكل من
__________________
(1) خراج كغراب: القرحة (منه).
(2) و(3) الكسب بالضم عصارة الدهن ولعل المراد ها هنا ما يشبهها مما يتلبد من السرقين تحت ارجل الشاة والدوف الخلط والبل بماء ونحوه (منه).
(4) الظاهر انه تصحيف والصحيح استبل بالباء مكان القاف قال في منتهى الارب استبل.
[241]
علته، فلما كان بعد أيام، سعى البطحائي بأبي الحسن (عليه السلام) الى المتوكل، وقال عنده اموال وسلاح فتقدم المتوكل الى سعيد الحاجب، ان يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمل اليه، قال ابراهيم بن محمد، قال لي سعيد الحاجب: صرت الى دار ابي الحسن (عليه السلام) بالليل ومعي سلم فصعدت منه الى السطح ونزلت من الدرجة الى بعضها في الظلمة فلم ادر كيف أصل الى الدار فناداني ابو الحسن (عليه السلام) من الدار يا سعيد مكانك، حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث ان آتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتشتها فلم اجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم ام المتوكل، وكيساً مختوماً معها، فقال لي ابو الحسن (عليه السلام): دونك المصلى فرفعته فوجدت سيفاً في جفن ملبوس، فاخذت ذلك، وصرت اليه، فلما نظر الى خاتم امه على البدرة بعث اليها فخرجت اليه فسألها عن البدرة فأخبرني بعض خدم الخاصة انها قالت: كنت نذرت في علتك ان عوفيت ان أحمل اليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها اليه وهذا خاتمي على الكيس، ما حركه، وفتح الكيس الآخر فاذا فيه أربعمئة دينار فأمر أن يضم الى البدرة بدرة اخرى، وقال لي: احمل ذلك الى ابي الحسن (عليه السلام) واردد عليه السيف والكيس بما فيه فحملت ذلك اليه واستحييت منه، فقلت له: يا سيدي عزَّ(1) عليَّ دخولي دارك بغير اذنك، ولكني مأمور، فقال لي وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.