فصل في علمه عليه السلام

روي عن محمد بن عيسى اليقطيني انه جمع من مسائله (عليه السلام) مما سأل عنه واجاب عنه خمسة عشر الف مسألة، وفي رواية اخرى ثمانية عشر الف مسألة.

الشيخ الطبرسي عن ابي الصلت قال : ما رأيت اعلم من عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ولا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي احد منهم الا اقر له بالفضل واقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول : كنت اجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون فاذا اعيى الواحد منهم عن مسألة اشاروا اليّ باجمعهم وبعثوا الي بالمسائل فاجيب (فاجبت. ظ) عنها قال ابو الصلت : ولقد حدثني محمد بن اسحاق بن موسى بن جعفر عن ابيه ان موسى بن جعفر (عليه السلام) كان يقول لبنيه : هذا اخوكم عليّ بن موسى

[184]

عالم آل محمد (عليهم السلام) فاسألوه عن اديانكم واحفظوا ما يقول لكم، فانّي سمعت ابي جعفر بن محمد (عليه السلام) غير مرة يقول لي : ان عالم آل محمد (عليه السلام) لفي صلبك وليتني ادركته فانه سميُّ امير المؤمنين عليّ (عليه السلام).

قال شيخنا الصدوق (رحمه اللّه) كان المأمون يجلب إلى (علي ظ) الرضا (عليه السلام) من متكلمي الفرق واهل الاهواء المضلّة كل من سمع به، حرصاً على انقطاع الرضا (عليه السلام) عن الحجة مع واحد منهم وذلك حسداً منه له ولمنزلته من العلم فكان لا يكلمه احد الا اقر له بالفضل وألزم الحجة له عليه.

وروي عن علي بن محمد بن الجهم، قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى (عليه السلام)، فقال له المأمون : يا ابن رسول اللّه اليس من قولك ان الانبياء معصومون، قال : بلى قال : فما معنى قول اللّه عز وجل وعصى آدم ربه فغوى فاجابه (عليه السلام) ثم سأله عن آية اخرى فاجابه فلم يزل يسأله ويجيبه (عليه السلام) الى ان قال عليّ بن محمد بن الجهم، فقام المأمون الى الصلاة واخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد (عليه السلام) وكان حاضراً المجلس وتبعتهما قال له المأمون كيف رأيت ابن اخيك، فقال : عالم ولم نره يختلف الى أحد من اهل العلم، فقال المأمون : ان ابن اخيك من اهل بيت النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذين قال فيهم : الا ان ابرار عترتي واطايب ارومتي(1) احلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً لا تعلّموهم فانهم اعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم في باب ضلال وانصرف الرضا (عليه السلام) الى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه واعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له فضحك ثم قال : يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فانه سيغتالني(2) واللّه ينتقم لي منه.

_____________________

(1) الارومة : اصل الشجرة.

(2) أي سيفتك بي ويقتلني غيلة.

[185]

وفي الدر النظيم عن يحيى بن اكثم قال كنت يوماً عند المأمون وعنده عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ودخل الفضل بن سهل ذو الرياستين فقال للمأمون : قد وليت الثغر الفلاني فلاناً التركي فسكت المأمون، فقال الرضا (عليه السلام) : ما جعل اللّه تعالى لإِمام المسلمين وخليفة رب العالمين القائم بامور الدين ان يولي شيئاً من ثغور المسلمين احداً من سبي ذلك الثغر، لأن الانفس تحن الى اوطانها، وتشفق على اجناسها، وتحب مصالحها وان كانت مخالفة لاديانها، فقال المأمون : اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب.

اقول : من أراد أن يقف على بعض ما يخبر عن علمه (عليه السلام) فعليه بان يراجع الخطب المروية عنه (عليه السلام) واحتجاجه (عليه السلام) مع الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر واصحاب الزردشت ونسطاس الرومي والمتكلمين في مجلس المأمون وجوابه (عليه السلام) لاسئلة عمران الصابيء واسلام عمران ببركته، وكان عمران جدلاً لم يقطعه عن حجته احد قط واحتجاجه (عليه السلام) على سليمان المروزي واحد خراسان وغير ذلك(1).

ومن كلماته (عليه السلام)، صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله. وقال (عليه السلام) : التودد الى الناس نصف العقل.

وقال : ان اللّه تعالى يبغض القيل والقال واضاعة المال وكثرة السؤال. وقال : إنا اهل بيت نرى ما وعدنا علينا ديناً كما صنع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : وقال : يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة اجزاء تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت.

وقال عونك للضعيف افضل من الصدقة وقال الصمت باب من ابواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبة، انه دليل على كل خير.

_____________________________

(1) راجع الاحتجاج للشيخ الطبرسي وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 12 و4.

[186]

وقال ان العابد من بني اسرائيل لم يكن عابداً حتى يصمت عشر سنين فاذ صمت عشر سنين كان عابداً.

وقال من رضي عن اللّه تعالى بالقليل من الرزق رضي اللّه منه بالقليل من العمل. وقال الاسترسال بالانس يذهب المهابة.

عن عبد العظيم الحسني (رضي اللّه عنه) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : يا عبد العظيم ابلغ عنّي اوليائي السلام وقل لهم ان لا يجعلوا للشيطان على انفسهم سبيلاً، ومرهم بالصدق في الحديث واداء الامانة، ومرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم واقبال بعضهم على بعض والمزاورة فان ذلك قربة إليَّ ولا يشغلوا انفسهم بتمزيق(1) بعضهم بعضاً فانّي آليت على نفسي انه من فعل ذلك واسخط وليّاً من اوليائي دعوت اللّه ليعذبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين.

فصل في ذكر طلب المأمون ابا الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلى المرو

روى الشيخ الصدوق عن محول السجستاني قال لما ورد البريد بإشخاص الرضا (عليه السلام) الى خراسان كنت انا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مراراً، كل ذلك يرجع الى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت اليه وسلمت عليه فرد السلام وهنأته. فقال : ذرني فاني اخرج من جوار جدّي (عليه السلام) فأموت في غربة وادفن في جنب هارون قال : فخرجت متبعاً لطريقه حتى مات سلام اللّه عليه بطوس ودفن الى جنب هارون.

_____________________

(1) أي بشق اعراضهم والطعن فيها.

[187]

وفي الدر النظيم روى جماعة من اصحاب الرضا (عليه السلام) انه قال : لما اردت الخروج من المدينة الى خراسان جمعت عيالي فامرتهم أن يبكوا علي حتى اسمع بكاءهم(1) ثم فرقت فيهم اثني عشر الف دينار ثم قلت لهم : اني لا ارجع الى عيالي ابداً، ثم اخذت ابا جعفر فادخلته المسجد ووضعت يده على حافة القبر والصقته به واستحفظته برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فالتفت اليّ ابو جعفر فقال لي : بأبي أنت واللّه تذهب الى اللّه، وامرت جميع وكلائي وحشمي له بالسمع والطاعة وترك مخالفته وعرفتهم انه القيم مقامي.

وروى الشيخ الاربلي عن دلائل الحميري عن امية بن علي قال : كنت مع ابي الحسن (عليه السلام) بمكة في السنة التي حج فيها ثم صار الى خراسان ومعه ابو جعفر (عليه السلام) وابو الحسن (عليه السلام) يودع البيت، فلما قضى طوافه عدل الى المقام، فصلى عنده، فصار ابو جعفر (عليه السلام) على عنق موفق يطوف به فصار ابو جعفر (عليه السلام) الى الحجر فجلس فيه فأطال فقال له موفق : قم جعلت فداك فقال (عليه السلام) ما اريد ان ابرح من مكاني هذا الا ان يشاء اللّه واستبان في وجهه الغم فأتى موفق ابا الحسن (عليه السلام) فقال : جعلت فداك قد جلس ابو جعفر (عليه السلام) في الحجر وهو يأبى ان يقوم فقام ابو الحسن (عليه السلام) فاتى ابا جعفر (عليه السلام) فقال له قم يا حبيبي، فقال : ما أريد أن ابرح من مكاني هذا، قال بلى يا حبيبي. ثم قال : كيف اقوم وقد ودعت البيت وداعاً لا ترجع اليه فقال : قم يا حبيبي، فقام معه وروى ذلك المسعودي باختلاف في الالفاظ وفيه ان لأبي جعفر (عليه السلام) في ذلك الوقت سنة.

________________________

(1) وقد اشير الى ذلك في زيارته : السلام على من امر اولاده وعياله بالنياحة عليه قبل وصول القتل اليه (منه).

[188]

قال السيد عبد الكريم بن طاوس ان الرضا (عليه السلام) لما طلبه المأمون من خراسان توجه (عليه السلام) من المدينة الى البصرة ولم يصل الكوفة ومنها توجه على طريق الكوفة إلى بغداد ثم الى قم ودخلها وتلقاه اهلها وتخاصموا فيمن يكون ضيفه منهم، فذكر (عليه السلام) ان الناقة مأمورة(1) فما زالت حتى بركت على باب وصاحب ذلك الباب رأى في منامه أن الرضا (عليه السلام) يكون ضيفه في غد. فما مضى الا يسيراً حتى صار ذلك الموضع مقاماً شامخاً، وهو في اليوم مدرسة مطروقة، ثم منها الى فريومد(2). وقال : في حالهم الخبر المشهور، ثم وصل الى مرو وعاد الى سناباد وتوفي بها واتفق لي زيارته (عليه السلام) في جمادى الأولى سنة ثمانين وستمائة انتهى.

اقول : قد ظهر من هذا الكلام ان بلدتنا الطيبة دار الايمان قم المحمية التي كانت حرم اهل البيت وعش آل محمد (عليهم السلام) وموضع قدم جبرائيل، قد تشرفت باقدام مولانا ابي الحسن الرضا عليه آلاف التحية والتحف، وزادها الشرف فوق الشرف، وان وروده (عليه السلام) اشبه بورود جده رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة الطيبة، فقد روي عن سلمان (رضي اللّه عنه) قال : لما قدم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) المدينة تعلق الناس بزمام الناقة فقال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يا قوم دعوا الناقة فانها (فهي : خ د) مأمورة، فعلى باب من بركت، فانا

________________________

(1) قد ظهر من هذا الخبر انه (عليه السلام) كان راكباً ناقة في سفره الى الخراسان ويؤيد ذلك ما رواه الراوندي في الدعوات ان رجلاً من اهل كرمند قرية من اصفهان كان جمالاً لمولانا أبي الحسن (عليه السلام) عند توجهه الى خراسان فلما اراد الانصراف قال له يا ابن رسول اللّه شرفني بشيء من خطك اتبرك به وكان الرجل من العامة فاعطاه مكتوباً فيه كن محباً لآل محمد (عليهم السلام) وان كنت فاسقاً ومحباً لمحبيهم وان كانوا فاسقين وانا احب ان اتمثل ها هنا بهذين البيتين :

وتحمله الناقة الأدماءُ معتجرا*** بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم

وفي عِطافَيْهِ او اثناء بردته*** ما يعلم اللّه من دين ومن كرم

(2) الظاهر ان هذه الكلمة تصحيف فربوند وهي قرية بقرب عباس آباد ومزينان على ما سمعت (منه).

[189]

عنده، فاطلقوا زمامها وهي تهف(1) في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي ايوب الانصاري(2) (رضي اللّه عنه) ولم يكن في المدينة افقر منه فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ولا غرو في ذلك من مولانا الرضا (عليه السلام) فانه بضعة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ووضع اللّه عز وجل عليه اعباء(3) النبوة ومنحه الاضطلاع بها وكان صلوات اللّه عليه شبيهاً به تحكي شيمتّه شيمتَه ما تخرم(4) مشيتُه مشيتَه، بل روي أنه ( عليه السلام ) كان ؟شبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل من رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في المنام رآه على صورته (عليه السلام).

الصدوق، عن ابن المتوكل، عن علي عن ابيه عن يوسف بن عقيل، عن اسحاق بن راهويه، قال : لما وافى ابو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور وأراد أن يرحل منها الى المأمون اجتمع اليه اصحاب الحديث فقالوا له يا ابن رسول اللّه ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك، وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال : سمعت ابي موسى بن جعفر، يقول : سمعت ابي جعفر بن محمد، يقول : سمعت ابي محمد بن علي يقول : سمعت ابي علي بن الحسين، يقول : سمعت ابي الحسين بن علي يقول : سمعت ابي أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، يقول : سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، يقول : سمعت جبرائيل (عليه السلام) يقول : سمعت اللّه عز وجل، يقول : لا اله الا اللّه حصني، فمن دخل حصني امن عذابي فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها وانا من شروطها.

____________________________

(1) الهفيف : سرعة السير والخفة (منه).

(2) هو زيد بن خالد الخزرجي من بني النجار. شهد القعبة وبدراً وسائر المشاهد وشهد مع امير المؤمنين مشاهده كلها وكان من خواص اصحابه. ولما غزا يزيد بن معاوية الروم اخذ معه ابا ايوب (تبركاً) وكان شيخاً هرماً فتوفي عند القسطنطنية فامر يزيد ان يدفن بالقرب من سورها وكانت وفاته سنة 50 خمسين.

(3) جمع عبء وهو الثقل.

(4) أي لا تعدل عنها.

[190]

وروى الصدوق ايضاً عن ابي الصلت الهروي، قال : لما خرج الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) من نيسابور إلى المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء، قيل له : يا ابن رسول اللّه قد زالت الشمس افلا تصلي فنزل (عليه السلام) فقال : إيتوني بماء فقيل ما معنا ماء فبحث (عليه السلام) بيده الأرض فنبع من الماء ما توضأ به هو ومن معه، واثره باق الى اليوم فلما دخل سناباد اسند الى الجبل الذي ينحت منه القدور، فقال : اللهم انفع به وبارك فيما ينحت منه ثم امر فنحت له قدور من الجبل، وقال لا يطبخ ما آكله الا فيها، وكان (عليه السلام) خفيف الأكل قليل الطعم(1) فاهتدى الناس اليه من ذلك اليوم وظهرت بركة دعائه (عليه السلام) فيه.

ثم دخل دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد ثم خط بيده الى جانبه، ثم قال : هذه تربتي وفيها ادفن وسيجعل اللّه هذا المكان مختلف شيعتي واهل محبتي واللّه ما يزورني منهم زائر، ولا يسلّم عليّ منهم مسلم، الا وجب له غفران اللّه ورحمته بشفاعتنا اهل البيت، ثم استقبل القبلة وصلّى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فاحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة ثم انصرف.

مهج الدعوات عن ياسر الخادم، قال : لما نزل ابو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قصر حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناولها حميداً فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها فما لبثت ان جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً، وقالت : وجدتها في جيب ابي الحسن ( عليه السلام) فقلت : جعلت فداك، ان الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فها هي، قال: يا حميد : هذه عوذة لا نفارقها فقلت لو شرفتني بها، فقال : هذه عوذة من امسكها في جيبه كان البلاء مدفوعاً عنه وكانت له حرزا من الشيطان الرجيم ثم املى على الحميد العوذة، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه اني اعوذ بالرحمن منك الخ.

______________________

(1) كالخبز وزنا : الطعام.

[191]

فصل في ذكر ولاية العهد من المأمون للرضا عليه السلام

قال صاحب نور الابصار ذكر جماعة من اصحاب السير ورواة الاخبار بأيام الخلفاء ان المأمون لما اراد ولاية العهد للرضا (عليه السلام) وحدث نفسه بذلك وعزم عليه احضر الفضل بن سهل واخبره بما عزم عليه وأمره بمشاورة اخيه الحسن في ذلك فاجتمعا وحضرا عند المأمون فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في خروج الامر عن اهل بيته فقال المأمون اني عاهدت اللّه تعالى اني ان ظفرت بالمخلوع(1) سلمت الخلافة الى افضل بني طالب وهو افضلهم ولا بد من ذلك فلما رأيا تصميمه وعزيمته الى ذلك امسكا عن معارضته فقال تذهبان الآن اليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به فذهبا الى عليّ الرضا (عليه السلام) واخبراه بذلك وألزماه فامتنع فلم يزالا به حتى اجاب على انه لا يأمر ولا ينهى ولا يعزل ولا يولي ولا يتكلم بين اثنين في حكومة ولا يغير شيئاً مما هو قائم على اصله فاجابه المأمون الى ذلك، ثم ان المأمون جلس مجلساً خاصاً لخواص اهل دولته من الامراء والوزراء والحجاب والكتاب واهل الحل والعقد وكان ذلك في يوم الخميس لخمس خلون من شهر رمضان سنة احدى ومئتين واحضرهم فلما حضروا قال للفضل بن سهل : اخبر الجماعة الحاضرين، برأي امير المؤمنين، في الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام)، وأنه ولاه عهده وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الثاني فحضروا وجلسوا على مقادير طبقاتهم، ومنازلهم، كل في موضعه، وجلس المأمون، ثم جيء بالرضا (عليه السلام) فجلس بين وسادتين عظيمتين، وضعتا له وهو لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة، متقلداً بسيف، فامر المأمون ابنه العباس بالقيام اليه ومبايعته اول الناس فرفع الرضا (عليه السلام) يده وجعلها من فوق، فقال له المأمون

________________

(1) المراد من المخلوع اخوه محمد الامين (منه).

[192]

ابسط يدك فقال له الرضا (عليه السلام) : هكذا كان يبايع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يده فوق ايديهم، فقال افعل ما ترى ثم وضعت بدر(1) الدراهم والدنانير وبقج الثياب والخلع، وقام الخطباء والشعراء وذكروا ما كان من أمر المأمون، من ولاية عهده للرضا (عليه السلام)، وذكروا فضل الرضا (عليه السلام)، وفرقت الصّلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم، واول من بدئ به العلويون، ثم العباسيون، ثم باقي الناس على قدر منازلهم ومراتبهم، ثم ان المأمون قال للرضا (عليه السلام) : قم فاخطب الناس فقام، فحمد اللّه وأثنى عليه وثنى بذكر نبيه محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فصلى عليه وقال : ايها الناس ان لنا عليكم حقاً برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولكم علينا حق به فاذا اديتم الينا ذلك وجب لكم علينا الحكم (الحق(2) ظ) والسلام ولم يسمع منه في هذا المجلس غير هذا، وخطب للرضا (عليه السلام) بولاية العهد في كل بلد وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول اللّه (صلى الللّه عليه وآله وسلم) بالمدينة فقال في الدعاء للرضا (عليه السلام)، وهو على المنبر : ولي عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي (عليهم السلام) وانشد :

ستة آباء همُ ما همُ*** أفضل من يشرب صوب الغمام

ذكر المدائني قال : لما جلس الرضا (عليه السلام) ذلك المجلس وهو لابس تلك الخلع، والشعراء والخطباء يتكلمون، وتلك الالوية يخفف على رأسه، نظر الرضا (عليه السلام) الى بعض مواليه الحاضرين ممن كان يختص به وقد داخله من السرور ما لا مزيد عليه، وذلك لِما رأى، فاشار اليه الرضا (عليه السلام) فدنا منه فقال له في اذنه سراً : لا تشغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الامر ولا تستبشر به فانه لا يتم.

______________________

(1) جمع بدرة وهو الكيس الموضوع فيه الدراهم. وقد يطلق على عشرة آلاف درهم او كمية عظيمة منه.

(2) حرف ظ بعد كلمة الحق وما أشبه هذا، معناه : الحق بحسب الظاهر.

[193]

اقول : لما جعل المأمون أبا الحسن الرضا (عليه السلام) وليَّ عهده وان الشعراء قصدوه ومدحوه وصوبوا رأي المأمون في الاشعار كان فيمن ورد عليه من الشعراء دعبل بن علي الخزاعي، فلما دخل عليه، قال : اني قد قلت قصيدة فجعلت على نفسي ان لا انشدها على احد قبلك، فأمره بالجلوس حتى خف مجلسه، ثم قال له هاتها، فانشده قصيدته التي أولها(1):

مدارس آياتٍ خلت من تلاوة*** ومنزل وحي مقفر العرصات

وكان مع دعبل ابراهيم بن العباس فانشده :

ازالت عزاء القلب بعد التجلد*** مصارع اولاد النبي محمد (ص)

فوهب الرضا (عليه السلام) لهما عشرين الف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، كان المأمون امر بضربها في ذلك الوقت، فأما دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصته الى قم فباع كل درهم بعشرة دراهم فتخلصت له مئة الف درهم، واما ابراهيم فلم تزل عنده بعد ان اهدى بعضها وفرق بعضها على اهله الى ان توفي (رحمه اللّه) فكان كفنه وجهازه منه. قلت : ولابراهيم مدائح كثيرة في الرضا (عليه السلام)، وكان شعره في مدحه (عليه السلام) معروفاً، ينتسخ الى زمان المتوكل، فجمعه ابراهيم فاحرقه من خوف المتوكل. وكان له ابنان اسمهما الحسن والحسين فلما ولي المتوكل سمّاهما اسحاقاً وعباساً فزعاً منه.

وروي عن علي بن ابراهيم عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعاً قالوا : لما حضر العيد وكان قد عقد للرضا (عليه السلام) الامر بولاية العهد بعث المأمون اليه في الركوب الى العيد والصلاة بالناس والخطبة لهم فبعث اليه الرضا (عليه السلام) قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الامر فاعفني من الصلاة بالناس، فقال له المأمون انما اريد بذلك ان تطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضلك، ولم تزل الرسل تتردد بينهما في

________________________

(1) وقد شرحها بعض العلماء وطبع ذاك الشرح بإيران.

[194]

ذلك فلما الحّ عليه المأمون ارسل اليه ان اعفيتني، فهو احب الي وان لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقال له المأمون : اخرج كيف شئت، وأمر القواد والحجاب والناس ان يبكروا الى باب الرضا (عليه السلام). قال فقعد الناس لأبي الحسن (عليه السلام) في الطرقات والسطوح واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه وصار جميع القواد والجند إلى بابه، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس فاغتسل ابو الحسن (عليه السلام) ولبس ثيابه وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه ومس شيئاً من الطيب واخذ بيده عكازاً(1) وقال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّر، وكبّر مواليه معه،  ثم مشى حتى وقف على الباب فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة، سقطوا كلهم عن الدواب الى الأرض، وكان احسنهم حالاً من كان معه سكين قطع بها شرابة حاجليته(2) ونزعها، وتحفَّى، وكبَّر الرضا (عليه السلام) على الباب وكبر الناس معه فخيل الينا أن السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج، لما رأوا ابا الحسن (عليه السلام) وسمعوا تكبيره، قلت ويحق ان انشد في هذا المقام:

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا*** لما خرجت الى الصلاة وكبروا

ومشيت مشية خاضع متواضع*** للّه لا يزهى ولا يتكبر

فافتن فيك الناظرون فاصبع*** يومى اليك بها وعين تنظر

يجدون رؤيتك التي فازوا بها*** من أنعم اللّه التي لا تكفر

لكن المأمون كفر بهذه النعمة الجزيلة لما بلغه ذلك وخاف إن بلغ (عليه السلام) المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فبعث اليه : قد كلفناك

_____________________________

(1) كطلاب وزنا : عصا ذات زج في اسفلها يتوكأ عليها الرجل.

(2) الحاجلية : يقصد بها الحذاء المشدود برباط.

[195]

شططاً(1) واتعبناك، ولسنا نحب ان تلحقك مشقة، فارجع وليصلِّ بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا ابو الحسن (عليه السلام) بخفه فلبسه وركب ورجع واختلف امر الناس في ذلك اليوم، ولم ينتظم في صلاتهم.

روى الصدوق عن عليّ بن ابراهيم عن ياسر الخادم قال : كان الرضا (عليه السلام) اذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد اصابه العرق والغبار رفع يديه قال : اللهم ان كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة، ولم يزل مغموماً مكروباً الى أن قبض (صلوات اللّه علّيه).

فصل في وفاة الرضا عليه السلام وسببها

روي ان المأمون لما ندم من ولاية عهد الرضا (عليه السلام) بإشارة الفضل بن سهل خرج عن مرو منصرفاً الى العراق، واحتال على الفضل بن سهل، حتى قتله غالب خال المأمون في حمام سرخس مغافصة(2)، واحتال على عليّ بن موسى الرضا حتى سمّ في علّة كانت اصابته.

روي عن الحسن بن عباد، وكان كاتب الرضا (عليه السلام) قال : دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير الى بغداد، فقال الرضا (عليه السلام) يا ابن عباد ما ندخل العراق ولا نراه، فبكيت وقلت فآيستني ان آتي اهلي، وولدي، قال (عليه السلام) : اما انت فستدخلها وانما عنيت نفسي، فاعتل وتوفي بقرية من قرى طوس، وقد كان تقدم في وصيته ان يحفر قبره مما يلي الحائط بيته وبين قبر هارون ثلاث اذرع، وقال ياسر الخادم، لما كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل ابو الحسن (عليه السلام) فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلة فبقينا بطوس اياماً فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين.

___________________________________

(1) أي جوراً وتجاوزاً عن الحد.

(2) أي مفاجأة واخذاً على غرة (منه).

[196]

وقال الشيخ المفيد : إن الحسن والفضل ابني سهل قلبا رأي المأمون في الرضا (عليه السلام) فعمل على قتله فاتفق انه أكل هو والمأمون يوماً طعاماً، فاعتل منه الرضا (عليه السلام) واظهر المأمون تمارضاً، فذكر محمد بن عليّ بن حمزة عن منصور بن بشير عن اخيه عبد اللّه بن بشير قال : أمرني المأمون ان اطول اظفاري على العادة فلا اظهر لاحد ذلك، ففعلت ثم استدعاني فاخرج الي شيئاً شبه التمر الهندي وقال لي اعجن هذا بيدك جميعاً، ففعلت ثم قام وتركني، فدخل عليّ الرضا (عليه السلام) فقال له : ما خبرك قال ارجو ان اكون صالحاً، قال : انا اليوم بحمد اللّه ايضاً، صالح، فهل جاءك احد من المترفقين في هذا اليوم، قال : فلا فغضب المأمون وصاح على غلمانه ثم قال : خذ ماء الرمان الساعة فانه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني، فقال : ائتنا برمان فاتيته به فقال اعصره بيديك ففعلت وسقا المأمون الرضا (عليه السلام) بيده، فكان ذلك سبب وفاته ولم يلبث الا يومين حتى مات (عليه السلام).

ورواه الصدوق بتفاوت وفيه كان الرمان في شجرة في بستان في دار الرضا (عليه السلام) وقال المأمون للرضا (عليه السلام) مص منه شيئاً، فقال : حتى يخرج امير المؤمنين فقال : لا واللّه الا بحضرتي ولولا خوفي ان يرطب معدتي لمصصته معك، فمص منه ملاعق وخرج المأمون فما صليت العصر حتى قام الرضا (عليه السلام) خمسين مجلساً وزاد الأمر في الليل، قلت قد اشير الى ذلك في زيارة ائمة المؤمنين في هذه الفقرة، ومسموم قد قطعت بجرع السم امعاؤه.

وفي اللوح السماوي مشيراً اليه (عليه السلام) وعلى وليي وناصري ومن اضع عليه اعباء النبوة وامنحه بالاضطلاع(1) بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح، الى جنب شر خلقي.

_______________________

(1) اضطلع بحمله : نهض به وقوي عليه.

[197]

وفي تذكرة السبط قيل : انه (عليه السلام) دخل الحمام ثم خرج فقدم اليه طبق فيه عنب مسموم قد ادخلت فيه الابر المسمومة من غير ان يظهر اثرها فاكله فمات، وله خمس وخمسون سنة.

وذكر ابو الفرج والشيخ المفيد عن محمد بن الجهم، انه يقول : ان الرضا (عليه السلام) كان يعجبه العنب فاخذ له عنب وجعل في موضع اقماعه(1) الابر فتركت اياماً فاكل منه في علته فقتله، وذكر ان ذلك من لطيف السموم.

روي عن ياسر الخادم قال لما كان في آخر يومه الذي قبض (عليه السلام) فيه، كان ضعيفاً في ذلك اليوم، فقال لي بعدما صلّى الظهر : يا ياسر أكل الناس شيئاً، قلت : يا سيدي من يأكل ها هنا مع ما انت فيه، فانتصب (عليه السلام) ثم قال هاتوا المائدة ولم يدع من حشمه احداً الا اقعده معه على المائدة، يتفقد واحداً واحداً، فلما اكلوا قال : ابعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء، فلما فرغوا من الأكل أغمي عليه، وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات، ووقعت الوجبة(4) بطوس وجاء المأمون، حافياً حاسراً، يضرب على رأسه ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي، وتسيل الدموع على خديه، فوقف على الرضا (عليه السلام) وقد افاق، فقال : يا سيدي واللّه ما ادري أي المصيبتين اعظم علي فقدي لك وفراقي اياك او تهمة الناس لي اني اغتلتك وقتلتك ؟ قال فرفع (عليه السلام) طرفه اليه ثم قال : احسن يا امير المؤمنين معاشرة ابي جعفر فان عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبابتيه قال : فلما كان من تلك الليلة قضى عليه بعدما ذهب من الليل بعضه.

وروي انه كان آخر ما تكلم به : قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وكان امر اللّه قدراً مقدوراً فلما اصبح اجتمع

_____________________

(1) جمع قمع كضرب وحبر وعنب : ما التصق باسفل التمر ونحوه.

(2) الوجبة : السقطة مع الهدة او صوت الساقط.

[198]

الخلق وقالوا : هذا قتله واغتاله يعني المأمون وقالوا : قتل ابن رسول اللّه واكثروا القول والجلبة(1) وكان محمد بن جعفر بن محمد استأمن الى المأمون وجاء الى خراسان وكان عم ابي الحسن، فقال له المأمون : يا ابا جعفر اخرج الى الناس واعلمهم ان ابا الحسن لا يخرج اليوم وكره ان يُخرجه فتقع الفتنة فخرج محمد بن جعفر الى الناس، فقال : أيها الناس تفرقوا فان ابا الحسن اليوم لا يخرج، فتفرق الناس وغسل ابو الحسن في الليل ودفن.

وروى السيد الشبلنجي في نور الابصار عن هرثمة بن اعين، وكان من خدم الخليفة عبد اللّه المأمون وكان قائماً بخدمة الرضا (عليه السلام)، قال : طلبني سيدي ابو الحسن الرضا (عليه السلام) في يوم من الايام، وقال لي : يا هرثمة اني مطلعك على امر يكون سرّاً عندك لا تظهره لاحد مدة حياتي فاذا اظهرته مدة حياتي، كنت خصماً لك عند اللّه، فحلفت له انّي لا اتفوه بما يقوله لي لأحد مدة حياته، فقال لي : اعلم يا هرثمة انه قد دنا رحيلي ولحوقي بآبائي واجدادي وقد بلغ الكتاب اجله واني اطعم عنباً ورماناً مفتوتاً فاموت ويقصد الخليفة ان يجعل قبري خلف قبر ابيه هارون الرشيد وان اللّه لا يقدره على ذلك وان الأرض تشد عليهم فلا تعمل فيها المعاول(2) ولا يستطيعون حفرها، فاعلم يا هرثمة ان مدفني في الجهة الفلانية من اللحد الفلاني للموضع(3) عينه فاذا أنا مت وجهزت فاعلمه بجميع ما قلت لك لتكونوا على بصيرة من امري وقل له اذا انا وضعت في نعشي واراد الصلاة عليّ، فلا يصلي علي، وليتأن قليلاً، يأتكم رجل عربي، متلثم على ناقة له، مسرع من جهة الصحراء فينيخ ناقته، وينزل عنها، ويصلّي عليّ فصلوا معه عليّ فاذا فرغتم من الصلاة علي وحملت الى مدفني الذي عينته لك، فاحفر شيئاً يسيراً من وجه الأرض تجد قبراً مطبقاً معموراً، في قعره

______________________

(1) أي الشدة في القول.

(2) جمع معول وهو اداة الحفر.

(3) كلام متعرض من هرثمة بين كلامه (عليه السلام) (منه).

[199]

ماء ابيض، فاذا كشفت عنه الطبقات نضب الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه، ثم ذكر وقوع جميع ما قال (عليه السلام).

وعن دلائل الحميري عن معمر بن خلاد قال : قال ابو جعفر (عليه السلام) يا معمر اركب، قلت : الى اين، قال : اركب كما يقال لك، قال : فركبت فانتهيت الى واد او وهدة فقال لي قف ها هنا فوقفت فأتاني، فقلت له : جعلت فداك اين كنت، قال : دفنت ابي الساعة وكان بخراسان.

وروى ابو الفرج عن ابي الصلت، انه لما مات الرضا (عليه السلام)، حضره المأمون قبل ان يحفر قبره وأمر ان يحفر الى جانب ابيه، ثم اقبل علينا فقال حدثني صاحب هذا النعش انه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك احفروا فحفروا فلما انتهوا الى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك ثم غاض(1) الماء فدفن فيه الرضا (عليه السلام).

اقول : الذي أفيض عليَّ ببركة مولانا ابي الحسن الرضا (عليه السلام) في ظهور السمك والماء في قبره الشريف، لعل هو تنبيه المأمون بانتقام اللّه تعالى منه، بزوال ملكه وحلول الغضب عليه، وهلاكه بالسمك والماء، لاغتياله الرضا (عليه السلام).

قال الدميري(2) في تعبير السم، وربما دلت رؤيته على الغم والنكد وزوال المنصب، وحلول الغضب، لأن اللّه تعالى حرّم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا امره واستوجبوا اللعن. انتهى.

واما هلاك المأمون بالسمك والماء فقد حكى المسعودي في مروج الذهب في اخبار المأمون وغزاته ارض الروم، ما هذا ملخصه : وانصرف في غزاته فنزل على عين البديدون المعروفة بالقشيرة، فأقام هنالك فوقف على العين

__________________

(1) أي نقص او غار واختفى.

(2) الدميري هو كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى المصري الشافعي تلميذ اسنوي صاحب كتاب حياة الحيوان وغيره توفي سنة 808 نسب الى دميرة كسفينة (منه).

[200]

فاعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع، وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالازج من الخشب، وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له، والماء تحته، وطرح في الماء درهماً صحيحاً فقرأ كتابته وهو في قرار الماء، لصفاء الماء، ولم يقدر احد أن يدخل يده في الماء من شدة برده، فبينا هو كذلك اذ لاحت سمكة نحو الذراع كانها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سيفه فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد، فلما صارت على حرف(1) العين، او على الخشب الذي عليه المأمون، اضطربت وافلتت(2) من يد الفراش، فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره، وترقوته، فبلت ثوبه ثم انحدر الفراش ثانية، فأخذها ووضعها بين يدي المأمون، في منديل، تضطرب فقال المأمون : تقلى الساعة ثم اخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر أن يتحرك من مكانه، فغطى باللحف والدواويج(3) وهو يرتعد كالسعفة ويصيح البرد البرد، ثم حول الى المغرب ودثر وأوقد النيران حوله، وهو يصيح البرد البرد، ثم اتى بالسمكة وقد فرغ من قليها، فلم يقدر على الذوق منها، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها، ولما اشتد به الأمر، سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه(4) في ذلك الوقت عن المأمون، وهو في سكرات الموت، وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره، وهل يمكن برؤه وشفاؤه ؟ فتقدم ابن ماسويه وأخذ احدى يديه وبختيشوع الأخرى

____________________________

(1) يعني جانب وكنار وطرف (منه).

(2) أي سقطت.

(3) الدواج : اللحاف (منه).

(4) اثنان من الاطباء يسميان بهذا الاسم. والكبير منهما هو الذي التحق بخدمة هارون الرشيد واشتهر بالدربة في صناعته. وقصده الناس من كل مكان وكان قبل ذلك بجند يشابور. واما الصغير فهو ابن جبرائيل بن بختيشوع الكبير وكان معاصراً  للمتوكل. ومعنى بختيشوع عبد عيسى.

اما ابن ماسويه فالمسمون به من الاطباء اربعة. والمراد به هنا يوحنا الطبيب المشهور. لازم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل توفي (243 هجري) وقد تلمذ عليه حنين بن اسحاق الذي ترجم كتب ابقراط وجالنيوس من اللغة اليونانية.

[201]

وأخذ المجسة من كلتا يديه فوجدا نبضه خارجاً عن الاعتدال، منذراً بالفناء، والانحلال، والتزقت ايديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه، من سائر جسده، كالزيت او كلعاب بعض الافاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك فانكرا معرفته، وانهما لم يجداه في شيء من الكتب، وانه دال على انحلال الجسد، فاحضر المعتصم الاطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال : اخرجوني اشرف على عسكري وانظر الى رحالي، واتبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فاشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته، وما قد وقد من النيران، فقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رد الى مرقده واجلس المعتصم رجلاً يشهده، لما ثقل فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه : لا تصح فواللّه ما يفرق بين ربه وبين ما بي(1)، في هذا الوقت، ففتح عينيه من ساعته وبهما من العظم والكبر والاحمرار ما لم ير مثله قط، واقبل يحاول البطش(2) بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، وقضى عن ساعته وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومئتين وحمل الى طرسوس فدفن بها.

فصل في استشهاد الرضا عليه السلام وثواب زيارته

قبض ابو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في آخر صفر كما اختاره ابن الاثير والطبرسي والسيد الشبلنجي وغيرهم من سنة 203 ثلاث ومئتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباد من نوقان على دعوة(3) ودفن بها (صلوات اللّه عليه)، وكتب المأمون الى اهل

___________________________________________

(1) يعني انه في حالة الاغماء ولا يفهم ما تقول ولا يتميز الاشخاص.

(2) أي يريد ان يضربه بشدة وقصد ان يخاطبه بما يسوؤه.

(3) أي فاصلتها من نوقان على مسيرة صوت واع.

[202]

بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموته (عليه السلام) وانهم نقموا ببيعته وقد مات وسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا اليه اغلظ جواب.

وروي عن امية، بن علي، قال : كنت بالمدينة وكنت اختلف إلى أبي جعفر (عليه السلام) وابو الحسن بخراسان وكان اهل بيته وعمومة ابيه يأتونه ويسلمون عليه فدعا يوماً الجارية، فقال : قولي لهم يتهيأون للمأتم فلما تفرقوا قالوا ما سألناه مأتم من ؟ فلما كان من الغد فعل مثل ذلك فقالوا مأتم من ؟ قال مأتم خير من على ظهرها، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك.

روى الصدوق عن دعبل بن علي، قال : جاءني خبر موت الرضا (عليه السلام) وانا بقم فقلت قصيدتي الرائية :

ارى امية معذورين ان قتلوا*** ولا أرى لبني العباس من عذر

اولاد حرب ومروان واسرتهم*** بنو معيط ولاة الحقد والوغر(1)

قوم قتلتم على الإِسلام اولهم*** حتى اذا استمسكوا جازوا على الكفر

اربعْ(2) بطوس على قبر الزكي به*** ان كنت تربع من دين على وطر

قبران في طوس خير الناس كلهم*** وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما*** على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت*** له يداه فخذ ما شئت او فذر

وقال(3) الصدوق : ولعلي بن ابي عبد اللّه الخوافي يرثي الرضا (عليه السلام) افضل الصلوات واكمل التحيات :

يا ارض طوس سقاك اللّه رحمته*** ماذا حويت من الخيارت يا طوس

طابت بقاعك في الدنيا وطاب بها*** شخص(4) ثوى بسناباد ومرموسُ(5)

______________________

(1) الوغر : الغيظ.

(2) ربَعَ ربعاً بالمكان اقام واطمأن.

(3) أي الصدوق (منه).

(4) أي اقام.

(5) أي مدفون.

[203]

شخص عزيز على الإِسلام مصرعه*** في رحمة اللّه مغمور ومغموس

يا قبره انت قبر قد تضمنه*** حلم وعلم وتطهير وتقديس

فخراً بأنك مغبوط بجثته*** وبالملائكة الأبرار محروس

وثواب زيارته (عليه السلام) اكثر من ان يذكر، قال الشيخ الشهيد في الدروس عن الكاظم (عليه السلام) : من زار قبر ولدي عليّ كان عند اللّه كسبعين حجة مبرورة، قال له يحيى المازني سبعين حجة مبرورة قال نعم وسبعين الف حجة.

وقيل لأبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليه السلام) زيارة الرضا (عليه السلام) افضل ام زيارة الحسين (عليه السلام) ؟ فقال زيارة ابي افضل لأنه لا يزوره الا الخواص من الشيعة.

وعنه (عليه السلام) انها أفضل من الحج، وافضلها رجب.

وروى البزنطي قال : قرأت كتاب ابي الحسن الرضا (عليه السلام) بخطه : ابلغ شيعتي ان زيارتي تعدل عند اللّه الف حجة، والف عمرة، متقبلة كلها. قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الف حجة قال إي واللّه والف الف حجة(1) لمن يزوره عارفاً بحقه.

وقال الرضا (عليه السلام) من زارني على بعد داري ومزاري اتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى اخلصه من اهوالها، اذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً وعند الصراط و(عند ظ) الميزان.

وروى الصدوق عن ابي الحسن الهادي (عليه السلام) يقول، من كانت له الى اللّه عز وجل حاجة، فليزر قبر جدي الرضا (عليه السلام)

______________________

(1) قد ظهر عن هذه الفقرة الشريفة ان الاختلاف الوارد في قدر الفضل والثواب محمولة على اختلاف الاشخاص واختلاف مراتب الاخلاص والمعرفة والتقوى وغير ذلك (منه) اقول والاظهر ان ذلك من باب المبالغة في الاجر لا التحديد الواقعي حتى احتيج الى ذلك التوجيه.

[204]

بطوس وهو على غسل، وليصل عند رأسه ركعتين، وليسأل اللّه تعالى حاجته، في قنوته، فانه يستجيب له، ما لم يسأل في مأثم او قطيعة رحم، فان موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن الا اعتقه اللّه تعالى من النار واحله دار القرار.

قال الشيخ المفيد في المقنعة باب مختصر زيارته (عليه السلام) تقف على قبره بعد ان تغتسل لزيارته وتلبس اطهر ثيابك وتقول :

(السلام عليك يا ولي اللّه وابن وليه، السلام عليك يا حجة اللّه وابن حجته، السلام عليك يا امام الهدى والعروة الوثقى ورحمة اللّه وبركاته. اشهد انك مضيت على ما مضى عليك آباؤك الطاهرون، صلوات اللّه عليهم، لم تؤثر عمى على هدى، ولم تمل من حق الى باطل، وانك نصحت للّه ولرسوله، واديت الامانة، فجزاك اللّه عن الإِسلام واهله خير الجزاء، أتيتك بأبي وأمي زائراً عارفاً بحقك موالياً لأوليائك معادياً لاعدائك، فاشفع لي عند ربك).

ثم انكب على القبر وضع خديك عليه ثم تحول الى عند الرأس فقل :

( السلام عليك يا مولاي يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته اشهد انك الإِمام الهادي والولي المرشد، ابرأ الى اللّه تعالى من اعدائك، واتقرب الى اللّه بولايتك، صلى اللّه عليك ورحمة اللّه وبركاته).

ثم صل ركعتي الزيارة وصل بعدهما ما بدا لك وتحول الى عند الرجلين فادع بما شئت ان شاء اللّه.

قال السيد بن طاوس في الاقبال : ورأيت في بعض تصانيف اصحابنا العجم (رضوان اللّه عليهم)، انه يستحب ان يزار مولانا الرضا (عليه السلام) يوم ثالث وعشرين من ذي القعدة من قرب او بعد ببعض زياراته المعروفة او بما يكون كالزيارة من الرواية بذلك.

[205]

قلت وروى العلامة المجلسي (رحمه اللّه) عن صاحب كتاب العدد القوية انه قال : ان وفاة الرضا (عليه السلام) كانت في ذلك اليوم، واللّه العالم.

قال السيد الداماد قدس سره في رسالة اربعة ايام في ذكر اعمال يوم دحو الأرض، يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، ان زيارة الرضا (عليه السلام) فيه افضل الاعمال المستحبة وآكد الآداب المسنونة.

«ختام»

قال شيخنا الطبرسي (رحمه اللّه) في اعلام الورى بعد ذكر جملة من دلائل الرضا ومعجزاته (عليه السلام) وأمّا ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس وعلاماته والعجائب التي شاهدها الخلق فيه واذعن العام والخاص له واقر المخالف والمؤالف به الى يومنا هذا فكثير خارج عن حد الاحصاء والعد، ولقد اُبرئ فيه الاكمه(1) والابرص، واستجيبت الدعوات، وقضيت ببركته الحاجات وكشفت الملمَّات وشاهدنا كثيراً من ذلك وتيقناه الخ.

قال شيخنا الحر العاملي (قدس سره) في اثبات الهداة بعد نقل هذا الكلام من الاعلام، يقول محمد بن الحسن الحر، مؤلف هذا الكتاب : ولقد رأيت وشاهدت كثيراً من ذلك وتيقنته كما شاهده الطبرسي وتيقنه في مدة مجاورتي لمشهد الرضا (عليه السلام)، وذلك ستة وعشرون سنة، وسمعت من الأخبار في ذلك ما يجاوز حد التواتر وليس في خاطري اني دعوت في هذا المشهد وطلبت منه(2) من اللّه تعالى حاجة الا وقضيت لي، والحمد للّه، وتفصيل ذلك يضيق عنه المجال ويطول فيه المقال فلذلك اكتفيت بالاجمال ومن ذلك(3) ان بنتاً من جيراننا كانت خرساء ثم زارت قبر

_____________________

(1) أي الاعمى والاعشى.

(2) به. ظ.

(3) ومن ذلك. ظ.

[206]

الرضا (عليه السلام) يوماً فرأت عند القبر، رجلاً حسن الهيئة ظنت انه الرضا (عليه السلام) فقال لها : ما لك لا تتكلمين تكلمي، فنطقت في الحال وزال عنها الخرس بالكلية، فقلت فيها هذه الأبيات :

يا كليم الرضا (عليه السلام)*** وعليك السلام والاكرام

كلميني عسى اكون كليماً*** لكليم الرضا (عليه السلام)

(انتهى).

يقول عباس بن محمد الرضا القمّي مؤلف هذا الكتاب ولقد رأيت وشاهدت في مدة مجاورتي لهذا المشهد المقدس خصوصاً في هذا التاريخ وهو شوال سنة 1343 ثلاث واربعين بعد الف وثلاثمائة كثيراً من ذلك وتيقنته وعلمت علماً لا يخالج الشك والريب في معناه، فلو ذهبت للخوض في ايراد ذلك لخرجت عن الغرض في هذا(1) الكتاب ولقد صدق شيخنا العاملي في قوله :

وما بدا من بركات مشهده*** في كل يوم امسه مثل غده

وكشفاء العمي(2) والمرضى به*** اجابة الدعاء في اعتابه(3)

__________________________

(1) وقد ذكر شطراً منها، الشيخ الصدوق في كتابه عيون اخبار الرضا. واما ما وضع لايداع جل المعجزات الصادرة عنهم (عليهم السلام) في كتابي (الخرائج للقطب الراوندي (رحمه اللّه)) و(مدينة المعاجز. للسيد البحراني) فراجعهما.

(2) العمى كقفل وزنا : جمع اعمى.

(3) ولقد اجاد من قال :

سلام على آل طه ويس*** سلام على آل خير النبيين

سلام على روضة حل فيها*** امام يباهي به الملك والدين

روي عن ابي عبد اللّه الحافظ انه قال : كنت في الروضة الرضوية (صلوات اللّه على مشرفها) ليلة جمعة احييتها فغلبني النوم في آخرها وكنت بين النوم واليقظة فرأيت في تلك الحالة ملكين نزلا من السماء وكتبا بخط اخضر على جدار القبة هذين البيتين.

اذا كنت تأمل او ترتجي*** من اللّه في حالتيك الرضا

فلازم مودة آل الرسول*** وجاور علي بن موسى الرضا

وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن ابي الحسن على المعدل قال : رأى رجل من الصالحين فيما يرى النائم الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال له يا رسول اللّه من ازور من اولادك ؟ فقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان من اولادي من اتاني مسموماً وان من اولادي من اتاني مقتولاً قال : فقلت له من ازور منهم يا رسول اللّه، مع تشتت اماكنهم، او قال مشاهدهم، قال من هو اقرب منك يعني بالمجاورة وهو مدفون بارض الغربة، قال : فقلت يا رسول اللّه : تعني الرضا (عليه السلام) فقال (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، قل (صلى اللّه عليه قل صلى اللّه عليه قل صلى اللّه عليه) (منه).

[207]

النور الحادي عشر الإِمام التاسع ابو جعفر الثاني محمد بن علي التقي ...

امام كل عاكف وباد وحجة اللّه على جميع العباد صلوات اللّه عليه

وعلى آبائه واولاده الامجاد

ذكر ابن عياش ان ولادته (عليه السلام) كانت يوم العاشر من رجب ولكن المشهور بين العلماء والمشائخ انه ولد بالمدينة في 9 من شهر رمضان من سنة 195 خمس وتسعين ومئة(1).

امه ام ولد يقال لها سبيكة وسماها الرضا (عليه السلام) الخيزران وكانت نوبية من اهل بيت مارية القبطية ام ابراهيم ابن الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكانت من افضل نساء زمانها واشار اليها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بقوله : بأبي ابن خيرة الاماء النوبية الطيِّبة.

_____________________

(1) وقيل في 15 من ذلك الشهر وقيل في 18 منه وقيل في 17 منه في سلطنة هارون الرشيد.

[208]

وفي خبر يزيد بن سليط وملاقاته موسى بن جعفر (عليه السلام) في طريق مكة وهم يريدون العمرة قال : ثم قال ابو ابراهيم (عليه السلام) اني أوخذ في هذه السنة والأمر الى ابني عليّ سميّ عليّ وعليّ، فاما عليّ الأول فعليّ بن ابي طالب (عليه السلام) واما عليّ الآخر فعليّ بن الحسين اعطي فهم الأول وحكمته وبصره وودّه ودينه ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له ان يتكلم الا بعد هارون باربع سنين ثم قال يا يزيد فاذا مررت بالموضع ولقيته وستلقاه فبشره انه سيولد له غلام امين مأمون مبارك وسيعلمك انك لقيتني فاخبره عند ذلك ان الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من اهل بيت مارية القبطية جارية رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وان قدرت ان تبلغها مني السلام فافعل ذلك.

قلت : وكفى في جلالة هذه المعظمة الجليلة ما في هذا الخبر المعتبر من امر موسى بن جعفر (عليه السلام) يزيد بن سليط ان يبلغها منه السلام كما ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أمر جابر بن عبد اللّه ان يبلغ ابا جعفر الباقر (عليه السلام) سلامه (وسيأتي خبر عن عيون المعجزات فيه ما يدل على فضلها).

روى ابن شهرآشوب عن حكيمة بنت ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قالت : لما حضرت ولادة الخيزران ام ابي جعفر (عليه السلام) دعاني الرضا (عليه السلام) فقال : يا حكيمة احضري ولادتها وادخلني واياها والقابلة بيتاً ووضع لنا مصباحاً واغلق الباب علينا فلما اخذها الطلق طفيء المصباح وبين يديها طست واغتمت بطفء المصباح فبينا نحن كذلك اذ بدر ابو جعفر (عليه السلام) في الطست واذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى اضاء البيت فابصرناه، فاخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء فجاء الرضا (عليه السلام) وفتح الباب وقد فرغنا من أمره فاخذه ووضعه في المهد وقال لي : يا حكيمة الزمي مهده، قالت : فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره الى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال : اشهد ان

[209]

لا اله الا اللّه واشهد ان محمداً رسول اللّه فقمت ذعرة(1) فزعة فأتيت ابا الحسن (عليه السلام) فقلت سمعت من هذا الصبي عجباً فقال : وما ذاك، فاخبرته الخبر، فقال : يا حكيمة ما ترون من عجائبه اكثر.

وفي الدر النظيم بالاسناد عن حكيمة بنت ابي الحسن موسى (عليه السلام) قالت : كتبت لما علقت ام ابي جعفر (عليه السلام) به الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) خادمتك قد علقت، فكتب الي علقت يوم كذا من شهر كذا فاذا هي ولدت فالزميها سبعة ايام، قالت : فلما ولدته قال : اشهد ان لا اله إلا اللّه فلما كان يوم الثالث عطس فقال الحمد للّه وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى الأئمة الراشدين.

اقول : وحج ابو الحسن الرضا (عليه السلام) بعد ذلك بسنة ومعه ابو جعفر (عليه السلام) فكان من امر البيت والحجر وجلوسه فيه ما قد ذكرناه في تاريخ ابي الحسن الرضا (عليه السلام).

وروي عن عيون المعجزات عن كليم بن عمران قال : قلت للرضا (عليه السلام) : ادع اللّه ان يرزقك ولداً فقال : انما ارزق ولداً واحداً وهو يرثني، فلما ولد ابو جعفر (عليه السلام) قال الرضا (عليه السلام) لاصحابه : قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار وشبيه عيسى بن مريم، قدست ام ولدته، قد خلقت طاهرة مطهرة ثم قال الرضا (عليه السلام) : يقتل غصباً فيبكي له(2) وعليه اهل السماء ويغضب اللّه على عدوه وظالمه فلا يلبث الا يسيراً حتى يعجل اللّه به الى عذابه الاليم وعقابه الشديد، وكان طول ليلته يناغيه(3) في مهده.

وروى عن ابي يحيى الصنعاني قال كنت عند ابي الحسن (عليه السلام)

______________________

(1) أي خائفة متفرقة الحواس.

(2) أي يرثيه ويبكي عليه اهل السماء (منه).

(3) أي يكلمه بما يعجبه ويسره.

[210]

فجيء بابنه ابي جعفر (عليه السلام) وهو صغير فقال : هذا المولود الذي لم يولد مولود اعظم، على شيعتنا، بركة منه.

روى الشيخ الكليني (رحمه اللّه) عن محمد بن الحسن بن عمار قال : كنت عند علي بن جعفر بن محمد (عليه السلام) جالساً بالمدينة وكنت اقمت عنده سنتين اكتب عنه ما سمع من اخيه يعني ابا الحسن (عليه السلام) اذ دخل عليه ابو جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) المسجد، مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فوثب علي بن جعفر (رحمه اللّه) بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظَّمه فقال له ابو جعفر (عليه السلام): يا عم اجلس رحمك اللّه فقال:  يا سيدي كيف اجلس وانت قائم فلما رجع علي بن جعفر الى مجلسه جعل اصحابه يوبخونه ويقولون: انت عم ابيه وانت تفعل به هذا الفعل فقال : اسكتوا اذا كان اللّه عز وجل، وقبض على لحيته، لم يؤهل هذه الشيبة واهَّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أأُنكر فضله ؟ نعوذ باللّه مما تقولون بل انا له عبد.

اقول : علي بن جعفر هذا، هو السيد الجليل الذي كان راوية للحديث سديد الطريق شديد الورع كثير الفضل. وكان (رضي اللّه عنه) شديد التمسك باخيه موسى (عليه السلام) والانقطاع اليه، والتوفر على اخذ معالم الدين منه، ولو مسائل مشهورة عنه، وجوابات رواها سماعاً منه، وكان ملازماً لاخيه (عليه السلام)، حتى في اربع عمر(1) يمشي اخوه فيها الى مكة بعياله واهله. وروي : انه كان عند ابي جعفر (عليه السلام) ودنا الطبيب ليقطع له العرق فقام علي بن جعفر قال : يا سيدي تبدأ بي لتكون حدّة الحديد فيّ(2) قبلك ولما اراد ابو جعفر (عليه السلام) النهوض قام علي بن جعفر (عليه السلام) فسوى له نعليه حتى يلبسهما.

_________________________

(1) جمع عمرة.

(2) بتشديد الياء.