[152]
باب الحوائج الى اللّه تعالى العبد الصالح عليه السلام
قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في حقّه : هو الإِمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه، دُعي كاظماً، كان يجازي المسيء باحسانه اليه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه، ولكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف في العراق بباب الحوائج الى اللّه، لنجح المتوسلين الى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بان له عند اللّه تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول. انتهى.
ولد (عليه السلام) بالابواء منزل بين مكة والمدينة، يوم الاحد(1) لسبع خلون من صفر سنة 128 هجري(2) ثمان وعشرين ومئة.
امه : (عليه السلام) حميدة المصفاة البربرية، وكانت من اشراف الأعاجم، قال الصادق (عليه السلام) : حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة
______________________
(1) وقيل في الثلاثاء.
(2) وقيل سنة 129 في خلافة ابراهيم بن وليد.
[153]
الذهب، ما زالت الاملاك تحرسها، حتى أدَّت اليّ كرامة من اللّه لي، والحجّة من بعدي، ويظهر من بعض الروايات ان الصادق (عليه السلام) كان يأمر النساء في اخذ الاحكام اليها.
روي عن ابي بصير قال : كنت مع ابي عبد اللّه (عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ابنه موسى (عليه السلام) فلما نزلنا الابواء، وضع لنا ابو عبد اللّه (عليه السلام) الغداء ولأصحابه، وكان عليه السلام إذا وضع الطعام لاصحابه اكثره واطابه، فبينا نحن نتغدى اذ اتاه رسول حميدة : ان الطلق قد ضربني، وقد امرتني ان لا اسبقك بابنك هذا، فقام ابو عبد اللّه (عليه السلام) فرحاً مسروراً فلم يلبث ان عاد الينا حاسراً عن ذراعيه، ضاحكاً سنّهُ، فقلنا اضحك اللّه سنك، واقر عينك ما صنعت حميدة، فقال : وهب اللّه لي غلاماً، وهو خير من برأ اللّه(1) ولقد خبرتني بأمر كنت اعلم به منها، قلت : جعلت فداك وما خبرتك عنه حميدة، قال ذكرت انه لما وقع من بطنها وقع واضعاً يديه على الأرض، رافعاً رأسه الى السماء، فأخبرتها ان تلك امارة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وامارة الإِمام من بعده، الخ.
روى البرقي عن منهال القصاب، قال : خرجت من مكة وانا أريد المدينة فمررت بالابواء وقد ولد لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، فسبقته الى المدينة ودخل (عليه السلام) بعدي بيوم فأطعم الناس ثلاثاً، فكنت آكل فيمن يأكل، فما أكل شيئاً الى الغد حتى اعود فآكل، فكنت بذلك ثلاثاً اطعم حتى أرتفق ثم لا اطعم شيئاً الى الغد، قال الفيروزآبادي ارتفق (اتكأ على مرفق يده او على المخدة وامتلأ).
وروى انه قيل لأبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) ما بلغ بك من حبك ابنك موسى (عليه السلام)، فقال : وددت ان ليس لي ولد غيره حتى لا يشاركه في حبّي له احد.
__________________________
(1) أي خلق اللّه من العدم.
[154]
روى الشيخ المفيد عن يعقوب السراج قال دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) وهو واقف على رأس ابي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في المهد، فجعل يساره طويلاً، فجلست حتى فرغ، فقمت اليه، فقال ادنُ الى مولاك، فسلم عليه، فدنوت فسلمت عليه، فرد عليَّ بلسان فصيح، ثم قال لي : اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها امس، فانه اسم يبغضه اللّه، وكانت ولدت لي بنت فسميتها بالحميراء، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) : انته الى امره ترشد، فغيرت اسمها.
وفي ثاقب المناقب، قال اشتهر عند الخاص والعام من حديث ابي حنيفة حين دخل دار الصادق (عليه السلام) فرأى موسى (عليه السلام) في دهليز داره وهو صبيّ، فقال في نفسه : ان هؤلاء يزعمون انهم يعطون العلم صبية وانا اسبر(1) ذلك، فقال له يا غلام اذا دخل الغريب بلدة، اين يحدث، فنظر اليه نظر مغضب وقال : يا شيخ اسأت الأدب، فاين السلام، قال : فخجلت ورجعت حتى خرجت من الدار وقد نَبُلَ(2) في عيني، ثم رجعت اليه وسلمت عليه وقلت : يا ابن رسول اللّه، الغريب اذا دخل بلدة اين يحدث، فقال (صلوات اللّه عليه)، يتوقى شطوط البلد (الانهار خ د) ومشارع الماء، وفيء(3) النُزَّال، ومسقط الثمار، وافنية(4) الدور، وجاد الطرق، ومجاري المياه ورواكدها، ثم يحدث اين شاء، قال، قلت : يا ابن رسول اللّه ممن المعصية، فنظر الي وقال : اما أن تكون من اللّه
_________________________
(1) أي امتحن (منه).
(2) أي كبر وعظم، والنبالة : النجابة والفضل.
(3) أي الظل الذي يستريح فيه الواردون.
(4) جمع فناء وهو الساحة او امام البيت.
[155]
او من العبد او منهما معاً، فان كانت من اللّه فهو اكرم ان يؤاخذه بما لم يجنه، وان كانت منهما فهو اعدل من ان يأخذ العبد بما هو شريك فيه، فلم يبق الا أن يكون من العبد، فان عفا فبفضله، وان عاقب فبعدله، قال ابو حنيفة فاغرورقت عيناي وقرأت : ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم.
وروى الصدوق وغيره عن هشام بن الحكم ان جاثليقاً من جثالقة النصارى يقال له بريهة، قد مكث في النصرانية سبعين سنة، فكان يطلب الإِسلام ويطلب من يحتج عليه ممن يقرأ كتبه، ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته، قال : وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس، حتى افتخرت به النصارى وقالت : لو لم يكن في دين النصرانية إلاّ بريهة لأجزأنا، وكان طالباً للحق والإِسلام مع ذلك، وكانت معه امرأة تخدمه طال مكثها معه، وكان يستر ضعف النصرانية وضعف حجتها، قال : فعرفت ذلك منه، فضرب بريهة الامر ظهراً لبطن واقبل يسائل عن ائمة المسلمين وعن صلحائهم وعن علمائهم واهل الحجى منهم، وكان يستقرئ فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئاً، وقال لو كانت ائمتكم ائمة على الحق لكان عندكم بعض الحق، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم، فقال يونس بن عبد الرحمان : فقال لي هشام : بينما انا على دكاني على باب الكرخ جالس، وعندي قوم يقرأون عليَّ القرآن، فاذا انا بفوج من النصارى، ما بين القسيسين الى غيرهم من نحو مئة رجل، عليهم السوار والبرانس، والجاثليق الاكبر فيهم بريهة، حتى بركوا (نزلوا خد) حول دكاني، وجعل لبريهة كرسي يجلس عليه، فقامت الاساقفة والرهابنة على عصيهم(1) وعلى رؤوسهم برانسهم فقال بريهة : ما بقي للمسلمين احد ممن يذكر بالعلم بالكلام الا وقد ناظرته في النصرانية فما عندهم شيء فقد جئت اناظرك الإِسلام ثم ذكر مناظرته معه وغلبة هشام عليه في حديث طويل،
_____________________
(1) جمع عصا وهي ما يتوكأ عليها.
[156]
حتى افترق النصارى وهم يتمنون ان لا يكونوا رأوا هشاماً ولا اصحابه، ورجع بريهة مغتماً مهتماً حتى صار الى منزله، فقالت امرأته التي تخدمه : مالي اراك مهتماً مغتماً، فحكى لها الكلام الذي بينه وبين هشام، فقالت لبريهة : ويحك اتريد أن تكون على حق او باطل، قال بريهة بل على الحق، فقالت له : اينما وجدت الحق فمل اليه، واياك واللجاجة فان اللجاجة شك، والشك شؤم، واهله في النار، قال : فصوَّب قولها وعزم على الغدو على هشام، قال : فغدا اليه وليس معه احد من اصحابه، فقال : يا هشام الك من تصدر عن رأيه، فترجع الى قوله وتدين بطاعته، قال هشام : نعم يا بريهة، ثم سأله بريهة عن صفته فوصف له هشام الإِمام (عليه السلام)، فاشتاق بريهة اليه (عليه السلام)، فارتحلا حتى أتيا المدينة، والمرأة معهما، وهما يريدان ابا عبد اللّه (عليه السلام)، فلقيا موسى بن جعفر (عليه السلام) في الدهليز، وفي رواية ثاقب المناقب : فسلم هشام عليه وسلم بريهة عليه، ثم اخبرهما بما جاءا له، وكان (صلوات اللّه عليه) صبياً، وفي رواية الصدوق : فحكى له هشام الحكاية، قال موسى بن جعفر (عليه السلام) يا بريهة كيف علمك بكتابك ؟ قال : انا به عالم، قال : كيف ثقتك بتأويله ؟ قال ما اوثقني بعلمي به، قال : فابتدأ موسى (عليه السلام) يقرأ الأنجيل، قال بريهة : والمسيح لقد كان يقرأ هكذا، وما قرأ هذه القراءة الا المسيح، قال بريهة اياك كنت اطلب منذ خمسين سنة او مثلك، قال : فآمن وحسن ايمانه وآمنت المرأة وحسن ايمانها، قال : فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى (عليه السلام) وبريهة، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) : ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم، قال بريهة : جعلت فداك أنَّى لكم التوراة والانجيل وكتب الانبياء، قال : هي عندنا وراثة من عندهم، نقرأها كما قرأوها ونقولها كما قالوها، ان اللّه لا يجعل حجة في ارضه يسأل عن شيء فيقول لا ادري، فلزم بريهة ابا عبد اللّه حتى مات ابو عبد اللّه (عليه السلام)، ثم لزم موسى (عليه السلام) حتى مات في زمانه، فغسله
[157]
(عليه السلام) بيده وكفّنه بيده ولحده بيده، وقال هذا حواري من حواريي(1) المسيح (عليه السلام)، يعرف حق اللّه عليه فتمنى اكثر اصحابه ان يكونوا مثله.
قال لبعض شيعته: أي فلان اتق اللّه وقل الحق وان كان فيه هلاكك، فان فيه نجاتك، أي فلان، اتق اللّه ودع الباطل وان كان فيه نجاتك، فان فيه هلاكك.
وقال (عليه السلام) عند قبر حضره: ان شيئاً هذا آخره لحقيق ان يزهد في اوله، وان شيئاً هذا اوله لحقيق ان يخاف آخره.
اقول : هذا مثل ما روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، قال البراء بن عازب : بينا نحن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اذ أبصر جماعة، فقال على ما اجتمع هؤلاء ؟ فقيل : على قبر يحفرونه، قال : فبدر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وبين يديه أصحابه مسرعاً حتى اتى القبر، فجثا عليه، قال فاستقبلته من بين يديه لانظر ما يصنع، فبكى حتى بل التراب من دموعه، ثم اقبل علينا فقال : اخواني، لمثل هذا فأعدّوا.
وقال (عليه السلام) : من تكلم في اللّه هلك، ومن طلب الرئاسة هلك ومن دخله العجب هلك، وقال اشتدت مؤونة الدنيا والدين، فاما مؤونة الدنيا فانك لا تمد يدك الى شيء منها الا وجدت فاجراً قد سبقك اليه، واما مؤونة الآخرة فانك لا تجد اعواناً يعينونك عليه.
____________________
(1) حواري : ناصر الانبياء والمراد به انصار عيسى (عليه السلام) واصحابه.
[158]
وقال لعلي بن يقطين : كفارة عمل السلطان الاحسان الى الاخوان.
وقال (عليه السلام) : كلما احدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون احدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدّون.
وقال : تَعجُّبُ الجاهل من العاقل اكثر من تعجّب العاقل من الجاهل.
وقال : المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان.
وقال : يعرف شدة الجور من حكم به عليه.
وقال: واللّه ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذر واسرف زالت عنه النعمة، واداء الامانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق، وإذا أراد اللّه بالنملة شراً أنبت لها جناحين، فطارت فأكلها الطير.
قوله (عليه السلام): ومن بذر واسرف الخ، (التبذير التفريق واصله القاء البذر وطرحه فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لا يعرف مآل ما يلقيه، والسرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان وان كان ذلك في الانفاق اشهر ويكون تارة اعتباراً بالقدر وتارة بالكيفية، كذا قال الراغب).
وقال (عليه السلام) : أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل الا به، واوجب العمل عليك ما انت مسؤول عن العمل به، والزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك واظهر لك فساده، واحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشغلن بعلم ما لا يضرك جهله ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه.
روى السيد بن طاوس انه كان جماعة من خاصة ابي الحسن موسى (عليه السلام) من اهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في كمامهم الواح ابنوس لطاف واميال، فاذا نطق أبو الحسن (عليه السلام) بكلمة وافتى في نازلة اثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك.
[159]
أقول : وله (عليه السلام) وصية لهشام طويلة جمعت فيها حكم جليلة، وبأيدينا مسائل علي بن جعفر (عليه السلام) وهي سؤالات سأل عنها علي اخاه موسى (عليه السلام) فأجاب عنها، يرجع اليها فقهاؤنا (رضوان اللّه عليهم) في الأحكام (اوردها العلامة المجلسي (رحمه اللّه) في المجلد الرابع من البحار).
كان ابو الحسن موسى (عليه السلام) أعبد أهل زمانه وأفقههم وأسخاهم كفاً وأكرمهم نفساً.
وروي انه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس ويخر للّه ساجداً فلا يرفع رأسه من السجود والتحميد حتى يقرب زوال الشمس.
وكان يدعو كثيراً فيقول : اللهم اني اسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب ويكرر ذلك.
وكان من دعائه (عليه السلام) : عظم الذنب من عبدك(1) فليحسن العفو من عندك.
وكان يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع.
______________________
(1) قيل في اعترافهم بالذنب مع عصمتهم (عليهم السلام) وخلوهم عن المعاصي ان حسنات الابرار سيئات المقربين. حيث ان انعطافهم عنه تعالى ذنب عندهم، وقيل ان ذلك كناية عن دنو مقامهم في جنب عظمة اللّه ونحو من التذلل، وقيل ان ذلك صدر عنهم تعليماً للعباد في التضرع والاستكانة وقيل ان معنى الذنب هو الفقر الذاتي المعبر عنه بالامكان الذي لا يخلو منه غيره تعالى، ولكن في غير الوجهين الأولين ما لا يخفى على العارف بحالاتهم ومقالاتهم (عليهم السلام).
[160]
وكان اوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل اليهم الزبيل فيه العين والورق والادقة والتمور فيوصل اليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو، وكان كريماً بهياً وعتق الف مملوك.
وانه قد حضره فقير مؤمن يسأله سد فاقته فضحك (عليه السلام) في وجهه فقال اسألك مسألة فان أصبتها اعطيتك عشرة اضعاف ما طلبت، وكان قد طلب منه مئة درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها، فقال الرجل سل، فقال موسى (عليه السلام) لو جعل اليك التمني لنفسك في الدنيا ماذا كنت تتمنى ؟ قال : كنت اتمنى ان ارزق التقية في ديني وقضاء حقوق اخواني، قال (عليه السلام) : وما لك لم تسأل الولاية لنا اهل البيت، قال ذلك قد اعطيته وهذا لم اعطه، فانا اشكر على ما اعطيت وأسأل ربي ما منعت، فقال احسنت اعطوه الفي درهم، وقال اصرفها في كذا يعني في العفص فانه متاع يابس.
وقد روى الناس عنه فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب اللّه وأحسنهم صوتاً بالقرآن، وكان اذا قرأه يحزن ويبكي السامعون بتلاوته وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المجتهدين وسمي الكاظم لما كظمه من الغيظ وصبر عليه من فعل الظالمين حتى مضى قتيلاً في حبسهم ووثاقهم. وكان يقول : اني استغفر اللّه في كل يوم خمسة آلاف مرة.
وروى الصدوق انه كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بضع عشرة سنة كل يوم سجدة بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال، قال : فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه ابا الحسن (عليه السلام) فكان يرى أبا الحسن (عليه السلام) ساجداً، فقال للربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ قال يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وانما هو موسى بن جعفر له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال قال الربيع : فقال لي هارون اما ان هذا من رهبان بني هاشم، قلت فما لك فقد ضيقت عليه في الحبس، قال هيهات لا بد من ذلك.
[161]
وعن أبيه عن علي بن ابراهيم عن اليقطيني عن احمد بن عبد اللّه القزويني عن ابيه، قال : دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي : ادن مني فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي اشرف الى البيت في الدار فأشرفت، فقال ما ترى في البيت، قلت : ثوباً مطروحاً، فقال انظر حسناً فتأملت ونظرت فتيقنت فقلت : رجل ساجد، فقال لي تعرفه قلت لا، قال : هذا مولاك، قلت : ومن مولاي، فقال : تتجاهل عليَّ، فقلت : ما اتجاهل ولكني لا اعرف لي مولى، فقال هذا ابو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) اني اتفقده في الليل والنهار فلم اجده في وقت من الاوقات الا على الحال التي اخبرك بها، انه يصلي الفجر فيقف ساعة في دبر صلاته الى ان تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال، فلست ادري متى يقول الغلام قد زالت الشمس اذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير ان يجدد وضوءاً فاعلم انه لم ينم في سجوده ولا اغفى(1) فلا يزال كذلك الى ان يفرغ من صلاة العصر، فاذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً الى ان تغيب الشمس، فاذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير ان يحدث حدثاً ولا يزال في صلاته وتعقيبه الى ان يصلي العتمة(2) فاذا صلى العتمة افطر على شوى يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدِّد الوضوء ثم يقوم فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست أدري متى يقول الغلام ان الفجر قد طلع اذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حوّل اليّ.
وروي عن الخطيب البغدادي، وهو من اعاظم اهل السنة وثقات المؤرخين وقدمائهم، انه قال : كان موسى (عليه السلام) يدعى العبد الصالح من شدة عبادته واجتهاده.
____________________________
(1) غفى الرجل : نعس، نام نومة خفيفة، يقال اغفيت وقل ما يقال غفيت.
(2) العتمة : ظلمة الليل او الثلث الأول منه وقد استعير لصلاة العشاء.
[162]
روي انه دخل مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فسجد سجدة في اول الليل فسمع وهو يقول عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك، يا اهل التقوى ويا أهل المغفرة فجعل يرددها حتى اصبح.
قلت وفي حديث طويل عن المأمون يصف فيه موسى بن جعفر (عليه السلام) ويذكر وروده على أبيه الرشيد بالمدينة يقول : اذ دخل شيخ مسخّد(1) قد انهكته العبادة كأنه شنُّ بال قد كلم(2) السجود وجهه وانفه.
وبالجملة كان (عليه السلام) حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة(3) وكان له غلام اسود بيده مقص(4) يأخذ اللحم من جبينه وعرنين انفه من كثرة سجوده :
طالت(5) لطول سجود منه ثفنته*** فقرحت جبهةً منه وعرنينا
رأى فراغته في السجن منيته*** ونعمةً شكر الباري بها حينا
وحُكي انه توفي (صلوات اللّه عليه) في حال السجود للّه تعالى.
اقول : ولقد اقتدى به (عليه السلام) في ذلك جماعة ممن لقيه ورآه، منهم محمد بن ابي عمير الثقة الجليل الاواه.
روي عن الفضل بن شاذان، قال : دخلت العراق فرأيت احداً يعاتب صاحبه ويقول له : انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكتسب عليهم وما آمن من ان تذهب عيناك لطول سجودك، فلما اكثر عليه قال : اكثرت عليَّ، ويحك لو ذهب عين احد من السجود لذهبت عين ابن ابي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما رفع رأسه الا الى زوال الشمس.
_____________________________
(1) اصبح فلان مسخداً بالخاء المعجمة والدال المهملة اذا اصبح مصفراً ثقيلاً مورماً (منه).
(2) أي جرح.
(3) أي الكثيرة (منه).
(4) مقراض (منه).
(5) اولها : يا ساجداً عدوة للّه مبتهلاً الى الزوال بضيق السجن مرهوناً.
[163]
وقال الفضل اخذ يوماً شيخي بيدي وذهب بي الى ابن ابي عمير فصعدنا اليه في غرفة وحوله مشائخ له يعظمونه ويبجلونه، فقلت لأبي : من هذا، قال هذا ابن ابي عمير قلت : الرجل الصالح العابد ؟ قال نعم.
وروى ان هارون الرشيد انفذ الى موسى بن جعفر (عليه السلام) جارية حصيفة(1) لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن، وانفذ الخادم اليه ليستفحص عن حالها فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها تقول : قدوس قدوس سبحانك سبحانك سبحانك، فأتى بها وهي ترعد شاخصة الى السماء بصرها، واقبلت في الصلاة، فاذا قيل لها في ذلك، قالت هكذا رأيت العبد الصالح فما زالت كذلك حتى ماتت.
قبض الرشيد على موسى بن جعفر (عليه السلام) سنة 179 تسع وسبعين ومئة في سفره إلى مكة المعظمة، وهو عند رأس النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قائماً يصلي، فقطع عليه صلاته وحمل وهو يبكي ويقول اليك أشكو يا رسول اللّه ما القى، واقبل الناس من كل جانب يبكون ويضجون، فلما حمل الى بين يدي الرشيد سلم على الرشيد فلم يرد عليه السلام وشتمه وجفاه وقيده، فلما جن عليه الليل امر بقبتين فهيِّئتا له فحمل موسى بن جعفر (عليه السلام) الى إحداهما في خفاء ودفعه الى حسان السروي وامره ان يسير به في قبة الى البصرة فيسلمه الى عيسى بن جعفر بن ابي جعفر، وهو اميرها، ووجه قبة اخرى علانية نهاراً الى الكوفة معها جماعة ليعمى على الناس امر موسى بن جعفر، فقدم حسان البصرة قبل التروية
__________________
(1) بمهملتين (منه) يعني مُحكمة العقل.
[164]
بيوم فدفعه الى عيسى بن جعفر بن ابي جعفر نهاراً علانية حتى عرف ذلك وشاع امره، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس الذي كان يحبس فيه، واقفل عليه وشغله عنه العيد، فكان لا يفتح عنه الباب الا في حالتين، حال يخرج فيها الى الطهور وحال يدخل اليه فيها الطعام، قال نصراني من كتاب عيسى : لقد سمع هذا الرجل الصالح في ايامه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكير ما اعلم ولا اشك انه لم يخطر بباله، وروي انه حبسه عنده سنة ثم كتب الى الرشيد ان خذه مني وسلمه الى من شئت والا خليت سبيله، فقد اجتهدت بان اجد عليه حجة فما اقدر على ذلك، حتى اني لأتسمَّع عليه اذا دعا لعله يدعو عليَّ او عليك فما اسمعه يدعو الا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة، فوجّه من تسلمه منه وحُمل سراً الى بغداد وروي انه لما حمل الى بغداد كان ذلك في رجب يوم المبعث سنة تسع وسبعين ومئة.
قال الراوي : ولما حمل الى بغداد حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع، فبقَي عنده مدة طويلة، واراده الرشيد على شيء من أمره، فابى، فكتب بتسليمه (عليه السلام) الى الفضل بن يحيى فتسلمه منه وأراد ذلك منه فلم يفعل وبلغه انه عنده في رفاهية وسعة وهو حينئذ بالرقة، فكتب الى العباس بن محمد والسندي بن شاهك في ذلك على يد مسرور الخادم، فدعا العباس بسياط وعقابين وامر بالفضل فجرِّد وضربه السنّدي بين يديه مئة سوط، وكتب مسرور بالخبر الى الرشيد، فأمر بتسليم موسى (عليه السلام) الى السندي بن شاهك، فلم يزل (سلام اللّه عليه) ينقل من سجن الى سجن حتى نقل الى حبس السندي بن شاهك الملعون.
وفي الدر النظيم قال : قال السندي بن شاهك : وافى خادم من قبل الرشيد الى ابي الحسن (عليه السلام) وهو محبوس عندي، فدخلت معه وقد كان قال له تعرف خبره، فوقف الخادم فقال : ما لك، فقال : بعثني الخليفة لأعرف خبرك، قال، فقال : قل له يا هارون ما من يوم ضراء انقضى عني الا انقضى عنك من السراء مثله حتى نجتمع انا وانت في دار يخسر فيها المبطلون، قال الفضل بن الربيع عن ابيه، قال : بعثني هارون الى
[165]
ابي الحسن (عليه السلام) برسالة وهو في حبس السندي بن شاهك، فدخلت عليه وهو يصلّي فهبته ان اجلس، فوقفت متكئاً على سيفي فكان (عليه السلام) اذا صلى ركعتين وسلم واصل بركعتين أخراوَين، فلما طال وقوفي وخفت ان يسأل عني هارون وحانت منه تسليمة فشرعت في الكلام فامسك، وقد كان قال لي هارون لا تقل بعثني امير المؤمنين اليك ولكن قل بعثني اخوك وهو يقرئك السلام ويقول لك انه بلغني عنك اشياء اقلقتني فاقدمتك اليّ وفحصت عن ذلك فوجدتك نقيَّ الجيب بريئاً من العيب مكذوباً عليك فيما رميت به ففكرت بين اصرافك الى منزلك ومقامك ببابي فوجدت مقامك ببابي ابرأ لصدري وأكذب لقول المسرعين فيك ولكل انسان غذاء قد اغتذاه والفت عليه طبيعته، ولعلك اغتذيت بالمدينة اغذية لا تجد من يصنعها لك ها هنا وقد امرت الفضل ان يقيم لك من ذلك ما شئت فمره بما احببت وانبسط فيما تريده، قال فجعل (عليه السلام) الجواب في كلمتين من غير ان يلتفت اليّ فقال : لا حاضر مالي فينفعني ولم اخلق سؤولاً، اللّه اكبر، ودخل في الصلاة، قال فرجعت الى هارون فاخبرته فقال لي : فما ترى في أمره، فقلت : يا سيدي لو خططت في الأرض خطة فدخل فيها ثم قال لا اخرج منها ما خرج منها، قال هو كما قلت ولكن مقامه عندي احب الي.
وروى غيره قال : قال هارون : اياك ان تخبر بهذا أحداً، قال فما اخبرت به احداً حتى مات هارون.
وروى الشيخ عن محمد بن غياث في خبر، قال : قال هارون ليحيى بن خالد انطلق اليه (عليه السلام) واطلق عنه الحديد وابلغه عني السلام وقل له يقول لك ابن عمك انه قد سبق مني فيك يمين انّي لا اخليك حتى تقر لي بالإِساءة وتسألني العفو عما سلف منك وليس عليك في اقرارك عار ولا في مسألتك اياي منقصة وهذا يحيى بن خالد هو ثقتي ووزيري وصاحب أمري، فسله بقدر ما اخرج من يميني وانصرف راشداً، قال محمد بن غياث فاخبرني موسى بن يحيى بن خالد ان ابا ابراهيم قال
[166]
ليحيى : يا ابا عليّ انا ميت وانما بقي من اجلي اسبوع. الخ.
قال الراوي وجلس الرشيد مجلساً حافلاً، وقال : ايها الناس ان الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت ان ألعنه فالعنوه، فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه، وبلغ يحيى بن خالد فركب الى الرشيد ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال التفت اليّ يا امير المؤمنين فاصغى اليه فزعاً، فقال له : ان الفضل حدث وانا اكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر واقبل على الناس، فقال : ان الفضل كان عصاني في شيء فلعنته وقد تاب واناب الى طاعتي فتولوه، فقالوا نحن اولياء من واليت واعداء من عاديت، وقد توليناه، ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى اتى بغداد فماج(1) الناس وارجفوا(2) بكل شيء، فاظهر انه ورد لتعديل السواد والنظر في امر العمال وتشاغل ببعض ذلك ودعا السنديَّ فامره فيه بامره فامتثله، وروى انه بعث يحيى بن خالد الى موسى بن جعفر (عليه السلام) بالرطب والريحان المسمومين، وفي رواية انه سمه في ثلاثين رطبة، قال الراوي : ثم ان السندي بن شاهك احضر القضاة والعدول وذلك قبل وفاة موسى (عليه السلام) بايام واخرجه (عليه السلام) اليهم وقال ان الناس يقولون ان ابا الحسن موسى في ضنك(3) وضر وها هوذا لا علة به ولا مرض ولا ضر، فالتفت (عليه السلام) فقال لهم: اشهدوا عليّ أني مقتول بالسم منذ ثلاثة ايام، اشهدوا أني صحيح الظاهر لكني مسموم وساحمر في آخر هذا اليوم حمرة شديدة منكرة واصفر غداً صفرة شديدة وابيض بعد غد وأمضي الى رحمة اللّه ورضوانه.
______________________
(1) ماج القوم دخل بعضهم في بعض.
(2) أي خاضوا فيه.
(3) أي ضيق.
[167]
وروى الصدوق عن الحسن بن محمد بن بشار قال : حدثني شيخ من اهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله، قال : قال لي قد رأيت بعض من يقرون بفضله من اهل هذا البيت فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله، قال : قلت من وكيف رأيته ؟ قال : جمعنا ايام السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه ممن ينسب الى الخير، فادخلنا على موسى بن جعفر (عليه السلام)، فقال لنا السندي يا هؤلاء انظروا الى هذا الرجل هل حدث به حدث فان الناس يزعمون انه قد فُعِلَ مكروه به ويكثرون في ذلك وهذا منزله وفرشه موسَّع عليه غير مضيق ولم يرد به امير المؤمنين سوءاً وانما ينتظره ان يقدم فيناظره امير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع امره، فاسألوه، قال ونحن ليس لنا هم الا النظر الى الرجل والى فضله وسمته(1)، فقال (عليه السلام) اما ما ذكر من التوسعة وما اشبه ذلك فهو على ما ذكر غير اني اخبركم ايها النفر اني قد سقيت السم في تسع تمرات، واني احتضر غداً وبعد غد أموت، قال : فنظرت الى السندي بن شاهك يرتعد ويضطرب مثل السعفة، قال الحسن وكان هذا الشيخ من خيار العامة، شيخ صدوق مقبول القول ثقة جداً عند الناس.
وروي انه لما كان من الغد جاء به الطبيب، فقال له ما حالك، فتغافل عنه، فلما اكثر عليه عرض عليه خضرة في بطن راحته، وكان السم الذي سم به قد اجتمع في ذلك الموضع ثم قال له هذه علّتي، فانصرف الطبيب اليهم وقال واللّه لهو اعلم بما فعلتم به منكم، ثم توفي (عليه السلام).
وروى القطب الراوندي عن محمد بن الفضل الهاشمي قال : اني اتيت موسى بن جعفر (عليه السلام) قبل وفاته بيوم واحد فقال اني ميت لا محالة فاذا واريتني في لحدي فلا تقيمنَّ، وتوجه الى المدينة بودائعي هذه وأوصلها الى عليّ بن موسى (عليه السلام) فهو وصيي وصاحب الأمر بعدي ففعلت ما أمرني به وأوصلت الودائع اليه.
_______________________
(1) السمت : الطريق والخلق.
[168]
قال الشيخ المفيد وروي انه لما حضرته الوفاة سأل السندي بن شاهك ان يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه ففعل ذلك، قال السندي فكنت سألته في الاذن لي ان اكفنه، فأبى وقال : انّا اهل بيت، مهور نسائنا وحج صرورتنا(1) واكفان موتانا من طاهر اموالنا وعندي كفن اريد ان يتولّى غسلي وجهازي مولاي فلان فتولى ذلك منه.
قبض موسى بن جعفر (عليه السلام) مسموماً ببغداد، في حبس السندي بن شاهك في الخامس والعشرين من رجب(2) سنة 183 هجري ثلاث وثمانين ومئة(3).
روي عن عمر بن واقد، قال : أرسل الي السندي بن شاهك في بعض الليل وانا ببغداد يستحضرني فخشيت ان يكون ذلك لسوء يريده بي فاوصيت عيالي بما احتجت اليه وقلت : انا للّه وانا اليه راجعون. ثم ركبت اليه فلما رآني مقبلاً قال يا ابا حفص لعلنا ارعبناك وافزعناك قلت : نعم. قال : فليس هنا إلا خير، قلت فرسول تبعثه الى منزلي يخبرهم خبري، قال نعم ثم قال يا ابا حفص اتدري لم ارسلت اليك، فقلت : لا، قال : اتعرف
___________________________________________
(1) الصرورة : الذي لم يتزوج. والمراد هنا من لم يحج قبل سفره هذا.
(2) وقيل في خامسه وقيل في اربع وعشرين منه. اقول يمكن ان يكون لفظة خمس مضين تصحيف خمس بقين.
(3) في تذكرة السبط حمله (عليه السلام) الرشيد معه الى بغداد فحبسه بها سنة سبع وسبعين ومات فأقام في حبسه الى ثمان وثمانين ومئة فتوفي في رجب بها (منه).
[169]
موسى بن جعفر فقلت اي واللّه اني لأعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر، فقال : من ها هنا ببغداد تعرفه ممن يقبل قوله ؟ فسميت له اقواماً ووقع في نفسي انه (عليه السلام) قد مات، قال فبعث وجاء بهم كما جاء بي، فقال : هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر فسموا له قوماً فجاء بهم فاصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلاً ممن يعرف موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد صحبه، قال : ثم قام فدخل وصلينا فخرج كاتبه ومعه طومار فكتب اسماءنا ومنازلنا واعمالنا وخلانا، ثم دخل الى السندي قال فخرج السندي فضرب يده الي فقال لي : قم يا ابا حفص فنهضت ونهض اصحابنا ودخلنا، فقال لي يا ابا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتاً، فبكيت واسترجعت، ثم قال للقوم : انظروا اليه فدنا واحد بعد واحد فنظروا اليه، ثم قال : تشهدون كلكم ان هذا موسى بن جعفر بن محمد، ثم قال يا غلام اطرح على عورته منديلاً واكشفه، فقال ففعل، فقال : اترون به اثراً تنكرونه فقلنا لا ما نرى به شيئاً ولا نراه الا ميتاً، قال فلا تبرحوا حتى تغسلوه واكفنه وادفنه، قال فلم نبرح حتى غسل وكفّن وحمل فصلى عليه السندي بن شاهك.
اقول : وفي الخبر المروي عن المسيب قال : فواللّه لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون انهم يغسلونه فلا تصل ايديهم اليه ويظنون انهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئاً ورأيت شخصاً اشبه الاشخاص به يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه فلما فرغ (عليه السلام) من أمره، قال لي ذلك الشخص : يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن فيّ فإنّي امامك ومولاك وحجة اللّه عليك بعد أبي، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق (عليه السلام) ومثلهم مثل اخوته حين دخلوا عليه فعرفهم، وهم له منكرون.
قال الراوي : فحمل (عليه السلام) على نعش ونودي عليه هذا امام الرافضة فاعرفوه، ثم أتيَ به الى السوق فوضع هناك ثم نودي عليه هذا
[170]
موسى بن جعفر قد مات حتف انفه، الا فانظروا اليه، فحف به الناس وجعلوا ينظرون اليه، لا اثر به من جراحة ولا خنق(1) وكان في رجله اثر الحناء ثم امروا العلماء والفقهاء ان يكتبوا شهادتهم في ذلك فكتبوا جميعاً الا احمد بن حنبل فكلما زجروه لم يكتب شيئاً(2).
وروي ان السوق الذي وضع فيه النعش الشريف سمّي سوق الرياحين وبني على الموضع بناء وجعل عليه باب لئلا يطأه الناس باقدامهم بل يتبركون به وبزيارته.
وقد حكى عن المولى اولياء اللّه صاحب تاريخ مازندران، انه قال في كتابه : اني مررت به مرات عديدة وقبلت الموضع الشريف منه.
قال الشيخ المفيد واخرج فوضع على الجسر ببغداد ونودي هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا اليه فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت. انتهى.
__________________________
(1) الخنق كالضرب : الشد على الحلق حتى يموت.
(2) اقول ولعل ذلك لما استفاد منه (عليه السلام) في حياته وشاهد من دلائله وآياته، روى صاحب الدر النظيم عنه قال : دخلت في بعض الأيام على الإِمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حتى اقرأ عليه اذا ثعبان قد وضع فمه على اذن موسى بن جعفر (عليه السلام) كالمحدث له فلما فرغ حدثه موسى بن جعفر (عليه السلام) حديثاً لم افهمه ثم انساب الثعبان فقال (عليه السلام) يا احمد هذا رسول من الجن قد اختلفوا في مسألة جاءني يسألني فاخبرته بها باللّه عليك يا احمد لا تخبر بهذا احداً الا بعد موتي فما اخبرت به احداً حتى مات (عليه السلام) (منه)، وفي كتاب التتمة في تاريخ الأئمة (عليهم السلام) للسيد تاج الدين العاملي ونقله الشيخ الحر العاملي نور اللّه مضجعه في اثبات الهداة ايضاً قال : في تاريخ احوال موسى بن جعفر (عليه السلام) ولما مات امر السندي بوضعه على الجسر واظهر للناس انه مات بقضاء اللّه تعالى فكان الناس ينظرون اليه وليس به جرح، وروي ان بعض المخلصين من الإِمامية جاء حينئذ والناس مجتمعون وهم يقولون مات بغير قتل لهم انا استخبر منه بماذا مات، فقالوا : انه ميت، فكيف يخبرك فدنا منه وقال يا ابن رسول اللّه انت صادق وابوك صادق فاخبرنا مضيت موتاً او قتلاً ؟ فنطق (عليه السلام) وقال قتلاً قتلاً قتلاً، ثم غسل وكفن وكان المتولي لذلك ذلك الرجل وصى اليه ودفن بالزوراء في مقابر قريش من باب التين. قال ابن حجر في الصواعق : في احوال موسى بن جعفر (عليه السلام) وحمله الرشيد معه الى بغداد وحبسه فلم يخرج من حبسه الا ميتاً مقيداً (منه).
[171]
قال الراوي : فلما اتى به (عليه السلام) مجلس الشرطة اقام اربعة نفر فنادوا الا من أراد أن يرى موسى بن جعفر فليخرج، وخرج سليمان بن جعفر من قصره الى الشط فسمع الصياح والضوضاء(1) فقال لولده وغلمانه ما هذا قالوا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر (عليه السلام) على نعش فقال لولده وغلمانه : يوشك ان يفعل هذا به في الجانب الغربي فاذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من ايديهم فان مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد، فلما عبروا به نزلوا اليهم فاخذوه من ايديهم وضربوهم وخرقوا ما عليهم من سوادهم ووضعوه في مفرق اربعة طرق واقام المنادون ينادون الا من أراد أن يرى الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر (عليه السلام) فليخرج، وحضر الخلق وغسل وحنط بحنوط فاخر وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار عليها القرآن كله واحتفى ومشى في جنازته متسلباً(2) مشقوق الجيب حاسر الرأس الى مقابر قريش في باب التين، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والاشراف من الناس قديماً فدفنه هناك وكتب بخبره إلى الرشيد فكتب الى سليمان بن ابي جعفر وصلتك رحم يا عم واحسن اللّه جزاءك واللّه ما فعل السندي بن شاهك لعنه اللّه ما فعله عن أمرنا.
_______________________
(1) أي الغوغاء.
(2) أي منتزعاً ثوبه.
قال الشيخ الأجلُّ الاقدم ابو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الفرق : ولد موسى بن جعفر (عليه السلام) في سنة ثمان وعشرين ومئة وقال بعضهم سنة تسع وحمله الرشيد من المدينة لعشر ليال بقين من شوال
[172]
سنة تسع وسبعين ومئة وقد قدم هارون الرشيد المدينة منصرفاً من عمرة شهر رمضان ثم شخص هارون الى الحج وحمله معه ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور ثم أشخصه الى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة 183 ثلاث وثمانين ومئة وهو ابن خمس او اربع وخمسين سنة ودفن في مقابر قريش.
ويقال في رواية اخرى : انه دفن بقيوده وانه اوصى بذلك فكانت امامته خمساً وثلاثين سنة وشهوراً.
وفي الدّر النظيم، ودفن ببغداد في مقابر قريش في بقعة كان قبل وفاته قد ابتاعها لنفسه(1) وروى الشيخ الكليني عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن مسافر قال امر ابو ابراهيم (عليه السلام) حين اخرج به ابا الحسن (عليه السلام) ان ينام على بابه في كلّ ليلة ابداً ما كان حياً الى ان يأتيه خبره قال : فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن (عليه السلام) في الدهليز ثم يأتي بعد العشاء فينام فاذا اصبح انصرف الى منزله قال فمكث على هذه الحال اربع سنين فلما كانت ليلة من الليالي ابطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي فاستوحش العيال وذعروا(2) ودخلنا امر عظيم من ابطائه فلما كان من الغد اتى الدار ودخل الى العيال وقصد الى ام احمد فقال لها : هاتي الذي اودعك أبي، فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت مات واللّه سيدي فكفّها وقال لها : لا تتكلمي بشيء حتى يجيء الخبر الى الوالي فاخرجت اليه سفطاً(3) والفي دينار واربعة آلاف دينار فدفعت ذلك اجمع اليه
______________________
(1) وعن الخطيب صاحب تاريخ بغداد المتوفى سنة 463 ثلاث وستين واربعمائة وهو من اعاظم علماء الجمهور قال فيه (عليه السلام) توفّي (عليه السلام) بالحبس ودفن في مقابر الشونيز خارج البقعة وقبره مشهور يزار، عليه مشهد عظيم فيه من قناديل الذهب والفضة وانواع الآلات والفرش مالاً يحد وهو في الجانب الغربي (عليه السلام) جعلنا اللّه من المحبين له ولآبائه الكرام وكان الموكل به ايام حبسه ابن شاهك السندي جد كشاجم الشاعر المشهور واللّه اعلم واحكم (منه).
(2) أي دهشوا وخافوا.
(3) السفط : وعاء كالصندوق.
[173]
دون غيره وقالت انه قال فيما بيني وبينه، وكانت(1) اثيرة عنده، احتفظي بهذه الوديعة عندك لا تطلعي عليها احداً حتى اموت فاذا مضيت فمن أتاك من وُلدي فطلبها منك فادفعيها اليه واعلمي اني قد متُّ وقد جاءتني واللّه علامة سيدي فقبض ذلك منها وامرهم بالامساك جميعاً الى ان ورد الخبر وانصرف فلم يعد بشيء من المبيت كما كان يفعل. فما لبثنا الا اياماً يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه فعددنا الايام وتفقدنا الوقت فاذا هو قد مات في الوقت الذي فعل ابو الحسن (عليه السلام) ما فعل من تخلّفه عن المبيت وقبضه لما قبض.
يستحب زيارة ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ببغداد وورد أن لزائره الجنة وقال الرضا (عليه السلام) من زار قبر ابي ببغداد كان كمن زار رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقبر امير المؤمنين (عليه السلام ) الا أن لرسول اللّه وامير المؤمنين (عليهما السلام) فضلهما وعن الخطيب في تاريخه عن علي بن الخلال قال : ما همني امر فقصدت قبر موسى بن جعفر (عليه السلام) وتوسلت به إلا سهل اللّه لي ما أحب، ورأى في بغداد امرأة تهرول فقيل : الى أين ؟ قالت : الى موسى بن جعفر (عليه السلام) فانه حُبس ابني، فقال حنبلي انه قد مات في الحبس فقالت : بحق المقتول في الحبس ان تريني القدرة، فاذا بابنها قد اطلق واخذ ابن المتهزئ بجنايته. انتهى.
وروي عن الرضا (عليه السلام) انه سئل عن اتيان قبر ابي الحسن (عليه السلام) فقال صلوا في المساجد حوله.
_____________________
(1) جملة معترضة (منه).
[174]
وروي ايضاً ولا تصل عند رأس موسى (عليه السلام) فانه يقابل قبور قريش ولا يجوز اتخاذها قبلة وتقول في زيارته ما رواه ابن قولويه باسناده عن ابي الحسن (عليه السلام) :
(السلام عليك يا ولي اللّه، السلام عليك يا حجة اللّه، السلام عليك يا نور اللّه في ظلمات الأرض، السلام عليك يا من بدا للّه في شأنه، اتيتك زائراً عارفاً بحقك، معادياً لأعدائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي.
قال وادع اللّه واسأل حاجتك.
اقول : وذكر السيد بن طاوس (رحمه اللّه) الصلاة عليه صلى اللّه عليه :
اللهم صل على محمد واهل بيته، وصل على موسى بن جعفر وصي الابرار، وامام الاخيار، وعيبة الانوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر(1) الى السحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة، ومقر النهى والعدل والخير والفضل والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير(2) ذي الساق المرضوض(3) بحلق القيود والجنازة(4) المنادى عليها بذلِّ الاستخفاف، والوارد على جدّه المصطفى وابيه المرتضى وامه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وامر مغلوب، ودم مطلوب، وسمّ مشروب، اللهم وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع غصص(5)
_____________________________
(1) أي عدم النوم في الليل.
(2) جمع مطمورة وهي الحفرة تحت الأرض وتستعمل في الحبس.
(3) أي المدقوق.
(4) تستعمل في الميت في عرف المتقدمين.
(5) جمع غصة وهي الحزن والهم.
[175]
الكرب واستسلم لرضاك واخلص الطاعة لك، ومحض الخشوع، واستشعر الخضوع، وعادى البدعة واهلها، ولم يلحقه في شيء من اوامرك ونواهيك لومة لائم، صل عليه صلاة نامية(1) منيفة زاكية، توجب له بها شفاعة امم من خلقك، وقرون من براياك(2)، وبلغه عنا تحية وسلاماً، وآتنا من لدنك في موالاته فضلاً واحساناً، ومغفرة ورضواناً، إنك ذو الفضل العميم، والتجاوز العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين).
_______________________
(1) أي الشامخة الشريفة المرتفعة الشأن.
(2) جمع برية وهي الخلق.
[176]
المأمول المرتجى بضعة سيد الورى صلوات اللّه عليه وعلى آبائه واولاده ائمة الهدى
ولد (عليه السلام) في حادي عشر من ذي القعدة يوم الخميس او يوم الجمعة(1) بالمدينة سنة 148 ثمان واربعين ومائة(2) بعد وفاة جده الصادق (عليه السلام) بايام قليلة وكان الصادق (عليه السلام) يتمنى ادراكه، ففي الخبر عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سمعت ابي جعفر بن محمد (عليه السلام) غير مرة يقول لي : ان عالم آل محمد (عليه السلام) لفي صلبك وليتني ادركته فانه سميّ امير المؤمنين (عليه السلام).
وروي عن يزيد بن سليط قال : لقينا ابا عبد اللّه (عليه السلام) في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له : بأبي انت وامي انتم الأئمة المطهرون والموت لا يعرى منه احد فاحدث اليّ شيئاً القيه الى من يخلفني فقال لي : نعم هؤلاء ولدي وهذا سيدهم واشار الى ابنه موسى (عليه السلام) وفيه علم الحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس اليه فيما اختلفوا فيه من امر دينهم وفيه حسن الخلق وحسن الجوار وهو باب من ابواب اللّه عز وجل وفيه اخرى هي خير من ذلك كله، فقال له ابي : وما هي بابي انت وامي، قال :
_____________________
(1) او يوم الثلاثاء.
(2) وقيل في 15 من ذي القعدة او ذي الحجة وقيل في سنة ولادته انها سنة ثلاث وخمسون ومئة نقله الطبرسي في اعلام الورى.
[177]
يخرج اللّه تعالى منه غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها وفهمها وحكمها خير مولود وخير ناشئ يحقن اللّه به الدماء(1) ويصلح به ذات البين ويلم به الشعث(2) ويشعب به الصدع(3) ويكسو به العاري ويشبع به الجائع ويؤمن به الخائف وينزل به القطر ويأتمر له العباد، خير كهل وخير ناشئ يبشر به عشيرته قبل أوان حلمه قوله حكم وصمته(4) علم يبين للناس ما يختلفون فيه الخ(5).
امه (عليه السلام) ام ولد يقال لها ام البنين، واسمها نجمة ويقال لها تكْتمُ ايضاً، اشترتها حميدة المصفاة ام موسى (عليه السلام) وكانت من افضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها.
روي ان حميدة رأت في المنام رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول لها : يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى (عليه السلام) فانه سيولد له منها خير اهل الأرض فوهبتها له فلما ولدت له الرضا (عليه السلام) سماها الطّاهرة.
وفي الدر النظيم لجمال الدين يوسف بن حاتم العاملي تلميذ المحقق (رحمهما اللّه) قال في ذكر الرضا (عليه السلام) : امه ام ولد يقال لها تكتم قال(6) ابو الحسن موسى (عليه السلام): (لما ابتاع هذه الجارية) لجماعة من اصحابه: واللّه ما اشتريت هذه الجارية الا بأمر اللّه ووحيه، فسئل عن
________________________
(1) لأن قبل توليه (عليه السلام) ولاية العهد لم يزل يخرج رجل بعد رجل من بني علي (عليه السلام) على بني العباس ويسفك دماء الفريقين. وذلك لما يرى بنو علي لأنفسهم من التقدم على بني العباس في امرة المؤمنين. وبعد ولايته (وهو مقبول الفضل على من عداه) لم يبق مستمسك لبني علي في الخروج.
(2)اي يسد به الخلل.
(3) أي يجمع به الشق والفرقة.
(4) الصمت كالضرب : السكوت.
(5) اقول يأتي في النور الرابع عشر في فصل فضل انتظار الفرج حديث يناسب هذا المقام (منه).
(6) ذكر هذا الخبر المسعودي في اثبات الوصية ايضاً (منه).
[178]
ذلك فقال : بينا انا نائم اذ أتاني جدي وابي (عليهما السلام) ومعهما شقة حرير فنشراها فاذا قميص وفيه صورة هذه الجارية فقالا يا موسى : ليكونن لك من هذه الجارية خير اهل الأرض بعدك ثم أمراني اذا ولدته ان اسميه علياً، وقالا : ان اللّه عز وجل سيظهر به العدل والرأفة والرحمة طوبى لمن صدقه وويل لمن عاداه وجحده.
روى الشيخ الصدوق عن نجمة ام الرضا (عليه السلام) تقول : لما حملتُ بابني عليّ لم اشعر بثقل الحمل وكنت اسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني فيفزعني ذلك ويهوّلني، فاذا انتبهت لم اسمع شيئاً فلما وضعته وقع على الأرض واضعاً يده على الأرض رافعاً رأسه الى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلم فدخل الي ابوه موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال لي : هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك، فناولته اياه في خرقة بيضاء فأذن في أذنه الايمن واقام في الايسر ودعا بماء الفرات فحنكه ثم رده الي وقال : خذيه فانه بقية اللّه في ارضه، وروى عن البزنطي قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ان قوماً من مخالفيكم يزعمون ان اباك انما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده، فقال كذبوا واللّه وفجروا بل اللّه تبارك وتعالى سماه الرضا لأنه كان رضيّ اللّه عز وجل في سمائه ورضي لرسوله والأئمة بعده (عليهم السلام) في ارضه، قال : فقلت له : الم يكن كل واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضي اللّه عز وجل ولرسوله والأئمة بعده (عليهم السلام) ؟ فقال بلى، فقلت: فلم سمِّي ابوك (عليه السلام) من بينهم الرضا ؟ قال لأنه رضي به المخالفون من اعدائه كما رضي به الموافقون من اوليائه ولم يكن ذلك لأحد من آبائه (عليهم السلام) فذلك سمّى من بينهم الرضا (عليه السلام). وروي ان نقش خاتم الرضا (عليه السلام) كان : ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه.
[179]
روي انه كان جلوس الرضا (عليه السلام) في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح ولبسه الغليظ من الثياب حتى اذا برز للناس تزيَّن لهم، وكان (عليه السلام) اذا صلى الغداة وكان يصليها في اول وقت ثم يسجد فلا يرفع رأسه الى ان ترتفع الشمس، ثم يقوم فيجلس للناس او يركب ولم يكن احد يقدر أن يرفع صوته في داره كائناً من كان، وكانت قيمة(1) في داره تنبه النساء بالليل وتأخذهن بالصلاة وكان ذلك من اشد ما عليهن حتى ان بعض الجواري تمنت الخروج من داره، وكان (عليه السلام) يكلم الناس قليلاً وكان كلامه وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختمه في كل ثلاث ويقول لو اردت ان اختمه في اقرب من ثلاث لختمتٍ ولكنِّي ما مررت بآية قط الا فكرت فيها وفي أي شيء انزلت وفي أي وقت فلذلك صرت اختم في كل ثلاثة ايام.
وروي عن ابي الصلت قال : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا (عليه السلام) بسرخس وقد قيد فاستأذنت عليه السجان فقال لا سبيل لكم اليه فقلت : ولم قال : لأنه ربما صلى في يومه وليلته الف ركعة انما ينفتل في صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الاوقات قاعد في مصلاه يناجي ربه قال : فقلت له فاطلب لي في هذه الأوقات اذناً عليه فاستأذن لي عليه فدخلت عليه وهو قاعد في مصلاه متفكر، الخبر.
وعن ابراهيم بن العباس قال : ما رأيت ابا الحسن الرضا (عليه السلام) جفا احداً بكلامه قط، ولا اتكى بين يدي جليس له قط، ولا رأيته شتم احداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط بل
____________________________
(1) أي متولية.
[180]
كان ضحكه التبسم، وكان اذا خلا ونصبت مائدته اجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسائس، وكان (عليه السلام) قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي اكثر لياليه من اولها الى الصبح، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة ايام في الشهر ويقول ذلك صوم الدهر، وكان (عليه السلام) كثير المعروف والصدقة في السر وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه، اقول ومن أراد أن يقف على ما كان يعمل (عليه السلام) في يومه وليله من العبادات فعليه ان يلاحظ الخبر المشهور المروي من رجاء بن ابي الضحاك الحميري عن ابيه عن معمر بن خلاد قال : كان ابو الحسن الرضا (عليه السلام) اذا اكل أُتي بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد الى اطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء شيئاً فيوضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين ثم يتلو هذه الآية، فلا اقتحم العقبة، ثم يقول: علم اللّه عز وجل ان ليس كل انسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيل الى الجنة(1)-.
الكليني عن اليسع بن حمزة قال : كنت انا في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السلام) احدثه وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام اذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال له: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، رجل من محبيك ومحبيّ آبائك واجدادك (عليهم السلام)، مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما ابلغ به مرحلة، فان رأيت ان تنهضني الى بلدي وللّه عليّ نعمة فاذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة، فقال له اجلس رحمك اللّه واقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وانا فقال اتأذنون لي في الدخول فقال له سليمان قدم اللّه امرك، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج ورد الباب واخرج يده من اعلى الباب وقال اين الخراساني ؟ فقال ها أنذا
_____________________________
(1) اذ انه تعالى جعل شكر الايادي، اقتحام العقبة وفسره بقوله عتق رقبة او اطعام في يوم ذي مسغبة (اي مجاعة) فاشار (عليه السلام) الى عدم امكان الأول لأكثر الناس وقدرتهم للثاني.
[181]
فقال خذ هذه المئتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك وتبرك بها ولا تتصدق بها عني واخرج فلا اراك ولا تراني، ثم خرج، فقال سليمان : جعلت فداك لقد اجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه، فقال : مخافة ان أرى ذل السؤال في وجهه لقضاء حاجته اما سمعت حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له، اما سمعت قول الأول :
متى آتِه يوماً لأطلب حاجة*** رجعت الى اهلي ووجهي بمائه
قال السبط في التذكرة وكان (عليه السلام) من الفضلاء الاتقياء الاجواد وفيه يقول ابو نواس(1):
قيل لي : انت اوحد الناس في*** كل كلام من المقال بديه
لك في جوهر الكلام فنون*** ينثر الدر في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح بن موسى*** والخصال التي تجمعن فيه
قلت : لا اهتدي لمدح امام*** كان جبريل خادماً لأبيه
ابن شهرآشوب عن موسى بن سيار قال : كنت مع الرضا (عليه السلام) وقد اشرف على حيطان طوس وسمعت واعية فاتبعتها فاذا نحن بجنازة فلما بصرت بها، رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة(2) بامها ثم اقبل عليّ وقال يا موسى بن سيار، من شيع جنازة وليٍّ من اوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه لا ذنب عليه، حتى اذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد اقبل فافرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت فوضع يده على صدره ثم قال : يا فلان بن فلان ابشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة فقلت جعلت فداك هل تعرف الرجل فواللّه انها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا، فقال لي:
_______________________
(1) له ظرف وملاميح. راجع ترجمته في الكنى والالقاب وغيره.
(2) ولد الشاة.
[182]
يا موسى بن سيار اما علمت انا معاشر الأئمة تعرض علينا اعمال شيعتنا صباحاً ومساء فما كان من التقصير في اعمالهم سألنا اللّه الشكر لصاحبه.
روي عن ياسر الخادم قال، كان الرضا (عليه السلام) اذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكان (عليه السلام) اذا جلس على المائدة لم يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس(1) والحجام الا اقعده معه على مائدته. وقال : قال لنا ابو الحسن ان قمت على رؤوسكم وانتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا ولربما دعا بعضنا، فيقال: هم يأكلون فيقول : دعوهم حتى يفرغوا.
وروى الشيخ الكليني عن رجل من اهل بلخ قال : كنت مع الرضا (عليه السلام) في سفره الى خراسان فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت : جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فقال : مه ان الرب تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والاب واحد والجزاء بالاعمال.
اقول : هذا حاله (عليه السلام) مع الفقراء والرعايا ولكن لما دخل عليه الفضل بن سهل ذو الرياستين وقف بين يديه ساعة ثم رفع الرضا (عليه السلام) رأسه إليه فقال له : ما حاجتك قال الفضل : يا سيدي هذا كتاب كتبه(2) امير المؤمنين وأنت اولى ان تعطينا مثل ما اعطى امير المؤمنين اذ كنت وليّ عهد المسلمين، فقال له الرضا (عليه السلام) : اقرأه وكان كتاباً في اكبر جلد فلم يزل قائماً حتى قرأه فلما فرغ قال له ابو الحسن (عليه السلام) : يا فضل لك علينا هذا ما اتقيت اللّه عز وجل، فنقض عليه امره في كلمة واحدة فخرج من عنده.
روى عن ياسر الخادم قال : اكل الغلمان يوماً فاكهة فلم يستقصوا
_______________________
(1) أي رائض الدواب والمتولي لها.
(2) كان هو كتاب الحبوة فيه ما اعطاه المأمون وحباه كلما احب من الاموال والضياع والسلطان وبسط له من الدنيا امله (منه).
[183]
اكلها، ورموا بها، فقال لهم ابو الحسن (عليه السلام) سبحان اللّه ان كنتم استغنيتم فان أناساً لم يستغنوا اطعموه من يحتاج اليه. وروى انه (عليه السلام) رأى اسود يعمل مع غلمانه فقال لهم: قاطعتموه على أجرته فقالوا لا هو يرضى منا بما نعطيه فضربهم بالسوط وغضب لذلك غضباً شديداً.
وعن محمد بن سنان قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) في ايام هارون انك شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس ابيك وسيف هارون يقطر الدم، قال جرأني على هذا ما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان اخذ ابو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا اني لست بنبي وانا اقول لكم ان اخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا اني لست بامام.