فصل في احوال الإِمام ابي جعفر الباقر عليه السلام

روي عن الزهري(1) قال دخلت على عليّ بن الحسين (عليه السلام) في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه محمد ابنه (عليه السلام) فحدثه طويلاً بالسر فسمعته يقول فيما يقول، عليك بحسن الخلق.

وعن ابي بكر الحضرمي، قال: لما حمل ابو جعفر (عليه السلام) الى الشام الى هشام بن عبد الملك وصار ببابه قال هشام لاصحابه اذا سكتُّ من توبيخ محمد بن علي فلتوبخوه، ثم امر ان يؤذن له فلما دخل عليه ابو جعفر (عليه السلام) قال بيده: السلام عليكم فعمهم بالسلام جميعاً ثم جلس فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير اذن، فقال يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا الى نفسه وزعم انه الإمام سفهاً وقلة علم وجعل يوبخه فلما سكت أقبل القوم عليه رجل بعد رجل يوبخه، فلما سكت القوم نهض (عليه السلام) قائماً، ثم قال: ايها الناس اين تذهبون واين يراد بكم، بنا هدى اللّه اوَّلكم، وبنا يختم آخركم، فان يكن لكم ملك معجل فان لنا ملكاً مؤجّلاً وليس بعد ملكنا ملك لأنّا اهل العاقبة، يقول اللّه عز وجل والعاقبة للمتقين، فامر به

_____________________________

(1) الزهري: بضم الزاء وسكون الهاء. ابو بكر محمد بن مسلم ينتهي نسبه الى زهرة بن كلاب. كان من فقهاء المدينة من طبقة التابعين وقد ذكره الجمهور واثنوا عليه راجع ترجمته من الكنى والالقاب.

[120]

الى الحبس فلما صار في الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل الا ترشفه(1) وحنّ عليه فجاء صاحب الحبس الى هشام واخبره بخبره فأمر به، فحمل على البريد هو واصحابه ليردوا الى المدينة، وامر ان لا تخرج لهم الاسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا شراباً حتى انتهوا الى مَدْين(2): فاغلق باب المدينة دونهم، فشكا اصحابه العطش والجوع قال: فصعد جبلاً اشرف عليهم فقال باعلى صوته: يا اهل المدينة الظالم اهلها، انا بقية اللّه، يقول اللّه بقية اللّه خير لكم ان كنتم مؤمنين وما انا عليكم بحفيظ، قال وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال يا قوم هذه واللّه دعوة شعيب (عليه السلام) واللّه لئن لم تخرجوا الى هذا الرجل بالاسواق لتؤخذون من فوقكم ومن تحت ارجلكم فصدقوني هذه المرة واطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فاني ناصح لكم، قال فبادروا واخرجوا الى ابي جعفر واصحابه الأسواق(3).

اقول، قال العلامة المجلسي (رحمه اللّه) في شرح الخبر: فلم يبق في الحبس رجل الا ترشّفه ( الترشف المص والتقبيل مع اجتماع الماء في الفم وهو كناية عن مبالغتهم في اخذ العلم عنه (عليه السلام) او عن غاية الحبّ ولعله تصحيف ترسفه بالسين المهملة يعني مشى اليه مشي المقيد يتحامل رجله مع القيد) انتهى.

وروى عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال ان محمد بن (4) المنكدر كان

___________________

(1) سيأتي تفسيره.

(2) مدين: بالفتح ثم السكون وفتح الياء. مدينة قوم شعيب وهي تجاه تبوك على بحر القلزم بينهما ست مراحل.

(3) وفي الكافي فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث اليه فحمله فلم يدر ما صنع به (منه).

(4) الظاهر ان محمد بن المنكدر كان من متصوفة العامة كطاوس وشقيق وابن ادهم وامثالهم حكى صاحب المستطرف عن محمد بن المنكدر انه جزأ عليه وعلى امه وعلى اخته الليل اثلاثاً فماتت اخته فجزأ عليه وعلى امه فماتت امه فقام الليل كله اقول لو صح هذا من ابن المنكدر فقد اخذ هذا من =

[121]

يقول ما كنت ارى ان مثل عليّ بن الحسين (عليه السلام) يدع خلفاً لفضل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) حتى رأيت ابنه محمد بن عليّ (عليه السلام) فأردت ان اعظه فوعظني فقال له اصحابه باي شيء وعظك قال: خرجت الى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيت محمد بن عليّ (عليه السلام) وكان رجلاً بديناً وهو متكئ على غلامين له اسودين او موليين له، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، واللّه لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليّ بنهر وقد تصبَّب عرقاً فقلت: اصلحك اللّه، شيخ من اشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وانت على هذه الحال، قال فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال: لو جاءني واللّه الموت وانا في هذه الحال جاءني وانا في طاعة من طاعات اللّه، اكف بها نفسي عنك وعن الناس، وانما كنت اخاف الموت لو جاءني وانا على معصية من معاصي اللّه، فقلت : يرحمك اللّه اردت ان اعظك فوعظتني.

وروي انه (عليه السلام) خرج حاجاً فلما دخل المسجد ونظر الى البيت بكى حتى علا صوته ثم طاف بالبيت وصلّى عند المقام فرفع رأسه من سجوده، فاذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه، وكان (عليه السلام) اذا ضحك قال اللهم لا تمقتني، وكان يقول في جوف الليل في تضرعه: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم انزجر فها انا ذا عبدك بين يديك ولا اعتذر.

وروي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان ابي (عليه السلام) اذا احزنه امر جمع النساء والصبيان ثم دعا، وأمنوا.

وقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) كان أبي كثير الذكر لقد كنت امشي معه وانه ليذكر اللّه ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر

__________________

= آل داود فقد روي ان داود (عليه السلام) جزّأ ساعات الليل والنهار على اهله فلم يكن ساعة الا وانسان من اولاده في الصلاة فقال تعالى اعملوا آل داود شكراً (منه).

[122]

اللّه، وكنت ارى لسانه لازقاً(1) بحنكه يقول لا اله الا اللّه وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ومن كان لا يقرأ منّا امره بالذكر.

فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام

كان ابو جعفر الباقر (عليه السلام) مع ما وصف من الفضل في العلم والسؤدد(2) والرياسة والإِمامة ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالتفضل والاحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله.

قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): كان أبي أقل اهل بيته مالاً واعظمهم مؤونة وكان يتصدق كل جمعة بدينار وكان يقول الصدقة يوم الجمعة تضاعف، لفضل يوم الجمعة على غيره من الايام.

وروي عن الحسن بن كثير قال: شكوت الى ابي جعفر محمد بن عليّ (عليه السلام) الحاجة وجفاء الاخوان، فقال بئس الاخ اخاً يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً ثم أمر غلامه فاخرج كيساً فيه سبعمئة درهم وقال استنفق هذه فاذا نفدت فاعلمني.

روي انه (عليه السلام) كان يجير(3) الخمسمئة درهم الى الستمئة الى الالف درهم وكان لا يملّ من صلة الاخوان وقاصديه ومؤمليه وراجيه.

وروي عنه عن آبائه (عليهم السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كان يقول: اشد الاعمال ثلاثة، مواساة الاخوان في المال وانصاف الناس من نفسك وذكر اللّه على كل حال.

______________________________

(1) أي لاصقاً.

(2) أي السيادة والرفعة.

(3) اجار فلاناً: اغاثه.

[123]

ورُوي عنه (عليه السلام) قوله ما شيب(1) شيء بشيء احسن من حلم بعلم.

وعن الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، قال: قد جمع محمد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، صلاح حال الدنيا بحذافيرها(2) في كلمتين، فقال صلاح جميع المعايش والتعاشر، ملء مكيال، ثلثان فطنة، وثلث تغافل.

وقال له نصراني: انت بقر، قال لا، انا باقر، قال انت ابن الطباخة قال: ذاك حرفتها، قال انت ابن السوداء الزنجية البذية(3)، قال ان كنت صدقت غفر اللّه لها، وان كنت كذبت غفر اللّه لك قال فأسلم النصراني.

اقول ولقد اقتدى به سلام اللّه عليه في هذا الخلق الشريف افضل الحكماء والمتكلمين سلطان العلماء والمحققين الوزير الاعظم الخواجة نصير الملة والدين (قدس اللّه روحه) فقد ذكرنا  في ترجمته في الفوائد الرضوية، ان ورقة حضرت اليه من شخص من جملة ما فيها، يا كلب ابن كلب فكان الجواب اما قوله يا كذا فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح(4) طويل الأظفار، واما انا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الاظفار ناطق ضاحك فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص، واطال في نقض كل ما قال، وهكذا رد عليه بحسن طوية(5) وتأنٍ غير منزعج(6) ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة، قلت ليس هذا ببدع ممن قال في حقه العلامة في اجازته الكبيرة، وكان هذا الشيخ افضل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية، والاحكام الشرعية على

____________________

(1) من الشوب وهو المزج.

(2) حذافير: جمع حذفار (بكسر الحاء) وهو الجانب. يقال بحذافيرها أي بجوانبها وبأسرها.

(3) البذاء: الفحش والسفاهة.

(4) النبح: صوت الكلب.

(5) الطوية: النية والضمير.

(6) انزعج: قلق.

[124]

مذهب الإِمامية، وكان اشرف من شاهدناه في الاخلاق، نور اللّه مضجعه، قرأت عليه إلهيات الشفا لأبي علي بن سينا وبعض التذكرة في الهيئة، تصنيفه، ثم ادركه الموت المحتوم (قدس اللّه روحه). انتهى.

فصل في كلماته وحِكَمِه عليه السلام

ومن كلمات مولانا الباقر (عليه السلام) في الحكم.

قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة(1) وتقدير المعيشة.

وقال (عليه السلام): من لم يجعل اللّه له في نفسه واعظاً فان مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً.

وقال (عليه السلام) كم رجل قد لقي رجلاً فقال له: كبتَ اللّه عدوك وما له عدو الا اللّه.

وقال (عليه السلام): ما عرف اللّه من عصاه وانشد:

تعصي الإِله وانت تُظهر حبَّهُ*** هذا لعمرك في الفعالِ بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأَطعتَهُ*** ان المحبّ لمِن أحبَّ مُطيعُ

وقال في وصيته لجابر الجعفي: يا جابر اغتنم من اهل زمانك خمساً: ان حضرت لم تعرف(2) وان غبت لم تفتقد، وان شهدت لم تشاور، وان قلت لم يقبل قولك، وان خطبت لم تتزوج.

_________________

(1) النائبة: المصيبة الواردة.

(2) لم تعرف: بصيغة المبني للمفعول وكذا ما بعده.

[125]

وقال: مثل الحاجة الى من اصاب ماله حديثاً كمثل الدرهم في فم الافعى انت اليه محوج(1) وانت منها على خطر.

وقال (عليه السلام) الحياء والايمان مقرونان في قرن فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه.

وقال لبعض شيعته وقد اراد سفراً، فقال له (عليه السلام): أوصني، فقال: لا تسيرن سيراً وانت حاف، ولا تنزلن عن دابتك ليلاً الا ورجلاك في خف، ولا تبولن في نفق ولا تذوقن بقلة(2) ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا  تشربن من سقاء(3) حتى تعرف ما فيه ولا تسيرن الا مع من تعرف، واحذر من لا تعرف.

وقال من اعطي الخلق والرفق فقد اعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلاً الى كل شر وبلية الا من عصمه اللّه.

اقول قد وردت روايات كثيرة في مدح الرفق وكفى في ذلك ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لجابر (رضي اللّه عنه): ان هذا الدين لمتين، فاوغل فيه برفق ولا تبغض الى نفسك عبادة اللّه فان المنبتَّ لا ارضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

بيان: يقال للرجل اذا انقطع في سفره وعطب راحلته قد انبَتَّ من البت (اي القطع)، يريد انه بقي في طريقه عاجزاً عن مقصده لم يقض وطره وقد اعطب ظهره، والظهر الابل التي يحمل عليها وتركب.

قال المحقق الطوسي في آداب المتعلم: ويغتنم ايام الحداثة وعنفوان الشباب ولا يجهد نفسه جهداً يضعف النفس وينقطع عن العمل بل يستعمل الرفق في ذلك والرفق اصل عظيم في جميع الأشياء.

___________________

(1) اسم مفعول من الحاجة.

(2) المراد بها كلما نبت من الأرض لأن فيها مظنة التسمم.

(3) السقاء: وعاء من جلد للماء واللبن.

[126]

فصل في وفاة الإِمام محمد بن علي الباقر عليه السلام

توفي ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة 114 هجري اربع عشرة ومئة وله سبع وخمسون سنة.

قيل سمَّه ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك فتكون وفاته في ايام هشام بن عبد الملك، وقبره بالبقيع في القبر الذي فيه ابوه وعم ابيه الحسن (عليهم السلام) في القبة التي فيها العباس، وأوصى الى ابنه جعفر (عليه السلام) وامره ان يكفنه في برده الذي كان يصلّي فيه يوم الجمعة وان يعمّمه بعمامته وان يربع قبره ويرفعه اربع اصابع وان يحل عنه اطماره عند دفنه.

ورُوي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)، قال كتب ابي في وصيته، ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة، كان يصلي فيه يوم الجمعة وثوب آخر وقميص، فقلت لأبي: لِمَ تكتب هذا؟ فقال: اخاف ان يغلبك الناس وان قالوا كفّنه في اربعة او خمسة فلا تفعل، وعمّمني بعمامة، وليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد.

وعنه (عليه السلام) ايضاً قال لي ابي: يا جعفر اوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى، ايام منى.

ورُوي انّه اوصى بثمانمئة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة، لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا.

وعن ابي عبد اللّه (عليه السلام) ان رجلاً كان على اميال من المدينة فرأى في منامه، فقيل له انطلق فصلّ على ابي جعفر (عليه السلام) فان الملائكة تغسله في البقيع فجاء الرجل، فوجد ابا جعفر قد توفّي (صلوات اللّه وسلامه عليه).

[127]

النور الثامن .. الإِمام السادس مولانا ابو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق الامين ...

ينبوع العلم ومعدن الحكمة واليقين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وابنائه الطاهرين

ولد (عليه السلام) بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 83 هجري ثلاث وثمانين من الهجرة، وهو اليوم الذي ولد فيه النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وهو يوم شريف عظيم البركة ولم يزل الصالحون من آل محمد (عليهم السلام) من قديم الايام يعظمون حقّه، ويرعون حرمته وفي صومه فضل كبير وثواب جزيل ويستحب فيه الصدقة وزيارة المشاهد المشرّفة والتطوع بالخيرات وادخال المسرّة على اهل الايمان.

امّه (عليه السلام) النجيبة الجليلة المكرمة فاطمة المعروفة بأم فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر، وامّها اسماء بنت عبد الرحمان بن ابي بكر. قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): كانت امّي ممّن آمنت واتقت واحسنت، واللّه يحب المحسنين.

وعن عبد الأعلى، قال: رأيت ام فروة تطوف بالكعبة، عليها كساء، متنكرة، فاستلمت الحجر بيدها اليسرى فقال لها رجل يا امَةَ اللّه اخطأت السّنة فقالت إنّا لأغنياء من علمك(1).

___________________

(1) الذي يظهر لي من الروايات ان سعيدة المعروفة بالفضل وبالعبادة كانت مولاة أم فروة وهي التي قالل لها الصادق (عليه السلام) اسأل اللّه الذي عرفنيك في الدنيا ان يزوجنيك في الجنة (منه).

[128]

اقول الظاهر ان الرجل كان من فقهاء العامة وكان المعروف(1) بابن خَرَّبوذ يعبِّر عن الصادق (عليه السلام) بابن المكرمة.

قال المسعودي في اثبات الوصية: وكان ابوها القاسم من ثقات اصحاب عليّ بن الحسين (عليه السلام)، وكانت من اتقى نساء زمانها، وروت عن علي بن الحسين (عليه السلام) احاديث:

منها قوله لها: يا امّ فروة اني لادعو لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مئة مرة يعني الاستغفار، لأنا نصبر على ما نعلم وهم يصبرون على ما لايعلمون انتهى.

ولأم فروة اخت تعرف بأم حكيم كانت زوجة اسحاق العريضي بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب، ولدت له القاسم وهو رجل جليل كان اميراً على اليمن، وهو ابو داود بن القاسم المعروف(2) بابي هاشم الجعفري البغدادي، العالم الورع، الثقة الجليل، الذي ادرك الرضا وبقية الأئمة (عليهم السلام)، وكان من وكلاء الناحية المقدّسة، ولم يكن في آل ابي طالب مثله في علو النسب فانه ينتهي الى عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب بأبوين، القاسم بن اسحاق، توفي في جمادى الاولى سنة 261 مئتين واحدى وستين وكان قبره مشهوراً يزار على ما صرح به المسعودي. ولابن عياش كتاب في اخبار ابي هاشم الجعفري، يروي عنه الطبرسي في اعلام الورى.

____________________

(1) معروف بن خرّبوذ (بتشديد الراء) من اصحاب الباقرين (عليهما السلام) وكان حليف السجدة الطويلة وهو ممن اجتمعت العصابة على تصديقهم وممن انقادوا له بالفقه. راجع ترجمته من الرجال الكبير، ولا يخفى انه غير المعروف بابن فيروز الكرخي العارف المشهور المتوفى سنة (200) ببغداد.

(2) المعروف: صفة داود (منه).

[129]

فصل في احوال الإِمام جعفر الصادق عليه السلام

قال السيد الشبلنجي الشافعي في نور الابصار في احوال ابي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) ما هذا لفظه: ومناقبه كثيرة تكاد تفوت عند الحاسب ويحار(1) في انواعها فهم اليقظ الكاتب، وروى عنه جماعة من اعيان الأئمة واعلامهم، كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك بن انس، والثوري، وابن عيينة، وابي أيوب السجستاني، وغيرهم، قال ابو حاتم: جعفر الصادق (عليه السلام) ثقة لا يسأل عن مثله. قال ابن قتيبة في كتاب ادب الكاتب وكتاب الجفر: كتبه الإِمام جعفر الصادق بن محمد الباقر، فيه كل ما يحتاجون الى علمه الى يوم القيامة والى هذا الجفر اشار ابو العلاء المعري بقوله:

لقد عجبوا لآل البيت لمّا*** اتاهم علمهم في جلد جَفْرِ

ومرآةُ المنجمِ وهي صغرى*** تريهِ كل عامرة وقَفْرِ

والجفر من اولاد المعز، ما بلغ اربعة اشهر، وانفصل عن امه.

وفي الفصول المهمة، نقل بعض اهل العلم، ان كتاب الجفر الذي بالغرب يتوارثه بنو عبد المؤمن بن عليّ من كلام جعفر الصادق (عليه السلام) وله فيه المنقبة السّنية والدرجة التي في مقام الفضل علية، انتهى.

وقال شيخنا المفيد (رحمه اللّه): وكان الصادق جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) من بين اخوته خليفة ابيه محمد بن عليّ (عليه السلام) ووصيه والقائم بالامامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل وكان أنْبههم (2) ذكراً واعظمهم قدراً واجلهم في العامة والخاصة، ونقل

_____________________

(1) أي يضل ويجهل وجه الصواب.

(2) أي اشرفهم واشهرهم.

[130]

الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلاد ولم ينقل عن احد من اهل بيته العلماء ما نقل عنه ولا لقي احد منهم من اهل الآثار ونقلة الاخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)، فان اصحاب الحديث قد جمعوا اسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا اربعة آلاف رجل وكان له (عليه السلام) من الدلائل الواضحة في امامته ما بهرت(1) القلوب واخرست(2) المخالف عن الطعن فيها بالشبهات، انتهى.

ورُوي انه (عليه السلام) كان يجلس للعامة والخاصة ويأتيه الناس من الاقطار يسألونه عن الحلال والحرام، وعن تأويل القرآن وفصل الخطاب فلا يخرج احد منهم الا راضياً بالجواب، وبالجملة نقل عنه (عليه السلام) من العلوم ما لم ينقل عن احد.

وذكر عن بعض علماء المخالفين انهم كانوا من تلامذته ومن خدمه واتباعه والآخذين عنه كأبي حنيفة(3) ومحمد بن الحسن وان ابا يزيد(4) طيفور السقّاء خدمه وسقاه وابراهيم(5) بن ادهم ومالك بن دينار، كانا من غلمانه.

وروي عنه (عليه السلام) قال : اني اتكلم على سبعين وجهاً لي من كلها المخرج.

_________________________

(1) أي غلبت او اضاءت.

(2) أي رمته بالخرس (بفتحتين) وهو انعقاد اللسان عن الكلام.

(3) ابي حنيفة : النعمان بن ثابت الكوفي احد الأئمة الاربعة لأهل السنة . وكان صاحب الرأي والقياس وقد قيل فيه مدحاً وذماً ما قيل في احد توفى سنة 150 وقبره ببغداد معروف (راجع ترجمته في تاريخ بغداد وغيره).

(4) ابا يزيد. هو طيفور بن عيسى البسطامي الصوفي المشهور وكان من الزهاد. قيل كان سقاء للإِمام الصادق وبعده انه (عليه السلام) مات سنة 148 وهو مات سنة 261 فالتفاوت ما بين وفاتيهما 113 سنة مع انهم لم يذكروا عمر ابي يزيد اكثر من الثمانين؟

(5) هو والمالك من كبار الزهاد وقد ذكر لهما كرامات. راجع ترجمتهما من تذكرة الشيخ العطار.

[131]

ودخل اليه سفيان الثوري يوماً فسمع منه كلاماً اعجبه فقال : هذا واللّه يا ابن رسول اللّه الجوهر، فقال له : بل هذا خير من الجوهر، وهل الجوهر الا الحجر. وروي عن سفيان ايضاً انه قال للصادق (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه لم جعل الموقف من وراء الحرم ولم يصر في المشعر فقال : الكعبة بيت اللّه والحرم حجابه والموقف بابه فلما قصدوه وقفهم بالباب يتضرّعون، فلما اذن لهم بالدخول ادناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة فلما نظر الى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم امرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم(1) وتطهّروا من الذنوب، امرهم بالزيارة لبيته، فقال له سفيان : فلم كره الصوم ايام التشريق، قال : لأنهم في ضيافة اللّه ولا يحب للضيف ان يصوم قال سفيان : جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهي خرق لا تنفع شيئاً فقال : ذلك مثل رجل بينه وبين آخر جرم، فهو يتعلق به ويطوف حوله رجاء ان يهب له جرمه.

وروى ابن شهرآشوب عن مسند ابي حنيفة قال الحسن بن زياد : سمعت ابا حنيفة وقد سئِل من افقه من رأيت، قال : جعفر بن محمد (عليه السلام)، لما اقدمه المنصور، بعث اليّ، فقال: يا ابا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الشداد، فهيأت له اربعين مسألة، ثم بعث اليّ ابو جعفر وهو بالحيرة فاتيته فدخلت عليه وجعفر (عليه السلام) جالس عن يمينه فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لابي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ اليّ فجلست، ثم التفت اليه فقال : يا ابا عبد اللّه هذا أبو حنيفة، قال : نعم أعرفه، ثم التفت إليَّ فقال : يا ابا حنيفة الق على ابي عبد اللّه من مسائلك، فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول انتم تقولون كذا واهل المدينة يقولون كذا فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً حتى اتيت على الأربعين مسألة فما اخلّ منها بشيء ثم قال ابو حنيفة : اليس ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس.

_____________________

(1) التفث محركة: قيل هو التنظيف من الوسخ وقيل ما يفعله المحرم عند احلاله كقص الشارب والظفر.

[132]

فصل في نبذ من كلامه عليه السلام

قال لحمران : يا حمران انظر الى من هو دونك ولا تنظر الى من هو فوقك في المقدرة فان ذلك أقنع لك بما قسم لك، واحرى ان تستوجب الزيادة من ربك، واعلم ان العمل الدائم القليل على اليقين افضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين واعلم انه لا ورع أولى من تجنب محارم اللّه والكف عن اذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال انفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل اضر من العجب.

وقال (عليه السلام) : ان قدرت على أن لا تخرج من بيتك فافعل، فان عليك في خروجك ان لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي(1) ولا تتصنع ولا تداهن، ثم قال : نعم صومعة المسلم، بيته، يكفُّ فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه.

أقول : حث (عليه السلام) فيه على الاعتزال عن الناس والانس باللّه تعالى (قال الشاعر) :

رغيف خبز يابس تأكله في زاوية*** وكف ماء بارد تشربه في ساقية

وغرفة ضيقة نفسك فيها خالية*** او مسجد بمعزل عن الورى في ناحية

تتلو به صحيفة مستدثراً ببادية*** خير من التيجان في قصر ودار عالية

يا حسنها موعظة*** فاين اذن واعية

وقال (عليه السلام) لفضيل بن عثمان : اوصيك بتقوى اللّه وصدق الحديث واداء الأمانة وحسن الصحابة لمن صحبك، واذا كان قبل طلوع

________________________

(1) من الرياء وهو من حبال الشيطان لمنتحلي العلم اعاذنا اللّه منه.

[133]

الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء، واجتهد ولا تمتنع من شيء تطلبه من ربك، ولا تقل هذا ما لا أُعطاه، وادع فان اللّه يفعل ما يشاء.

وقيل له (عليه السلام) : على ماذا بنيت أمرك، فقال : على أربعة اشياء علمت ان عملي لا يعمله غيري فاجتهدت، وعلمت ان اللّه عز وجل مطلع عليّ فاستحييت، وعلمت ان رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت، وعلمت ان آخر امري الموت فاستعددت.

وقال (عليه السلام) في وصيته لعبد اللّه بن جندب : يا ابن جندب أقلّ النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شيء اقل شكراً من العين واللسان، فان ام سليمان قالت لسليمان : يا بنيّ ايّاك والنوم فانه يفقرك يوم يحتاج الناس الى اعمالهم.

وقال له : واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إلا ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فإنّ من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى ولا جزعاً في الفقر، ولا تكن فظّاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن واهناً يحقّرُك من عرفك، ولا تشارّ(1) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الامر اهله، ولا تطع السفهاء، ولا تكن مهيناً(2) تحت كل احد، ولا تتكلنَّ على كفاية احد، وقفْ عند كل امر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل ان تقع فيه فتندم..

قوله : (عليه السلام) : وقف عند كل امر الخ (فيه الأمر بالتدبر في عاقبة كل امر اهتم به) كما روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال لمن طلب منه وصية : اوصيك اذا انت هممت بأمر فتدبر عاقبته، فان يك رشداً فامضه، وان يك غياً فانته منه.

_________________________

(1) أي لا تخاصم (منه).

(2) أي ذليلاً.

[134]

عن كتاب ربيع الأبرار ان يهودياً سأل النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مسألة، فمكث النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ساعة ثم اجابه عنها.

وقال (عليه السلام) لداود الرقّي، تدخل يدك في فم التنين(1) الى المرفق خير لك من طلب الحوائج الى من لم يكن له فكان.

وعن كنز الفوائد قال : جاء في الحديث ان أبا جعفر المنصور خرج في يوم جمعة متوكئاً على يد الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال رجل يقال له رزام مولى خالد بن عبد اللّه : من هذا الذي بلغ من خطره ما يعتمد امير المؤمنين على يده ؟ فقيل له: هذا أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، فقال إنّي واللّه ما علمت لوددت ان خد ابي جعفر نعل لجعفر ثم قام فوقف بين يدي المنصور، فقال له: سل يا امير المؤمنين فقال له المنصور: سل هذا، فالتفت رزام الى الإِمام جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال : اخبرني عن الصلاة وحدودها، فقال له الصادق (عليه السلام)، للصلاة اربعة آلاف حدّ لست تؤاخذ بها، فقال اخبرني بما لا يحل تركه ولا تتم الصلاة إلا به، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لا تتم الصلاة الا لذي طهر سابغ(2) واهتمام بالغ غير نازغ ولا زائغ عرف فوقف، واخبت(3) فثبت، فهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأن الوعد له صنع، والوعيد به وقع، بذل عرضه وتمثل غرضه، وبذل في اللّه المهجة(4) وتنكب غير الحجة مرتغماً(5) بارغام، يقطع علائق الاهتمام، يعين من له قصد واليه وفد، ومنه استرفد، فإذا اتى بذلك كانت هي الصلاة التي بها أَمَرَ، وعنها أَخْبَرَ، وانها هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر،

___________________________

(1) أي الافعى.

(2) أي الوافي التام.

(3) اخبت الى اللّه : اطمأن اليه تعالى وتخشع امامه.

(4) أي الدم.

(5) رغم انفه للّه : ذل وخضع.

[135]

فالتفت المنصور الى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له : يا ابا عبد اللّه لا نزال من بحرك نغترف، واليك نزدلف(1) تبصر من العمى، وتجلو بنورك الطّخياء فنحن نعوم في سبحات قدسك، وطامي بحرك، قوله (عليه السلام) غير نازغ ولا زائغ، النزغ الظن والاغتياب والافساد والوسوسة، والزيغ الميل، والطخياء في قول المنصور الظلمة، ونعوم أي نسبح، ففي الخبر علّموا صبيانكم العوم أي السباحة وسبحات وجه ربنا جلاله وعظمته وقيل نوره وطما البحر، امتلأ) فانظر الى اعدائهم أقروا بفضلهم هل فوق ذاك فخر.

فصل في مكارم اخلاقه عليه السلام واقرار المخالفين بفضله

الصدوق عن مالك بن انس فقيه المدينة، قال : كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فيقدم لي مخدّة ويعرف لي قدراً، ويقول : يا مالك اني كنت احبك، فكنت أسرَّ بذلك واحمد اللّه عليه وكان (عليه السلام) رجلاً لا يخلو من احدى ثلاث خصال، اما صائماً واما قائماً واما ذاكراً.

وكان من عظماء العباد واكابر الزهاد والذين يخشون اللّه عزَّ وجل.

وكان كثير الحديث طيِّب المجالسة كثير الفوائد فاذا قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : اخضر مرة واصفر اخرى حتى ينكره من كان يعرفه.

ولقد حججت معه سنة، فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان لكما همَّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد ان يخرَّ من راحلته، فقلت : قل يا ابن رسول اللّه، ولا بدّ لك من ان تقول، فقال : يا ابن ابي عامر كيف اجسر ان اقول لبيك اللهم لبيك، واخشى ان يقول عز وجل لا لبيك ولا سعديك.

________________________

(1) أي نتقرب.

[136]

وفي توحيد المفضل انه لما سمع المفضل من ابن ابي العوجاء، بعض كفرياته، لم يملك غضبه فقال، يا عدو اللّه أَلَحدتَ في دين اللّه، وانكرت الباري جل قدسه، الى آخر ما قال له، فقال ابن ابي العوجاء : يا هذا ان كنت من اهل الكلام كلمناك، فان ثبتت لك الحجة تبعناك وان لم تكن منهم فلا كلام لك، وان كنت من اصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا اكثر مما سمعت فما افحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وانه للحليم الرزين(1) العاقل الرصين(2) لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي الينا ويستغرق(3) حجتنا حتى اذا استفرغنا ما عندنا وظننا انا قد قطعناه ادحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه رداً، فان كنت من اصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.

في تذكرة السبط، قال : ومن مكارم اخلاقه (عليه السلام) ما ذكره الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار عن الشّقراني مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال : خرج العطاء ايام المنصور وما لي شفيع، فوقفت على الباب متحيراً، واذا بجعفر بن محمد (عليه السلام) قد أقبل، فذكرت له حاجتي فدخل وخرج واذا بعطائي في كمِّه، فناولني اياه وقال ان الحسن من كل احد حسن وانه منك احسن لمكانك منا، وان القبيح من كل احد قبيح وانه منك اقبح لمكانك منا، وانما قال له جعفر (عليه السلام) ذلك : لأن الشّقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم اخلاق جعفر (عليه السلام) انه رحب به وقضى حاجته مع علمه بحاله ووعظه على وجه التعريض، وهذا من اخلاق الانبياء عليهم السلام.

____________________

(1) أي الوقور (منه).

(2) الرصين : أي محكم ثابت، والخرق : ضد الرفق : والنزق : الخفة عند الغضب (منه).

(3) أي يستقصيها ويحيط بها.

[137]

رُوي انه كان يأكل الخل والزيت، ويلبس قميصاً غليظاً خشناً تحت ثيابه، وفوقه جبة صوف وفوقها قميص غليظ، ودخل عليه بعض اصحابه فرأى عليه قميصاً فيه قب قد رقعه، فجعل ينظر اليه، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) : ما لك تنظر، فقال قب يلقى في قميصك قال ، فقال : اضرب يدك الى هذا الكتاب فاقرأ ما فيه، وكان بين يديه كتاب او قريب منه، فنظر الرجل فيه فإذا فيه، لا إيمان لمن لا حياء له، ولا مال لمن لا تقدير له ولا جديد لمن لا خلق له (قال في القاموس القبُّ ما يدخل في جيب القميص من الرقاع).

وكان (عليه السلام) يختضب بالحناء خضاباً قانياً، وكان يحفي شاربه حتى يلصقه بالعسيب (اي منبت الشعر).

ودخل الحمام يوماً، فقال لصاحب الحمام اخليه لك، فقال لا حاجة لي في ذلك، المؤمن اخف من ذلك.

وكان يتصدق بالسُّكر لأنه احب الاشياء عنده، وأُتي له بطعام حار فجعل يكرر : نستجير باللّه من النار نعوذ باللّه من النار نحن لا نقوى على هذا فكيف النار، حتى امكنت القصعة فوضع يده فيها.

ورُئي عليه قميص شبه الكرابيس كانه مخيط عليه من ضيقه وبيده مسحاة يفتح بها الماء، وقال احب ان يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.

وكان يأمر باعطاء اجور العَمَلَةِ قبل ان يجف عرقهم، وروي انه (عليه السلام) كان يتلو القرآن في صلاته فغشي عليه، فسئل عن ذلك فقال : ما زلت اكرر آيات القرآن حتى بلغت الى حال كأنني سمعتها مشافهة ممن أنزلها، وروي انه كان يتمثل (بابيات ظ) لأبي ذر الغفاري (رحمه اللّه).

[138]

انت في غفلةٍ وقلبك ساه*** نفد العمر والذنوب كما هي

جمة حصِّلت عليك جميعاً*** في كتاب وانت عن ذاك ساهي

لم تبادر بتوبةٍ منك حتى*** صرت شيخاً وعظمك اليوم واهي

عجباً منك كيف تضحك جهلاً*** وخطاياك قد بدت لإِلهي

فتفكر في نفسك اليوم جهداً*** وانفِ عن نفسك الكرى(1) يا مناهي

وروي ان المنصور سهر ليلة، فدَعا الربيع وارسله الى الصادق (عليه السلام) ان يأتي به، قال الربيع فصرت الى بابه فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استئذان، فوجدته معفراً خديه، مبتهلاً بظهر يديه، قد اثر التراب في وجهه وخديه.

وروى الكليني عن المفضل بن عمر قال : وجه ابو جعفر المنصور الى الحسن بن زيد، وهو واليه على الحرمين، ان احرق على جعفر بن محمد داره فالقى النار في دار ابي عبد اللّه (عليه السلام) فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج ابو عبد اللّه (عليه السلام) يتخطى النار ويمشي فيها، ويقول : انا ابن اعراق الثرى(2) انا ابن ابراهيم خليل اللّه.

فصل في احوال ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام

روي أنه سُعِيَ بابي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) عند المنصور، بانه بعث مولاه المعلّى بن خنيس بجباية الاموال من شيعته، وأنه كان يمد بها محمد بن عبد اللّه، فكاد المنصور ان يأكل كفه على جعفر غيظاً، وكتب الى عمه داود، وهو اذ ذاك أمير المدينة، ان يسيّر اليه جعفر بن محمد (عليه السلام)، ولا يرخص له في التلوّم(3) والمقام، فبعث اليه داود بكتاب

______________________________

(1) الكرى : الشدة في المشي ويمكن ان يكون بمعنى الاكراء وهو السهر في الليل.

(2) الاعراق جمع عرق وهو اصل كل شيء. والثرى : الأرض : يعني نحن أوتاد الأرض.

(3) التلوم : التمكث.

[139]

المنصور، وقال : اعمل في المسير الى أمير المؤمنين في غد، ولا تتأخر، قال صفوان الجمال : وكنت يومئذ بالمدينة فأنفذ الي ابو عبد اللّه (عليه السلام) فصرت اليه فقال لي : تعهد راحلتنا فانّا غادون في غد ان شاء اللّه الى العراق، ونهض من وقته وانا معه الى مسجد النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وركع فيه ركعات ثم رفع يديه ودعا بدعاء، قال صفوان سألته (عليه السلام) ان يعيد الدعاء عليّ فأعاده وكتبته، فلما اصبح ابو عبد اللّه (عليه السلام) رحلت له الناقة وسار متوجهاً الى العراق حتى قدم مدينة ابي جعفر، واقبل حتى استأذن فأذن له وقربه وادناه، ثم اسند قصة الرافع على ابي عبد اللّه (عليه السلام) ونحن نوردها برواية الشيخ الكليني، فروى مسنداً عن صفوان الجمال قال حملت ابا عبد اللّه (عليه السلام) الحملة الثانية الى الكوفة، وابو جعفر المنصور بها، فلما أشرف (عليه السلام) على الهاشمية مدينة ابي جعفر اخرج رجله من غرز(1) الرحل ثم نزل ودعا ببغلة شهباء ولبس ثياباً بيضاً وتكة بيضاء، فلما دخل عليه قال له ابو جعفر : لقد تشبهت بالانبياء، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) : وأنَّى تبعدني من ابناء الأنبياء، قال لقد هممت ان ابعث الى المدينة من يعقر(2) نخلها ويسبي ذريتها، فقال : ولم ذاك يا امير المؤمنين، فقال رفع اليّ ان مولاك المعلى بن خنيس يدعو اليك ويجمع لك الأموال، فقال واللّه ما كان، فقال لست ارضى منك الا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي، فقال أبالأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف؟ انه من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شيء، فقال اتتفقه عليّ، فقال وانى تبعدني من التفقه وانا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، قال : فانّي اجمع بينك وبين من سعى بك، قال فافعل، قال فجاء الرجل الذي سعى به فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) : ما هذا قال : فقال نعم واللّه الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم لقد

________________________

(1) غرز : ركاب (منه).

(2) أي يقطع.

[140]

فعلت، فقال له ابو عبد اللّه (عليه السلام) يا ويلك تبجل اللّه تعالى فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل برئت من حول اللّه وقوته والتجأتُ الى حولي وقوتي، فحلف بها الرجل فلم يستتمها حتى وقع ميتاً، قال له ابو جعفر لا اصدق بعدها عليك ابداً، واحسن جائزته وردّه.

اقول قد ظهر من هذه الرواية ومن روايات اُخر أن مجيء الصادق (عليه السلام) من المدينة الى العراق كان اكثر من مرة واحدة، ويظهر من روايات كثيرة ان المنصور احضره (عليه السلام) مرات عديدة ليقتله فدعا اللّه تعالى لكفاية شرِّ المنصور فكفاه اللّه تعالى شرَّه، فكان من دعائه مرة لما احضره ليقتله وطرح له سيفاً ونطعاً، حسبي الرب من المربوبين، وحسبي الخالق من المخلوقين، وحسبي الرازق من المرزوقين، وحسبي اللّه رب العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي اللّه لا اله الا هو، عليه توكلت وهو ربّ العرش العظيم.

وكان من دعائه (عليه السلام)، لما اخذه صاحب المدينة ووجّه به الى المنصور وكان المنصور استعجله واستبطأ قدومه حرصاً منه على قتله، يا من لا يضام(1) ولا يرام، وبه تواصل الارحام، صلِّ على محمد وآله واكفني شره بحولك وقوتك.

وكان من دعائه (عليه السلام) ايضاً، اللهم انت تكفي من كل شيء، ولا يكفي منك شيء، فاكفنيه.

وكان من دعائه (عليه السلام) حين امر المنصور باحضاره، فلما بصر به قال قتلني اللّه ان لم اقتلك، اتلحد في سلطاني وتبغيني(2) الغوائل. قال الربيع : وكنت رأيت جعفر بن محمد (عليه السلام) حين دخل على المنصور يحرك شفتيه، وكلما حركهما سكن غضب المنصور، حتى أدناه منه وقد رضي

_______________________________

(1) لا يضام : أي لا يقهر ولا ينتقص.

(2) الغوائل : ولكن الظاهر ان معناه الاحقاد الباطنة والشرور والخرق في السلطنة.

[141]

عنه، فلما خرج (عليه السلام) اتبعته وقلت له بأي شيء كنت تحرك شفتيك حتى سكن غضبه، قال بدعاء جدي الحسين بن عليّ (عليه السلام)، قلت : جعلت فداك وما هذا الدعاء، قال : يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي في كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام. قال الربيع : فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بي شدة قط الا دعوت به ففرج.

فصل فيما جرى عليه عليه السلام من المنصور

ونقل السيد بن طاوس عن كتاب عتيق باسناده فيه عن محمد بن الربيع الحاجب، قال : قعد المنصور يوماً في قصره في القبة الخضراء، وكانت قبل قتل محمد وابراهيم تدعى الحمراء، وكان له يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم، يوم الذبح، وكان أشخص جعفر بن محمد (عليه السلام) من المدينة، فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء الليل، ومضى اكثره، قال : ثم دعا ابي، الربيع فقال له : يا ربيع، انك تعرف موضعك مني، وأنّي يكون لي الخبر ولا تظهر عليه امهات الأولاد وتكون انت المعالج له. فقال : قلت يا أمير المؤمنين ذلك من فضل اللّه عليّ، وفضل امير المؤمنين، وما فوقي في النصح غاية، قال : كذلك انت، سر الساعة الى جعفر بن محمد بن فاطمة، فأتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغيّر شيئاً مما هو عليه فقلت انا للّه وانا اليه راجعون، هذا واللّه هو العطب(1) ان اتيت  به على ما اراه من غضبه قتله وذهبت الآخرة، وان لم آت به وادهنت في امره قتلني وقتل نسلي واخذ اموالي، فخيرت بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي الى الدنيا، قال محمد بن الربيع، فدعاني ابي وكنت افظ ولده واغلظهم قلباً،

_____________________________

(1) العطب : الهلاك.

[142]

فقال لي : امض الى جعفر بن محمد بن علي فتسلّق(1) على حائطه ولا تستفتح عليه باباً، فيغير بعض ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولاً فأت به على الحال التي هو فيها، قال : فأتيته وقد ذهب الليل الا أقله، فامرت بنصب السلاليم، وتسلقت عليه الحائط فنزلت عليه داره، فوجدته قائماً يصلّي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلما سلم من صلاته قلت له : اجب امير المؤمنين، فقال : دعني ادعو والبس ثيابي، فقلت ليس الى تركك وذلك سبيل، قال : وأدخل المغتسل فاتطهر، قال : قلت وليس الى ذلك سبيل، فلا تشغل نفسك فانّي لا ادعك تغّير شيئاً، قال فأخرجته حافياً حاسراً(2) في قميصه ومنديله، وكان قد جاوز السبعين، فلما مضى بعض الطريق ضعف الشيخ، فرحمته فقلت له اركب فركب بغلاً شاكرياً(3) كان معنا، ثم صرنا الى الربيع فسمعته وهو يقول له : ويلك يا ربيع قد ابطأ الرجل، وجعل يستحثه استحثاثاً شديداً، فلما ان وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد (عليه السلام) وهو بتلك الحال، بكى وكان الربيع يتشيع، فقال له جعفر (عليه السلام) يا ربيع انا اعلم ميلك الينا، فدعني أصلّي ركعتين وادعو، قال : شأنك وما تشاء، فصلّى ركعتين خففهما، ثم دعا بعدهما بدعاء لم افهمه الا أنه دعاء طويل، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع فلما فرغ من دعائه، على طوله، اخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما صار في صحن الايوان وقف ثم حرك شفتيه بشيء لم ادر ما هو، ثم ادخلته فوقف بين يديه فلما نظر اليه قال : وانت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وافسادك على اهل هذا البيت من بني العباس وما يزيدك اللّه بذلك الا شدة حسد ونكد ما تبلغ به ما تقدره، فقال له : واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً من هذا ولقد كنت في ولاية بني امية وأنت تعلم انهم اعدى الخلق لنا

________________________

(1) أي اصعد عليه.

(2) أي منكشفاً.

(3) أي المستخدم والاجير.

[143]

ولكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر فواللّه ما بغيت عليهم، ولا بلغهم عنّي سوء مع جفائهم الذي كان بي، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا وانت ابن عمي وامس الخلق بي رحماً واكثرهم عطاء وبراً، فكيف افعل هذا، فاطرق المنصور ساعة وكان على لبدٍ وعن يساره رفقة(ْ1) جرمقانية، وتحت لبده سيف ذو فقار، كان لا يفارقه اذا قعد في القبة، قال : ابطلت(2) واثمت، ثم رفع ثني الوسادة، فأخرج منها اضبارة كتب فرمى بها اليه، وقال هذه كتبك الى اهل خراسان تدعوهم الى نقض بيعتي وان يبايعوك دوني، فقال واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحل ذلك ولا هو من مذهبي، وإني لممن يعتقد طاعتك على كل حال وقد بلغت من السن ما قد اضعفني عن ذلك لو اردته، فصيّرني في بعض حبوسك حتى يأتيني الموت، فهو مني قريب، فقال لا ولا كرامة، ثم اطرق وضرب يده الى السيف فسل منه مقدار شبر واخذ بمقبضه، فقلت : انا للّه ذهب واللّه الرجل، ثم رد السيف وقال : يا جعفر اما تستحيي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب ان تنطق بالباطل، وتشق عصا المسلمين، تريد ان تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والاولياء، فقال : لا واللّه يا امير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي فانتضى من السيف ذراعاً، فقلت انا للّه مضى الرجل، وجعلت في نفسي ان امرني فيه بامر ان اعصيه، لأنني ظننت انه يأمرني ان آخذ السيف فاضرب به جعفر فقلت ان أمرني ضربت المنصور وان أتى ذلك عليَّ وعلى ولدي، وتبت الى اللّه عز وجل مما كنت نويت فيه أولاً فأقبل يعاتبه، وجعفر يعتذر، ثم انتضى السيف الا شيئاً يسيراً منه، فقلت انا للّه مضى واللّه الرجل ثم اغمد السيف واطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال : اظنك صادقاً، يا ربيع هات العيبة(3) من موضع كانت فيه في القبة، فاتيته بها فقال : ادخل يدك فيها فكانت مملوءة غالية وضعها في لحيته وكانت بيضاء فاسودت، وقال لي احمله على فاره(4) من دوابي التي

____________________________

(1) الظاهر انها مرفقة كمكنسة وهي المخدة.

(2) أي جئت بالباطل(منه).

(3) العيبة : ما يجعل فيه الثياب كالصندوق.

(4)  أي سمين حاذق ذي نشاط.

[144]

اركبها، واعطه عشرة آلاف درهم، وشيعه الى منزله مكرّماً، وخيره اذا اتيت به الى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه، والانصراف الى مدينة جدّه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فخرجنا من عنده وانا مسرور فرح بسلامة جعفر، ومتعجب مما اراد المنصور وما صار اليه من أمره، الخبر، اقول : ما ذكر في هذا الخبر أنه (عليه السلام) قد جاوز السبعين لا يوافق ما ذكره العلماء وارباب السير من تاريخ عمره الشريف.

قال الشيخ الكليني والشيخ المفيد في ذكر وفاته (عليه السلام)، ومضى في شوال من سنة ثمان واربعين ومئة، وله خمس وستون سنة، وقال الشهيد في الدروس، وقبض في شوال، وقيل في منتصف رجب يوم الاثنين سنة 148 ثمان واربعين ومئة، عن خمس وستين سنة، ومثله في اعلام الورى بأدنى تفاوت.

وعن ابن الخشاب عن محمد بن سنان قال مضى أبو عبد اللّه (عليه السلام) وهو ابن خمس وستين سنة ويقال ثمان وستين سنة.

فعلى هذا إنّي احتمل قوياً ان يكون لفظ السبعين مصحف الستين وان كان قولاً ضعيفاً انه (عليه السلام) توفي وهو ابن احدى وسبعين سنة، نقله صاحب كشف الغمة عن محمد بن سعيد وسبط بن الجوزي عن الواقدي.

وروى الشيخ باسناده عن محمد بن ابراهيم قال : بعث ابو جعفر المنصور إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، وامر بفرش فطرحت الى جانبه فاجلسه عليها، ثم قال : عليّ بمحمد عليّ بالمهدي يقول ذلك مراراً، فقيل له : الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين ما يحسبه الا انه يتبخر، فما لبث ان وافى وقد سبقته رائحته، فاقبل المنصور على جعفر (عليه السلام) فقال يا ابا عبد اللّه حديث حدثته في صلة الرحم، اذكره يسمعه المهدي، قال نعم حدثني ابي عن ابيه عن جدّه عن علي (عليه السلام) قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان الرجل ليصل

[145]

رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها اللّه عز وجل ثلاثين سنة ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة يصيرها اللّه ثلاث سنين، ثم تلا (عليه السلام) : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب، قال هذا حسن يا ابا عبد اللّه وليس اياه اردت، قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ (عليه السلام)، قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الاعمار وان كان أهلها غير أخيار، قال هذا حسن يا ابا عبد اللّه وليس هذا اردت فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام ) : نعم حدثني ابي عن ابيه عن جده عن عليّ (عليه السلام) قال : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، صلة الرحم تهون الحساب وتقي ميتة السوء قال المنصور : نعم هذا أردت.

فصل بأمر المنصور بالصادق عليه السلام

روى الشيخ ابن شهرآشوب (رحمه اللّه) عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر أن المنصور قد كان همّ بقتل ابي عبد اللّه (عليه السلام) غير مرة فكان اذا بعث اليه ودعاه ليقتله فاذا نظر اليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه، ومنعه من القعود للناس، واستقصى عليه أشد الاستقصاء، حتى انه كان يقع لاحدهم مسألة في دينه في نكاح او طلاق او غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم ولا يصلون اليه، فيعتزل الرجل وأهله ، قلت ويؤيد هذا الخبر ما رواه القطب الراوندي عن هارون بن خارجة، قال : كان رجل من اصحابنا طلق امرأته ثلاثاً، فسأل أصحابنا، فقالوا : ليس بشيء، فقالت امرأته : لا ارضى حتى تسأل ابا عبد اللّه، وكان بالحيرة اذ ذاك ايام ابي العباس، قال : فذهبت الى الحيرة ولم اقدر على

[146]

كلامه، اذ منع الخليفة الناس من الدخول على ابي عبد اللّه (عليه السلام)، وانا انظر كيف التمس لقاءه، فاذا سواديّ عليه جبة صوف يبيع خياراً، فقلت له بكم خيارك هذا كله، قال بدرهم، فاعطيته درهماً وقلت له اعطني جبتك هذه فاخذتها ولبستها وناديت من يشتري خياراً ودنوت منه (عليه السلام)، فاذا غلام من ناحية ينادي يا صاحب الخيار، فقال (عليه السلام) لي لما دنوت منه ما أجود ما احتلت، أي شيء حاجتك، قلت اني ابتليت فطلقت اهلي في دفعة ثلاثاً فسألت اصحابنا فقالوا : ليس بشيء، وان المرأة قالت لا ارضى، حتى تسأل ابا عبد اللّه (عليه السلام)، فقال ارجع الى اهلك فليس عليك شيء.

وروى كش(1) عن عنبسة قال سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول : اشكو الى اللّه وحدتي وتقلقلي(2) من اهل المدينة حتى تقدموا وأراكم واسرّ بكم، فليت هذه الطاغية اذن لي فاتخذت قصراً فسكنته واسكنتكم معي، واضمن له ان لا يجيء من ناحيتنا مكروه ابداً.

اقول : لما منع الصادق من القعود للناس شقّ ذلك على شيعته، وصعب عليهم، حتى القى اللّه عز وجل في روع المنصور ان يسأل الصادق (عليه السلام) ليتحفه بشيء من عنده لا يكون لاحد مثله، فبعث اليه بمخصرة(3) كانت للنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) طولها ذراع، ففرح بها فرحاً شديداً، وامر ان تشق له اربعة ارباع، وقسمها في اربعة مواضع ثم قال: ما جزاؤك عندي الا ان اطلق لك ونُفشي علمك لشيعتك، ولا اتعرض لك ولا لهم، فاقعد غير محتشم وافت الناس، ولا تكن في بلد أنا فيه، ففشا العلم عن الصادق (عليه السلام).

______________________________

(1) كش : رمز للكشي وهو الشيخ ابو عمر ومحمد بن عمر الكشي. ثقة. بصير بالاخبار والرجال. له كتاب الرجال الذي اختصره شيخ الطائفة وسماه اختيار الرجال. والموجود بايدينا هو ذاك الاختيار.

(2) تقلقل في البلاد : تقلب فيها.

(3) المخصرة : شيء كالسوط: او ما يتوكأ عليه كالعصا.

[147]

اقول : ويظهر من رواية المحاسن، ان الناس اجتمعوا عنده وتداكوا(1) عليه حتى يأخذوا من علمه (عليه السلام)، والرواية هذه عن معاوية بن ميسرة بن شريح، قال : شهدت ابا عبد اللّه (عليه السلام) في مسجد الخيف وهو في حلقة فيها نحو من مئتي رجل، وفيهم عبد اللّه بن(2) شبرمة فقال يا أبا عبد اللّه انّا نقضي بالعراق فنقضي من الكتاب والسنّة، وترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي قال : فانصت الناس جميع من حضر للجواب واقبل ابو عبد اللّه (عليه السلام) على من يمينه، يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك اقبل بعضهم الى بعض، وتركوا الانصات، ثم تحدثوا ما شاء اللّه، ثم ان ابن شبرمة قال يا أبا عبد اللّه، انّا قضاة العراق، وانّا نقضي بالكتاب والسنة، وانه ترد علينا اشياء ونجتهد فيها بالرأي، قال : فأنصت جميع الناس للجواب، واقبل ابو عبد اللّه (عليه السلام) على من على يساره يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك اقبل بعضهم على بعض وتركوا الانصات، ثم ان ابن شبرمة سكت ما شاء اللّه ثم عاد لمثل قوله، فاقبل ابو عبد اللّه (عليه السلام) فقال : أي رجل كان عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) فقد كان عندكم بالعراق ولكم فيه خبر، قال فأطراه(3) ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً، فقال له ابو عبد اللّه (عليه السلام) فان عليّاً أبى ان يدخل في دين اللّه الرأي، وان يقول في شيء من دين اللّه بالرأي والمقاييس.

____________________________

(1) أي ازدحموا.

(2) عبد اللّه بن شبرمة بالشين المعجمة وبعدها باء منقطة تحتها نقطة والراء قبل الميم من اصحاب علي بن الحسين (عليه السلام) كان قاضياً لابي جعفر على سواد الكوفة مات سنة 144 اربع واربعين ومئة (صه) في القسم الثاني وكان كوفياً شاعراً (منه).

(3) اطرى فلاناً : احسن الثناء عليه وبالغ في مدحه.

[148]

فصل في وفاته ووصيته عليه السلام

قبض ابو عبد اللّه (عليه السلام) في شوّال من سنة 148 ثمان واربعين ومئة مسموماً، في عنب سمّه المنصور، وله خمس وستون سنة، وقد عيّن بعض المتتبعين يوم وفاته (عليه السلام) في الخامس والعشرين منه، وقيل يوم الاثنين لنصف من رجب كما اشرنا الى ذلك سابقاً.

نقل عن مشكاة الانوار انه دخل بعض اصحاب ابي عبد اللّه (عليه السلام) في مرضه الذي توفي فيه اليه وقد ذبل(1) فلم يبق الا رأسه، فبكى فقال : لأي شيء تبكي، فقال كيف لا أبكي وانا أراك على هذه الحال ؟ قال : لا تفعل فان المؤمن تعرض (عليه ظ) كل خير ان تقطع أعضاؤه كان خيراً له، وان ملك ما بين المشرق والمغرب كان خيراً له.

وروى الشيخ عن سالمة مولاة ابي عبد اللّه (عليه السلام)، قالت : كنت عند ابي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) حين حضرته الوفاة واغمي عليه، فلما افاق قال : أعطي الحسن بن علي بن علي بن الحسين (عليه السلام) وهو الافطر، سبعين ديناراً وأَعطي فلاناً كذا، وفلاناً كذا، فقلت اتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة(2) يريد أن يقتلك، قال تريدين ان لا أكون من الذين قال اللّه عز وجل : والذين يصلون ما أمر اللّه به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، نعم يا سالمة ان اللّه تعالى خلق الجنة فطيبها وطيب ريحها، وان ريحها يوجد في مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم.

_____________________________

(1) ذبل النبات : ذهبت نضارته. ضمر.

(2) الشفرة : السكين العظيم. حد السيف.

[149]

وروى الشيخ الصدوق عن ابي بصير قال دخلت على ام حميدة اعزيها بابي عبد اللّه (عليه السلام)، فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت يا ابا محمد لو رأيت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال : اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت : فلم نترك احداً الا جمعناه، قالت فنظر اليهم ثم قال : ان شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة.

روى القطب الراوندي عن داود بن كثير الرقّي، قال ، وفد من خراسان وافد يكنى ابا جعفر، واجتمع اليه جماعة من اهل خراسان فسألوه ان يحمل لهم اموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة ونزل وزار امير المؤمنين (عليه السلام)، ورأى في ناحية رجلاً حوله جماعة، فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء، يسمعون من الشيخ، فسألهم عنه، فقالوا : هو ابو حمزة الثمالي، قال : فبينا نحن جلوس اذ اقبل اعرابي، فقال جئت من المدينة وقد مات جعفر بن محمد (عليه السلام)، فشهق ابو حمزة ثم ضرب بيده الأرض ثم سأل الاعرابي هل سمعت له بوصية، قال اوصى الى ابنه عبد اللّه والى ابنه موسى (عليه السلام) والى المنصور، فقال الحمد للّه الذي لم يضلّنا، دل على الصغير وبيَّن على الكبير وستر الامر العظيم، ووثب الى قبر امير المؤمنين (عليه السلام) فصلى وصلينا، ثم اقبلت عليه وقلت له : فسِّر لي ما قلته، قال : بيَّن ان الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير، بان ادخل يده مع الكبير، وستر الامر العظيم بالمنصور حتى اذا سأل المنصور من وصيه، قيل : انت.

قال المسعودي : ودفن (عليه السلام) بالبقيع مع ابيه وجده، وله خمس وستون سنة، وقيل انه سمَّ، وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة، عليها مكتوب : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه مبيد الامم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن ابي طالب، وعلي بن الحسين بن

[150]

علي بن ابي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم انتهى.

وانا اقول صلوات اللّه عليهم، فقد رفعهم اللّه من ان يقال فيهم رحمهم اللّه واما فاطمة التي دفنت الأئمة (عليهم السلام) معها فهي فاطمة بنت اسد أم امير المؤمنين (عليه السلام)، واما فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليها) فالظاهر انها دفنت في بيتها كما حقق ذلك في محله.

ورُوي عن عيسى بن داب، قال لما حُمِل ابو عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) على سريره واخرج الى البقيع ليدفن قال ابو هريرة(1):

[اقول وقد راحوا به يحملونه*** على كاهل(2) من حامليه وعاتق]

اتدرون ماذا تحملون الى الثرى*** ثبيرا(3) ثوى(4) من رأس علياء شاهق

غداة حثى(5) الحاثون فوق ضريحه*** تراباً وأولى كان فوق المفارق

قال شيخنا المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة، باب فضل زيارة علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد، (عليهم السلام):

رُوي عن الصادق (عليه السلام) انه قال : من زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً.

وروي عن ابي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) انه قال : من زار جعفراً وأباه، لم يشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى.

_______________________

(1) ليس هذا أبا هريرة الصحابي المعروف بالكذب، بل هو ابو هريرة العجلي الذي عد في شعراء اهل البيت (عليهم السلام) المجاهرين، رُويَ عن ابي بصير قال : قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) ينشدنا شعر ابي هريرة، قلت جعلت فداك انه كان يشرب، فقال له (رحمه اللّه) وما ذنب الا ويغفره اللّه لولا بغض علي (عليه السلام) (منه).

(2) أي اعلى الظهر مما يلي العنق.

(3) اسم لأربعة جبال قرب مكة. احدها ثبير الاعرج والثاني ثبير المنى.

(4) أي اقام.

(5) حثا : أهال التراب.

[151]

قال الصادق (عليه السلام) من زار اماماً من الأئمة وصلى عنده اربع ركعات، كتبت له حجة وعمرة.

وقيل للصادق (عليه السلام) ما حكم من زار احدكم، قال : يكون كمن زار رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

وقال الرضا (عليه السلام) ان لكل امام عهداً في اعناق شيعته وأوليائه، وان من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه، كانوا شفعاءه يوم القيامة وللّه در السيد صالح القزويني في قوله من قصيدة بائية :

وللّه(1) افلاك البقيع فكم بها*** كواكب من آل النبي غوارب(2)

حوت منهم ما ليس تحويه بقعة*** ونالت بهم ما لم تنله الكواكب

فبوركت ارضاً كل يوم وليلة*** تطوف من الاملاك فيك كتائب(3)

وفيك الجبال الشم(4) حلماً هوامد(5)*** وفيك البحور الفعم جوداً نواضب(6)

مناقبهم مثل النجوم كأنها*** مصائبهم لم يحصها الدهر حاسب

وهم للورى امّا نعيم مؤبدُ*** واما عذابُ في القيامة واصب(7)

______________________________

(1) أي للّه دره يعني له من اللّه خير كثير.

(2) جمع غارب بمعنى الآفل والمراد هنا افولهم تحت التراب.

(3) جمع كتيبة وهي القطعة من الخيل.

(4) أي المرتفعة.

(5) جمع هامد وهو الساكن.

(6) نضب الماء : جفَّ وقلَّت مادته

(7) أي دائم (منه).