[62]

فصل في قتل أمير المؤمنين عليه السلام

قبض سلام اللّه عليه ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان سنة اربعين، ضربه ابن ملجم الملعون بالسيف المسموم على رأسه في مسجد الكوفة، وقت التنوير(1) ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضين من الشهر فبقي يومين الى نحو الثلث الأول من الليل ثم قضى نحبه شهيداً ولقي ربه تعالى مظلوماً وله يومئذ ثلاث وستون سنة.

قال المسعودي في مروج الذهب في ذكر مقتله: وفي سنة اربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناس وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل عليّ (عليه السلام) ومعاوية وعمرو بن العاص وتواعدوا واتفقوا على ان لا ينكص(2) رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجه اليه، حتي يقتله او يقتل دونه: وهم عبد الرحمن بن ملجم، (لعنه اللّه) وكان من تجيب(3). وكان عدادهم في مراد فنسب اليهم، وحجاج بن عبد اللّه الصريمي ولقبه البرك، وزادويه مولى بني العنبر، فقال ابن ملجم: أنا اقتل علياً وقال البرك: انا اقتل معاوية وقال زادويه انا أقتل عمرو بن العاص. واتَّعدوا ان يكون ذلك ليلة(4) تسع عشرة من شهر رمضان، وقيل، ليلة احدى وعشرين، فخرج عبد الرحمن بن ملجم المرادي الى عليّ (عليه السلام) فلما قدم الكوفة اتى قطام بنت عمه وكان عليّ (عليه السلام) قتل اباها واخاها يوم النهروان وكانت أجمل أهل زمانها فخطبها،

_______________________

(1) وقت التنوير أي وقت صيرورة الليل منوراً بالشفق.

(2) أي يرجع.

(3) قال الجوهري في الصحاح وتجوب قبيلة من حمير حلفاء المراد ومنهم ابن ملجم قال الكميت الا ان خير الناس بعد ثلاثة قتيل التجوبي الذي جاء من مصر وتجيب بطن من كندة انتهى ولصاحب القاموس هنا كلام لا يهمنا ايراده (منه).

(4) كان في النسخة سبع عشرة والظاهر انه تصحيف تسع عشرة (منه).

[63]

فقالت: لا اتزوج حتى تسمي(1) لي قال: لا تسأليني شيئاً الا اعطيته، فقالت: ثلاثة آلاف، وعبداً وقينة وقتل عليّ (عليه السلام)، فقال: ما سألت هو لك مهر، الا قتل عليّ (عليه السلام) فلا اراك تدركينه، قالت: فالتمس غرته(2) فان اصبته شفيت نفسي ونفعك العيش معي، وان هلكت فما عند اللّه خير لك من الدنيا، فقال: والله ما جاء بي الى هذا المصر، وقد كنت هارباً منه الا ذلك، وقد اعطيتك ما سألت وخرج من عندها وهو يقول:

ثلاثة آلاف وعبد وقينة*** وقتل علي (ع) بالحسام المصمم

فلا مهر اغلى من علي وان علا*** ولا فتك الا دون فتك ابن ملجم

فلقيه رجل من اشجع، يقال له شبيب بن بجرة من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة، فقال: وما ذاك قال: تساعدني على قتل علي قال: ثكلتك امك، لقد جئت شيئاً إدّاً(3) قد عرفت عناءه في الإِسلام وسابقته مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال ابن ملجم: ويحك اما تعلم انه قد حكَّم الرجال في كتاب اللّه وقتل اخواننا المصلين فنقتله ببعض اخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قطام وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كلة بها، وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فاعلمته ان مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير وعصبتهما واخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها عليّ (عليه السلام) للمسجد، وكان عليّ يخرج كل غداة اول الأذان للصلاة وقد كان ابن ملجم مر بالاشعث(4) وهو في

____________________

(1) تسمي لي: أي تجعل لي المهر المسمى.

(2) الغرة: الغفلة.

(3) الإدّ بالكسر: الامر الفظيع. الداهية.

(4) وهو ابن قيس الكندي. رأس منافقي اصحابه (عليه السلام). وكان من مرتدي زمن ابي بكر وهو في الواقع سبب التحكيم في صفين.

[64]

المسجد فقال له: فضحك الصبح فسمعها حجر بن(1) عدي فقال: قتلته يا اعور قتلك اللّه، وخرج علي (عليه السلام) ينادي: ايها الناس الصلاة فشد عليه ابن ملجم واصحابه، وهم يقولون: الحكم للّه لا لك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، واما شبيب فوقعت ضربته بعضادة(2) الباب واما ابن وردان فهرب، وقال عليّ (عليه السلام) لا يفوتنكم الرجل وشد الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل الحرث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، واقبل به الى الحسن (عليه السلام) ودخل شبيب بين الناس فنجا بنفسه، وهرب، حتى أتى رحله، فدخل عليه عبد اللّه بن بحرة، وهو احد بني ابيه فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن ذلك فخبّره خبره، فانصرف عبد اللّه الى رحله واقبل اليه بسيفه فضربه حتى قتله.

وقيل : ان عليّاً (عليه السلام) لم ينم تلك الليلة، وانه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: واللّه ما كذَبت ولا كُذبت وانها الليلة التي وعدت، فلما صرخ بط (كان للصبيان) صاح بهن بعض من في الدار فقال عليّ (عليه السلام): ويحك دعن فانهن نوائح.

وقال المسعودي: أنه (عليه السلام) قد خرج الى المسجد وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل فاقتلعه، وجعله ناحية، وانحل ازاره فشده وجعل ينشد:

أشدُدْ حيازيمك(3) للموت فان الموت لاقيكا*** ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا(4)

________________

(1) هو من خيار اصحابه.

(2) أي خشبة من جانبه.

(3) الحيزوم وسط الصدر. وشد الحيازيم كناية عن الصبر.

(4) أي بساحتك.

[65]

وروى الشيخ المفيد انه لما دخل شهر رمضان كان امير المؤمنين (عليه السلام) يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، (عليهما السلام)، وليلة عند عبد اللّه بن العباس، وكان لا يزيد على ثلاث لقم فقيل له ليلة من تلك الليالي في ذلك، فقال: يأتيني امر اللّه وانا خميص(1) انما هي ليلة او ليلتان فاصيب اخر الليل.

ورُويَ عن ام موسى خادمة عليّ (عليه السلام) وهي حاضنة(2) فاطمة ابنته، قالت: سمعت عليّاً (عليه السلام) يقول لابنته ام كلثوم: يا بنية اني أراني قلَّ ما أصحبكم، قالت: وكيف ذلك يا أبتاه، قال: إني رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في منامي، وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا عليّ لا عليك قضيت ما عليك. قال(3): فما مكثنا الا ثلاثاً حتى ضُرب تلك الضربة، فصاحت ام كثلوم، فقال: يا بنية لا تفعلي فانّي أرى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يشير الي بكفه ويقول: يا عليّ هلم الينا فان ما عندنا هو خير لك.

وروى صاحب قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن ابيه (عليهم السلام) ان علي بن أبي طالب (عليه السلام) خرج يوقظ الناس لصلاة الصبح فضربه عبد الرحمن بن ملجم (لعنه اللّه) بالسيف على ام رأسه، فوقع على ركبتيه واخذه فالتزمه، حتى أخذه الناس، وحُمل عليّ حتى افاق ثم قال للحسن والحسين (عليهما السلام): احبسوا هذا الاسير واطعموه واسقوه وأحسنوا آثاره، فان عشت فانا اولى بما صنع بي، ان شئت استقدت(4) وان شئت عفوت، وان شئت صالحت، وان مت فذلك اليكم، فان بدا لكم ان تقتلوه فلا تمثلوا به(5).

_____________________________________

(1) خميص البطن: أي خاليه.

(2) أي مربيتها.

(3) والظاهر (قالت) بدل (قال).

(4) أي اخذت منه القَود.

(5) والمثلة ان يقطع بعض اعضاء الرجل.

[66]

وروى ابن شاذان عن الاصبغ قال: لما ضرب امير المؤمنين (عليه السلام) الضربة التي كانت وفاته فيها، اجتمع اليه الناس بباب القصر وكان يراد قتل ابن ملجم، لعنه اللّه، فخرج الحسن (عليه السلام) فقال: معاشر الناس ان ابي اوصاني ان اترك امره الى وفاته، فان كان له الوفاة، وإلا نظر هو في حقه فانصرفوا يرحمكم اللّه، قال: فانصرف الناس ولم أنصرف، فخرج ثانية وقال لي: يا اصبغ اما سمعت قولي عن قول امير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: بلى ولكني رأيت حاله فاحببت ان انظر اليه، فاسمع منه حديثاً، فاستأذن لي رحمك اللّه، فدخل ولم يلبث ان خرج، فقال لي: ادخل فدخلت فاذا امير المؤمنين (عليه السلام) معصب بعصابة، وقد علت(1) صفرة وجهه على تلك العصابة، واذا هو يرفع فخذاً ويضع اخرى، من شدة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا اصبغ اما سمعت قول الحسن عن قولي قلت: يا امير المؤمنين ولكني رأيتك في حالة فاحببت النظر اليك، وان أسمع منك حديثاً، فقال لي: اقعد فما أراك تسمع مني حديثاً بعد يومك هذا، اعلم يا اصبغ اني أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عائداً كما جئت الساعة، فقال: يا ابا الحسن اخرج فناد في الناس الصلاة جامعة واصعد المنبر وقم دون مقامي مرقاة وقل للناس ألا من عق(2) والديه، فلعنة اللّه عليه، ألا من ابق من مواليه، فلعنة اللّه عليه ألا من ظلم اجيراً اجرته، فلعنة اللّه عليه، يا اصبغ، ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فقام من اقصى المسجد رجل فقال: يا ابا الحسن تكلمت بثلاث كلمات وأوجزتهن فاشرحهن لنا فلم ارد جواباً حتى أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقلت ما كان من الرجل، قال الاصبغ: ثم اخذ بيدي وقال ابسط يدك فبسطت يدي، فتناول اصبعا من اصابع يدي وقال: يا اصبغ كذا تناول رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اصبعا من اصابع يدي، كما تناولت اصبعا من

______________________

(1) أي غلبت.

(2) أي عصاهما وترك الشفقة عليهما والاحسان اليهما واستخفّ بهما.

[67]

اصابع يدك، ثم قال: مه يا ابا الحسن الا وأني وأنت أبوا هذه الأمة، فمن عقنا فلعنة اللّه عليه، ألا وإني وانت موليا هذه الأمة فعلى من أبق عنا لعنة اللّه، ألا وإني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن ظلمنا اجرتنا فلعنة اللّه عليه، ثم قال: آمين فقلت: آمين.

قال الاصبغ: ثم اغمي عليه ثم افاق فقال لي: اقاعد انت يا اصبغ قلت: نعم يا مولاي قال: ازيدك حديثاً آخر، قلت: نعم زادك اللّه من مزيدات الخير، قال: يا اصبغ لقيني رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في بعض طرقات المدينة و أنا مغموم قد تبين الغم في وجهي، فقال لي: يا ابا الحسن أراك مغموماً ألا احدثك بحديث لا تغتم بعده ابداً؟ قلت: نعم، قال: اذا كان يوم القيامة نصب اللّه منبراً يعلو منابر النبيين والشهداء ثم يأمرني اللّه، اصعد فوقه، ثم يأمرك اللّه ان تصعد دوني بمرقاة، ثم يأمر اللّه ملكين فيجلسان دونك، بمرقاة، فاذا استقللنا على المنبر، لا يبقى احد من الاولين والآخرين الا حضر فينادي الملك الذي دونك بمرقاة، معاشر الناس، ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي: انا رضوان خازن الجنان الا ان اللّه بمنه وكرمه وفضله وجلاله، أمرني ان ادفع مفاتيح الجنة الى محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وان محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أمرني ان ادفعها الى علي بن ابي طالب (عليه السلام). فاشهدوا لي عليه، ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة مناديا، يسمع اهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي: انا مالك خازن النيران الا ان اللّه بمنه وفضله وكرمه وجلاله، قد أمرني ان ادفع مفاتيح النار الى محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وان محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد  أمرني ان ادفعها الى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاشهدوا لي عليه، فاخذ مفاتيح الجنان والنيران ثم قال: يا عليّ فتأخذ بحجزتي(1) واهل بيتك يأخذون بحجزتك

______________

(1) الحجزة: مقعد الازار موضع التكة من السراويل.

[68]

وشيعتك يأخذون بحجزة اهل بيتك، قال (عليه السلام) : فصفقت بكلتا يدي والى الجنة يا رسول اللّه، قال: اي وربّ الكعبة قال الاصبغ: فلم اسمع من مولاي غير هذين الحديثين ثم توفي صلوات اللّه عليه.

قال ابو الفرج ثم جمع له اطباء الكوفة فلم يكن منهم اعلم بجرحه من اثير بن عمرو بن هاني السلولي، وكان متطبباً(1) صاحب الكرسي، يعالج الجراحات وكان من الاربعين غلاما الذين كان ابن الوليد اصابهم في عين التمر(2) فسباهم، فلما نظر أثير إلى جرح امير المؤمنين (عليه السلام)، دعا برئة شاة حارة، فاستخرج منها عرقاً ثم نفخه، ثم استخرجه واذا عليه بياض الدماغ، فقال: يا امير المؤمنين اعهد عهدك فان عدو اللّه قد وصلت ضربته الى أم رأسك.

روى الشيخ يوسف بن حاتم الشامي في الدر النظيم عن الاصبغ بن نباتة قال: دعا أمير المؤمنين الحسن والحسين (عليهم السلام) لمّا ضربه ابن ملجم (لعنه اللّه) فقال: اني مقبوض في ليلتي هذه ولاحق برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فاسمعا قولي، وعياه(3): أنت يا حسن وصيّي والقائم بالامر بعدي، وانت يا حسين شريكه في الوصية، فانصت(4) ما نطق وكن لامره تابعاً ما بقي، فاذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالامر، وعليكما بتقوى اللّه الذي لا ينجو الا من اطاعه، ولا يهلك الا من عصاه، واعتصما بحبله، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ثم قال للحسن (عليه السلام): انك ولي الأمر بعدي، فان عفوت عن قاتلي فذاك، وان قتلت فضربة مكان ضربة، واياك والمثلة، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه

________________________

(1) صيغة التفعل هنا للمبالغة.

(2) عين التمر: بلدة في طرف البادية في غربي الفرات (منه).

(3) من الوعي وهو الحفظ.

(4) الانصات هو السكوت للاستماع.

[69]

وآله وسلم) نهى عنها ولو بكلب عقور، واعلم ان الحسين وليّ الدم معك، يجري فيه مجراك وقد جعل اللّه تبارك وتعالى له على قاتلي سلطاناً كما جعل لك وان ابن ملجم ضربني ضربة فلم تعمل فثناها فعملت، فان عملت فيه ضربتك فذاك، وان لم تعمل فمر اخاك الحسين، وليضربه اخرى بحق ولايته، فانها ستعمل فيه فان الإِمامة له بعدك وجارية في ولده الى يوم القيامة، واياك ان تقتل بي غير قاتلي، فان اللّه عز وجل يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى (الوصية).

روى الشيخ المفيد وغيره عن مولى لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قال لما حضرت امير المؤمنين (عليه السلام) الوفاة قال للحسن والحسين (عليهما السلام): اذا أنا مت فاحملاني على سريري ثم اخرجاني، ثم احملا مؤخر السرير فانكما تكفيان مقدمه ثم اتيا بي الغريّ(1)فانكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نوراً فاحتفرا فيها فانكما تجدان فيها ساجة، فادفناني فيها، قال فلما مات (صلوات اللّه عليه) اخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير ونكفى مقدمه وجعلنا نسمع دويا(2) وحفيفاً حتى اتينا الغريين فاذا صخرة بيضاء تلمع نورها فاحتفرنا فاذا ساجة مكتوب عليها هذه مما ادخرها نوح لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) فدفناه فيه وانصرفنا، ونحن مسرورن باكرام اللّه تعالى لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فاخبرناهم بما جرى وباكرام اللّه لامير المؤمنين (عليه السلام)، فقالوا نحب ان نعاين من امره ما عاينتم فقلنا لهم ان الموضع قد عفى أثره بوصية منه (عليه السلام)، فمضوا وعادوا الينا فقالوا انهم احتفروا فلم يجدوا شيئاً.

_________________________

(1) هو ارض النجف.

(2) الدويُّ هو صدى الأصوات كدويِّ النحل.

[70]

ورُوى عن جابر بن(1) يزيد، قال: سألت ابا جعفر محمد بن عليّ الباقر (عليه السلام) اين دفن امير المؤمنين (عليه السلام)، قال: دفن بناحية الغريين ودفن قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو عليّ (عليهم السلام) وعبد اللّه بن(2) جعفر، (رضي اللّه عنهما).

قال الشيخ المفيد فلم يزل قبره (عليه السلام) مخفياً حتى دل عليه الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، في الدولة العباسية، وزاره عند وروده إلى أبي جعفر، وهو بالحيرة، فعرفته الشيعة واستأنفوا اذ ذاك زيارته، عليه وعلى ذريته الطاهرين السلام وكانت سنه يوم وفاته ثلاثاً وستين سنة.

قال محمد بن بطوطة، في رحلته التي سماها تحفة النظار في غرائب الامصار، وقد فرغ منها سنة 756 هجري ستة وخمسين وسبعمائة في ذكر وروده من مكة الى مشهد مولانا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

ذكر الروضة والقبور التي بها، ويدخل من باب الحضرة الى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية(3) من الشيعة ولكل وارد ضيافة ثلاثة ايام من الخبز واللحم والتمر، مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل الى باب القبة، وعلى بابها الحجاب والنقباء والطواشية(4)، فعندما يصل الزائر يقوم اليه احدهم او جميعهم، وذلك على قدر الزائر فيقفون معه على العتبة، ويستأذنون له، ويقولون عن امركم يا امير المؤمنين، هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فان أذنتم له، والا رجع، وان لم يكن اهلا لذلك، فانتم اهل المكارم والستر ثم يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضة، وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبة وهي مفروشة بانواع البسط

_______________________________

(1) الظاهر انه الجعفي وهو من خواص اصحاب الصادق (عليه السلام) وقد سمع منه احاديث وله كرامات. راجع ترجمته في الرجال الكبير وغيره.

(2) هو زوج زينب (سلام اللّه عليها). وهو من الأجواد، وله حكايات في السخاء.

(3) أي العرفاء والزهاد والنساك (منه).

(4) جمع طاش وهو ذو منصب خاص.

[71]

من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبيرة والصغيرة وفي وسط القبة مسطبة(1) مربعة مكسوة بالخشب عليها صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير(2) الفضة، قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون ان احدها قبر آدم (عليه الصلاة والسلام) والثاني قبر نوح (عليه الصلاة والسلام) والثالث قبر علي (رضي اللّه عنه) وبين القبور طسوت(3) ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وانواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن به وجهه تبركاً، وللقبة باب آخر، عتبته ايضاً من الفضة وعليه ستور من الحرير الملون، يفضي الى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله اربعة ابواب، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلهم رافضية، وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم، ان بها قبر علي (رضي اللّه عنه)، فمنها: ان في ليلة السابع والعشرين من رجب ويسمى عندهم ليلة المحيا يؤتى الى تلك الروضة بكل مقعد(4) من العراقين وخراسان وبلاد فارس والروم، فيجتمع منهم الثلاثون والاربعون ونحو ذلك فاذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا عند الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم، وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة، فاذا مضى من الليل نصفه، او ثلثاه او نحو ذلك، قام الجميع اصحاء من غير سوء، وهم يقولون لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه عليّ وليّ اللّه، وهذا امر مستفيض عندهم سمعته من الثقات، ولم أحضر تلك الليلة، لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال احدهم من ارض الروم، والثاني من اصبهان، والثالث من خراسان، وهم مقعدون فاستخبرتهم على شأنهم، فاخبروني انهم لم يدركوا ليلة المحيا، وانهم ينتظرون.

_______________________

(1) بفتح الميم وكسرها: مكان ممهد مرتفع قليلاً يقعد عليه.

(2) جمع مسمار وهو الوتد من الحديد.

(3) جمع طست وهو معرب طشت.

(4) من لا يستطيع المشي على قدميه.

[72]

أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد  ويقيمون سوقاً عظيمة، مدة عشرة ايام. الخ.

وقال ايضاً ورأيت بغربي جبانة الكوفة موضعاً مسوداً، شديد السّواد، في بسيط ابيض، فاخبرت انه قبر الشقي، ابن ملجم، وان أهل الكوفة يأتون كل سنة بالحطب الكثير، فيوقدون النار على موضع قبره سبعة ايام، وعلى قرب منه قبة، اخبرت انها على قبر المختار بن ابي عبيد (انتهت الحاجة من كلامه).

والاحاديث في فضل زيارة امير المؤمنين (عليه السلام) أكثر من أن تذكر.

رُوي عن ابن مارد انه قال لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : ما لمن زار جدك امير المؤمنين (عليه السلام)، فقال يا ابن مارد، من زار جدي عارفاً بحقه كتب اللّه له بكل خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة، واللّه يا ابن مارد ما يطعم اللّه النار قدماً اغبرت(1) في زيارة امير المؤمنين (عليه السلام) ماشياً او راكباً، يا ابن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب.

__________________

(1) صارت مغبرة أي ذات غبار.

[73]

النور الرابع .. الإِمام الثاني السيد الزكي ابو محمد الحسن بن علي بن ابي طالب

سيد شباب اهل الجنة عليه السلام

ولد (عليه السلام) بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين او ثلاث من الهجرة.

روى الشيخ الصدوق باسناده عن الرضا عن آبائه عن علي بن الحسين (عليهم السلام)، عن اسماء بنت عميس، قالت قَبَلتُ(1) جدتك فاطمة (عليها السلام) الحسن والحسين (عليهما السلام) فلما ولد الحسن جاء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا اسماء هاتي ابني فدفعته اليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقال: يا اسماء الم اعهد اليكم ان لا تلفوا المولود في خرقة صفراء، فلففته في خرقة بيضاء فدفعته إليه فأذّن في اذنه اليمنى، واقام في اليسرى، ثم قال لعليّ: بأي شيء سميت ابني قال: ما كنت اسبقك باسمه يا رسول اللّه، قد كنت احب ان اسميه حرباً، فقال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : و لا اسبق انا باسمه ربي ثم هبط جبرائيل فقال : يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول : علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون. قال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وما اسم ابن هارون قال شبر، قال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) : لساني عربيّ قال جبرئيل سمه الحسن، فسماه الحسن (عليه السلام)، فلما كان يوم سابعه عق النبي

__________________________________

(1) أي كنت القابلة عند ولاتها.

[74]

(صلى اللّه عليه وآله وسلم) عنه بكبشين املحين(1) واعطى القابلة فخذاً وديناراً فحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقاً(2) وطلى رأسه بالخلوق(3) ثم قال : يا اسماء الدم فعل الجاهلية. الخ.

وروى ايضاً عن جابر، قال : لما حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسن (عليه السلام) فولدت وقد كان النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أمرهم ان يلفوه في خرقة بيضاء فلفوه في صفراء وقالت فاطمة : يا عليّ سمّه، فقال : ما كنت لاسبق باسمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فأخذه وقبله وأدخل لسانه في فيه فجعل الحسن (عليه السلام) يمصه، ثم قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، الم اتقدم اليكم ان لا تلفّوه في خرقة صفراء فدعا بخرقة بيضاء فلفه فيها فرمى بالصفراء، واذّن في اذنه اليمنى واقام في اليسرى، ثم قال لعليّ (عليه السلام) : ما سميته، قال : ما كنت لاسبقك باسمه، قال : فأوحى اللّه عز ذكره الى جبرائيل، انه قد ولد لمحمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ابن، فاهبط اليه فأقرئه السلام وهنئه مني ومنك، وقل له : ان علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون قال : ما كان اسمه قال شبر، قال : لساني عربي قال : سمه الحسن فسمّاه الحسن، فلما ولد الحسين (عليه السلام) جاء اليهم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ففعل به كما فعل بالحسن، وهبط جبرائيل على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال : ان اللّه عز وجل يقرئك السلام ويقول لك : ان علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون، قال : وما كان اسمه، شبير، قال : لساني عربي، قال فسمه الحسين، فسماه الحسين.

وفي كشف الغمة، ورُوي مرفوعاً الى علي (عليه السلام)، قال : لما حضرت ولادة فاطمة (عليها السلام)، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله

____________________________

(1) الاملح هو ما خالط شعره الأسود شعر أبيض.

(2) أي فضة مسكوكة.

(3) طيب مركب متخذ من الزعفران، وغيره.

[75]

وسلم) لاسماء بنت عميس وام سلمة احضراها، فاذا وقع ولدها واستهل، فأذنا في اذنه اليمنى، وأقيما في اذنه اليسرى، فانه لا يفعل ذلك بمثله الا عصم من الشيطان، ولا تحدثا شيئاً حتى آتيكما، فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فسرّه ولبّاه بريقه، وقال اللهم اني اعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم.

فصل في مناقب الإِمام الحسن عليه السلام

كان الحسن بن علي بن ابي طالب (عليه السلام)، أعبد الناس في زمانه وازهدهم وافضلهم، وكان اذا حج، حج ماشياً وربما مشى حافياً، وكان اذا ذكر الموت بكى، واذا ذكر القبر بكى، واذا ذكر البعث والنّشور بكى، واذا ذكر الممر على الصراط بكى، واذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان اذا قام في صلاة ترتعد فرائصه(1) بين يدي ربه عز وجل، وكان اذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل اللّه الجنة، وتعوذ باللّه من النار، وكان لا يقرأ من كتاب اللّه عز وجل : يا ايها الذين آمنوا الا قال لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من احواله الا ذاكراً للّه سبحانه. وكان اصدق الناس لهجة، وكان اذا توضّأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه، فقيل له في ذلك، فقال : حقّ على كل من وقف بين يدي رب العرش ان يصفر لونه وترتعد مفاصله. وكان اذا بلغ باب المسجد رفع رأسه، ويقول : الهي ضيفك ببابك، يا محسن قد اتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم. وكان اذا فرغ من الفجر لم يتكلم، حتى تطلع الشمس. ولقد حج خمساً وعشرين حجة ماشياً وان النجائب لتقاد معه، وقاسم اللّه تعالى ماله مرتين، وروي ثلاث مرات، حتى انه كان يعطي من ماله نعلاً ويمسك خفاً.

________________________

(1) جمع الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف ترعد عند الفزع.

[76]

وروُي انه (عليه السلام) كان يحضر مجلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي امه فيلقي اليها ما حفظه، كلما دخل عليّ (عليه السلام) وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك فقالت : من ولدك الحسن (عليه السلام) فتخفى يوماً في الدار وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه اليها، فارتج(1) فعجبت امّه من ذلك فقال : لا تعجبي يا امّاه، فان كبيراً يسمعني، واستماعه قد أوقفني، فخرج عليّ (عليه السلام) فقبّله، وفي رواية، يا اماه قلَّ بياني وكلَّ لساني، لعل سيداً يرعاني(2).

وعن انس بن مالك قال لم يكن احد اشبه برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من الحسن بن علي (عليه السلام).

وعنه قال : حيَّت(3) جارية للحسن بن علي (عليه السلام) بطاقة(4) ريحان فقال لها : انت حرة لوجه اللّه، فقلت له في ذلك، فقال : ادبنا اللّه تعالى، فاذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها، وكان احسن منها اعتاقها.

وروي انه لم يسمع قط منه (عليه السلام) كلمة فيها مكروه، الا مرة واحدة، فانه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة في ارض، فقال له الحسن (عليه السلام) : ليس لعمرو عندنا الا ما يرغم انفه.

ومن حلمه ما روى المبرد(5) وغيره أن شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه، والحسن (عليه السلام) لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام)

________________________

(1) أي فاضطرب.

(2) أي يراقبني.

(3) من التحية.

(4) يعني باقة من زهر الريحان.

(5) هو ابو العباس محمد بن يزيد البصري من كبار النحويين واللغويين . وكان امامي المذهب. مقبول القول عند الفريقين وله الكامل والمقتضب ومعاني القرآن توفي سنة 285 ببغداد.

[77]

فسلم عليه وضحك، فقال : أيها الشيخ اظنك غريباً، ولعلك شبهت، فلو اشبعتنا اعتبناك(1)، ولو سألتنا اعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وان كنت جائعاً أشبعناك، وان كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وان كنت طريداً آويناك، وان كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك الينا وكنت ضيفنا الى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً، فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة اللّه في أرضه اللّه اعلم حيث يجعل رسالته، وكنت انت وابوك ابغض خلق اللّه  الي، وحول رحله اليه وكان ضيفه الى ان ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم.

وروي انه لما مات الحسن (عليه السلام) اخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين (عليه السلام) : تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرعه الغيظ، قال مروان: نعم كنت افعل ذلك، بمن يوازن حلمه الجبال.

_______________

(1) أي ازلنا عنك العتبة (اي الشدائد).

فصل في وفاة الإِمام الحسن عليه السلام

توفي الحسن بن علي (عليه السلام) بالسّم، يوم الخميس السابع من صفر سنة تسع واربعين، وكان ابن سبع واربعين، وقيل في الثامن والعشرين منه، وقيل في آخر صفر، ودفن بالبقيع من المدينة.

الكليني، عن ابي بكر الخضرمي، قال : ان جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي سمَّت الحسن بن عليّ (عليه السلام) وسمَّت مولاة له، فأما

[78]

مولاته فقاءت السم، واما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط(1) به، فمات.

قلت : جعدة بنت الأشعث بن قيس، كانت ابنة ام فروة، اخت ابي بكر بن ابي قحافة.

رُوي ان معاوية بذل لها عشرة آلاف دينار، واقطاع عشرة ضياع من سقي سوراء(2) وسواد الكوفة على ان تسم الحسن (عليه السلام).

وقال الشيخ المفيد ضمن معاوية ان يزوجها بابنه يزيد، وأرسل اليها معاوية الف درهم، فسقته جعدة السم، فبقي اربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر.

وذكر ابو الفرج في مقاتل الطالبيين ان الحسن بن عليّ (عليه السلام) بعد صلحه لمعاوية انصرف الى المدينة، فأقام بها وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء اثقل عليه من امر الحسن بن علي (عليه السلام)، وسعد بن (3) أبي وقاص، فدس اليهما سما فماتا منه.

الاحتجاج، عن الاعمش، عن سالم بن ابي الجعد، قال : حدثني رجل منا قال : اتيت الحسن بن علي (عليه السلام)، فقلت : يا ابن رسول اللّه اذللت رقابنا وجعلتنا معشر الشيعة عبيداً، ما بقي معك رجل، قال : ومم ذاك قال : قلت : بتسليمك الأمر لهذا الطاغية(4) قال : واللّه ما سلّمت الأمر اليه الا أني لم اجد انصاراً، ولو وجدت انصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى

__________________

(1) نفط القدر (بالكسر) أي غلت،  نفط يده : قرحت او تجمع فيها بين الجلد واللحم.

(2) سوراء : بالمد والضم : موضع. قيل في جنب بغداد و يروى بالقصر (مراصد الاطلاع).

(3) من اصحاب رسول اللّه. وكان من العشرة المبشرة بالجنة بزعمهم وكان فاتح فارس على عهد عمر. والرجل وان لم يبايع علياً الا انه لم يسبه وقد دعاه اليه معاوية مراراً. فخالفه واعلن بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

(4) يعني به معاوية.

[79]

يحكم اللّه بيني وبينه. ولكني عرفت اهل الكوفة وبلوتهم(1)، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسداً، انهم لا وفاء لهم، ولا ذمة(2) في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا : ان قلوبهم معنا وان سيوفهم لمشهورة(3) علينا، قال : وهو يكلمني : اذ تنخع الدم فدعا بطست، فحمل من بين يديه ملآن مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له : ما هذا يا ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اني لأراك وجعاً قال أجل، دسّ إليّ هذا الطاغية من سقاني سمّاً، فقد وقع على كبدي فهو يخرج قطعاً كما ترى، قلت له : افلا تتداوى قال : قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا اجد لها دواء.

وروى الثقة الجليل عليّ بن محمد الخزاز القمي بسنده عن جنادة بن أبي اميّة، قال : دخلت على الحسن بن عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يديه طست يقذف عليه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي اسقاه معاوية، فقلت : يا مولاي مالك لا تعالج نفسك فقال : يا عبد اللّه بماذا اعالج الموت، قلت : انا للّه وإنا اليه راجعون. ثم التفت اليّ فقال : واللّه لقد عهد الينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان هذا الامر يملكه اثنا عشر اماماً من ولد عليّ وفاطمة، ما منا الا مسموم او مقتول. ثم رُفعت الطست وبكى قال، فقلت له : عظني يا ابن رسول اللّه قال : نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول اجلك، واعلم انك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي انت فيه، وساق الكلام في ذكر موعظته (عليه السلام) الى أن قال : ثم انقطع نفسه واصفر لونه حتى خشيت عليه ودخل الحسين (عليه السلام)، والاسود بن ابي الاسود، فانكب(4)، عليه حتى قبّل رأسه وعينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعاً، فقال ابو الأسود : إنا للّه ان الحسن قد نُعَيت اليه نفسه، وقد أوصى الى الحسين (عليه السلام)، وتوفّي يوم

_____________________________

(1) أي امتحنتهم.

(2) أي الامان والعهد.

(3) شهر سيفه: أي اخرجه من الغمد.

(4) أي لزمه.

[80]

الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة واربعون سنة ودفن بالبقيع انتهى.

قلت : ومما اوصى (عليه السلام) الى اخيه الحسين (عليه السلام) ان قال : اذا انا متُّ فهيئني ثم وجهني الى قبر جدّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لأجدّد به عهداً، ثم ردني الى قبر جدتي فاطمة(1) فادفني هناك، وستعلم يا ابن امي ان القوم يظنون انكم تريدون دفني عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فيجلبون(2) في ذلك ويمنعونك منه، وباللّه اقسم عليك ان تهرق في امري محجمة(3) دم، ثم وصى اليه باهله وولده، وتركاته، وما كان وصى اليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، حين استخلفه، فلما قبض (سلام اللّه عليه) غسله(4) الحسين (عليه السلام) وكفنه وحمله على سريره وانطلق به الى مصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه ولم يشك مروان ومن معه من بني امية انهم سيدفنونه عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فتجمعوا ولبسوا السلاح فلما توجه به الحسين (عليه السلام) الى قبر جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ليجدد به عهداً، اقبلوا اليه في جمعهم ولحقتهم الحميراء، على بغل، وهي تقول : مالي ولكم تريدون ان تدخلوا بيتي من لا أحبُّ، نحُّوا ابنكم عن بيتي فانه لا يدفن فيه شيء ولا يهتك على رسول اللّه حجابه :

منعته عن حرم النَّبي ضلالةً*** وهو ابنهُ فلأيِّ امر يمنعُ

فكأنه روحُ النبَّي وقد رأت*** بالبعد بينهما العلائق تقطعُ

______________________

(1) أي فاطمة بنت الاسد يعني ام ابيه أمير المؤمنين.

(2) أي يتوعدون بالشر.

(3)  الة الحجامة وهي شيء كالكأس يفرغ من الهواء ويوضع على الجلد فيحدث فيه تهيجاً ويجذب الدم بقوة.

(4) وفي كشف الغمة ولي غسله الحسين عليه السلام ومحمد والعباس واخوته وصلى عليه سعيد بن العاص.

[81]

فقال لها الحسين (عليه السلام): قديما هتكت انت وابوك حجاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وأدخلت بيته من لا يحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قربه، وان اللّه تعالى يسألك عن ذلك، وجعل مروان يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة ايدفن عثمان في اقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي، لا يكون ذلك ابدا، وانا(1) احمل السيف، وكادت الفتنة ان تقع بين بني هاشم وبين بني امية، فبادر ابن عباس الى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولكنا نريد ان نجدد به عهداً بزيارته ثم نرده الى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان اوصى بدفنه مع النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لعلمت انك اقصر باعاً من ردنا عن ذلك لكنه كان أعلم باللّه وبرسوله وبحرمة قبره من ان يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير اذنه، وفي المناقب ورموا(2) بالنبال جنازته حتى سل(3) منها سبعون نبلاً.

وفي زيارة امير المؤمنين: وانتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته(4) وشهيد فوق الجنازة قد شكت بالسهام اكفانه وقتيل بالعراء(5) قد رفع فوق القناة رأسه ومكبل(6) في السجن قد رضّت(7) بالحديد اعضاؤه ومسموم قد قطعت بجرعة السم امعاؤه.

(اقول شكت بالشين بعدها الكاف أي خرقت وشبكت بالموحدة بينهما تصحيف، ففي الحديث ان رجلا دخل بيته فوجد حية فشكها بالرمح أي خرقها وانتظمها به).

__________________________

(1) لفظ الواو هنا للحال.

(2) الواو للعطف على ما سبق.

(3) سل الشيء من الشيء: انتزعه واخرجه برفق.

(4) الهامة: راس كل شيء وتطلق على الجثة.

(5) العراء: الفضاء لا يستتر بشيء.

(6) أي مقيد. والكبل بالفتح او الكسر: القيد، او اعظم ما يكون من القيد.

(7) أي دقت.

[82]

«وقال الشاعر في رثاء الحسن (عليه السلام)»:

نعش له الروحُ الأمينُ مشيِّع*** وغدت به زمرُ الملائكِ تخضعُ

نَثَلوا له حقد الصدورِ فما يُرى*** منها لِقوس بالكنانةِ منزعُ

ورموا جنازتَه فعادَ وجسمُهُ*** غرض لراميةِ السهامِ وموقعُ

شكّوة حتى اصبحت من نعشهِ*** تستلُّ غاشيةُ النبالِ وتنزعُ

روى المسعودي في مروج الذهب عن أهل البيت (عليهم السلام)، انه لما دفن الحسن (عليه السلام)، وقف محمد بن الحنفية اخوه على قبره فقال: ابا محمد لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وانت خامس اهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن عليّ المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى ثم انشأ يقول:

[ءأدَهن رأسي ام تطيب مجالسي*** وخدك معفور(3) وأنت سليبُ(4)]

ءاَشرب ماءَ المزنِ(5) من غير مائِهِ*** وقد ضمن الاحشاءَ منكَ لهيبُ

[سأبكيكَ ما ناحتْ حمامةُ ايكةٍ(6)*** وما اخضرّ في دوح(7) الحجازِ قضيبُ(8)]

غريب(9) واكناف الحجازِ تحوطهُ*** الا كلّ من تحت الترابِ غريبُ

وفي المناقب، وقال الحسين (عليه السلام) لما وضع الحسن (عليه السلام) في لحده:

ءَاَدهن رأسي ام اطيب محاسني*** ورأسك معفور وأنت سليب

_________________

(1) أي مجعول عليه التراب ومغبرة به.

(2) أي مأخوذ عنا.

(3) أي السحاب.

(4) الشجر الكثير الاغصان.

(5) الشجرد العظيمة او البيت الضخم. والمراد هنا الروض.

(6) الشجرة الرطبة.

(7) أي انت غريب.

[83]

الحميري عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام)، قال: ان الحسين بن عليّ (عليه السلام) كان يزور قبر الحسن (عليه السلام) في كل عشية جمعة.

وروى الشيخ في يَب، انه قال الحسن بن عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه ما لمن زارنا، قال: من زارني حياً او ميتاً او زار اباك حيّاً او ميتاً او زار اخاك حياً او ميتاً او زارك حيّاً او ميتاً كان حقاً عليَّ ان استنقذه يوم القيامة، الى آخره.

[84]

النور الخامس .. الامام الثالث الشهيد المظلوم ابو عبد اللّه الحسين بن علي بن ابي طالب

امام الانس والجن سيد شباب اهل الجنة عليه السلام

ولد (عليه السلام) بالمدينة آخر شهر ربيع الاول سنة ثلاث من الهجرة كما اختار ذلك المفيد في المقنعة، والشيخ(1) في يب، والشهيد(2) في الدروس، والبهائي في تاريخه(3) وصاحب(4) كشف الغطاء وغيرهم، وهذا يوافق ما رواه الكليني عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان بين الحسن والحسين طهر وكان بينهما في الميلاد ستة اشهر وعشراً حيث اراد بالطهر مقدار اقل زمان الطهر، وهو عشرة ايام، وروى ايضاً لم يكن بين الحسن والحسين (عليهما السلام) الا طهر واحد، وان مدة حمل الحسين (عليه السلام) ستة اشهر، ولكن المشهور انه ولد (عليه السلام) في ثالث شعبان واختاره الشيخان(5) في مسار الشيعة، والمصباح، وهو يوافق التوقيع الشريف.

__________________________

(1) أي شيخ الطائفة. محمد بن الحسن الطوسي (رحمه اللّه) في التهذيب.

(2) كلما ذكر الشهيد مطلقتً او بقيد الأول فهو الشهيد الأول ابو عبد اللّه محمد بن المكي العالمي المتوفى سنة 786 هجري. راجع ترجمته في الكنى والالقاب.

(3) المسمى بتوضيح المقاصد. وقد طبع بمصر منضماً الى شرح القصيدة الذهبية.

(4) هو الشيخ الكبير الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر النجفي. فقيه زمانه. توفي (رحمه اللّه) سنة 1228 هجري. وقد ذكر في مقدمة كتابه كشف الغطاء مواليد الأئمة ووفياتهم.

(5) أي الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (رحمهما اللّه).

[85]

وروي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) انه صلى الظهر يوماً، فرأى جبرائيل (عليه السلام) فقال: اللّه اكبر، فاخبره جبرائيل برجوع جعفر من ارض الحبشة، فكبر ثانياً، فجاءت البشارة بولادة الحسين (عليه السلام) فكبر ثالثاً، اورده صاحب جواهر الكلام في اواخر مبحث التعقيب.

وروي ان اللّه تعالى هنأ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بحمل الحسين وولادته وعزّاه بقتله فعرفت فاطمة (عليها السلام) فكرهت ذلك، فنزلت حملته امه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً.

اقول الذي يظهر لي من بعض اخبار اللوح، ان مولاتنا فاطمة (عليها السلام) لما اغتمت بولادة الحسين (عليه السلام) اعطاها ابوها اللوح ليسرها بذلك، والخبر هذا:

روى الصدوق عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال ابي لجابر بن عبد اللّه الانصاري: ان لي اليك حاجة فمتى يخف عليك ان اخلو بك فاسألك عنها، قال له جابر في أي الاوقات شئت، فخلا به ابي (عليه السلام) فقال له يا جابر: اخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي امي فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وما اخبرتك به امي، ان في ذلك اللوح مكتوباً قال جابر: اشهد باللّه اني دخلت على امك فاطمة (صلوات اللّه عليها) في حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اهنئها بولادة الحسين (عليه السلام)، فرأيت في يدها لوحاً اخضر ظننت انه زمرد ورأيت فيه كتاباً ابيض شبه نور الشمس فقلت لها، بأبي انت وامي، يا بنت رسول اللّه، ما هذا اللوح فقالت: هذا اللوح اهداه اللّه عز وجل، الى رسوله، فيه اسم ابي واسم بعلي واسم ابنيّ واسماء الاوصياء من ولدي، فاعطانيه ليسرني بذلك، قال جابر: فاعطتنيه امك فاطمة فقرأته وانتسخته فقال ابي (عليه السلام): فهل لك يا جابر ان تعرضه عليّ قال نعم فمشى معه ابي (عليه السلام) حتى انتهى الى منزل جابر، فاخرج الى ابي صحيفة

[86]

من رق، قال جابر فأشهد باللّه أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه العزير العليم لمحمد نوره وسفيره(5) الى آخره...

ورُوى انه لما ولد الحسين (عليه السلام) امر اللّه تعالى جبرائيل ان يهبط في ملأ من الملائكة فيهنئ محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فهبط فمر بجزيرة فيها ملك يقال له فطرس، بعثه اللّه في شيء فأبطأ فكسر جناحه، فالقاه في تلك الجزيرة فعبد اللّه سبعمئة عام، فقال فطرس لجبرائيل، الى اين فقال: الى محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال احملني معك لعله يدعو لي، فلما دخل جبرائيل واخبر محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بحال فطرس قال له النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم): قل له يتمسح بهذا المولود فتمسح فطرس بمهد الحسين (عليه السلام) فاعاد اللّه عليه في الحال جناحه، ثم ارتفع مع جبرائيل الى السماء . وفي بعض الروايات ان الملك كان اسمه صلصائيل فلما قصوا على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قصته، قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فدخل على فاطمة صلوات اللّه عليها) فقال: ناوليني ابني الحسين فأخرجته اليه مقموطاً يناغي(2) جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فخرج به الى الملائكة فحمله على بطن كفه فهللوا وكبروا وحمدوا اللّه تعالى واثنوا عليه، فتوجه به الى القبلة نحو السماء فقال: اللهم اني اسألك بحق ابني الحسين ان تغفر لصلصائيل خطيئته وتجبر كسر جناحه، وترده الى مقامه مع الملائكة المقربين، فتقبل اللّه تعالى من النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ما أقسم به عليه، وغفر لصلصائيل خطيئته وجبر كسره، ورده الى مقامه مع الملائكة المقربين.

_____________________

(1) والخبر مذكور بتمامه في البحار ج 13 . وفي الكافي.

(2) ناغى الرجل للصبي أي كلمه بما يعجبه ويسره.

[87]

وفي مدينة المعاجز قال ولم يبق ملك في السماء الا ونزل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يعزيه بولده الحسين (عليه السلام)، ويخبرونه بثواب ما يعطى من الزلفى والأجر والثواب يوم القيامة ويخبرونه بما يعطى من الاجر زائره والباكي عليه والنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) مع ذلك يبكي ويقول اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما أمَّله في الدنيا، واصله(1) حر نارك في الآخره.

فصل في مواعظ مولانا الامام الحسين عليه السلام

في ذكر موعظة من كلامه (عليه السلام)، قال (عليه السلام): اوصيكم بتقوى اللّه واحذركم ايامه، وارفع لكم اعلامه، فكأنّ المخوف قد أفل بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق(2) مهجكم وحال بين العمل وبينكم، فبادوا بصحة الاجسام، ومدة الاعمار، كأنكم نبعات(3) طوارقه، فتنقلكم من ظهر الارض الى بطنها، ومن علوها الى أسفلها، ومن انسها(4) الى وحشتها ومن روحها وضوئها الى ظلمتها، ومن سعتها الى ضيقها، حيث لا يزار حميم ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا اللّه واياكم على اهوال ذلك اليوم ونجانا واياكم من عقابه، واوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه، عباد اللّه فلو كان ذلك قصر

___________________________________

(1) أي ادخله في النار واذقه منها.

(2) أي احبها.

(3) وطوارقه أي حوادثه والضمير يرجع الى المخوف (منه).

(4) مقابل الوحشة.

[88]

مرماكم(1) ومدى(2) مظعنكم، كان حسب(3) العامل شغلاً يستفرغ عليه احزانه ويذهله(4) عن دنياه، ويكثر نصبه(5) لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذٍ لاينفع نفسا ايمانها، لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيراً. قل انتظروا، انّا منتظرون، اوصيكم بتقوى اللّه فان اللّه قد ضمن لمن اتقاه ان يحوله عما يكره الى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فايّاك ان تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فان اللّه تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده، الا بطاعته ان شاء اللّه.

وفي وصية موسى بن جعفر (عليه السلام) لهشام، قال وقال الحسين بن علي (عليهما السلام): ان جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها، بحرها وبرها وسهلها وجبلها، عند وليّ من اولياء اللّه وأهل المعرفة بحق اللّه، كَفَيء(6) الظلال، ثم قال (عليه السلام) ألا حُرّ(7) يدع هذه اللُّماظة(8) لأهلها، يعني الدنيا، ليس لانفسكم ثمن الا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فانه من رضي من اللّه بالدنيا فقد رضي بالخسيس.

ونقل السيد الاجلّ السيد علي خان، من كتاب خلق الانسان، للفاضل النيسابوري انه قال: كان الحسين بن عليّ سيد الشهداء (عليه

____________________

(1) مرماكم. أي مقصدكم.

(2) أي غاية مسيركم.

(3) أي كفاه.

(4) أي ينسبه الشغل ويصرفه عنه.

(5) أي بلاءه وتعبه.

(6) الفيء هو الظل اذا رجع.

(7) أي ليس رجل حر الخ.

(8) اللماظة كتمامه ما يلاك في الفم وهو تافه.

[89]

السلام) كثيراً ما ينشد هذه الابيات، وتزعم الرواة انها مما أملته(1) نفسه الطاهرة على لسان مكارمه الوافرة:

لِئن كانت الافعالُ يوماً لأهلها*** كمالاً فحسنُ الخلقِ ابهى(2) وأكملُ

وان كانت الارزاقُ رزقاً مقدراً*** فقِلَّةُ جهدِ المرءِ في الكسب اجملُ

وان كانت الدنيا تعدُّ نفيسةً*** فدارُ ثوابِ اللّه أعلى وانبلُ(3)

وان كانت الأبدان للموتِ أُنشِئَتْ*** فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللّه افضلُ

وان كانت الاموالُ للتركِ جمعُها*** فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ

ورُويَ انه (عليه السلام) لما نزل كربلاء أقبل على اصحابه فقال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق(4) على النستهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فاذا محصوا(5) بالبلاء قلَّ الديّانون.

_____________________

(1) أي  أنشأته (عليه السلام).

(2) أي اجمل.

(3) اسم تفضيل من النبل (بالضم) وهو الذكاء والنجابة.

(4) أي ملصق بها. يقال لعق العسل: أي تناوله بلسانه ولحسه.

(5) أي اختبروا وابتلوا.

فصل في استشهاد الامام الحسين وفضل زيارته عليه السلام

قال شيخنا المفيد رضي اللّه عنه في الارشاد: مضى الحسين (عليه السلام) في يوم السبت العاشر من المحرم، سنة احدى وستين من الهجرة بعد صلاة الظهر منه، قتيلاً مظلوماً، ظمآن صابراً، محتسباً على ما شرحناه، وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة، اقام منها مع جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) سبع سنين، ومع ابيه امير المؤمنين (عليه السلام) سبعاً وثلاثين سنة، ومع اخيه الحسن (عليه السلام) سبعاً واربعين سنة، وكانت مدة خلافته بعد اخيه احدى عشرة سنة، وكان يخضب بالحناء

[90]

والكتم وقتُل (عليه السلام) وقد نصل الخضاب من عارضيه، وقد جاءت روايات كثيرة، في فضل زيارته (عليه السلام) بل في وجوبها:

فرُويَ عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، انه قال: زيارة الحسين بن عليّ (عليهما السلام) واجبة على كل من يعتقده ويقر للحسين (عليه السلام)بالامامة من اللّه عز وجل.

وقال (عليه السلام) زيارة الحسين (عليه السلام) تعدل مئة حجة مبرورة ومئة عمرة متقبَّلة.

وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من زار الحسين بعد موته فله الجنة والاخبار في هذا الباب كثيرة، انتهى.

وقال في المقنعة، وروى يونس بن ظبيان قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام)، جعلت فداك، إني كثيراً ما اذكر الحسين (عليه السلام) فاي شيء اقول، قال: قل صلى اللّه عليك يا ابا عبد اللّه، تعيد ذلك ثلاثاً فان التسليم يصل الينا من قريب ومن بعيد.

وقال شيخنا الشهيد، قدس سره في الدروس، وثواب زيارته لا يحصى، حتى رُويَ ان زيارته فرض على كل مؤمن وان ترْكَها تركُ حقٍّ للّه تعالى ولرسوله وان تركَها عقوقُ رسول اللّه وانتقاص في الايمان والدين، وانه حق على الغني زيارته في السنة مرتين، والفقير في السنة مرة وان من أتى عليه حول ولم يات قبرَهُ نقص من عمره حول، وانها تطيل العمر، وأن أيام زيارته لا تعد من الاجل، وتفرج الهم وتمحص الذنوب(1)ولكل خطوة حجة مبرورة وله بزيارته اجر عتق الف نسمة(2) وحمل على ألف فرس،

__________________

(1) أي تبعد الذنوب وتنقِّي منها.

(2) أي ذي الروح والمراد به مطلق الرق.

[91]

في سبيل اللّه، وله بكل درهم انفقه عشرة آلاف درهم، وان من أتى قبره عارفاً بحقه غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الى أن قال: ومَن بَعُدَ عنه وصعد على سطحه ورفع رأسه الى السماء ثم توجه الى قبره (عليه السلام)، كتب اللّه له زورة، والزورة حجة وعمرة ولو فعل ذلك في كل يوم خمس مرات كتب اللّه له ذلك.