ان كنت اردت ان تعلم مقدار تأثير مصيبة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) على امير المؤمنين وعلى اهل بيته فاسمع ما قال امير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، قال: فنزل بي من وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ما لم اكن اظن الجبال لو حملته عنوة(1) كانت تنهض به فرأيت الناس من اهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ولا يضبط نفسه ولا يقوى على حمل فادح(2) ما نزل به قد اذهب الجزع صبره واذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع وسائر(3) الناس من غير بني عبد المطلب بين معزٍّ يأمر بالصبر وبين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته، بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ووضعه في حفرته، وجمع كتاب اللّه (4) وعهده الى خلقه لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لادغ حرقة ولا جزيل مصيبة حتى أدّيت في ذلك الحق الواجب اللّه عز وجل ولرسوله عليَّ وبلغت منه الذي أمرني به واحتملته صابراً محتسباً.
_____________________
(1) أي قهراً وقسراً.
(2) أي المصيبة النازلة.
(3) أي ورأيت.
(4) عطف بيان لكتاب اللّه (منه).
[35]
وروى الكليني عن ابي جعفر (عليه السلام) قال لما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بات آل محمد (عليهم السلام) بأطول ليلة حتى ظنوا ان لا سماء تظلهم ولا أرض تُقِلُّهم(1) لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وتر(2) الأقربين والابعدين في اللّه، فبينا هم كذلك أذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال: السلام عليكم يا اهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، ان في اللّه عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة ودركا لما فات، كل نفس ذائقةُ الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح(3) عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور، ان اللّه اختاركم وفضلكم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيه واستودعكم علمه وأورثكم كتابه.
وقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) ان اللّه لما قبض نبيه دخل على فاطمة عليها السلام من الحزن ما لا يعلمه الا اللّه عز وجل، فأرسل اليها ملكاً يسلّي غمَّها ويحدثها فشكت ذلك الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لها: اذا احسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته ذلك وجعل امير المؤمنين (عليه السلام) يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً قال (عليه السلام): اما انه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون.
وفي رواية اخرى انه كان جبرائيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على ابيها ويطيب نفسها.
وروي انه اجتمعت نسوة بني هاشم وجعلن يذكرن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقالت فاطمة (عليها السلام): اتركن التعداد وعليكنَّ بالدعاء وقال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم): يا عليّ من اصيب بمصيبة
_______________________
(1) أي ترفعهم فوقها.
(2) أي جعل شفعهم وترا. يعني افرادهم.
(3) أي ابعد.
[36]
فليذكر مصيبته بي فانها من اعظم المصائب وانشأ امير المؤمنين (عليه السلام):
الموت لا والدا يبقي ولا ولدا*** هذا السبيل إلى ان لا ترى احدا
هذا النبي ولم يخلد لأمته*** لو خلد اللّه خلقا قبله خلدا
للموت فينا سهام غير خاطئة*** من فاته اليوم سهم لم يفته غدا
فلما اراد امير المؤمنين (عليه السلام) غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) استدعى الفضل بن العباس فأمره ان يناوله الماء لغسله بعد ان عصب(1) عينيه ثم شق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به الى سرته وتولى غسله وتحنيطه والفضل يعاطيه الماء ويعينه عليه والملائكة كانت اعوانه ايضاً فغسل في قميصه.
روى الشيخ في التهذيب عن الحرث بن يعلي بن مرة عن أبيه عن جده قال: قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فستر بثوب، ورسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) خلف الثوب وعلي (عليه السلام) عند طرف ثوبه قد وضع خديه على راحته والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي (عليه السلام) قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون(2) ويبكون واذا(3) سمعنا صوتاً في البيت ان نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه قال فرأيت علياً (عليه السلام) حين رفع راسه فزعاً فقال: اخسأ عدو اللّه فانه أمرني بغسله وكفنه ودفنه وتلك سنة قال (عليه السلام) نادى مناد آخر غير تلك النغمة يا علي بن ابي طالب استر عورة نبيك ولا تنزع القميص.
______________________
(1) أي جعل على عينيه عصابة.
(2) أي يبكون شديداً.
(3) لفظة اذا فجائية.
[37]
وفي نهج البلاغة من كلام له (عليه السلام) قاله وهو يلي غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وتجهيزه: بأبي أنت وامي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء واخبار السماء وخصصت(1) حتى صرت مسلياً عمن سواك وعممت(2) حتى صار الناس فيك سواء ولولا انك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لانفدنا(3) عليك ماء الشؤون(4) ولكان الداء مماطلاً(5) والكمد(6) محالفاً(7) وقلا لك(8) ولكنه(9) ما لا يملك رده ولا يستطاع دفعه بأبي انت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك(10).
وفي رواية الشيخ قال: لما فرغ من غسله كشف الأزار عن وجهه ثم أكبَّ عليه فقبل وجهه ومد الأزار عليه.
وعن فقه الرضا ان علياً (عليه السلام) لما ان غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليهما وآلهما وسلم) وفرغ من غسله نظر في عينيه فرأى فيهما شيئاً فانكب عليه فادخل لسانه فمسح ما كان فيهما فقال بأبي وأمي يا رسول اللّه، (صلى اللّه عليك) طبت حياً وطبت ميتاً، قاله العالم(11).
وعن بصائر الدرجات عن ابي رافع قال: ان اللّه ناجى علياً يوم غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم).
_____________________
(1) أي في مصيبتك خصوصية. حتى ان غيرها من المصائب يسلى بها لشدة تأثيرها علينا.
(2) أي مع ذلك تكون مصيبتك عامة لكل مسلم.
(3) أي لأفنينا على فراقك ومصيبتك ماء عيوننا.
(4) من الشؤونة وهي منابع الدمع من الرأس.
(5) أي مسامحاً في الشفاء والبرء.
(6) أي الحزن.
(7) أي ملازما.
(8) تثنية (قل) أي مماطلة الداء ومخالفة الكمد قليلان في جنب مصيبتك.
(9) نقطة (ما) موصولة بمعنى الموت.
(10) أي في خاطرك عند ورودك الجنة.
(11) يعني رواها الإِمام (عليه السلام).
[38]
قال الراوي: فلما فرغ علي (عليه السلام) من غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وتحنيطه كفنه في ثلاث أثواب، ثوبين ابيضين صحاريين، وبرد احمر حبرة(1) (وصحار قرية باليمن نسب الثوب اليها).
وروى القطب الراوندي عن علي (عليه السلام) انه قال: امرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اذا توفي ان استسقي سبع قرب(2) من بئر غرس فاغسله بها فاذا غسلته وفرغت من غسله اخرجت من في البيت، قال: فاذا اخرجتهم فضع فاك على فيَّ ثم سلني عما هو كائن الى ان تقوم الساعة من امر الفتن، قال علي (عليه السلام): ففعلت ذلك فأنبأني بما يكون الى ان تقوم الساعة وما من فئة تكون الا وانا اعرف اهل ضلالها من اهل حقها.
روى سليم(3) عن سلمان (رضي اللّه عنه) انه قال: اتيت علياً (عليه السلام) وهو يغسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقد كان أوصى ان لا يغسله غير عليٍّ (عليه السلام) وأخبر عنه انه لا يريد ان يقلب منه عضوا الا قلب له وقد قال امير المؤمنين (عليه السلام) لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): من يعينني على غسلك يا رسول اللّه قال جبرائيل فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه والمرأة(4) في الحجرة لا تعلم، قد اخذ جبرائيل ببصرها، قال المفيد: فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى
_________________________________
(1) ضرب من برود اليمن.
(2) جمع قربة.
(3) سليم (بضم السين) بن قيس الهلالي الكوفي. صاحب امير المؤمنين له كتاب.
(4) يعني بها عائشة.
[39]
عليه وحده لم يشركه معه احد في الصلاة عليه وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه واين يدفن فخرج اليهم امير المؤمنين (عليه السلام) وقال لهم: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) امامنا حياً وميتاً فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير امام وينصرفون، وان اللّه لم يقبض نبياً في مكان الا وقد ارتضاه لرمسه(1) فيه وانّي لدافنه في حجرته التي قبض فيها فسلم القوم لذلك ورضوا به.
روى الكليني عن أبي مريم الانصاري قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف كانت الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: لما غسله امير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه سجاه(2)، ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف امير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: ان اللّه وملائكته يصلون على النبي ، يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، فيقول القوم كما يقول (عليه السلام) حتى صلى عليه أهل المدينة والعوالي(3).
وروى ابو جعفر (عليه السلام): انهم صلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الاقرباء والخواص ولم يحضر أهل السقيفة وكان عليّ (عليه السلام) انفذ اليهم بريدة(4) وانما تمت بيعتهم بعد دفنه ( صلى الله عليه وآله وسلم) وروي عن القسم الصقيل أنه كتب إلى الناحية المقدسة جعلت فداك هل اغتسل امير المؤمنين حين غسل رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم) عند موته فاجابه: النبي 0صلي اللّه عليه وآله): طاهر مطهر ولكن امير المؤمنين (عليه السلام) فعل وجرت به السند.
____________________
(1) أي لتربته وقبره.
(2) سجى الميت: مد عليه ثوباً.
(3) نواحي في اطراف المدينة.
(4) هو بريدة الاسلمي من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين.
[40]
قال المفيد: ولما صلى المسلمون عليه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) انفذ العباس بن عبد المطلب برجل الى ابي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة ويصرح وكان ذلك عادة اهل مكة وانفذ الى زيد به سهل وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد فاستدعاهما وقال اللهم خر(1) لنبيك فوجد ابو طلحة زيد بن سهل وقيل له: احفر لرسول اللّه فحضر له لحداً ودخل امير المؤمنين والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس واسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فنادت الانصار من وراء البيت يا علي انا نذكرك اللّه وحقنا اليوم من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان يذهب، ادخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): فقال: ليدخل اوس بن خولي وكان بدرياً فاضلاً من بني عوف من الخزرج فلما دخل قال له علي (عليه السلام): انزل القبر فنزل ووضع امير المؤمنين رسول اللّه (صلى اللّه عليهما وآلهما) على يديه ودلاه في حفرته فلما حصل في الأرض قال له اخرج فخرج ونزل علي القبر فكشف عن وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ووضع خده على الأرض موجهاً الى القبلة على يمينه ثم وضع عليه اللبن(2) واهال عليه التراب (انتهى). وروي انه ربَّع قبره.
وعن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال القى شقران مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في قبره القطيفة وقال: جعل عليّ (عليه السلام) على قبر النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لبناً وقال: قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) محصب(3) حصباء حمراء.
وروى الحميري(4): ان قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)
____________________
(1) من الخيرة وهي الصلاح.
(2) جمع لبنة بكسر الأول.
(3) أي مجعول فيه الحصى.
(4) هو عبد اللّه بن جعفر. كذا في الرجال الكبير.
[41]
رفع من الأرض قدر شبر وأربع اصابع ورش عليه الماء قال علي (عليه السلام): والسنة ان يرش على القبر ماء.
ورُوي عن بصائر الدرجات عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) انه لما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) هبط جبرائيل (عليه السلام) ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر، قال: ففتح لأمير المؤمنين بصره فرآهم في منتهى السماوات الى الأرض يغسلون النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) معه ويصلون معه عليه ويحفرون له واللّه ما حفر له غيرهم، حتى اذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه، فتكلم وفتح لأمير المؤمنين (عليه السلام) سمعه، فسمعه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يوصيهم به، فبكى، وسمعهم يقولون: لا نألوه(1) جهداً وإنما هو صاحبنا بعدك الا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه.
قال في نهج البلاغة من خطبة له (عليه السلام): و لقد علم المستحفظون من اصحاب محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) إنِّي لم ارد على اللّه سبحانه ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته في المواطن التي تنكص(2) فيها الابطال وتتأخر الاقدام نجدة(3) أكرمني اللّه ولقد قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وان رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي ولقد وُلِّيت غسله والملائكة أعواني فضجت الدار والافنية(5) ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هينمة (اي الكلام الخفي) منهم يصلّون عليه حتى واريناه في ضريحه فمن ذا احق به منّي حياً وميتاً.
_________________
(1) ألا. يألو في الأمر: قصر. يعني انا لننصره على مقدار طاقتنا ولا نقصر في حقه.
(2) أي رجعوا على اعقابهم.
(3) أي الشجاعة والبأس.
(4) جمع فناء (بالكسر) وهو الساحة.
[42]
اقول: قد يقال ان المراد بسيلان النفس هبوب النفس عند انقطاع الانفاس وقيل اراد بنفسه دمه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقال ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قاء عند وفاته دما يسيراً وأن علياً عليه السلام) مسح بذلك وجهه واللّه العالم.
قال المفيد: لم يحضر دفن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والانصار من التشاجر في أمر الخلافة وفات اكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة (عليها السلام) تنادي، واسوء صباحاه فسمعها ابو بكر فقال لها: ان صباحك لصباح سوء.
وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد عن انس بن مالك قال: لما فرغنا من دفن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اقبلت علي فاطمة فقالت: يا انس كيف طابت انفسكم ان تحثوا(1) على وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) التراب، ثم بكت ونادت يا ابتاه اجاب رباً دعاه يا أبتاه، من ربه ما ادناه.
________________
(1) أي أن تصبُّوا.
[43]
مشكاة نور اللّه جل جلاله*** زيتونة عمَّ الورى بركاتها
صلوات اللّه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.
ولدت في جمادى الآخرة يوم العشرين منها سنة خمس واربعين من مولد النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكان بعد مبعثه بخمس سنين كما رُوي عن الصادقين (عليهما السلام).
(البحار) بينا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) جالس بابطح(1) ومعه عمار بن ياسر والمنذر بن الضحضاح وابو بكر وعمر وعلي بن ابي طالب (عليه السلام) والعباس بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلب (رحمه اللّه) اذ هبط عليه جبرائيل (عليه السلام) في صورته العظمى قد نشر أجنحته حتى اخذت من المشرق الى المغرب فناداه يا محمد، العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام وهو يأمرك ان تعتزل(2) عن خديجة اربعين صباحاً، فشق ذلك على
_____________________
(1) كل مسيل فيه دقاق الحصى فهو ابطح قال ابو زيد الابطح اثر المسيل والابطح يضاف الى مكة والى منى لأن مسافته منهما واحدة وربما كان الى منى أقرب وهو المحصب وهي خيف بني كنانة وقيل انه ذو طوى وليس به (مراصد الاطلاع).
(2) لعل اعتزال النبي (صلى اللّه عليه وآله) عن خديجة (رضي اللّه عنها) اربعين يوماً كان للتأهب لتحية رب العالمين وتحفته والمراد بها فاطمة (صلوات اللّه عليها) كما اشير الى ذلك في زيارتها فاطمة بنت رسولك وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذة كبده والتحية منك له والتحفة وفي هذا الاعتزال دليل على جلالة فاطمة (عليها السلام) سيدة النسوان بما لا يطيق بتحرير بيانه البنان (منه).
[44]
النبي (صلى اللّه عليه واله وسلم) وكان محبّاً لها وبها وامقاً(1) قال: فأقام النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اربعين يوماً يصوم النهار ويقوم الليل حتى اذا كان في آخر ايامه تلك بعث الى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها يا خديجة لا تظني ان انقطاعي عنك هجرة ولا قلى(2) ولكن ربي عز وجل امرني بذلك لينفذ امره فلا تظني يا خديجة الا خيراً فان اللّه عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً فاذا جنك الليل فاجيفي(1) الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت اسد رضي اللّه عنها فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مراراً لفقد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فلما كان في كمال الاربعين هبط جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد العليّ الأعلى يقرئك السلام وهو يأمرك ان تتأهب لتحيته وتحفته قال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يا جبرائيل وما تحفة رب العالمين وما تحيته قال: لا علم لي، قال: فبينا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) كذلك اذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس(4) او قال: استبرق، فوضعه بين يديْ النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واقبل جبرائيل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا محمد يأمرك ربك ان تجعل الليلة افطارك على هذا الطعام، فقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): كان النبي (صلى اللّه عليه وآله ولم) اذا أراد أن يفطر أمرني ان افتح الباب لمن يرد الى الإِفطار فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) على باب المنزل وقال يا ابن ابي طالب انه طعام محرم الا عليَّ. قال عليّ (عليه السلام): فجلست على الباب وخلا النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالطعام وكشف الطبق فاذا عذق من رطب(5) وعنقود من عنب فأكل النبي
______________________
(1) أي محباً. يقال ومقه: أي احبه.
(2) قلى الرجل: ابغضه.
(3) اجيفوا ابوابكم: أي ردّوها (منه).
(4) للترديد من الراوي (منه).
(5) لعل تخصيص الرطب والعنب لكثرة بركتهما وما يتولد منهما من المنافع فانه ليس في الاشجار ما يبلغ نفعهما.
[45]
(صلى اللّه عليه وآله وسلم) منه شبعاً، وشرب من الماء رياً، ومد يده للغسل فافاض الماء عليه جبرائيل وغسل يده ميكائيل (عليه السلام) وتمندله(1) اسرافيل (عليهم السلام) فارتفع فاضل الطعام مع الاناء الى السماء، ثم قام النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ليصلّي فأقبل عليه جبرائيل فقال الصلاة(2) محرمة عليك في وقتك حتى تأتي الى منزل خديجة فتواقعها فان اللّه عز وجل آلى(3) على نفسه ان يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة فوثب رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الى منزل خديجة قالت خديجة رضوان اللّه عليها: وكنت قد الفت الوحدة فكان اذا(4) جنّني الليل غطيت رأسي وأسجفت(5) ستري وغلقت بابي وصليت وردي وأطفأت مصباحي وأويت الى فراشي فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة اذ جاء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقرع الباب فناديت من هذا الذي يقرع حلقةً لا يقرعها الا محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قالت خديجة: فنادى النبي (صلي اللّه عليه وآله وسلم) بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه، افتحي يا خديجة فانِّي محمد، قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وفتحت الباب ودخل النبي المنزل، وكان اذا دخل المنزل دعا بالاناء فتطهر للصلاة ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما ثم يأوي الى فراشه فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالاناء ولم يتأهب للصلاة غير انه اخذ بعضدي وأقعدني على فراشه وداعبني ومازحني وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها فلا والذي سمك(6) السماء وأنبع الماء ما تباعد عني النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حتى حسست بثقل فاطمة (عليها السلام)في بطني.
________________
= مع انهما خلقتا من فضلة طينة آدم عليه السلام ولا يبعد ان يكون في ذلك اشارة الى كثرة نفع هذه النسلة الطاهرة المباركة وكثرة ذريتها وبركاتها (سلام اللّه عليها) (منه).
(1) أي وضع على يده المنديل.
(2) الظاهر انها الصلاة النافلة دون الفريضة فانه كان يقدمها على الافطار (منه).
(3) أي حلف.
(4) أي اظلم.
(5) أي ارسلت (منه).
(6) أي رفع.
[46]
وروى الشيخ الصدوق رضي اللّه عنه في الأمالي بسنده عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) كيف كانت ولادة فاطمة (عليها السلام) فقال نعم ان خديجة (رضي اللّه عنها) لما تزوّج بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) هجرتها(1) نسوان مكة فلم يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك وكان جزعها وغمّها حذراً عليه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فلما حملت بفاطمة (سلام اللّه عليها) كانت فاطمة تحدثها من بطنها وتصبِّرها(2)، وكانت تكتم ذلك من رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يوماً فسمع خديجة رضي اللّه عنها تحدث فاطمة (عليها السلام)، فقال لها: يا خديجة هذا جبرائيل يخبرني أنها أنثى وأنها النسلة الطاهرة الميمونة وان الله تبارك و تعالى سيجعل نسلي منها و سيجعل من نسلها الأئمة ويجعلهم خلفاء في ارضه بعد انقضاء وحيه. فلم تزل خديجة على ذلك الى ان حضرت ولادتها، فوجهت الى نساء قريش وبني هاشم ان تعالين(3) لتلين مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن اليها، انت عصيتينا ولم تقبلي قولنا وتزوجت محمدا (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يتيم ابي طالب، فقيراً لا مال له فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً، فاغتمت خديجة لذلك فبينا هي كذلك اذ دخل عليها اربع نسوء سمر(4) طوال كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن لما رأتهن فقالت احداهن، لا تحزني يا خديجة فانّا رسل ربك اليك ونحن اخواتك: أنا سارة وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا اللّه اليك لنلي منك ما يلي النساء فجلست واحدة
__________________
(1) أي ابعدتها.
(2) أي تحثُّها على الصبر.
(3) أي أَقبِلنَ
(4) جمع سمراء وهو اللون المائل الى السواد.
[47]
عن يمينها واخرى عن يسارها والثالثة بين يديها والرابعة من خلفها فوضعت فاطمة (عليها السلام) طاهرة مطهرة، فلما سقطت الى الأرض اشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضع الا أشرق فيه ذلك النور ودخل عشر من الحور العين، كل واحدة منهن معها طست من الجنة وابريق من الجنة، وفي الابريق ماء من الكوثر، واخرجت خرقتين بيضاءتين أشد بياضاً من اللّبن واطيب ريحاً من المسك والعنبر فلفتها بواحدة وقنعتها بالثانية ثم استنطقتها فنطقت فاطمة (عليها السلام) بالشهادتين وقالت: اشهد ان لا اله إلا اللّه وان ابي رسول اللّه، سيد الأنبياء، وان بعلي سيد الأوصياء وولدي سادة الاسباط، ثم سلمت عليهن وسمت كل واحدة منهن باسمها، واقبلن يضحكن اليها وتباشرت الحور العين وبشر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمة (عليها السلام) وحدث في السماء نور زاهر(1) لم تره الملائكة قبل ذلك وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها فتناولتها فرحة مستبشرة والقمتها(2) ثديها فدر عليها، فكانت فاطمة (عليها السلام) تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر وتنمو في الشهر كما ينمو الصبي في السنة(3).
___________________
(1) أي مشرق.
(2) أي جعلت في فمها.
(3) هذا كناية عن سرعة نموها والا فالمناسب لنموه في اليوم قدر الاسبوع نموه في الشهر قدر سبعة اشهر.
[48]
كانت فاطمة (صلوات اللّه عليها) من اهل العباء والمباهلة والمهاجرة في اصعب وقت، وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير، وافتخر جبرائيل (عليه السلام) بكونه منهم وشهد اللّه لهم بالصدق ولها أمومة الأئمة وعقب الرسول (صلى اللّه عليه واله وسلم) الى يوم القيامة، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين واحد الركبان الأربعة يوم القيامة ولها المصحف الذي كان عند الأئمة (عليهم السلام)، وكانت اشبه الناس كلاماً وحديثاً برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، تحكي شيمتها(1) شيمته وما تخرم(2) مشيتها مشيته، وكانت اذا دخلت عليه رحّب بها وقبّل يديها واجلسها في مجلسه، فاذا دخل عليها قامت اليه فرحبت به وقبّلت يديه. وكان (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يكثر تقبيلها وكلما اشتاق الى رائحة الجنة يشم رائحتها، وكان يقول: فاطمة بضعة مني، من سرَّها فقد سرّني ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة اعز الناس اليَّ، الى غير ذلك مما يكشف عن كثرة محبته (صلى اللّه عليه وآله وسلم) لها(3).
روى الشيخ الكليني عطر اللّه مرقده عن محمد بن سنان قال: كنت عند ابي جعفر الثاني (عليه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد ان اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليّاً وفاطمة صلوات اللّه عليهم فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض(4) أمورها اليهم فهم يحلّون ما يشاءون ويحرمون ما يشائون ولن يشاءوا الا ان يشاء اللّه تبارك وتعالى ثم قال: يا محمد هذه الديانة من تقدمها مرق(5) ومن تخلّف عنها محق(6) ومن لزمها لحق(7) خذها اليك يا محمد.
_________________________
(1) أي خلقها (بالضم).
(2) أي لا تعدل.
(3) كندائه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اياها يا حبيبة ابيها اقول قد كتبنا في احوال مولاتنا فاطمة (صلوات اللّه عليها) رسالة سميناها بيت الاحزان في مصائب سيدة النسوان.
(4) اقول قد ذهب بعض الى تفويض الاحكام الى الأئمة بمعنى ان لهم بحسب ما يرون من المصالح والمفاسد جعل الاحكام التكليفية الخمسة ولكن قد عدهم المحقق البهبهاني في تعليقته على الرجال من غلاة الشيعة فعليه لا بد من حمل الرواية على انهم أوعية مشيئة اللّه فما حرمه اللّه تعالى حرموه وما احله احلوه ولذا استدرك (عليه السلام) في هذه الرواية الشريفة: يقول: (ولن يشاءوا الا ان يشاء اللّه تبارك و تعالى).
(5) أي خرج من الدين.
(6) أي هلك.
(7) أي كان ملازماً للدين.
[49]
قبضت فاطمة صلوات اللّه عليها بعد وفاة النبي (صلي اللّه عليه وآله وسلم) في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منها(1) سنة احدى عشرة من الهجرة. روى ذلك الطبرسي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام).
وعن روضة الواعظين(2) وغيره مرضت فاطمة (صلوات اللّه عليها) مرضاً شديداً ومكثت اربعين ليلة في مرضها الى ان توفيت فلما نعيت (3) اليها نفسها دعت ام أيمن(4) واسماء(5) بنت عميس ووجهت خلف عليّ (عليه السلام) واحضرته فقالت: يا ابن عم انه قد نعيت الي نفسي وانني لا ارى ما بي الا انني لاحقة بابي ساعة بعد ساعة وأنا اوصيك باشياء في قلبي قال لها علي (عليه السلام): اوصيني بما احببت يا بنت رسول اللّه، فجلس عند رأسها واخرج من كان في البيت ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال: معاذ اللّه، انت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من اللّه ان أوبخك بمخالفتي، قد عز عليَّ مفارقتك وفقدك، الا انه أمر لا بد منه، والله جُدِّدت عليَّ مصيبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وقد عظمت وفاتك وفقدك، فانا للّه وانا اليه راجعون
_____________________
(1) وقيل لخمسة وسبعين من وفاة رسول اللّه وقيل لاربعة اشهر منه وفيها اقوال أُخر شاذة بين الشيعة.
(2) للشيخ الأجل ابن فتال النيشابوري من اعاظم المحدثين.
(3) أي اخبرت بموتها.
(4) هي مولاة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وحاضنته كانت لأمه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فاعتقها وزوجها من عبيد بن زيد فولدت له (ايمن) فاستشهد يوم خيبر فزوجها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من زيد بن حارثة فولدت له اسامة بن زيد وهي من المنقطعين الى فاطمة (عليها السلام).
(5) هي اسماء بنت عميس الخثعمية. من المهاجرات الى ارض الحبشة مع زوجها الأول جعفر بن ابي طالب وتزوجها بعده ابو بكر فولدت له محمد بن ابي بكر. ثم مات عنها فتزوجها علي بن ابي طالب فولدت له يحيى بن ابي طالب (انتهى ملخصاً من الاستيعاب).
[50]
من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها(1) وأحزنها هذه واللّه مصيبة لا عزاء لها، ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعاً ساعة واخذ عليّ (عليه السلام) رأسها وضمها الى صدره ثم قال: اوصيني بما شئت، فانك تجدينني امضي فيها كما أمرتني به وأختار أمرك على امري، ثم قالت: جزاك اللّه عني خير الجزاء يا ابن عم رسول اللّه ثم أوصته بان يتزوج بعدها امامة بنت اختها وأن يتخذ لها نعشاً(2) وان لا يشهد احد جنازتها من الذين ظلموها وأخذوا حقها وان لا يصلي عليها احد منهم، ولا من أتباعهم، وان يدفنها بالليل اذا هدأت(3) العيون ونامت الابصار.
وعن مصباح الانوار عن ابي عبد اللّه عن آبائه (عليهم السلام) قال: ان فاطمة (عليها السلام) لما احتضرت اوصت علياً(4) فقالت: اذا أنا مت فتول انت غسلي، وجهزني، وصلِّ عليَّ وانزلني في قبري وألحدني وسوّ التراب عليَّ واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء فانها ساعة محتاج الميت الى أنس الاحياء، وأنا استودعك اللّه تعالى وأوصيك في وُلدي خيراً، ثم ضمت اليها ام كلثوم فقالت له: اذا بلَغَتْ فلها ما في المنزل، ثم اللّه لها، فلما توفيت فعل ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام).
ورُوي انه لما حضرت فاطمة (عليها السلام) الوفاة، بكت فقال لها امير المؤمنين (عليه السلام): يا سيدتي ما يبكيك قالت: ابكي لما تلقى بعدي، قال لها: لا تبكي فواللّه ان ذلك لصغير عندي في ذات اللّه.
ورُوي عن ام سلمى امرأة ابي رافع(4) قالت: اشتكت فاطمة (عليها السلام) شكواها التي قبضت فيها وكنت امرضها فاصبحت يوماً اسكن ما
_________________________
(1) من مضَّ الجرح فلاناً آلمه وأوجعه.
(2) ولم يكن قبل معمولاً لحمل الجنائز.
(3) أي سكنت.
(4) لعله مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي اعتقه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اذ بشره باسلام عمه العباس.
[51]
كانت، فخرج عليّ (عليه السلام) الى بعض حوائجه فقالت اسكبي(1) لي غسلاً(2) فسكبت، فقامت واغتسلت احسن ما يكون من الغسل ثم لبست اثوابها الجدد(3) ثم قالت: افرشي لي فراشي وسط البيت ثم استقبلت القبلة ونامت، وقالت: انا مقبوضة وقد اغتسلت فلا يكشفني احد ثم وضعت خدها على يدها، وماتت (صلوات اللّه عليها).
وفي رواية اخرى قالت لأسماء بنت عميس انتظريني هنيهة(4)، ثم ادعيني فان اجبتك، والا فاعلمي أني قد قِدمت على ابي، قال الراوي: فانتظرتها اسماء هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت يا بنت محمد المصطفى، يا بنت اكرم من حملته السماء، يا بنت خير من وطأ الحصى، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى، فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فاذا بها قد فارقت الدنيا، فوقعت عليها تقبلها وهي تقول يا فاطمة اذا قدمت على ابيك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فأقرئيه من اسماء بنت عميس السلام، ثم شقت اسماء جيبها وخرجت فتلقاها الحسن والحسين (عليهما السلام) فقالا: اين أمنا فسكتت، فدخلا البيت فاذا هي ممتدة فحركها الحسين (عليه السلام) فاذا هي ميتة فقال: يا اخاه آجرك اللّه في الوالدة فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلميني قبل ان يفارق روحي بدني قالت: واقبل الحسين (عليه السلام) يقبل رجلها ويقول يا أماه انا ابنك الحسين كلميني قبل ان ينصدع(5) قلبي فأموت قالت لهما اسماء: يا ابني رسول اللّه انطلقا الى ابيكما عليّ (عليه السلام) فاخبراه بموت أمكما، فخرجا يناديان يا محمداه يا احمداه، اليوم جدد لنا موتك، اذ ماتت أمنا، ثم أخبرا عليَّا (عليه السلام) وهو في المسجد فغشي عليه حتى رش(6) عليه الماء ثم
________________
(1) أي صبي.
(2) الغسل بالضم والكسر ما يغتسل به (منه).
(3) جدد جمع جديد.
(4) أي مقداراً قليلاً من الوقت.
(5) أي ينشق.
(6) رش عليه: أي نفض الماء وفرقه عليه.
[52]
أفاق وكان (عليه السلام) يقول: بمن العزاء يا بنت محمد، كنت بك اتعزى ففيم العزاء من بعدك. قال الراوي: فحمل الحسنين (عليهما السلام) حتى ادخلهما بيت فاطمة (عليها السلام) وعند رأسها اسماء تبكي وتقول: وايتامى محمد كنا نتعزى بعدك. فكشف علي (عليه السلام) عن وجهها فاذا برقعة عند رأسها فاذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) أوصت، وهي تشهد ان لا إله الا اللّه، وأن محمداً (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور، يا عليّ انا فاطمة بنت محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) زوجني اللّه منك لأكون لك في الدنيا والآخرة أنت أولى بي من غيري، حنطني(1) وغسّلني بالليل، وصلّ علي وادفني بالليل ولا تعلم احدا، واستودعك اللّه واقرأ على وُلدي السلام الى يوم القيامة.
قال الراوي فصاحت اهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة ان تزعزع لصراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول اللّه، وأقبل الناس مثل عرف(2) الفرس الى عليّ (عليه السلام) وهو جالس والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما وخرجت ام كلثوم وعليها برقعة(3) وتجر ذيلها متجللة بردائها غلبها نشيجها وهي تقول: يا ابتاه يا رسول اللّه الان حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده ابداً.
واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون ان تخرج الجنازة فيصلون عليها فخرج ابو ذر (رضي اللّه عنه)، وقال: انصرفوا فان ابنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد أُخر اخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا.
_______________
(1) أي اجعل عليَّ الحنوط.
(2) بالضم هو الشعر النابت في محدب رقبة الفرس.
(3) أي النقاب.
[53]
فلما جنّ الليل غسلها امير المؤمنين (عليه السلام) ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وام كلثوم (عليهم السلام) وفضة جاريتها واسماء بنت عميس (رضي اللّه عنها)(1).
وفي رواية ورقة قال علي (عليه السلام): واللّه لقد اخذت في امرها وغسلتها في قميصها ولم اكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكفنتها وادرجتها في اكفانها فلما هممت ان اعقد الرداء ناديت يا ام كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضة يا حسن ويا حسين هلموا تزودوا من امكم فهذا الفراق، واللقاء في الجنة فاقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما يناديان واحسرة لا تنطفئ ابداً من فقد جدنا محمد المصطفى (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وامنا فاطمة الزهراء يا ام الحسن يا ام الحسين اذا لقيت جدنا محمداً المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا، فقال امير المؤمنين عليّ (عليه السلام): إني أُشهد اللّه انها قد حنَّت(2) وأنت ومدَّت يديها وضمتهما الى صدرها ملياً واذا بهاتف من السماء ينادي يا ابا الحسن ارفعهما عنها فلقد ابكيا واللّه ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب الى المحبوب قال: فرفعتهما عن صدرها.
وروي ان كثير بن عباس كتب على اطراف كفن سيدة النساء، تشهد ان لا إله لا اللّه وان محمدا (صلى اللّه عليه وآله وسلم) رسول اللّه.
فلما ان هدأت(3) العيون ومضى شطر من الليل اخرجها عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) وعمار والمقداد وعقيل والزبير وابو ذر وسلمان وبريدة(4) ونفر من بني هاشم وخواصه، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى عليّ (عليه السلام) قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها.
_____________________
(1) وفي رواية سليمان ونفر آخر سيأتي ذكرهم.
(2) حنين وانين بمعنى تأوهت.
(3) أي سكنت.
(4) بريدة الاسلمي من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين (عليه السلام).
[54]
ورُوي انه (عليه السلام) لما دفن فاطمة (صلوات اللّه عليها) وعفَّى موضع قبرها ونفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن فارسل دموعه على خديه، وحوّل وجهه الى قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال: السلام عليك يا رسول اللّه عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بل قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبري ورقَّ عنها تجلُّدي(1) إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح(2) مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك(3) في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك انا لله وانا اليه راجعون فلقد استرجعت(4) الوديعة واخذت الرهينة اما حزني فسرمد واما ليلي فمسهد(5) الى ان يختار اللّه لي دارك التي انت بها مقيم وستنبئك ابنتك بتظافر(6) امتك على هضمها(7) فاحفها(8) السؤال واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال(9) ولا سئم فإن انصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين.
روى الشيخ عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه عن جده قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما إذ بك(10) قلت: طلب البركة قالت: أخبرني وهوذا:(11) هو أنه من سلَّم عليه وعليّ ثلاثة أيام أوجب اللّه له الجنة قلت لها في حياته وحياتك قالت نعم وبعد موتنا.
______________
(1) تجلد: أي تكلف الجلد وصبر.
(2) أي الصعب المثقل. الفادحة: النازلة.
(3) أي صيرت اللحد لك وسادة.
(4) هذا كناية عن كونها قليلة المكث عنده لان مبنى الوديعة على فورية الفك ولعله لهذه النكتة قال له الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حين زوجها منه هذه وديعتي عندك. ومعنى اخذت الرهينة كناية عن جلالة مقامها لأن الرهينة تطلق على الشيء الغالي. يقال ارهنه في السلقة: أي غالى بها.
(5) سهد وتسهد: ارق ولم ينم. قل نومه.
(6) أي بتعاونهم.
(9) أي مبغض.
(8) أي اكثر السؤال عن حالها.
(7) الضمير راجع الى الخلافة.
(10) أي ما سبب مجيئك إليَّ.
(11) أي أن ما اخبرني هو ذات الذي سأخبرك به.
[55]
البحار، عن مصباح الأنوار، عن امير المؤمنين (عليه السلام)، عن فاطمة (عليها السلام) قالت: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): من صلى عليك غفر اللّه له وألحقه بي حيث كنت من الجنة.
[56]
ولد (عليه السلام) بمكة في البيت الحرام في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة.
امه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف وهو واخوته اول هاشمي ولد بين هاشميين ولم يولد في البيت الحرام قبله احد وهي فضيلة خصه اللّه تعالى بها اجلالاً له واعلاء لمرتبته واظهارا لكرامته.
وروي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال ان فاطمة بنت اسد ضربها الطلق(1) وهي في الطواف فدخلت الكعبة فولدت امير المؤمنين (عليه السلام) فيها.
وروى الصدوق عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى، بأزاء بيت اللّه الحرام إذ اقبلت فاطمة بنت اسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام) وكانت حاملة به لتسعة اشهر وقد اخذها الطلق فقالت: ربِّ اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسلٍ وكتب واني مصدقة بكلام جدّي ابراهيم الخليل (عليه السلام) وانه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسَّرْت عليَّ ولادتي، قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد
_____________________
(1) الطلق بفتح الأول: وجع الولادة.
[57]
انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن ابصارنا والتزق(1) الحائط فرمنا ان ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا ان ذلك أمر من أمر اللّه عز وجل. ثم خرجت بعد الرابع وبيدها امير المؤمنين (عليه السلام)، ثم قالت: اني فُضِّلت على من تقدمني من النساء لأن آسية بنت مزاحم عبدت اللّه عز وجل سرّاً في موضع لا يحب ان يعبد اللّه فيه الا اضطراراً وان مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنيّاً واني دخلت بيت اللّه الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها، فلما اردت ان اخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سميه علياً، فهو عليّ، واللّه العلي الاعلى، يقول اني شققت اسمه من اسمي وأدبته بأدبي ووقفته على غامض علمي وهو الذي يكسر الاصنام في بيتي وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني فطوبى لمن احبه واطاعه وويل لمن ابغضه وعصاه.
فاما فضائله (عليه السلام) : فهي كما قال ابن ابي الحديد قد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار، مبلغاً يسمج(2) معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال ابو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد، وانني فيما اتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر. فايقنت اني حيث انتهى بي القول منسوب الى العجز، مقصر عن الغاية. فانصرفت عن النثاء عليك الى الدعاء لك، وكانت الاخبار عنك الى علم الناس بك، وما أقول في رجل اقر له اعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت انه استولى بنو امية على سلطان الإِسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في اطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له
_________________________________
(1) أي التصق.
(2) أي يقبح.
[58]
فضيلة، او يرفع له ذكراً حتى حظروا ان يسمى احد باسمه، فما زاده ذلك الا رفعة وسمّواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه(1)، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح(2)، وكضوء النهار ان حجبت عنه عيناً واحدة ادركته عيون كثيرة، وما اقول في رجل تُعْزى(3) اليه كل فضيلة، وتنتهي اليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وابو عذرها(4) وسابق مضمارها(5)، ومجلّي(6) حلبتها، كل من بزغ(7) فيها بعده، فمنه اخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى(8)، الى آخر ما قال في ذلك.
وقال صاحب مدينة المعاجز(9): واما ما جاء في فضل عليّ امير المؤمنين (عليه السلام)، فاحاديثه لا تحصى، وآثاره لا تستقصى، فمن طريق المخالفين ما ذكر صاحب ثاقب المناقب، عن محمد بن عمر الواقدي قال: كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرَّفه(10)، فقعد ذات يوم وحضره الشافعي وكان هاشمياً يقعد الى جنبه وحضر محمد بن(11) الحسين وابو يوسف(12) فقعدا بين يديه، وغص(13) المجلس بأهله، فيهم سبعون رجلاً من اهل العلم، كل منهم يصلح ان يكون امام صقع(14) من الاصقاع،
_________________________
(1) أي رائحته الطيبة.
(2) جمع راحة وهي باطن اليد.
(3) أي انتسب.
(4) أي اول من اقتضبها.
(5) المضمار: غاية الفرس في السباق، او الفتحة الواسعة لسباق الخيل.
(6) بالتشديد (كالمعلم) أي الفرس السابق. والجلة هي الخيل تجمع للسباق.
(7) أي طلع.
(8) أي اقتدى.
(9) هو المحدث البحراني صاحب تفسير البرهان.
(10) أي سماه لهم.
(11) هو محمد بن الحسن الشيباني راجع ترجمته من وفيات الاعيان.
(12) يعقوب بن ابراهيم الكوفي تلميذ ابي حنيفة راجع ترجمته ص 180 ج 1 من الكنى والالقاب.
(13) أي امتلأ وضاق.
(14) الصقع: الناحية.
[59]
قال الواقدي: فدخلت في آخر الناس، فقال الرشيد لم تأخرت، فقلت: ما كان لاضاعة حق، ولكني شغلت بشغل عاقني، قال: فقربني حتى اجلسني بين يديه، وقد خاض الناس في كل فن من العلم، فقال الرشيد للشافعي: يا ابن عمّي كم تروي في فضائل علي بن ابي طالب، فقال: اربعمئة حديث واكثر فقال له: قل ولا تخف، قال: تبلغ خمسمئة وتزيد ثم قال لمحمد بن الحسن: كم تروي يا كوفي من فضائله، قال: الف حديث او اكثر فاقبل على ابي يوسف، فقال: كم تروي انت يا كوفي من فضائله اخبرني ولا تخشَ، قال: يا امير المؤمنين لولا الخوف لكانت روايتنا في فضائله اكثر من ان تحصى، قال: مم تخاف؟ قال: منك ومن عمالك واصحابك، قال: انت آمن، فتكلم واخبرني كم فضيلة تروى فيه، قال: خمسة عشر الف خبر مسند وخمسة عشر الف حديث مرسل، قال الواقدي فاقبل عليَّ، فقال: ما تعرف في ذلك؟ فقلت مثل مقالة ابي يوسف. قال الرشيد: لكني اعرف له فضيلة رأيتها بعيني وسمعتها باذني، اجلّ من كل فضيلة تروونها انتم الى آخر ما ذكره من الفضيلة.
وروى الصدوق عن الطبري عن الحسن بن محمد عن الحسن بن يحيى الدهان قال: كنت ببغداد عند قاضي بغداد، واسمه سماعة، اذ دخل عليه رجل من كبار اهل بغداد، فقال له: اصلح اللّه القاضي، اني حججت في السنين الماضية فمررت بالكوفة فدخلت في مرجعي الى مسجدها، فبينا انا واقف في المسجد اريد الصلاة اذا امامي امرأة اعرابية بدوية مرخية الذوائب، عليها شملة وهي تنادي وتقول: يا مشهوراً في السماوات، يا مشهوراً في الأرضيين، يا مشهوراً في الآخرة، يا مشهوراً في الدنيا، جهدت الجبابرة والملوك على اطفاء نورك، واخماد ذكرك، فابى اللّه لذكرك الا علواً ولنورك الا ضياءً وتماماً ولو كره المشركون، قال: فقلت: يا امة اللّه ومن هذا الذي تصفينه بهذه الصفة قالت: ذاك امير المومنين، قال فقلت لها: أي امير المؤمنين هو، قالت عليّ بن أبي طالب الذي لا يجوز التوحيد الا به وبولايته. قال فالتفت اليها فلم أر أحداً.
[60]
وحكى عن الشافعي، انه قيل له ما تقول في عليّ (عليه السلام) قال: ما تقول في حقّ من أخفى اولياؤه فضائله خوفاً، وأخفى أعداؤه فضائله حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين.
ولقد اجاد مادح اهل البيت الشيخ الازري (قدس سره) في قوله:
لا فتى في الجود الا علي*** ذاك شخص بمثله اللّه باها
لا ترم وصفه ففيه معانٍ*** لم يصفها الا الذي سوّاها
ما حوى الخافقان انس وجن*** قَصَبَات السبق الّتي قد حواها
انما المصطفى مَدينةُ علم*** وهو البابُ من اتاه أتاها
وهما مقلتا العوالم يسرا*** ها عليّ واحمد يمناها
هل أتى هل أتى بمدح سواه*** لا ومولى بذكره حلاها
فتأمل بعمَّ(1) تُنْبئك عنه*** نبأً كل فرقة أعياها
وبمعنى أحبّ(2) خلقك فانظر*** تجد الشمس قد أزاحت دجاها
وتفكر بانت منِّي(3) تجدها*** حكمة تورث الرقود(4) انتباها
او ما كان بعد موسى اخوه*** خير اصحابه واعظم جاهَا
ليس(5) تخلو إلا النبوة منه*** ولهذا خير الورى استثناها
وهي في آية(6) التباهل نفس*** المصطفى ليس غيره اياها
ثم سل انما وليكم اللّه*** ترى الاعتبار في معناها
آية خصّت الولاية للّه*** وللطهر حيدراً بعد طه
_________________________________
(1) أي بسورة عم وهي سوة النبأ.
(2) اشارة الى حديث الطير المشوي حيث قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اللهم ائتني باحب خلقك اليك يأكل معي.
(3) اشارة الى حديث المنزلة حيث قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) انت مني بمنزلة هارون من موسى.
(4) الرقود جمع راقد.
(5) يعني انه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) استثنى من تنزيله في ذاك الحديث النبوة والاستثناء دليل تعميم المماثلة.
(6) اية المباهلة هي قوله تعالى قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم الخ.
[61]
لك في مرتقى العلى والمعالي*** درجات لا يرتقى أدناها
يا اخا المصطفى لدي ذنوب*** هي عين القذى(1) وانت جلاها
كيف تخشى العصاة بلوى المعاصي*** وبك اللّه منقذ مبتلاها
وقال سبط بن الجوزي في التذكرة سمعت جدي ينشد في مجالس وعظه ببغداد (سنة 592هجري) بيتين ذكرهما في كتاب تبصرة المبتدي وهما:
اهوى علياً وإيماني محبتُه*** كم مشرك دمُه من سيفه وكفا
ان كنت ويحك لم تسمع فضائله*** فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى
(وقال غيره)
بآل محمد عُرِفَ الصَّوابُ*** وفي ابياتهم نزلَ الكتابُ
وهم حججُ الإِله على البرايا*** بهم وبجدّهم لا يسترابُ
ولا سيما ابو حسن عليّ*** له في الحرب مرتبة تهابُ
طعامُ سيوفه مهجُ(2) الاعادي*** وفيضُ دمِ الرقاب لهُ شرابُ
وضرْبَتُهُ كبيعتِهِ بخمّ*** معاقدهُا من القومِ الرِّقابُ
عليُّ الدرّ والذهب المصفَّى*** وباقي الناس كلهمُ ترابُ
هو البكّاء في المحراب ليلاً*** هو الضحاك اذا اشتد الضّراب
هو النبأ العظيم وفلك(3) نوح*** وباب اللّه وانقطع الخطاب
____________________________
(1) القذى ما سقط على العين.
(2) جمع مهجة وهي الدم.
(3) اشارة الى الحديث الوارد عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال فيه مثل اهل بيتي كمثل سفينة نوح.