[1]

الانوار البهية في تواريخ الحجج الالهية

تأليف

الشيخ عباس القمي

[4]

«إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنكمُ الرجسَ أهلَ البَيتِ وَيُطهركُم تطهيراً»

قرآن كريم سورة الأحزاب آية 33

«قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلا المَوَدّةَ في القُربى»

قرآن كريم سورة الشورى آية 23

«إنَّما مَثَلُ أَهلِ بِيتي فيكُم كَمثَلِ سَفينَةِ نُوحٍ مَن دَخَلَهَا نجا وَمَن تَخَلفَ عَنهَا هَلَكَ»

حديث شريف

المستدرك ج 3 ص 150 حديث 55

[5]

بِسم اللّه الرحمن الرحيم

كلمة لا بدَّ منها   

«الأنوار البهيَّة» في تواريخ الحجج الإِلهية، اسم على مسمَّى من حيث إنه يحمل نوراً للقلوب ينبعث من أربع عشرة مشكاةً هي التي أنارت سُبل المعاش والمعاد لسائر العباد، يوم أن اختارها اللّه على العالمين لإِخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان حتى يوم الدِّين.

هو كتاب لم يكن الأول في بابه، ولا الأشمل والأكمل في محتواه، ولا هو ذو موضوع قلَّما تناولته الأقلام وحامت حوله الأفهام، لأن ثقات الشيعة وجهابذة سلفهم الصالح قد أشبعوا موضوعه درساً وبحثاً وتدقيقاً منذ القرن الثالث الهجري حتى أيامنا هذه، لأنه يتناول خلاصة سيرة سيد المرسلين، وسير فاطمة سيدة نساء العالمين والأئمة الاثني عشر الأبرار المطهَّرين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ورضوان اللّه على صحبه المنتجبين وأصحابهم الميامين.

وهذا الموضوع الكريم تحفل به امهات الكتب وأعاظم الأسفار، وقد أشبعه العلماء والادباء والمؤرخون كلاماً وتفصيلاً، ولكن الذي دعانا الى نشره بالذات، هو أنه خلاصة طريفة لطيفة، ورسالة وجيزة فخمة، تحمل خلاصة هذه السِّير الشريفة بأخصر عبارة وأوضح بيان، وبأسلوب سهل قريب التناول. فهو يغني عن الكتب الضخمة لما فيه من روحية مؤلفه الجليل، ومن حسن اختياره الجميل اللذين ان دلاَّ فإنما يدلاَّن على براعة الانتقاء وسلامة النيَّة، وعلى الإِيمان الراسخ الذي تقرأه بين سطور كاتبه رضي اللّه عنه وأرضاه.

[6]

ودارنا - إذ تقدِّمه إلى القرَّاء الكرام مدققاً منقحاً في طبعته الأنيقة - يسرُّها أن تُتحف به المكتبة الإِسلامية وروَّاد الحقيقة من قرَّاء العربية، راجيةً بذلك القربى ورضاء اللّه سبحانه، ومستمدَّة منه العون على ما يخدم الاسلام والمسلمين، ويظهر فضل خاتم النبيين صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفضل بضعته الطاهرة وأبنائها الأئمة المعصومين الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس وطهَّرهم تطهيراً، سلام اللّه عليها وعليهم، وعلى اللّه وحده - التِّكلان أولاً وأخيراً.

الناشر

بيروت: ذو الحجة سنة 1403 هجرية

أيلول سنة 1983 ميلادية

[7]

 (حياة المؤلف)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هو الحبر النحرير. والعالم البصير. والمحدث الخبير. الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي . من أفاضل علماء العصر الحاضر، ولد في سنة 1294 هجري ببلدة قم ونشأ فيها. واشتغل بالتعليم الى أوان سنة 1316 هجري. ففيها هاجر الى العراق لتكميل تحصيلاته، فقدم النجف والتزم مصاحبة استاذه في الحديث والرجال العلامة النوري (الحاج ميرزا حسين الطبرسي) وأخذ منه الحديث والرجال، فبرع فيهما، وأجازه أستاذه العلامة، وكان اجتماعه به في سنة 1314 هجري، وذلك بعد مهاجرة العلامة المذكور، من سامراء الى النجف بسنتين، فاستفاد منه بقية حياته، وعاضده في تآليفه، حتى قبض شيخه في سنة 1320 هجري فرجع جنابه الى موطنه الأصلي (بلدة قم) وبقي هناك مستقلاً بالبحث والتنقيب. فأفاد بدرسه وتأليفه. وفي عام 1322 هجري هاجر الى خراسان وتشرف بمشهد مولانا الرضا واستوطنه، وبقي الى أواخر عمره في ذلك المشهد الشريف. ولم يزل في أثناء اقامته بهذه البلدة مشتغلاً بالافادة: تدريساً والقاء  في منابرها، وكتابةً في مؤلفاته، حتى أن جمعاً من محصلي العلوم الدينية طلبوا منه تدريس الأخلاق، فقبل جنابه، وكان يلقي دروسه الأخلاقية في مدرسة ميرزا جعفر بجوار البقعة الشريفة فاغتنم الطُّلاب محضره، وكان يحضر مجلسه زهاء ألف طالب، فتمتد افاداته الى مقربة من ثلاث ساعات متوالية، والحاضرون يستمعون بياناته الشريفة باقبال تام بلا سأم وكسل. فأنذر جنابه وبشَّر، وتتبَّع في نقل الزاجرات وتبحَّر. وكان من دأْبه نقل الروايات مسندةً، احتياطاً في النقل، وفي خلال إقامته بإيران، تشرف ثلاث مرات بزيارة بيت اللّه الحرام، ولم يترك

[8]

الاشتغال بالمطالعة والتأليف في أثناء رحلاته. فكان آيةً في صيانة أوقاته عن التضييع والبطالة. حتى نقل لنا أحد الأعلام: أنه رآه في البرية أثناء سفره (حين مكْثِ سيارته لاصلاح ما ضاع منها) مشغولاً بالكتابة، إغتناماً للفرصة. ومن عاداته الشريفة تنقيح الأخبار المباركة من الغث، وعدم نقله (حتى الامكان) من المصادر الضعاف. وكان مولعاً بجمع الاحاديث وترتيبها ترتيباً يسهل معه التناول. والانصاف ان تآليفه آية في حسن الترتيب والتأليف ولأجل ذلك شاع وذاع جل تأليفاته. وقد طُبع كثير منها غير مرّة وما من مكتبة بل بيت من الشيعة إلا وعنده آثار من هذا الحبر المؤيَّد. وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ولا شك ان لروحياته الشريفة، ومجاهداته النفسية، أثراً في أن يحظى من اللّه تعالى بذاك التوفيق المستوعب. وفي تخليد اسمه بتلك المآثر القيمة. وقد قال اللّه تبارك اسمه، (ومن يُرد حَرثْ الآخرة نَردْ لَه في حَرثِه) صدق اللّه العلي العظيم. فقد زاده اللّه تعالى في حرثه وأيّ حرثٍ أعظم من هذه الصدقات الجارية المبقية لاسمه ما شاء اللّه، والموجبة للترحُّم والدعاء له في كل يوم وليلة، بل وفي كل ساعة، حيث لا يخلو مشهد من مشاهد الأئمة على ساكنيها السلام من كتابه المفاتيح. وقل من صعد منبر الوعظ والارشاد الا واستفاد من تآليفه القيمة. فجزاه اللّه تعالى عن الإِسلام خير الجزاء وزاده شرفاً وحباه. وشرفه بمحضر مواليه الكرماء. آمين رب العالمين.

(مؤلفاته)

مؤلفاته تزهو عن الستين بين مطبوع - وهو الأكثر - ومخطوط نسأل اللّه تعالى توفيق أحفاده بنشره. واستفادة المؤمنين من بركته. وهذه قائمة أسماء كتبه على ما ضبطه جنابه في تأليفه القيم (الفوائد الرضوية) (ص 221 ج 1) مع تغيير يسير لناشره فضيلة ولد المؤلف حين طبع ذلك الكتاب.

فالمطبوعة منها:

[9]

1 - فوائد الرجبية في ما يتعلق بالشهور العربية: هو أول ما ألفه وكانت نسخته المطبوعة أيضاً بخطه الشريف (بالفارسية).

2 - الدرة اليتيمة في تتمات الدرة الثمنية: كتبه تتميماً لشرح الفاضل اليزدي على النصاب.

3 - مختصر الأبواب. في السنن والآداب: وهو مختصر حلية المتقين. للعلامة المجلسي (رحمه اللّه).

4 - هدية الزائرين: يشتمل على الزيارات الواردة للأئمة الطاهرين وفوائد متفرقة من تعيين قبور العلماء والصلحاء في مشاهدهم الشريفة. وغير ذلك من أعمال السنة.

5 - اللآلئ المنثورة: وجيزة كثيرة الفائدة في الأذكار والأحراز.

6 - الفصول العلية في المناقب المرتضوية: جمع نبذة من مناقب مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أغلبها من كتب أهل السنة.

7 - سبيل الرشاد: في أُصول الدين.

8 - حكمة بالغة ومئة كلمة جامعة: من الكلمات القصار لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).

9 - ذخيرة الأبرار في منتخب أنيس التجار (بالفارسية).

10 - الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى: ترجمة فارسية للرسالة العملية المزبورة. تأليف فقيه عصره السيد محمد كاظم اليزدي.

11 - رسالة في المعاصي الصغيرة والكبيرة (بالفارسية).

12 - 13 - مفاتيح الجنان والباقيات الصالحات: في الأدعية والزيارات والأذكار والأحراز(1).

________________

(1) قد تهيأ لدار الأضواء للنشر ان توفق في طبعه طباعة حديثة أنيقة.

[10]

14 - التحفة الطوسية والنفحة القدسية (بالفارسية).

15 - رسالة (دستور العمل) بالفارسية.

16 - نفس المهموم في مقتل مولانا أبي عبد اللّه الحسين المظلوم (بالعربية).

17 - نفثة المصدور: مجالس فيما يتعلق بفاجعة كربلاء ومصائب الآل.

وقد طبع بضميمة هذا الكتاب (اي الأنوار البهية) في الطبعة الأولى (بالعربية).

18 - النوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية: هو هذا السفر الجليل.

19 - منازل الآخرة (بالفارسية).

20 - ترجمة لمصباح المتهجد: لِمَا كان عناوين الأدعية وفضائلها المذكورة فيه كأصل الادعية بالعربية. ترجمة في الحواشي. نظراً الى استفادة أبناء اللغة الفارسية.

21 - نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر: وأصله العربي للشيخ الأجل الكراجكي.

22 - المقامات العلية: اختصره من معراج السعادة للفاضل النراقي.

23 - ترجمة جمال الأسبوع لابن طاوس بالفارسية (طبعت في حواشي الأصل).

24 - منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل.

25 - ترجمة للمسلك الثاني من كتاب اللهوف لابن طاوس.

26 - تتميم تحية الزائر لأستاذه النوري (رحمه اللّه) (بالفارسية).

27 - (جهل حديث)  الأربعون حديثاً مختلف المضامين (بالفارسية).

[11]

28 - الكنى والألقاب في ذكر مشاهير العلماء والشعراء والأصحاب وغيرهم (بالعربية).

29 - هدية الاحباب: في اختصار الكتاب المتقدم.

30 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار: اختصار لبحار الأنوار (لمؤلفه العلامة المجلسي) رتبه على ترتيب الحروف الهجائية. فذكر ما يتعلق بكل حرف مع الاشارة الى مصادره من أبواب الأصل. وهو كتاب شريف كثير الفوائد لا بد منه لِمُراجع البحار وكان مع ذلك كتاباً مستقلاً مفيداً جدّاً.

32 - بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان (بالعربية) وقد طبع بعد وفاته وترجمه الى الفارسية بعض الأفاضل.

33 - تحفة الأحباب في تراجم الأصحاب: مشتملة على تراجم كبار أصحاب النبي والأئمة (عليهم السلام) (بالفارسية) وهذه أيضاً قد  طبعت بعد وفاته.

(القسم الثاني: ما لم يطبع بعد)

1 - فيض العلام في وقائع الشهور وعمل الأيام.

2 - هداية الأنام الى وقائع الأيام: مختصر فيض العلام (المتقدم ذكره).

3 - كلمات لطيفة.

4 - كتاب الكشكول.

5 - الدر النظيم في لغات القرآن العظيم.

6 - كتاب نقد الوسائل ( يتعلق بوسائل الشيعة للشيخ الأجل الشيخ الحر العاملي (رحمه الله)).

7 - تتميم بداية الهداية للشيخ الحر العالمي (رحمه اللّه).

[12]

8 - شرح الوجيزة (كتاب الأصل للشيخ الأجل شيخنا البهائي وهو أخصر كتاب في علم الدراية).

9 - فيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير: وهو اختصار مطالب (عبقات الأنوار) للسيد حامد حسين الهندي التي ألفها الحبر البارع في ضمن مجلدات، شارحاً لبعض الاحاديث الواردة في موضوع الولاية. منها مجلدان ضخمان فيما يتعلق بحديث الغدير.

10 - علم اليقين (في اختصار حق اليقين لمؤلفه العلامة المجلسي (رحمه اللّه) ).

11 و 12 - مقاليد الفلاح في عمل اليوم والليلة. ومقلاد النجاح (في اختصار الكتاب المتقدم).

13 - اختصار المجلد الحادي عشر من مجلدات البحار.

14 - شرح حكم مولانا أمير المؤمنين الواردة في القسم الثالث من نهج البلاغة.

15 - مختصر الشمائل (اختصره بالفارسية من أصله العربي المرشح من قلم الإِمام الترمذي من كبار علماء العامة).

16 - كحل البصر في سيرة سيد البشر (قد طبع بقم).

17 - قوة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة (وهذه الرسالة بمنزلة الأصل للكتاب الحاضر).

(القسم الثالث: ما لم يوفق باتمامه في أيام حياته)

1- ضيافة الإِخوان.

2 - صحائف النور في عمل الأيام والسنة والشهور.

3 - ذخيرة العقبى في مثالب أعداء الزهراء (عليها السلام).

[13]

4 - مسلِّي المصاب بفقد الأعزة والأحباب.

5 - الآيات البينات في أخبار أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الملاحم والغائبات (ذكر المؤلف أن نسخة هذا الكتاب قد فقدت).

6 - شرح للصحيفة السجادية.

7 - غاية المرام (تلخيص لدار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام لشيخه العلامة النوري).

8 - شرح الأربعين حديثاً.

9 و 10 - تعريب زاد المعاد وتحفة الزائر (كلاهما للعلامة المجلسي).

11 - فوائد الطوسية.

(رحلته وأحفاده)

فاضت نفسه الزكية في ليلة 23 من ذي الحجة الحرام سنة 1359 هجري، وقد بلغ عمره خمساً وستين سنة وبقي من جنابه أربعة أولاد:

1 و 2 - جناب فضيلة الشيخ ميرزا علي آقا وجناب فضيلة الشيخ ميرزا محسن سلمهما اللّه تعالى وكانا من أفاضل العصر وأخياره.

3 و 4 - مخدرتان صالحتان، وفقهم اللّه جميعاً لمرضاته وجعل في أعقابهم الصالحين. آمين رب العالمين.

(موضوع هذا الكتاب)

من أهم مواضيع التاريخ ترجمة صلحاء الأمة وعلمائهم المماثلين للأنبياء. لأن أهم منافعه تذكار من مضى لاعتبار من يأتي. وفي ذكر الأخبار من العلماء الأبرار أعلى مراتب الاعتبار. حيث أوقفوا أنفسهم على سبيل الخيرات ولم يأخذهم في اللّه لومة لائم فسلكوا نهج الحق باقدام راسخة، وأيَّدوا الدين تارة بالألسن وأخرى بالأقلام وثالثة بتعريض أنفسهم للشهادة

[14]

حفاظاً لحرمة الدين وخدمة للمؤمنين وإرشاداً للسالكين، فحياتهم درس كله لمن ألقى السمع وهو شهيد. فالناظر يستفيد منهم حياً وميتاً.

وفي رأس قائدي الدين وحُفّاضه وعلمائه، من وسمه اللّه بوسمة العصمة وأيده بروح منه، هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، حيث شرَّفهم اللّه تعالى بتشريف الإِمامة وقمصهم قميص الولاية. فحياتهم كلها درس شهامة وحرية وأخلاق وفضيلة.

فمن الشقاء للمرء المسلم عدم عثوره على حالاتهم وأخلاقهم وسيرتهم. ولما لم يتمكن لعامة الناس ذلك شمَّر عن قميص الجد رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وتذكير الناس بأية وسيلة من الوسائل ففحصوا ونقبوا واستعلموا باحثين عن أحوالهم وسيرهم الشريفة. واثبتوا ما عثروا عليه. فجدير بنا أن نذكر جملة منها، تذكرة لمن لم يعلم وشكراً لمؤلفيه ومجمِّعيه.

فأول ما بأيدينا من كتب سير الأئمة ولو في طي حالات نفر آخر: تاريخ اليعقوبي (لابن واضح الاخباري المتوفي 292 هجري وهو تاريخ سنوي عام من بدء هبوط آدم الى عام 259 هجري وقد أدرج في مطاويه أحوال الأئمة ونقل بعض كلماتهم القصار الحكمية .

ثم الكافي لمؤلفه ثقة المحدثين جناب محمد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفى سنة 329 هجري. وهذا السفر الشريف وان كان موضوعاً لابداع الأخبار المروية عنهم ولكن في مطاويه عقد أبواباً لمواليدهم ووفياتهم.

ثم مروج الذهب. والتنبيه والأشراف. وإثبات الوصية. كلها تأليف المؤرِّخ البارع. علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة 333 هجري.

ثم الارشاد للشيخ الأجل شيخنا المفيد قُدِّس سرَّه المتوفى سنة ش 413 هجري.

وهذا السفر أقدم كتاب وصل الينا يختص ببيان حياة الأئمة وفضائلهم. والمؤلف وان كان غرضه إثبات الإِمامة لهم من طريق العقل والنقل ولكن لما

[15]

كانت حياتهم من اوّل الدلائل على ذلك أثبت تاريخهم وما صدر منهم من الكرامات، فكتابه هذا حقيق بأن يكون معقد الدراسة والبحث.

ثم إعلام الورى(1) للشيخ الأجل أمين الإِسلام الطبرسي المتوفى سنة 548 هجري. وهو أنفع كتاب في ذلك من المتقدمين. ويشتمل على تاريخ النبي وأجداده وأمير المؤمنين (عليه السلام) والزهراء سلام اللّه عليها وذريتها المعصومين (عليهم السلام).

ثم المناقب لابن شهرآشوب السروري المازندراني المتوفى سنة 588 هجري. وكشف الغمة للشيخ المتبحر علي بن عيسى الإِربلي المتوفى سنة 678 هجري، وهذان الكتابان، أجل كتابين في بابهما إذ مؤلفاهما المتتبعان أكثرا النقل عن المخالف والمؤالف وجمعا ما شرد في مطاوي كتابيهما. ولما كانا ثقتين ثبتين عند الفريقين، ومع ذلك يسميان من ينقلان عنه، أثبت ذلك كله لهذين السفرين جلالة ووثاقة عند الكل.

كل ذلك من آثار ثقات الشيعة ومحدثيهم ومؤرخيهم. وأما علماء السنة فحيث إنهم مقرون بفضائل الأئمة وشرف انتسابهم بالرسول ذكروا أيضاً تواريخهم منفردة وضمن الوقائع، فقلَّ تاريخ عام إلا وقد ذكرهم في مطاويه وأثنى عليهم. ولذا أغمضنا عن ذكر التواريخ العامة السنوية كتاريخ الطبرسي وابن كثير وابن الأثير وابي الفداء وغيرها. ولكن لم نر بدّاً من ذكر ما أفرده بعض كبارهم في حياة أئمتنا المعصومين، تذكرة لمن أراد الوقوف على أقوال غير الشيعة فيهم (عليهم السلام).

فمنهما: مطالب السُّؤول في مناقب آل الرسول لكمال الدين بن طلحة الشافعي المتوفي سنة 652 هجري.

__________________

(1) ولم نذكر كتاب التهذيب لشيخ الطائفة ورئيسها، شيخنا الطوسي قدس سره وسائر كتب الزيارات كالمصباحين له وللكفعمي وكذا بعض كتب الفقه كالسرائر للشيخ ابن ادريس والدروس لشيخنا الشهيد، للاختصار ولأنهم لا يزيدون عن إثبات المواليد والوفيات.

[16]

ومنها (وفيات الاعيان) الموضوع لتراجم مشاهير الإِسلام لابن خلكان المتوفى سنة 681 هجري وان كان فيه اشتباهات وزلات في تراجم أئمتنا.

ومنها (حلية الأولياء) الموضوع لترجمة الصلحاء والزهاد للحافظ ابي نعيم (مصغرا) الاصفهاني المتوفى سنة 430 هجري.

ومنها الفصول المهمة في معرفة الأئمة لنور الدين بن صباغ المالكي المتوفى سنة 855 هجري.

هذا مضافاً الى ما دوَّنه المؤرخون في سِير النبي والخلفاء والأصحاب حيث ذكروا في أقرباء النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) واحفاده، مولانا امير المؤمنين وسيدتنا فاطمة الزكية وابنيهما الحسن والحسين (عليهم السلام) جميعاً.

وكذا ما صنفوا في المقاتل حيث إنهم قد أفردوا للحسين مقاتل استوفت وقائع خروجه وشهادته.

فمن سير النبي المشتملة لذكر السيدة فاطمة الشريفة ومولانا ابي الحسن وابنيهما، سيرة ابن هشام لأبي محمد عبد الملك بن هشام المتوفى سنة 218 هجري.

والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي الشافعي المتوفى سنة 1044 هجري. وغير ذلك من السير.

ومن سير الاصحاب وتراجمهم الشاملة لذكر مولاتنا وبعلها وبنيها: طبقات الصحابة والتابعين لأبي عبد اللّه بن سعد المتوفى سنة 230 هجري. الاستيعاب في اسماء الاصحاب، للحافظ ابي عمرو بن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة 463 هجري.

وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير عز الدين علي بن أبي الكرم المتوفى سنة 630 هجري.

[17]

وميزان الاعتدال للذهبي المتوفى سنة 748 هجري.

والاصابة في تمييز الصحابة لشيخ الإِسلام شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة 852 هجري.

ومن المقاتل الشاملة لمقتل الوصي وشبليه، مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356 هجري.

ومما أفرد في مقتل الحسين، مقتل أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى سنة 157 هجري. ومقتل الخوارزمي.

هذه جملة من المدارك القديمة الموثوق بها. وللمتأخرين مصنفات قيمة في تواريخهم خصوصاً بعض اعلام التشيع في عاصمة إيران بظهور الدولة الصفوية  ورفع التقية من الشيعة: ففي ذلك العصر المشعشع قد وفق علماء الشيعة لتأليف مجلدات ضخمة في حالاتهم ومعجزاتهم وأخلاقهم كبحار الأنوار (ج 9 - 10 - 11 - 12 - 13) وعوالم العلوم وغيرهما.

ولكن في عصرنا يحسُّ الاحتياج الى تدوين كتاب صغير الحجم جامع لشتات أحوالهم، مشتمل لنبذُ من مكارم أخلاقهم وكراماتهم وكلماتهم القصار الحكيمة، بعبارات واضحة وطرق صحيحة. فصنِّف جناب المؤلف هذا السفر الجليل ففاز بالمراد بل فاق ما أراد. والمشاهدة تكفي عن المبالغة ونحن نشكره على هذه الخدمة القيمة وان كان (ر حمه الله) لا يريد منا جزاء ولا شكوراً. فنسأل اللّه تعالى أن يحشره معهم في الدرجات الآخرة وأن يوفق العلماء بما وفَّقه (رحمه اللّه) لخدمة الدين بأفكارهم وأقلامهم إنه قريب مجيب. آمين رب العالمين تحريراً في 11 من ذي القعدة الحرام وأنا أقل خدمة العلم والدين محمد كاظم الخراساني الشانه جي.

[18]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد للّه الذي أوضح عن دينه القويم بأئمة الهدى من أهل بيت النبوِّة، وأبلج(1) بأنوار آثارهم عن الصراط المستقيم، واستبان بهم المحجة(2) والصلاة والسلام على نبيه هادي الأمة، وإمام الأئمة وعلى آله الأنوار المضيئة، وبدور الليالي المدلهمة(3).

وبعد: فيقول راجي عفو ربه الغني عباس بن محمد رضا القمي عفى عنهما: انه قد سألني بعض الإِخوان من أهل الإِيمان، أن أكتب له ما هو المختار عندي من تواريخ أيام ولادة الحجج الطاهرة سادات الدنيا والآخرة، وأيام وفاتهم صلوات اللّه عليهم فكتبت له وجيزة سمَّيتها (قرة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة). ثم عنَّ(4) لي أن اكتب رسالة أخرى اذكر فيها مختصراً من كيفية ولادتهم ووفاتهم، وأشير الى قليل من مناقبهم، فجمعت هذه الرسالة الشريفة وسميتها الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإِلهية، واوردت فيها أربعة عشر نوراً، وأسأل اللّه تعالى ان يوفقني لاتمامها ويفوزني بسعادة اختتامها إنه جواد كريم.

_____________________

(1) أي أشرق وأضاء.

(3) أي شديد السواد.

(2) أي وسط الطريق.

(4) أي ظهر واعترض.

[19]

النور الأول .. (سيِّدنا ونبيُّنا وشفيع ذنوبنا رسول اللّه أبو القاسم)

محمد سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب(1) ومن عجم (صلى اللّه عليه وآله وسلم):

أما نسبه الشريف فهو:

ابن عبد اللّه(2): الذي أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي، توفي والده بالمدينة وله خمس(3) أو ثمان وعشرون سنة قبل أن يولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ودفن(4) في دار النابغة الجعدي.

ابن عبد المطلب: اسمه (شيبة الحمد) وسمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة(5). أمه سلمى بنت عمرو الخزرجية النجارية(6) وكان وجهه

_______________________

(1) بضم العين وهو خلاف العجم.

(2) وكان عبد اللّه أصغر ولد أبيه. فكان هو وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة وعاتكة واميمة وبرة ولد عبد المطلب أمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ.

(3)و (4) كامل التواريخ لابن الاثير (ص 5 - ج 2).

(5) شاب شيبة: ابيض شعره. واليبة اسم من شاب.

(6) إنما قيل له عبد المطلب لأن اباه هاشماً شخص في تجارة الى الشام فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار وتزوج ابنته وشرط عليه أبوها أن لا تلد الا في أهلها فمضى هاشم الى الشام ورجع. فبنى بها في اهلها. ثم حملها الى مكة فلما حملت وأثقلت ردها الى اهلها التزاماً بالشرط ومضى الى الشام فمات بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب. فمكث بالمدينة سبع سنين ولم يعلم به أعمامه فلما علم به المطلب. سافر الى المدينة وأخذه وأركبه على عجز ناقته وسار الى مكة. فقدمها صحوةً والناس في مجالسهم. فجعلوا يقولون من وراءك؟ فيقول هذا عبدي حتى أدخله منزله. ثم خرج به العشي الى مجلس بني عبد مناف. فأعلمهم أنه ابن أخيه. فكان بعد ذلك يطوف بمكة ويقال هذا عبد المطلب.

[20]

يضيء في الليلة المظلمة وكان يقال له: مطعم طير السماء، وكانت إليه السقاية والرفادة، وهو الذي حفر زمزم وسن خمس سنن أجراها اللّه تعالى في الإِسلام. ومات(1) بمكة وقبره بالحجون مزار مشهور ومعهُ قبر ابي طالب (عليه السلام).

ابن هاشم:

عمرو العلى هشم(2) الثريد(3) لقومه*** ورجال مكة مسنتون(4) عجاف(5)

أمه عاتكة بنت مرة السلمية ولدته(6) وعبد شمس توأمين وكانت إصبع(7) أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسال الدم فقيل يكون بينهما دم وكانت اليه السقاية(8) والرفادة. مات(9) بغزة(10) (بفتح المعجمتين كبرَّة) وهي مدينة في أقصى الشام بينها وبين عسقلان فرسخان، بها ولد الشافعي ودفن بها هاشم ورثاه مطرد الخزاعي بقوله:

مات الندى بالشام لما أن ثوى(11)*** أودى(12) بغزة هاشم لا يبعد

فجفانُه(13) ورم(14) لمن ينتابه(15)*** والنصر أولى باللسان وباليد

_______________________

(1) وله مئة وعشرون سنة وكان قد عمي (ابن الاثير).

(2) أي كسر الخبز وبلّه بالمرق فهو هاشم.

(3) أي الخبز المفتوت المبلول بالمرق.

(4) أي أصابهم القحط.

(5) أي غير ممطورين. أو تاركي طعام لقلّة أو هزال.

(6) كان هاشم أكبر ولد عبد مناف والمطلب أصغرهم.

(7) ابن الأثير (ص 6 - ج 2).

(8) وهذا سبب خصومته مع عبد شمس.

(9) ابن الأثير.

(10) وله عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة وهو أول من مات من بني عبد مناف.

(11) ثوى المكان وفيه وبه: أقام. ثوى الرجل: مات.

(12) أودى الرجل: هلك.

(13) الجفنة: القصعة الكبيرة، جمعها: جفان.

(14) الورم - مصدر بمعنى الفاعل. أي مراوم.

(15) انتابهم. أي اتاهم مرة بعد أخرى: من النوب.

[21]

ابن عبد مناف: اسمه المغيرة(1) ويقال(2) له القمر لجماله، أُمه حُبى بنت حُليل (بالمهملة المضمومة وفتح اللام) وقبره بمكة عند عبد المطلب وفيه يقول الشاعر:

كانت قريش بيضة فتَفَلّقَتْ*** فالمخُّ خالصُهُ لعبدِ منافِ

ابن قُصَي: مصغراً اسمه(3) زيد وأمه فاطمة بنت سعد. وقصي هو الذي أجلى خزاعة عن البيت وجمع قومه الى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسمي مجمعاً. قال الشاعر:

أبوكم قصي كان يدعى مجمِّعاً*** به جمع اللّه القبائل من فِهْر(4)

وكانت اليه(5) الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله، وقسم مكة أرباعاً بين قومه وتيمَّنت قريش بأمره فما تنكح، ولا يُتشاور، ولا يُعقد لواء الا في داره، وكان أمره في قومه كالدين المتَّبع في حياته وبعد موته، فاتَّخذ دار الندوة وبابها في المسجد، وفيها كانت قريش تقضي أمورها. ولما توفي قُصي دفن بالحجون فكانوا يزرون قبره ويعظمونه.

ابن كلاب(6): وأمه هند بنت سرير، وهو أخو تيم من أبيه، وتيم هو الذي ينتهي اليه نسب أبي بكر.

______________________

(1) وكنيته أبو عبد شمس. وسبب تسميته بعبد مناف أن أمه لما ولدته، دفعته الى مناف (صنم بمكة) تديناً به.

(2) ابن الأثير.

(3) ابو المغيرة.

(4) هو ابو القبائل.

(5) أي حجابة البيت وسقاية الحاج ورفادة الضيوف و مركزية دار الشورى وعقد ألوية الحروب العامة.

(6) ويكنى أبا زهرة.

[22]

ابن مرة(1): (بضم الميم وشد الراء) وأمه محشية بنت شيبان، وأخوه عدي جد عمر بن الخطاب.

ابن كعب(2): وامه مارية بنت كعب القضاعية وكان عظيم القدر عند العرب وأرخوا(2) لموته الى عام الفيل وكان بينهما خمسمئة وعشرون سنة.

ابن لؤي(3): تصغير اللأي وهو النور: وأمه عاتكة(4) بنت يخلد بن النضر.

ابن غالب(5): وأمه ليلى بنت الحرث.

ابن فهر(6): (بالكسر) أمه جذلة بنت عامر الجرهمية وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان جمَّاع قريش.

ابن مالك: أمه عاتكة بنت عدوان.

ابن النضر: (بفتح النون وسكون الضاد المعجمة) سُمي بذلك لنضارة وجهه، قيل: كان اسمه (7) قريش (فكل من ولد من النضر فهو قرشي ومن لم يلده النضر فليس بقرشي) أمه برة بنت مر بن اد بن طابخة.

ابن كنانة: امه عوانة بنت سعد.

ابن خزيمة: (تصغير خزمة) امه سلمى بنت أسلم.

___________________

(1) ويكنى أبا يقظة.

(2) ابن الأثير (ص9 -  ج 2).

(3) ويكنى أبا كعب.

(4)وهي أول العواتك التي ولدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من قريش.

(5) ويكنى أبا تيم.

(6) ويكني أبا غالب.

(7) قيل لما جمعهم قصي قيل لهم قريش. والتقرش: التجمع. وقيل لاجتماع خصال الخير فيه.

[23]

ابن مدركة: سمي بمدركة لأنه أدرك كل ما كان في آبائه. أمه خندف(1).

ابن الياس: امه الرباب قيل لما توفي إلياس حزنت عليه خندف حزناً شديداً فلم تقم حيث مات ولم يظلها سقف حتي هلكت فضرب بها المثل، وكانت تبكي كل خميس، من غدوته الى الليل، لأن الياس توفى يوم الخميس، وكان إلياس يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمرُ ولا يقضى مهمُّ دونه، ولم تزل العرب تعظم الياس تعظيم اهل الحكمة كلقمان وأشباهه.

ابن مضر: (بضم وفتح)، معدول عن ماضر، وهو اللبن قبل أن يروب، واسمه عمر، وامه سودة بنت عك، وإخوته إياد وربيعة وأنمار، ولهم قصة(2) لطيفة في تقسيم اموال أبيهم ورجوعهم الى حكم الافعى الجرهمي في ذلك. وكان مضر أحسن الناس صوتاً، و هو أول من حدا.

ابن نزار: (بكسر النون) من النزر أي القليل سمي بذلك لأن اباه حين ولد له ونظر الى النور الذي بين عينيه، وهو نور النبوة فرح فرحاً شديداً ونحر واطعم وقال: إن هذا كله نزر في حق هذا المولود، فسُمِّيَ نزازاً، وأمه معانة بنت(3) حوشم.

ابن معد: كمرد أمه مهدة.

ابن عدنان: روي عن النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: اذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا(4). أمه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.

_______________

(1) اسمها ليلى، قيل لها خندف لمشيتها تخندفاً. والخندفة، ضرب من المشي.

(2) ذكرها ابن الجوزي في الأذكياء والدميري في حياة الحيوان في الافعى (منه) أقول وذكرها أيضاً ابن الأثير في تاريخه (ص 11 ج 2) وفيها غرابة.

(3) في تاريخ ابن الاثير (بالجيم المعجمة).

(4) لعله لاختلاف النسّابين فيمن بعد عدنان اختلافاً عظيماً لا يحصل منه على غرض. فبعضهم=

[24]

ولد: (صلى اللّه عليه وآله وسلم) يوم الجمعة السابع عشر(1) من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر في عام الفيل بمكة المعظمة، في زمن الملك العادل أنوشيروان في الدار المعروف(2) بدار محمد بن يوسف، وكان للنبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فوهبه لعقيل بن ابي طالب فباعه أولاده لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، فأدخله في داره. فلما كان زمن هارون اخذته خيزران امه فأخرجته وجعلته مسجداً، وهو الآن معروف يزار ويصلَّى فيه، وبُعث (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب.

روى الشيخ الصدوق عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان إبليس لعنه اللّه يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى (عليه السلام) حُجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق أربع سموات فلما ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) حُجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتاب يذكرونه، وقال عمرو بن امية وكان من أزجر أهل الجاهلية، أنظروا هذه النجوم التي يُهتدى بها ويُعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رُمي بها فهو هلاك كل شيء وإن كان ثبتت ورُمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ليس منها صنم الا وهو منكب على وجهه، وارتجس(3) في تلك الليلة إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرفة وغاضت(4) بحيرة ساوة، وفاض(5) وادي السماوة(6) وخمدت نيران

_______________________

= يجعل بين عدنان وإسماعيل (عليه السلام) أربعة آباء ويجعل آخر بينهما أربعين أباً.

(1) في قول مشهور بين الشيعة ولكن أكثر العامة وبعض الشيعة قالوا بولادته في اثني عشر منه وفيها أقوال أخر غير مشهورة.

(2) لما كانت لفظة الدار من المؤنثات السماعية كان الأولى إرجاع ضمائر المؤنثة اليها.

(3) الارتجاس الاضطراب والتزلزل الذي يسمع منه الصوت الشديد (منه).

(4) غاضت بحيرة ساوة أي غار ماؤها وذهب (منه).

(5) وفاض الوادي أي كثر ماؤه حتى سال (منه).

(6) والسماوة بادية بين الكوفة والشام (منه).

[25]

فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان(1) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانسربت(2) في بلادهم وانفصم طاق الملك كسرى من وسطه وانخرقت(3) عليه دجلة العوراء وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا الا أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة ولم تبق كاهنة في العرب إلا حُجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسُمُّوا آل اللّه، قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) انما سموا آل اللّه لأنهم في بيت اللّه الحرام.

وقالت آمنة: إن ابني، واللّه سقط، فاتَّقى الأرض بيده ثم رفع رأسه الى السماء فنظر اليها، ثم خرج مني نور أضاء كل شيء فسمعت في الضوء قائلاً يقول: انك قد ولدت سيد الناس فسمِّيه محمداً. وأتي به عبد المطلب لينظر اليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه ووضعه في حجره، ثم قال: الحمد للّه الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعاراً، قال: وصاح إبليس لعنه اللّه في أبالسته فاجتمعوا اليه فقالوا:ما الذي أفزعك يا سيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث. فافترقوا ثم اجتمعوا اليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً. فقال إبليس لعنه اللّه: أنا لهذا الأمر. ثم صار مثل الصرّ وهو العصفور فدخل من قبل حراء(4) فقال له جبرئيل (عليه السلام)

___________________________

(1) والموبذان بضم الميم وفتح الباء فقيه الفرس وحاكم المجوس (منه).

(2) وانسربت أي دخلت.

(3) وانخرقت عليه دجلة العوراء يظهر أن كسرى كان سكن بعض دجلة وبنى عليها بناء فلعله لذلك وصفوا دجلة بعد ذلك بالعوراء لأنه عور وطم بعضها فانخرقت عليه وانهدم بنيانه (منه).

(4) حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال (منه).

[26]

وراءك(1) لعنك اللّه فقال له: حرف اسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض، فقال له : ولد محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فقال: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا. قال: ففي امته؟ قال: نعم. قال رضيت.

بدا بمولده المسعود طالعُهُ*** بدرَ الهدى واختفت فيه الأضاليلُ

وزال عن رأس كسرى التاجُ*** من فوق بهرام للايمان إكليلُ

بخاتمِ الرُّسل قد زالت(2) أساورُهُ*** فعرشهُ بعد كرسي الملك مشلولُ

سبحانَ من خص بالإِسراء رتبته*** بقربه حيث لا كيف وتمثيلُ

بالجسم أسرى به والروح(3) خادمه*** له من اللّه تعظيم وتبجيلُ

له البراق حواد والسما طُرق*** مسلوكةُ ودليل السير جبريلُ

له شريعة حقٍّ للهدى وله*** شريعة في الندى من دونها النيلُ

وجاءه الروح بالقرآن ينسخ منْ*** شريعةِ الروح(4) ما يحويه إنجيلُ

وكل أسفار توراة الكليم لها*** من بعد إِسفار(5) صبح الذكر تعطيلُ

لولاه ما كان لا علم ولا عمل*** ولا كتاب ولا نصّ وتأويلُ

ولا وجود ولا إنس ولا ملَك*** ولا حديث ولا وحي وتنزيل

له الخوارق فالعُرجون في يده*** مهند(6) من سيوف اللّه مسلولُ(7)

حروبه ومغازية لها سِيَر*** بها يحدِّث جيل بعده جيلُ

******************

وقال الشيخ الأزري:

ما عسى أن أقول في ذي معالٍ*** علة الكون كله إحداها

____________________

(1) أي ارجع الى ورائك.

(2) السوار: حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها جمعه: أساور وأساورة.

(3) يعني به جبرئيل.

(4) وهو المسيح (عليه السلام) (منه).

(5) أي الإِشراق.

(6) أي سيف هندي.

(7) أي خارج عن الغمد.

[27]

بشّرت أمة به الرسل طراً*** طرباً باسمه فيا بشراها

نوهت(1) باسمه السماوات والأرض*** كما نوهت بصبح ذكاها(2)

طربت لاسمه الثرى(3) فاستطالت*** فوق(4) عُلوية السما سُفلاها

لا تُجلْ(5) في صفات احمد (ص) فكراً*** فهي الصورة التي لن تراها

تلك نفس عزَّت على اللّه قدراً*** فارتضاها لنفسه واصطفاها

ما تناهت عوالم العلم إلا*** والي كُنه احمد منتهاها

حاز قدسية العلوم وإن لَمْ*** يُؤْتَها أحمدُ فَمن يؤتاها

علَم اقسمت جميع المعالي*** أنه ربُّها الذي ربَّاها

فاض للخلق منه علم وحلم*** أخذت عنهما العقول نهاها(6)

وسمت باسمه سفينةُ نوحٍ*** فاستقرت به على مجراها

وبه نال خلة اللّه ابرا*** هيم والنار باسمه أطفاها

وبسرِّ سَرى له في ابنِ عِمْرا*** ن أطاعت تلك اليمين عصاها

وبه سخر المقابر عيسى*** فاجابت نداءه موتاها

وهو سر السجود في الملاء الأع*** لى ولولاه لم تعفِّر جباها

لم تكن هذه العناصر إلا*** من هيولاه حيث كان أباها

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ولقد قرن اللّه تعالى به من لدن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره ولقد كنت معه أتِّبعه اتِّباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء(7) فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإِسلام غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة.

_______________________

(1) أي أظهرت ورفعت.

(2) الذكاء بالضم: علم للشمس.

(3) الثرى: التراب.

(4) علو الشيء: نقيض سفله.

(5) من الجولان.

(6) النهى: العقل.

(7) كهف قرب مكة.

[28]

(قال البوصيري(1))

فاق النبيين في خلق وفي خلق*** ولم يدانوه في علم ولا كرم

وكلهم من رسولِ اللّه ملتمس*** غَرفاً(2) من البحر أو رشفاً(3) من الديمِ(4)

فهو الذي تم معناه وصورته*** ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسيمِ

منزَّه عن شريك في محاسنه*** فجوهر الحسن فيه غير منقسمِ

دع ما ادَّعته(5) النصارى في نبيهم*** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

فانسبْ الى ذاته ما شئت من شرف*** وانسب الى قدره ما شئت من عظمِ

فان فضل رسول اللّه ليس له*** حدّ فيعرف عنه ناطق بقمِ

وكيف يدرك في الدنيا حقيقته*** قوم نيام تسلوا(6) منه بالحلُمِ(7)

فمبلغ العلم فيه أنّه بشر*** وأَنه خير خلق اللّه كلهمِ

وكل آيٍ اتى الرسل الكرام بها*** فانما اتصلت من نوره بهمِ

فانه شمس فضل هم كواكبُها*** يظهرن انوارها للناس في الظُّلَم

يا خير من(8) يمم العافون ساحته*** سعياً وفوق متون الأينق(9) الرُّسمِ

سَرَيْتَ من حَرَم ليلا الى حرم*** كما سرى البدر في داج(10) من الظلَمِ

فَظِلْتَ ترقى الى ان نلتَ منزلة*** من قاب قوسين لم تدرك(11) ولم تُرَمِ

____________________

(1) البوصيري هو شرف الدين ابو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي المتوفى سنة 694 صاحب القصيدة المعروفة بالبردة الموسومة بالكواكب الدرية في مدح خير البرية عليه وآله آلاف التسليم والتحية اولها:

أمِن تذكر جيران بذي سلم ***مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم (منه).

(2) اغترف الماء بيده: اخذه بها .

(3) أي نداوة.

(4) أي المطر الشديد.

(5) أي يدعون انه ابن الله تعالى عن ذلك.

(6) أي انكشف عنهم.

(7) النومة الطيبة .

(8) أي قصد.

(9) جمع ناقة.

(10) اسم فاعل من دجى الليل أي اظلم.

(11) أي لم تقصد.

[29]

وقَدَّمتك جميع الأنبياء بها*** والرسل تقديم مخدوم على خَدَمِ

وانت تحترق السبعَ الطباقَ بهم*** في موكب كنت فيه صاحبَ العلمَ

حتى إذا لم تدع شأواً(1) لمنسبق*** من الدنوّ ولا مرقى لمستنم(2)

خفضت كلَّ مقام بالاضافة اذ*** نوديتَ بالرفع مثل المفردِ العلمِ

وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (رحمه اللّه)

محمد المصطفى الهادي البشير رسو*** ل اللّه افضل خلق اللّه كلهم

لولا هداه لكان الناس كلهم***كاحرف ما لها معنى من الكلم

[ولو تفرق بعض من خلائقه*** في الناس لم يبق ذو جهل ولا غَرَم(3)]

لو لم تطأ رجله فوق التراب لما*** غدا طهوراً وتسهيلاً على الامم

لو لم يكن سجد البدر المنير له*** ما اثر التُربُ في خدية بالوسمِ

فيا نجوم السما طوفوا بكعبته*** سَعِدْتُمُ إذ له صرتم من الخدم

ولو تكلف صُمُّ فوق طاعته*** سعت اليه جبال الحلِ والحرمِ

زاكي الفعال ومحمود الخصال ومب*** ذول النوال ومختار من القدم

نصرت بالرعب حتى كاد سيفك ان*** يسطو(4) بغير انسلال في رقابهم

البدر يخبر أنّ النور مكتسبُ*** فيه ونورك أصليُّ وذو شمم(5)

كفاك فخراً كمالات خَصِصْت بها*** اخاك حتى دَعَوه بارئ النسيمِ

وقال الصفي الحلي في مدحه صلى اللّه عليه وآله في قصيدته البديعية

شخص هو العالم الكليُّ في شرفٍ*** ونفسه الجوهر القدسيُّ في عِظَمِ

هو النبيُّ الذي آياتهُ ظهرت*** من قبل مظهره للناس في القدَمِ

صلى عليه اله العرش ما طلعت*** شمس وما لاح نجم في دجى الظُّلمِ

وآله امناء اللّه من شهدت*** لقدرهم سورة الاحزاب في العِظَمِ

__________________________

(1) مصدر شأى القوم: أي سبقهم او اسم بمعنى الغاية.

(2) أي الماشي الى العلو.

(3) أي الخسران.

(4) أي يهجم.

(5) أي ذو علو وبعد.

[30]

فصل في وفاته صلى اللّه عليه وآله

روي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: سمعت ابي (عليه السلام) يقول: لما كان قبل وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بثلاثة ايام هبط عليه جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا أحمد ان اللّه ارسلني اليك اكراماً وتفضيلاً لك وخاصة يسألك عما هو اعلم به منك، يقول كيف تجدك يا محمد قال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم): اجدني يا جبرائيل مكروباً. فلما كان اليوم الثالث هبط جبرئيل وملك الموت ومعهما ملك يقال له اسماعيل في الهواء على سبعين الف ملك فسبقهم جبرائيل فقال: يا احمد ان اللّه عز وجل ارسلني اليك اكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك فقال: كيف تجدك يا محمد قال: أجدني يا جبرائيل مغموماً وأجدني يا جبرائيل مكروباً. فاستأذن ملك الموت، فقال جبرائيل: يا احمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على احد قبلك ولا يستأذن على احد بعدك، قال (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ائذن له فأذن له جبرائيل، فاقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا احمد ان اللّه تعالى ارسلني إليك وأمرني ان اطيعك فيما تأمرني، ان امرتني بقبض نفسك قبضتها وان كرهت تركتها، فقال النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم): اتفعل ذلك يا ملك الموت؟ فقال: نعم بذلك أمرت ان اطيعك فيما تأمرني، فقال له جبرائيل: يا احمد ان اللّه تبارك وتعالى قد اشتاق الى لقائك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): يا ملك الموت امضِ لما امرت به.

ورُوي في المناقب عن ابن عباس انه أُغمي على النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) في مرضه، فدُقّ بابه، فقالت فاطمة (عليها السلام): من ذا؟ قال: انا رجل غريب اتيت اسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اتأذنون لي في الدخول عليه فأجابت امض رحمك اللّه، فرسول اللّه عنك

[31]

مشغول، فمضى ثم رجع، فدق الباب وقال: غريب يستأذن على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) اتأذنون للغرباء، فأفاق رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) من غشيته وقال: يا فاطمة اتدرين من هذا؟ قالت: لا يا رسول اللّه قال: هذا مفرق الجماعات ومنغض اللذات، هذا ملك الموت ما استأذن واللّه على احد قبلي ولا يستأذن على احد بعدي. استأذن عليّ لكرامتي على اللّه ائذني له فقالت: ادخل رحمك اللّه فدخل كريح هفافة وقال: السلام على اهل بيت رسول اللّه، فاوصى النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الى علي (عليه السلام) بالصبر عن الدنيا وبحفظ فاطمة (عليها السلام) وبجمع القرآن وبقضاء دينه وبغسله وان يعمل حول قبره حائطاً ويحفظ الحسن والحسين (عليهما السلام).

وروي عن ابي رافع مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال: لما كان اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) غشي عليه فاخذت بقدميه اقبلهما وأبكي فاقاق وانا اقول: من لي ولولدي بعدك يا رسول الّه، فرفع رأسه وقال: اللّه بعدي ووصيي صالح المؤمنين.

وروي في حديث عن جابر الأنصاري رحمه اللّه انه قال: كانت فاطمة عند النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وهي تقول: واكرباه لكربك يا ابتاه، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم): لا كرب على ابيك بعد اليوم يا فاطمة انّ النبي لا يشق عليه الجيب ولا يخمش عليه الوجه ولا يدعى عليه بالويل ولكن قولي كما قال ابوك على ابراهيم(1): تدمع العينان وقد يوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا ابراهيم محزنون.

وعن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال في قوله تعالى: (ولا يعصينك في معروف) ان رسول اللّه (صلى لاللّه عليه وآله وسلم) قال لفاطمة (عليها السلام): اذا أنا متُّ فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا ترخي عليّ شَعْراً عليّ شَعْراٌ ولا تنادي

_______________________

(1) أي لا يخدش الوجه عليه يعني به ابنه (ص).

[32]

بالويل ولا تقيمي عليَّ نائحة ثم قال: هذا المعروف الذي قال اللّه عز وجل.

قال المفيد ثم ثقل (صلى اللّه عليه وآله وسلم) وحضره الموت وامير المؤمنين (عليه السلام) حاضر عنده فلما قرب خروج نفسه قال له : ضع يا عليّ رأسي في حجرك فقد جاء امر اللّه فاذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ثم وجّهني الى القبلة وتولَّ امري وصلِّ عليَّ أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن باللّه تعالى، فأخذ عليّ رأسه فوضعه في حجره فاغمي عليه فأكبت فاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وأَبيض يستسقى الغمامَ بوجهه*** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ففتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) عينيه وقال بصوت ضئيل(1): يا بنية هذا قول عمك ابي طالب لا تقوليه ولكن قولي: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم) فبكت طويلاً فأومى اليها بالدنو منه فدنت منه فأسرَّ اليها شيئاً تهلل وجهها له فجاءت الرواية: انه قيل لفاطمة (عليها السلام) ما الذي اسر اليك رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فسرى(2) عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته قالت: انه أخبرني انني اول اهل بيته لحوقاً به وانه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني.

وفي رواية الصدوق عن ابن عباس: فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فأراد علي (عليه السلام) ان ينحيهما عنه فأفاق رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ثم قال: يا عليّ دعني اشمهما ويشمّاني واتزود منهما ويتزودان مني أما انهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلماً، فلعنة اللّه على من يظلمهما يقول ذلك ثلاثاً ثم مد يده الى علي فجذبه اليه حتى ادخله تحت ثوبه الذي كان عليه

__________________________________

(1) يعني الخفيف.

(2) أي فذهب وانكشف.

[33]

ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة صلوات اللّه عليه وآله فانسل(1) عليّ من تحت ثيابه وقال اعظم اللّه أجوركم في نبيكم فقد قبضه اللّه اليه فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء.

وقال الطبرسي وغيره ما ملخصه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال لملك الموت: امض لما أمرت(2) له فقال جبرائيل: يا محمد هذا آخر نزولي الى الدنيا انما كنت انت حاجتي منها فقال له: يا حبيبي جبرائيل ادن مني فدنا منه فكان جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وملك الموت قابض لروحه المقدسة فقضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها الى وجهه فمسحه بها ثم وجَّهه(3) وغمضه ومد عليه ازاره واشتغل بالنظر في أمره.

قال الراوي: وصاحت فاطمة (عليها السلام) وصاح المسلمون وهم يضعون التراب على رؤوسهم.

قال الشيخ في التهذيب: قبض مسموماً(4) يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشرة من الهجرة، وفي المناقب وكان بين قدومه المدينة ووفاته عشر سنين وقبض قبل ان تغيب الشمس وهو ابن ثلاث وستين سنة (صلى اللّه عليه وآله وسلم).

وعن الثعلبي انه قبض حين زاغت(5) الشمس فلما قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) جاء الخضر فوقف على باب البيت وفيه عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ورسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قد سجِّي(6) بثوب فقال: السلام عليكم يا اهل البيت، كل نفس

______________________

(1) أي انطلق.

(2) والصحيح امرت به.

(3) أي الى القبلة.

(4) وذلك من أثر كتف الشاة المسمومة التي قدمتها له اليهودية في الطعام.

(5) أي مالت.

(6) أي مد عليه الثوب.

[34]

ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة، ان في اللّه خلفا من كل هالك وعزاء من كل مصيبة ودركاً(1) من كل فائت فتوكلوا عليه وثقوا به وأستغفر اللّه لي ولكم، واهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه فقال امير المؤمنين (عليه السلام) هذا اخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم.

_____________________

(1) أي تداركا.