بعدي قبلي

مع رجال الفكر في القاهرة

بداية الكتاب

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الإتصالات التي أرويها في هذا الكتاب جرت مع رجال الفكر حول قضايا عامة خلال الرحلات التي مارستها في سبيل نشر الفكر الإسلامي والالتقاء بالمفكرين من رجال الثقافة والعلم والمعرفة والدين ، مما أدت إلى هذه المساجلات ، وتمخضت عن عدة أبحاث وتحليلات حول كثير من العقائد والاراء ، ونشر الكتب والمصادر ، رأيت من الأرجح والأصوب أن أسجل هذه النقاط ، وأتحدث في هذه الرحلات عن الظروف والملابسات ، والماجريات التي قد تتصدر وترافق هذه الإتصالات على أنّها لا تخلو أيضاً من طرف وتجارب ربما يستفيد منها القارىء على أنّها على كل حال لا تخلو من تجارب مرة ، وقاسية ، ولكن عندما كنت أتمثل في معطيات هذه الرحلات كان يستولي على الشعور بالراحة ، وتاخذني الطمانينة ماخذها فتنسخ تلك المتاعب التي كانت ترافقها ، وكانت فكرة ممارسة هذه الفعاليات تعوض في نظري نشرها وإذاعتها بين القراء ، إلاّ أنّ أحد الإخوان الأعزاء الوجيه ( الحاج كريم أغا الأنصارين ) وهو ممن يفكر في هذه المستويات لفت نظري إلى أنّ نشر هذه الأفكار مما يخدم نفس فكرة هذه النشاطات ، والتحركات الإسلامية ، إذ أن التعرف عليها يشد شباب المسلمين إلى عجلتها ويوجد فيهم الإمتزاج وروح التفاعل مع هذه المسيرة الإسلامية المباركة.

وبعد أن اختمرت هذه الفكرة في نفسي ، واكتملت في ذاكرتي أحداثها ، ومناسباتها من حيث الزمان والمكان ، وما دار فيهما من البحث والمداولة : رحب بهذه الفكرة صاحب الفضيلة العلامة السيد مرتضى الحكمي وأكد عليها ، وساهم في تنظيمها ، وتخطيطها ، وإخراجها .

وقد رأيت من الأجدر أن أراعي في تنسيق هذه الشخصيات التي تدور عليهم موضوعات الكتاب : أن ترتب أسماؤهم على حروف المعجم ، مما أدّى أن تكون المتعة من محاوراتهم تنتشر في مطاوي الكتاب بشكل طبيعي ومنسجم .

* * *

ومن الطريف أن أذكر أنّه عندما دخلت القاهرة وبقيت فيها مدة من الزمن اتصلت بكثير من الأساتذة والعلماء وكنت قد اتصلت هاتفياً بالأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ولم يصادف أن حدثته وجهاً لوجه وقد شرعت بطبع كتاب عبد الله بن سبأ الطبعة الثانية وقبل صدور الكتاب سجلت قائمة بأسماء العلماء والأساتذة والمدرسين في الأزهر الشريف وغيره لإهدائهم هذا الكتاب ، وفي تلك الليلة عندما رأيت في عالم الرؤيا فيما يرى النائم كأنّي في فندق ميامي وفي غرفة رقم 24 والتي بقيت فيها عشرة أشهر ونصف الشهر في عامي 1957 ـ 1958 وكنت مستلقياً على السرير وإلى جانب السرير كرسي فدخل الشيخ محمد أبو زهرة وسلّم وجلس على الكرسي وقال : هل جاء الشيخ ؟

قلت : أي شيخ ؟

قال : الشيخ محمدمحي الدين عبد الحميد ، فقلت : لا .

وكنت قد سجلت اسمه ، واسمٍ الشيخٍ محمد محي الدين عبد الحميد في تلك القائمة التي حوت عددا كبيرا من الأساتذة والعلماء .

ثم قال : ماذا يقول الشيعة عني ؟

قلت : يقولون الشيخ محمد أبو زهرة رجل مكابر غير متثبت ومتعصب غيرمنصف ؟ .

فقال : لماذا ؟ وأطرق برأسه نحو الأرض ؟

قلت : يقولون : إنّه يكتب عن الشيعة وكأنه لم يطلع على كتبهم وآثارهم مع أنه تتوفر لديه أكثر كتبهم فيما يكتب عنهم ولكنه يعتمد في ذلك على قالة الخصوم وتخرصاتهم .

فسكت ولم يحر جواباً .

وبعد أن استيقظت من النوم حدثت بهذه الرؤيا كثيراً من العلماء والأساتذة حتى أنّ أحدهم أقسم بالله وقال :

صدقت إنّه مكابر .

وهكذا سيطرت عليّ الفكرة حتى في أحلامي فكونت مثل هذه الطرفة التي رأيت فيها على قدر تصوري ما يستحق أن تسجل في مقدمة الكتاب .

* * *

ومن الله أستمد العون ، وأستزيد التوفيق ، وعليه أتكل ، وإليه أنيب ، وأسأله تعالى أن يجعل ذلك مرضياً لدى إمامنا الغائب عجل الله تعالى فرجه وأن يكون ذلك ذخراً لي يوم لا ينفع ( فيه ) مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

القاهرة في 4/8/3 39 اهـ 1 2 /8/ 4 97 1 م

مرتضى الحاج سيدمحمد الرضوي

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، إمام المرسلين ، وخاتم النبيين ، وعلى وآله وصحابته ، والتابعين ، ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنَّته إلى يوم الدين ، وبعد :

فقد تفضل الأخ المكرم الأستاذ مرتضى الرضوي ، فرضيني أن أقدِّم كتابه هذا ، مع رجال الفكر في القاهرة ، فلم يكن لي من بد من أن أستجيب لتلك الرغبة الكريمة منه ، وإن كنت مشفقاً من أن أتصدى لهذا الأمر ، وأن أظلم الكاتب والكتاب ، وقرّاء الكتاب ، في هذا العرض الموجز ، الذي يحكمه هذا الحيِّز المحدود من الصفحات ، ويقتضيه المقام الذي ينبغي أن يفسح فيه المجال لموضوع الكتاب..

أما أنّي أظلم الكاتب ، فذلك لأنّي أعرف من علمه ، وفضله ، وخلقه ، وجهاده الدائب المخلص في ميدان العلم وفي المنافحة عن الإسلام ، وفي تجلية حقائق الشريعة الغرّاء ، وفضح الشبه والمفتريات التي يلقى بها في حما الإسلام أعداء هذا الدين ، والمتربِّصين به وبأهله الدوائر ، الأمر الذي ضحَّى فيه المؤلف من أجله بكلِّ عزيز لديه ، ووقف عليه شبابه ، وماله ، والسكن إلى أهله وولده ، فكان على هجرة دائمة دائبة ، يطوف فيها بآفاق العروبة والإسلام ، يتحسس أخبارها ، ويكشف عن مواطن القوة والضعف فيها ، ويغشى الأندية والمحافل ، ويطرق أبواب العلماء والباحثين ، دارساً ، وباحثاً ، ومكتشفاً .

الأمر الذي لو فسح لي مجال القول فيه لكان جديراً بأن يضم عليه كتاب مستقل للتعريف به ، وفاء لحقه ، وإنصافاً للحقيقة ، وتجلية لصورة كريمة من صور الجهاد في سبيك الله ، وعرضاً لوجه مشرق من وجوه العمل المخلص المثمر ، الذي ينبغي أن يتمثله العاملون المخلصون ..

وأمّا أنّي أظلم الكتاب ، فلأنّه يضم بين دفتيه تراجم شخصية لعشرات من علماء مصر ، ومفكريها ، وقادة الرأي في أكثر من مجال من مجالات الثقافة العقلية والروحية فيها ، وكل شخصية من تلك الشخصيات جديرة بأن يكون لها في هذا التقديم مكان يشير إليها ، وإلى رأي المؤلف فيها ، وفي الميزان الذي وزنها به ، وفي الصورة التي جلاها فيها : وهذا ما لا يتسع له المقام في الحيِّز الممحدود كما أشرت من قبل ..

وأما أنّي أظلم قرّاء الكتاب ، فلأنهم ، إذ يأخذون هذا التقديم على أنّه تعريف بالكتاب ، ومدخل إليه ، وتقديم له ، وحكم عليه ، كما جرت العادة في التقديم للكتب والتعريف بها .

أقول : إذ يتوقع القرّاء أن يجدوا هذا أو شيئاً منه في هذا التقديم ، فإنّ الأمر هنا يجيء على خلاف ما ينتظرون ، لأنّي مع كتاب جاء على أسلوب يكاد يكون فريداً في نوعه ، يفسده التلخيص والتقنين ، فكان من الخير أن يخلى بين القارىء وبين الكتاب ينظر فيه بنفسه ، ويحتكم فيه إلى رأيه ، ويحكم له أوعليه بما يقع منه في نفسه .

ومع هذه الإعتبارات كلَّها ، فإنّي لم أستطع أن أعتذر للأخ الكريم المؤلف عن الإستجابة لرغبتِه في أن أتولَّى التقديم لكتابه هذا ، وأن أتقبل هذه الرغبة الكريمة ، شاكراً ، داعياً .

وإذن ، فليكن ما أراد الأخ الصديق ، الأستاذ مرتضى الرضوي ، وليكن لي شرف التقديم لكتابه ، على الرغم من تلك الإعتبارات التي أشرت إليها ، والتي أرجو أن تكون موضع اعتبار أيضاً عند قرّاء الكتاب .

وأوَّل ما أحب أن ألفت النظر إليه هو أنّ هذا الكتاب ، يعد نمطاً فريداً في التراجم الذاتية للأعلام ، إذ أن من المعتاد أن يعمد المتوفرون على التأليف في هذا الباب أن يرجعوا إلى مصادر تاريخية ، حملت قليلاً أو كثيراً من آثار هؤلاء الأعلام ، الذين يجعلونهم موضوعاً لدراستهم ثم يجمون الأحداث والوقائع التي جرت لهم في مسيرة حياتهم ، ويؤلفون بينها ، ويرسمون منها صورة لتلك الشخصية ، ويولونها بما أثارت تلك الأحداث وهذه الوقائع في نفوسهم من مشاعر الإعجاب بهم ، أو النقد لهم ، أو الرضا عنهم والسخط عليهم .. إلى غير ذلك من المشاعر التي تعجب القارىء لتاريخ الأعلام ، وملابساتهم لأحداث عصرهم ، ومشاركتهم فيها ، ومواقفهم منها .

هذا ، ما يغلب على كتب التراجم ، حيث تستمد مادتها من التاريخ ـ البعيد أو القريب وترسم شخصياتها من مخلَّفات الماضين وآثارهم بعد أن يكون الزمن عبث بها وغيَّر كثيراً من معالمها ، أو ذهب بالكثير من حقائقها فضلاً عما يدخل على التاريخ عن عمد من أباطيل ومفتريات ؟ تغيب في ضبابها الحقيقة المنشودة .

أما الشخصيات التي ترجم لها المؤلف في هذا الكتاب ؟ فهي شخصيات عرفها المؤلف عن قرب ؟ وعايشها معايشة صداقة وأُلفة امتدت سنين كثيرة ؟ وقد تخيرها المؤلف من بين الكثيرين من علماء مصر ومفكريها بعد أن التقى بهم لقاء ات فكرية متعددة فيما قرأ لهم من مؤلَّفات ، أو فيما استمع لهم من أحاديث عن طريق الإذاعة ، أو المحاضرات في الأندية والمجامع العملية ؟ ثم رأى أنَّهم أقرب العلماء والمفكرين إلى ثقافته . وإلى ما يدور في عقله من خواطر وآراء ؟ فحمله ذلك على أن يلقاهم من قريب ، وأن يتَّصل بهم اتصالاً شخصياً ، فيستمع إليهم ويسمعهم ، ويلتقي معهم أو يختلف ، ثم يمضي على طريق التواصل بينه وبنيهم ، سواء باللِّقاء ات الشخصية ، أو عن طريق المراسلة إذا كان بعيداً عن مصر .. وكثيراً منا من يفعل هذا ، فيكون له صفوة من بين العلماء والمفكرين ، يلقاهم ويلقونه ، ويتحدث إليهم ويتحدثون إليه ؟ ويختلف أو يتفق معهم في الرأي ، ولكن لا أظن أنّ أحداً منّا يعود من مطافه مع إخوانه وأصفياء وده ، ثم يخلو بنفسه ، ويسجِّل في مذكراته شيئاً من الأحاديث التي دارت بينه وبينهم ، وإن هوسجل شيئاً من هذا فإنّه لا يسجل إلاّ الأحداث البارزة ، والقضايا المثيرة ؟ ثم إن هو فعل ذلك لم يكن على نية من أن يكون هذا موضع دراسة ؟ أو موضوع عمل يخرجه للناس كتاباً منشوراً .

ولكنَّ الأستاذ مرتضى خرج على هذا الأسلوب الرتيب العقيم الذي يذهب بتلك الثمرات الطيبة ، التي كان يمكن أن يجتنيها العلماء والمعلمون من تلك اللقاء ات الكثيرة التي تجمع بين الأصدقاء من أهل العلم ، وأولي الفكر ، لو أنَّهم حرصوا على تسجيلها في حينها ، وتسجيل ما انقدح في خواطرهم منها ، بعد أن تهدأ حدَّة المناقشة ، ويصفو الجو مما قد تثيره الخلافات في الرأي من التعصب ، والاندفاع طلباً للنصر وحبّاً للغلب ..

إنّهم لو فعلوا لكان ذلك مادة طيبة للدراسة ، وميداناً فسيحاً لكشف الحقائق وتجليتها ..

أما الأستاذ مرتضى فقد تنبَّه إلى هذا من أولى خطواته على هذا الطريق؟ فما التقى بعالم أو أديب ، على طريق المصادفة أو القصد ، إلاّ وَعِيَ هذا اللقاء في ذاكرته ، ثم عاد فسجله في مذكراته ، مبيِّناً تاريخه باليوم والساعة ، معلِّقاً عليه بما يعنُّ له من آراء ، وهو يدبر في نفسه أمراً لم يكشف عنه لأحد ..

ولقد التقيت لقاء ات كثيرة مع الأستاذ مرتضى ودار الحديث بيننا في مختلف الشؤون دورات واسعة أو ضيِّقة ، ولكنها تاهت جميعها في مسارب نفسي ، ولم أعد أذكر إلاّ أنّي التقيت بالأستاذ الصديق مرات كثيرة .. ولكن كم هي ومتى وأين هي ؟ وما الأحاديث التي جرت بيني وبينه في كل لقاء ؟ وذلك ما لم أعد أذكر منه إلاّ ظلالاً أو شبه ظلال ، حتى إذا كان هذا اليوم الذي أيقظني فيه الأستاذ الصديق من تلك الغفلة ، حين قدم إليَّ هذا الكتاب ، وأطلعني منه على ما ضمت عليه صفحاته من تراجم لبعض أصدقائه الذين عرفهم في مصر ، كما أطلعني على الترجمة الخاصة بي ، وقد أخذني العجب والدهش ، إذ رأيته يأتي بتفاصيل لأحاديث عابرة بيننا ، ويذكر زمانها ومكانها ، وكأنَّها بنت ساعتها ، حتى لقد سألت الأخ مرتضى في صدق وجد . أكانت معك آلة مسجِّلة كنت تديرها سراً في كل لقاء تم بيننا ؟ فقال في صدق وجد أيضاً :

وكيف هذا ؟ وهل رأيتني أحمل معي تلك الآلة المسجلة التي تقول عنها ؟

والحق أن ما كتبه الأستاذ مرتضى عن شخصياته التي ترجم لها في هذا الكتاب ، لا يقل دقة في صدق ، وأمانة عن الشريط التسجيلي ، الذي ينقل أحداث ندوة من الندوات ، أو مناظرة من المناظرات ..

إلاّ أنّ ما كتبه الأستاذ مرتضى ، مع التزامه بالدقة والأمانة والصدق ، يبدي بعاطفة الحب والتقدير لأصدقائه الذين ترجم لهم ، ولكن ذلك الحب وهذا التقدير ، لم يحملا المؤلف على الخروج عن حدود الأمانة التاريخية : فلم يجامل صديقاً ، ولم يلبسه جلداً غير جلده ، ولم يرتفع به عن مقام فوق مقامه ، لأنّه ملتزم أمام دينه وخلقه أن يجعل من تلك الصفحات وثيقة من وثائق التاريخ ، وشهادة يشهد بها حي على حي ، بما رأته عينه ، وسمعته أذنه ووعاه عقله .. وتلك هي ميزة هذا الكتاب من الناحية التاريخية ، من حيث الثقة بهما ، والإطمئنان إليهما ، في مقام الحديث عن هؤلآء الأشخاص ، أو الدراسة ، لهم في الغد القريب أو البعيد..

وكنت قد اقترحت على الأستاذ المؤلف ، بعد أن اطلعت على هذا الكتاب أن يمضي في طريقه هذا إلى الغاية التي يعينه الله تعالى على الوصول إليها ، فيصنع هذا الصنع مع كثير من الشخصيات العلمية في مصر ، ممن لم يترجم لهم في هذا الكتاب ، كما اقترحت عليه أن يفعل ذلك مع من يلتقي بهم من أعلام العالم العربي والإسلامي ، حتى يكون ذلك وسيلة قريبة ميسرة للتعارف والتواصل بين أبناء الأمة الإسلامية التي يجاهد الأستاذ المؤلف هذا الجهاد المبرور من أجل عزَّتها ، وسيادتها ، واجتماع كلمتها على كتاب الله سبحانه ، وسنة رسول الله ، صلوات الله وسلامه عليه.. وإنّه إذا كانت المهمة شاقة ، مضنية ، فإنّ الجزاء عند الله عظيم جليل ..

{ والّذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وَإِنَّ الله لَمَعَ المُحْسنين }.

وإنّي لأسال الله ضارعاً أن يحسن جزاء المؤلف ، وأن يبارك عليه ، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين ، وأن يمنحه العون ، إنّه سميع مجيب .

وسلام على المرسلين ، والحمد للة ربّ العالمين .

القاهرة في 1 / 9 /1975م ـ 14 / 8 / 1395 هـعبدالكريم الخطيب

[2]

من الأساتذة والعلماء البارزين ، درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف ـ العراق وحصل على دراسته المنهجية فحاز شهادة اللسانس في الشريعة واللغة من كلية الفقه في النجف الأشرف .

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذا التقديم : مسؤولية بالغة الأهمية ، تتطلب الملاءمة والانسجام ، مع الخطة الموضوعية ، والنهج البناء الذي ترسمه هذا الكتاب ، كما تتطلب التماس سبل التقارب الذي هو رسالة المؤلف في هذا الحوار الفكري ، مع رجال الفكر المعاصرين .

ظاهرة الإختلاف :

ومن الظواهر الطبيعية : أن تتفاوت الآراء والمعتقدات ، وأن تقوم في المجتمع الواحد ظاهرة الصراع والتناقض ، كما أنه من الطبيعي أن تتحكم في هذه التنقاضات اتجاهات عقائدية مختلفة ، تفضي إلى أدوار من المجابهة العنيفة ، وأطوار من الحوار الصريح .

ففي الطبقات الدنيا من الأفراد والمجتمعات تتحول هذه الخلافات العقائدية إلى صراع عنيف يخرج عن نطاق العقل والأسس المنطقية السليمة ، إلا أنّ هذا التناقض والاختلاف في الطبقات العليا من أفراد المجتمع الإنساني يأخذ طابع الخلاف في المسائل الفكرية فحسب .

وأما إذا ما تحولت هذه الأفكار والمعتقدات إلى أعراف وتقاليد موروثة وإلى سلوك اجتماعي معين ، فإنها تفقد ـ حينئذٍ ـ ميزاتها المنطقية ، وتصبح من الوضعيّات التلقائية التي تمارسها الأفراد والجماعات . كجزء من ذاتها وأصالتها ، ومقومات حياتها .

وفي هذه الوضعيات من السلوك التقليدي المألوف : يكمن التعصب الأعمى ، ويشتبك الصراع العنيف ، الذي لا يألف الهدوء ولا المهادنة ، ولا يعرف التحدث ولا الحوار .

غير أن قضايا العقيدة والفكر الإنساني المعاش ، يختلف أثرها في الطبقة العليا ذات الخبرة والتجريب عنه في الطبقة الدنيا من الناس ، وهي تتوارث هذه العقائد والأفكار ، دون أن تقف على تعليلها ، ودون أن تتعمق في تحليلها أو تدرك آثارها ، أو تغور في جذورها .

وفي الواقع : أن الطبقة الدنيا من الناس لا يؤمنون إلاّ بالمحسوس من مدركاتهم وتصوراتهم ، وبالقناعات الموروثة لديهم ، وهم على العكس من الطبقة العليا ، ذات البصيرة والنفاذ ، والقدرات العقلية والمنطقية ، الذين يعتمدون في مدركاتها وتصوراتهم على مقاييس الفكر والتأمل ، فبينما تألف الطبقة العامة من الناس أن تدرك من نوافذ الحس والتجربة ، فإن الطبقة المتميزة منها تألف أن تدرك بالمعايير العقلية والمنطقية ، وإذا كان المجتمع العام من الناس يعتمدون في معرفتهم على التجريب والإحساس ، فإنّ المستوى المتميز منهم إنما يعتمدون فيها على التجريد والتعقل . ولهذا .. فإنّ مسائل المعرفة الإنسانية ولا سيما القضايا الفكرية والعقلية فيها لا يمكن أن تسوى عن طريق العامة من الناس ، بل إنها تصبح عن طريقها مسائل غوغائية لا طائل تحتها ، وهي لا تنسجم مع المنطق ، ولا تتلاءم مع الواقع بحال من الأحوال .

ومن الأصوب في ذلك : أن نلتمس البحث والحوار في منطق ذوي التجريد والتعقّل والثقافة ، غير أنّه إذا كنا نحذر في الطبقة العامة من الناس خطر التعصب الأعمى ، فإن أخطر ما في المثقفين من عوامل الهدم والانحراف هو أن يتنكبوا عن سبل الإنصاف والتجرد ، وأن يتجنبوا الموضوعيه في شيء من تأملاتهم وعقائدهم .

والموضوعية إذن هي المقياس العاصم حتى للمنطق الذي يتذرع به ذوو الإدراك والتعقل ، الذين يريدون أن يبنوا قضايا الرأي والعقيدة ، أو يهدموها .

تمييع الخلافات المذهبية :

وأعنف ما في هذه المعتقدات هي القناعات الموروثة ، والخبرات الدينية التي تالفها الأفراد والجماعات ، والتي تترسب في أعماقهم عقائد مذهبية عميقة الجذور ، ولقدسية هذه العقائد ، والقناعات المذهبية الموروثة تبقى آثارها وأحكامها فوق مستوى النقد والمس والملاحقة .

ومن المسائل التاريخية العميقة الجذور ، التي ورثتها طوائف المسلمين منذ فجر تاريخهم هي العقائد المذهبية التي تميزت فيهم بالعنف والتعصب والإسراف ، تلك العقائد التي أبعدتهم عن رسالتهم التي وحدتهم وألفت بينهم ، وتلك العصبيات التي طمست فيهم معالم الحق والإنصاف ، وبدلت قوتهم إلى ضعف ، وحولت منعتهم إلى هوان .

ومن أمثل ما يجدينا في تمييع هذه الخلافات المذهبيّة التي تحجّرت في أعماق الطبقات المختلفة ، هو محاولة الإقلاع عنها ، وتجنب الإثارة من حولها والطعن فيها ، إذ على العكس من ذلك تظل هذه الخلافات العقائدية تثير من حولها عاصفة من التعصب المقيت ، والصراع المستميت .

ومن الأصوب في إذابة هذه الخلافات وتمييعها : هو أن نلتمس لها المعاذير ، وأن نتذرع فيها بالاعتدال ، وأن نمتنع : أن تلك العقائد المتناقضة ليس فيها ما يستهدف العدوان ، ولا يتعمد التجني والاستهوان .

وإن شأن الطائفة الشيعية مع الطوائف الأخرى شأن اختلاف المذاهب فيما بينها ، مادامت الأصو ل واحدة ، والأساس هو الإسلام .

وانطلاقاً من هذه الفكرة المنطقية العادلة : فإنّ حركة التشيع في ذاتها لم تقم في مطلق تاريخها على مناهضة الإتجاهات الإسلامية الأخرى ، إلاّ أنّها سارت في مسارب التاريخ تبنى ذاتها ، وتدافع عن وجودها ، وتحمى مبادئها وتكتسح من طريقها كل ما يستهدفها ويناهضها ، وهي تزيد من فاعليتها أو عطاء اتها ، عبر رسالتها الإسلامية البنّاءة .

حركة التشيع وعطاء اتها :

ومن الحق : أن ندرك أن حركة التشيع في التاريخ الإسلامي امتداد سليم لفاعلية الإسلام ، وثورته الرسالية المتفجرة .

فمنذ أن ضربت الخلافة الإسلامية بجرانها على المجتمع الإسلامي كله : تشعب الوجود الإسلامي إلى واجهتين متميزتين :

واجهة .. تمثل سياسة الحكم ، وقيادة المسلمين وانتظاماتهم .

وواجهة .. تمثل النزعة الفكرية والاتجاهات العقلية والعقيدية في حياتهم .

وإذا كانت مشايعة علي عليه السلام لمحمد صلّى الله عليه وآله في أعمق وأعنف معانيها العقيدية قد تسربت إلى مشايعة أمثل الصحابة في الصدر الأول لعليّ عليه السلام في هذا المستوى العنيف والعميق من الإيمان ، فإنّ هذا التشيع هو إمتداد واضح لفاعليه الإسلام ونفاذه في الصفوة المختارة من المسلمين الذين وقفوا إلى جانب هذه الواجهة المتميزة ، وعاشوا حقها بكل وجودهم وضمائرهم . وهكذا بدأت مشايعة النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله من انطلاقة علي عليه السلام وإيمانه وانصهاره في الرسالة الإسلامية ، وهكذا .. ظلت الصحابة هذه المشايعة هي المسيرة الإسلامية الجادة التي تدرجت في إيمان هؤلاء الصحابة وضمائرهم ، كما تدرّجت في النهج الذي انتهجه النبي صلّى الله عليه واله ، لعامة المسلمين في دعوته الإلهية التي حدّد أبعادها في اتّباع أهل البيت عليهم السلام والتمسك بأهداب سنتهم وسيرتهم .

وعلى امتداد هذا الخط الإسلامي القويم تقف الأجيال الرتيبة التي تفتحت لهذه الحركة الفذة ، وآمنت بها ، وتفاعلت معها ، فأضحى التشيُّع في حساب هذه الأجيال خطاً مستقيماً تسير عليه الرسالة الإسلامية من الوجهة العقلية والعقيدية ، وهو ما حمله الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ، كما حمله أهل بيته الأطهار عليهم السلام عقب الرسول صلّى الله عليه وآله وعبر الأجيال التي أعقبت جهادهم وتضحياتهم .

وبالرغم من أن الإنطلاقة الأولى التي أوجدت هذه الحركة الفعالة ، وكانت تتمثل في بيعة علي عليه السلام وتوليه أمر الوزارة والخلافة يوم الدار ، إلاّ أن أوسمة الخلافة وشاراتها كانت تتدافع على أكتاف الإمام عليه السلام وواجهته حتى انتهى الأمر إلى الحد الحاسم من إعلان خلافته وولايته على المسلمين .

فقد بدأت فاعلية هذه الحركة ، وتميَّزت معالمها منذ أن جوبه المسلمون بانقضاء الوحي ، وإناطة الولاية الإلهية بمن يستخلف المسلمين ويتولاهم ، وقد كان ذلك بداية خطيرة لحياة المسلمين السياسية والسلوكية ، بدأ ينجز في أعمالهم ودخائلهم .

ومهما يكن تفسير هذا الحدث الإسلامي الفذ الذي ألحّ عليه الوحي ، وغطاه بالموقف الصلد الحازم في حماية الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله من الأخطار والشرور .

ومهما تكن طبيعة هذا البلاغ الخطير في يومه المشهود ، الذي تم فيه الأمر لعليّ فإنّ الشخصية النموذجية التي استطاع النبي صلّى الله عليه وآله أن يواجه به المسلمين ، وهي أصدق صورة لنفسه وسيرته ، هو هذا النموذج الأمثل الذي كان صلّى الله عليه وآله على أشد ثقة من سابقته التي بدأها بالإيمان والفطرة ، وعاشها بالصبر والجهاد ، ومارسها بالطهر والعصمة ، وختمها بالتضحية والشهادة كما كان على أشد ثقة بكل مراحل حياته التي استقام فيها ، وكابد المكاره من أجلها ، وجرع الغصص في سبيلها .

وحين قدَّم النبي صلّى الله عليه وآله إلى المسلمين هذا الأنموذج الفذ الذي تمثل فيه واقع الإسلام وجوهره ، لم يرد الرسول صلّى الله عليه وآله من أمر الخلافة وتجسيد واقعها بأكثر من ذلك ، ولا بأكثر من أن يظل هذا الأنموذج الفذ هو القائد والرائد ، والهادي والمستحفظ ، الذي لا يتخطاه المسلمون ، ولا يعدلون عنه ، ولا يختارون غيره إن كان لهم الخيرة في ذلك اتباعاً للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله والّذي نص عليه ، وانقياداً للوحي الإلهي الذي اختاره واصطفاه ، فأكمل به دينه الذي ارتضاه ، وأتم به نعمته على المسلمين .

وقد صدقت نبوة النبي ـ صلّى الله عليه وآله عند المسلمين في كل ما مارسه الإمام عليه السلام من مسؤوليات الإمامة التي تجلت في جهاده للإسلام وفي زيادته للمسلمين ، وفي نصحه ومشورته للخلفاء ، مما أنقذهم بها من الهلكة والانهيار ، في مواطن كثيرة من حكمهم وخلافتهم . وكما بدأت تفاعلات هذه الحركة في أعقاب هذا الحدث الفذ كذلك بدأت الحركة المضادة لها ، وهي تتفاعل في أعماق السياسة التي ظهرت بعد ذلك على مسرح الأحداث الإسلامية التي أعقبت عهد النبي صلّى الله عليه وآله بصورة مباشرة .

وقد ظلت هذه التيارات الممتصارعة تسير في خط متناقض ، تشتبك فيها السياسة مع العقيدة ، حتى انتهت إلى النهاية التي ألحت على حتمية النهوض والإصلاح .

وعلى امتداد الخلافة التي مارسها الإمام عليه السلام ومارس فيها تصفية الأوضاع والاتجاهات التي أدّت بكثير من فرق لمسلمين إلى المروق والانحراف عن السلوك السوي الّذي انتهجه الإسلام وخططه للمسلمين ، كان لا بد لحركة التشيع في ظل هذه الخلافة من أن تنمو وتتفتح ، وتزداد عطاء اتها وتزدهر اثارها .

إلا أن القوى المضادة التي مارستها السياسة الأموية ـ بكل جهدها وطاقاتها ـ كانت تحاول هي الأخرى هدمها والإطاحة بها ، ومصادرتها ، ونقض شروط المصالحة معها ، وهي تلك الشروط التي صادق عليها الإمام الحسن ـ عليه السلام وسحقتها السياسة الأموية ، وتنكرت لها ، وخرجت عليها.

وقد برز في هذا الصراع العنيف الدور القائد للتضحية والفداء ، فتمخضت هذه الحركة الجبارة عن ثورة خالدة ، ظلت تمارس في كل جيل مقارعة الإنحراف ، ومجابهة المروق عن الدين ، وهي تدفع بحركة التاريخ الإسلامي إلى أن تسير في طريقها الرسالي الواضح من جديد ، وتنحدر في مسارب الأجيال والمجتمعات التي أعقبت هذه الإنتفاضة الجبا رة .

وهكذا تحولت حركة التشيع ـ في ثورة الإمام الحسين عليه السلام ـ من طابعها الفكري الحاد إلى مرحلتها الجدّية والمصيرية التي استنزفت التضحيات ، واستدرت البطولات ، وهزت العروش العاتية ، ودكت الصروح والسدود التي كانت تقف دون مسيرتها ، ونفاذ رسالتها .

وإذ كانت حركة التشيع في جميع أدوارها ومراحلها حركة إيجابية ترتكز على العقل والعقيدة ، كان من المحتم أن يبرز فيها الدور الجبار الذي بدأ يجسد لأجيال المسلمين الواقع الفكري والحضاري للإسلام ، وهو يتمثل في المدرسة العقلية والفكرية التي مارسها الإمام الصادق ـ عليه السلام وقد ألهم العلم والمعرفة ، وأفاض الفقه والحديث ، وأعد العلماء الذين ظلوا خزنة للعلم وسدنة للدين إلى عصرنا هذا .

وتابع هذه الحركة كل واحد من الأئمة الإثني عشر عليهم السلام ، فخلف لها الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت المعصومين عليهم السلام أصولاً ترتكز عليها ديمومتها وبقاؤها . فقد بنى الإمام الغائب عليه السلام على أعقاب غيبته الكبرى صروح النيابة العامة ، التي ترجع إليها أجيال الشيعة في عامة شؤونهم وأحداثهم .

وكان من العوامل الفعالة التي ساقت حركة التشيع هذه إلى الديمومة والاتساع هو دور العلماء الذين جاهدوا في أداء رسالتهم ، وبذلوا دماءهم ومدادهم في سبيل نشر الفكر الشيعي ، ودعمه وتركيزه .

ثم كان من العوامل الفعالة في انتشار الفكر الشيعي ، واتساع رقعة التشيع ، واستمراريته : هو ظهور عديد من الحكومات الشيعية التي أقامت حكمها في قطاعات مختلفة من العالم ، خلفت آثاراً حضارية وفكرية لا يزال المسلمون ينعمون بها ، وتتمثل ذلك بالأزهر الشريف ، وبما ينوء به من المسؤوليات الفكرية والثقافية في أوسع رقاع العالم الإسلامي وأشملها.

وإذا كانت السياسات الزمنية قد باعدت بين الشيعة والسنة ، وألقت في دخائلهم الخلاف العميق الذي تميز بالكراهية والتعصب ، والصراع المذهبي القاسي ، فقد ظهرت حيال ذلك دعوات رحيمة تسعى إلى أن تحكم فيهم كلمة التوحيد ، وتحتم عليهم توحيد الكلمة ، وتدعوهم إلى التقارب فيها بينهم وتنشدهم التصالح والمهادنة ، والأخذ بالأخوة الإسلامية التي لا بد وأن تشدَّهم من أن يتفرقوا ، وتوثقهم من أن ينفصموا .

بعدي قبلي