>
كنزالفوائد ج : 1 ص : 33الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين فإنه خير معين الحمد
لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين و آله الطاهرين
مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا
اعلم أيدك الله أن من الملحدة فريقا يثبتون الحوادث و محدثها و يقولون إنه لا أول
لوجودها و لا ابتداء لها. و يزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل و لا يزال كذلك و أن
أفعاله لا أول لها و لا آخر فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها إذ كنا
نعتقد أن الله تعالى ابتدأها و أنه موجود قبلها و وافقونا بقولهم لا آخر لها لأنهم
و إن ذهبوا إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه و استمرار الأفعال فيها و أنه لا آخر
لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر و هو تقضي أمر الدنيا و انتقال الحكم
إلى الآخرة و استمرار الأفعال فيها من نعيم الجنة الذي لا ينقطع عن أهلها و عذاب
النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها فأفعال الله عز و جل من هذا الوجه لا آخر
لها. كنزالفوائد ج : 1 ص : 34و هؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر
سرمدية لا أول له و لا آخر و أن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة من
غير نهاية و سيتحرك بعد بحركة بعدها حركة لا إلى غاية و أنه لا يوم إلا و قد كان
قبله ليلة و لا ليلة إلا و قد كان قبلها يوم و لا إنسان إلا أن يكون من نطفة و لا
نطفة تكونت إلا من إنسان و لا طائر إلا من بيضة و لا بيضة إلا من طائر و لا شجرة
إلا من حبة و لا حبة إلا من شجرة. و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب و لا تزال كذلك
ليس للماضي فيها بداية و لا للمستقبل فيها نهاية و هي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها
و حكمة من لم يوجد قبلها و أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا تعالى الله الذي لا
قديم سواه و له الحمد على ما أسداه من معرفة الحق و أولاه. و أنا بعون الله أورد لك
طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون و فساد ما تخيله الدهريون. كنزالفوائد
ج : 1 ص : 35دليل مما يدل على أن الحوادث الماضية لا بد لها من أول أننا في كل وقت
من أوقات زماننا بين آخر ما فيها و أول مستقبلها فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى و
هو أحد طرفيه. ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة
سنة يكثر عدد الماضي و يزيد فيه. فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت أي
الزيادة إليه و هذا يدل على تناهي عدد ما مضى و حصر طرفيه لأنه لو كان لا نهاية له
لم تتصور العقول دخول التكثر فيه. و قد صح بما بيناه أن الحوادث الماضية تصير إلى
مائة سنة أكثر عددا مما هي اليوم عليه. فبان بهذا تناهيها و صح أولها كما صح آخرها
و يبطل مقال الدهرية فيها. معارضة و قد قال الملحدون إن جميع ما ذكرتموه في الماضي
عائد عليكم في المستقبل لأنكم تقولون إن أفعال الله تعالى المستقبلة لا آخر لها و
مع هذا فقد علمتم أولها و هو أحد طرفيها فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص
منها و إذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها و انحصار طرفيها. انفصال فيقال لهم بين
الماضي و المستقبل في ذلك فرق و هو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا
قبل مضيه فقد شمل جميعها حكم الوجود فوجب أن يزيد فيها كل ما يخرج إلى الوجود. و
ليس المستقبل كذلك لأنها لم توجد و إنما هي في إمكان الفاعل فلا يصح فيها النقض و
لا سبيل إلى القول فيها بالتناهي. كنزالفوائد ج : 1 ص : 36
دليل آخر على تناهي ما مضى
و هو أنه قد مضت أيام و ليال و وقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر
عددا من الليالي أو يكون الليالي أكثر من الأيام أو يكونا في العدد سواء. فإن كانت
الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي لأنها أقل منها و اقتضى ذلك تناهي الأيام
أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا.
و إن كانت الليالي أكثر من الأيام كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول
فتناهي الأيام لزيادة الليالي عليها و يقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لفساد اتصالها
قبل الأيام بغير أيام بينها فوجب على هذا الوجه الآخر تناهيهما معا. و إن كانت
الأيام و الليالي في العدد سواء كان بمجموعها أكثر عددا من أحدهما بانفراده. و هذا
يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا
أكثر منه. و قد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما و هذا موضح
عن تناهيهما. و بهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات و السكنات و من
الاجتماعات و الافتراقات و من الطيور و البيض و الشجر و الحب و ما يجري مجرى ذلك.
معارضة قال الملحدون هذا الكلام عائد عليكم في نعيم المؤمنين في الجنة و عذاب
الكافرين في النار و قد زعمتم أن كل واحد منهما لا نهاية له و لستم تذهبون إلى أن
أحدهما أكثر من الآخر فنخاطبكم بما ذكرتم و لكن نقول لكم إنهما بمجموعهما أكثر عددا
من أحدهما و هذا يوجب تناهيهما جميعا و حصرهما. كنزالفوائد ج : 1 ص : 37انفصال يقال
لهم هذا الذي ذكرتموه لا يصح في المستقبلات و هو لازم لكم في الماضيات لأن الأعداد
إذا يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها و حصرها و عدد الليل و النهار الماضيات فقد وجدا
و انحصرا بالفراغ منهما و الوقوف عند آخرهما فصح ضم بعضها إلى بعض و أمكن ما ذكرنا
فيها. و المستقبلات من نعيم أهل الجنة و عذاب أهل النار فأمور متوقعة لم توجد و ليس
لها آخر لأنها تكون دائمة بغير انقضاء و ما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض
إلى بعض و ما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثل ما قد حدث و كان و تناهي
بإدراك آخره في كل حال. دليل آخر و مما يدل على أن للأفعال الماضية أولا كونها و
وجودها و لو لم يكن لها أول ما صح وجودها لأنها كالعدد الذي لا يصح أن يتوالى إلا
أن يكون له أول إما واحدا أو جملة يبتدأ بها تقوم مقام الواحد. انفصال قيل لهم لا
يجب ذلك من قبل أن المستقبل منوط بقدرة القادر و العاد يصح منه أن يعد ما دام حيا
فإذا كان ليس لوجوده آخر صح أن ليس لعدة آخر و مع ذلك فلا بد من أن يكون لعدده أول.
دليل آخر و مما يدل على أن الأفعال لا يصح وجودها إلا بعد أن يبتدأ بأولها أنه لو
قيل لرجل لا تدخلن دارا حتى تدخل قبلها غيرها لم يصح منه دخول شيء من الدور أبدا و
لم يمكن ذلك إلا بأن يبتدأ بواحدة منها.
كنزالفوائد ج : 1 ص : 38سؤال فإن قالوا هذا يستحيل كما ذكرتم في المستقبل من
الأفعال لأنه لا بد للمستقبلات من أول فمن أين لكم أن هذا حكم الماضيات. جواب قيل
لهم علمنا ذلك من قبل أن الماضيات قد كانت مستقبلة قبل وجودها و مضيها فلو لم يكن
لها أول ما صح وجودها. و بعد فلو رأينا هذا الرجل الذي مثلنا به و هو يدخل دارا بعد
دار فقلنا له هل كان بعد دخولك هذه الدور ابتداء حتى يقول لنا لم أبتدئ بدار منها و
لا دخلت دارا حتى دخلت قبلها دورا لا تتناهى فعلمنا أنه كاذب فيما ادعى. دليل آخر و
مما يدل على تناهي الأفعال الماضية و انحصارها و صحة طرفيها خروجها إلى الوجود على
كمالها و فراغ فاعلها منها و كل شيء فعله الفاعل فقد يتوهم منه أن يفعل أمثاله و
هذا وجه صحيح يدل على تناهيها و انحصار طرفيها لجواز وجود أكثر منها. معارضة و قد
قال الملحدة هذا راجع عليكم في نعيم أهل الجنة لأن الله تعالى يقدر على أمثاله
فيتناهى بوجود أكثر منه. انفصال فيقال لهم و متى صحت المماثلة بين الموضعين و
الأفعال الماضية قد خرج جميعها إلى الوجود. و نعيم أهل الجنة ليس له جميع يخرج إلى
الوجود و إنما يوجد شيء من غير أن يوقف له على وجه آخر من الوجوه. فإن قالوا فقد
لزمكم على هذا أن يكون الله تعالى وعد أهل الجنة بنعيم لا يصلون إلى جميعه و لا
ينالون سائره. كنزالفوائد ج : 1 ص : 39قيل لهم قد أعلمناكم أنه لا جميع له في
الحقيقة و لا سائره إذ ليس له آخر و الذي وعدهم الله به هو نعيم متصل غير منقطع فلو
وجد حتى لا يبقى منه شيء ينتظر لكان في الحقيقة لم يف لهم بما وعده. فإن قالوا إن
الأفعال الماضية أيضا لا كل لها في الحقيقة لاستحالة حصرها. قيل لهم و لم زعمتم ذلك
و قد سلمتم لنا أنها قد دخلت في باب الوجود عن آخرها و اشتمل الحدوث عليها.
مسألة على الملحدة
يقال لهم أخبرونا عن الشمس أ ليس لم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية
لها فإن قالوا بلى قيل لهم فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها و تحركت
الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها فإلا جاز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى
تفرغ منها و تقف عند آخرها و لا يبقى مستقبل بعدها. فإن قالوا إن المستقبلات لا كل
في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا لأن الفراغ مما لا
نهاية له قد صح عندهم و هو غير صحيح عندنا إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند
آخرها. فإن قالوا إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة قيل لهم إنه ليس يلزمنا
قبول ما لا طريق إلى فهمه و لا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه و هذا الذي زعمتموه دعوى
عارية من برهان. و بعد فإنا إذا لم ننازعكم في ذلك نسألكم فنقول أ لستم معترفين بأن
الشمس قد دارت الفلك قبل هذه الدورة التي هي فيها دورات لا نهاية لها كنزالفوائد ج
: 1 ص : 40فلا بد لهم من الإقرار بذلك فيقال لهم فقد عاد الأمر إلى الفراغ مما لا
نهاية له فما أنكرتم أن تنقضي دوراتها المستقبلة التي تقولون إنها لا نهاية لها و
يفرغ منها حتى يقف عند آخرها كما فرغت فيما مضى و هي الآن في آخره فإن قالوا هذا
مستحيل في المستقبل و هو صحيح في الماضي. قيل لهم بنظير الكلام المتقدم و هو أن
الماضي قد كان مستقبلا فلو استحال أن يصير المستقبل ماضيا لاستحال في الماضي لأنه
قد كان مستقبلا.
مسألة أخرى عليهم
يقال لهم أ يجوز أن تدور الشمس في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز
ذلك فإن قالوا غير جائز قيل لهم لم زعمتم ذلك و عندكم أنها تدور في المستقبل دورات
لا نهاية لعددها أ فليس في ذلك ما يفي بما قد مضى فإن قالوا لا يفي به جعلوا الماضي
أكثر من المستقبل و أوجبوا تناهي المستقبل. و إن قالوا إن الشمس ستدور دورات يفي
عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى و قيل لهم أ فيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية فإن
قالوا لا أقروا بوجود الأول و الآخر و أوجبوا تناهي الزمان من طرفيه و جعلوا له
لدورات الشمس بداية و نهاية و هو خلاف ما ذهبوا إليه. و إن قالوا إنه ستدور دورات
يفي بما مضى و يبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا لم يبق شبهة في تناهي الماضي و
صح أوله و بطل مذهبهم في قدمه و الحمد لله.
دليل آخر على أن للأفعال الماضية أولا
مما يدل على ذلك أنه قد ثبت أن كل واحد منها محدث كائن بعد أن لم يكن و لها محدث
متقدم عليها فوجب أن تكون جميعها محدثة كائنة بعد أن لم كنزالفوائد ج : 1 ص : 41تكن
و لها محدث متقدم عليها لأن جميعها هو مجتمع آحادها و لا يصح أن يختلف في الجمع و
التفريق هذا الحكم فيها. كما أن كل واحد من الزنج بانفراده أسود فالجميع باجتماعهم
سود و الحكم في ذلك واحد في الجمع و التفريق. و قد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال
الفاعل و صنعة الصانع و العقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله و سبق الصانع
لصنعته و ليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله. و اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة
تدفع بها تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان فيجب
أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة ليوضحوه فيكون الكلام بحسبه. و قد سمعنا قوما منهم
يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها و المدبر لها. فسألناهم هل ذلك يدافع عنها
حقيقة الحدوث فعادوا إلى الكلام الأول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث. فأعدنا
عليهم ما سلف حتى لزمهم الإقرار بحدوث الكل و طالبناهم بحقيقة المحدث و القديم فلم
يجدوا مهربا من أن التقدم و القديم في الوجود على المحدث هو التقدم المفهوم المعلوم
الذي يكون أحدهما موجودا و الآخر معدوما. و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في
الوجود أن يكون ذلك في زمان و الله تعالى متقدم على جميع الأفعال. و ليس أيضا من
شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه
على بعض و لا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر. و الكلام في هذا الموضع جليل و من ألحق
فيه سقطت عنه شبه كثيرة. كنزالفوائد ج : 1 ص : 42و قد كنت اجتمعت في الرملة برجل
عجمي يعرف بأبي سعيد البرذعي و كان يحفظ شبها في هذا الباب و كنت كثيرا ما أكلمه و
أستظهر بإثبات الحجة عليه فأورد علي شبهة كانت أكبر مما في يديه و تكلمت عليها
بكلام لم أقنع به فأحكيه. ثم إني كتبت كتابا إلى بغداد إلى حضرة سيدنا الشريف
المرتضى ذي المجدين رضي الله عنه و ذكرت الشبهة فيه فورد إلي جوابه عنها. فأنا أذكر
الشبهة و الجواب و ما وجدته بعد ذلك من الكلام في هذا الباب. الشبهة قال الملحد
مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال إما
أن تتقدم الصنعة عليه أو أن تتأخر عنه أو أن يكونا في الوجود سواء. و قد فسد باتفاق
تقدمها عليه.
كنزالفوائد ج : 1 ص : 43قال و يفسد أيضا تقدمه عليها إذ كان لا يخلو من أن يكون
تقدمه بمدة محصورة و تقدير أوقات متناهية أو بمدة غير محدودة و تقدير أوقات غير
محصورة. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و تحصر فلا آخر
متناه و له أول و آخر فكما أن آخره حدوث الصنعة فكذلك أوله حدوث الصانع و نعوذ
بالله من القول بذلك. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و
تحصر فلا آخر لهذه المدة كما لا أول لها و إذا لم يكن لها آخر فقد بطل حدوث الصنعة.
و إن نفيتم الأوقات و الأزمان التي يصح هذا فيها فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها و في
التقدير يلزم هذا هنا. قال فهذا دليل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا و
الجواب قاله الشريف المرتضى رحمه الله أما الصانع من حيث كان صانعا فلا بد من تقدمه
على صنعته سواء أ كان قديما أو محدثا لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث
كان فاعلا. و يستوي في هذا الحكم الفاعل القديم و الفاعل المحدث غير أن الصانع
القديم يجب أن يتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا و أزمانا كانت غير متناهية و لا
محصورة. و لا يجب هذا في الصانع المحدث بل يتقدم الصانع من المحدثين صنعته بالزمان
الواحد و الأزمان المتناهية المحصورة. و الذي يدل على أن الصانع لا بد من أن يتقدم
صنعته و يستوي في هذا الحكم القديم و المحدث أنه لو لم يتقدم عليها لم تكن فعلا له
و حادثة به لأن من كنزالفوائد ج : 1 ص : 44شأن الفاعل أن يكون قادرا و لا يقدر على
الموجود لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به فهذا يدل على استحالة مصاحبة الفاعل
لفعله. فأما تقدم الفعل على فاعله فأظهر فسادا لأن المؤثر في وجود الفعل و حدوثه
كون فاعله قادرا فكيف يتقدم المؤثر فيه على المؤثر. و أما تقدم الصانع القديم تعالى
على صنعته فيجب أن يكون غير محصور الأوقات و إنما وجب ذلك فيه و لم يجب في الصانع
المحدث لكونه قديما لأنه لو كان بين القديم و المحدث أوقات متناهية لخرج من أن يكون
قديما و دخل في أن يكون محدثا لأن من شأن القديم أن لا يكون بوجوده ابتداء و تناهي
ما بينه و بين الأوقات و بين المحدث يقتضي أن يكون بوجوده أول و ابتداء. فأما ما
تضمنه السؤال من التقسيم و التعديل في إفساد تقدم الصنعة على الصانع على الاتفاق
على ذلك فغير صحيح لأن مثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق بل لا بد أن يعين طريق
العلم إما من ضرورة أو استدلال و قد بينا ما يدل على أن الصنعة لا تتقدم الصانع.
فأما ما مضى من السؤال من إلزام نفي التناهي و الآخر عن المدة التي تكون بين الصانع
و الصنعة كما نفى عنها الابتداء و التناهي من قبل أولها فغير صحيح و لا لازم لأنا
قد بينا أنا متى جعلنا بين الصانع القديم و صنعته مدة متناهية الابتداء محصورة لحق
القديم بالمحدث و خرج من أن يكون قديما. و إذا جعلناها محصورة الانتهاء لم يجب ذلك
فيها و لا أدى إلى ما قد علمنا فساده من كون القديم محدثا و لا إلى غيره من ضروب
الفساد فلم يلزم نفي الآخر عن المدة قياسا على نفي الأول. و قد بين شيوخ أهل العدل
في كتبهم الفرق بين هذين الأمرين و قالوا
كنزالفوائد ج : 1 ص : 45من المستحيل إثبات فاعل لم يزل فاعلا و ليس بمنكر و لا
مستحيل إثبات فاعل لا يزال فاعلا و بينوا أن نفي التناهي و الابتداء عن الأفعال من
قبل أولها يخرجها من أن تكون أفعالا و ليس نفي التناهي عنها من قبل آخرها يخرجها من
أن تكون أفعالا. و ذكروا أن نعيم أهل الجنة و عقاب أهل النار دائمان لا انقطاع لهما
و لا آخر و لم يؤد ذلك إلى المحال و الفساد ما أدى إليه نفي التناهي عن الأفعال من
قبل أولها. و قالوا ليس بمنكر أن يدخل داخل دارا بعد دار أبدا بغير انقطاع. و من
المستحيل المنكر أن يدخل دارا قبل دار أبدا بلا أول. و قد استقصينا نحن هذا الكلام
في مواضع كثيرة من كتبنا و ذكرناه في الملخص و غيره من أجوبة المسائل و النقوض على
المخالفين. و أما ما تضمنه السؤال من أن هذا يدل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم
يزالا فمناقضة ظاهرة لأن وصف المتصف بالقدم ينقض كونه صفة كما أن وصف القديم بأنه
مصنوع ينقض كونه قديما. و هل هذا إلا تصريح بأن المحدث قديم و القديم محدث و لا
خفاء بفساد ذلك. و هل آخر الجواب الوارد إلي من حضرة السيد الشريف المرتضى رضي الله
عنه عن هذه الشبهة. و جميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم و أول المحدثات
أوقات لا كنزالفوائد ج : 1 ص : 46أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون
القصد أوقاتا في الحقيقة لأن الأوقات أفعال. فقد ثبت أن للأفعال أولا فلو قلنا إن
بين القديم و أول الأفعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه و دخلنا في مذهب خصمنا نعوذ
بالله من القول بهذا. جواب آخر عن هذه الشبهة و قد قال بعض أهل العلم إنه لا ينبغي
أن نقول بين القديم و بين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين و
القديم لا أول له. و الواجب أن نقول إن وجود القديم لم يكن عن عدم. و نقول إنه لو
أمكن وجود حوادث بلا نهاية و لم يتناقض ذلك لأمكن أن يفعلها حادثا قبل حادث لا إلى
أول فيكون قد وجدت حوادث بلا نهاية. و لسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد
امتدادها لأن هذا هو الحدوث و التجدد و هو معنى الزمان و الحركة. فإن قال قائل إنه
لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد. قيل له ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون
صحيحا. أ ليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلاء و ذلك غير متوهم. ثم يقال لهم أ يثبت
في الوهم ذلك مع فرضكم نفي الحركات و التغييرات أم مع فرضكم إثبات ذلك. فإن قالوا
مع فرضنا إثبات ذلك قيل لهم فيجب مع نفي ذلك أن لا يثبت هذا التوهم. و إن قالوا
يثبت هذا التوهم مع فرضنا نفي ذلك. قيل لهم فقد ثبت في التوهم النقيضان لأن هذا
التوهم هو أن ينتقل و يمتد. قال ثم يقال أ رأيتم لو قال لكم قائل ليس يثبت في ذهني
موجود ليس في
كنزالفوائد ج : 1 ص : 47جهة فيجب أن يكون الباري عز و جل في جهة أ ليس يكون يمكن أن
يقال إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما. و أما متى فرضتموه غير جسم و لا
متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم فهكذا يكون جوابنا لكم. ثم قال هذا المتكلم فإن
قالوا فإذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم
فعله. قيل بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله و
قولنا ثم يترتب على عدم الفعل لا غير. قال و نقول إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه
يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه و بين يومنا من الحوادث أكثر مما هو
الآن و ليس الكثرة و التقدم و التأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها. ثم
تكلم في نفي المدة فقال و الذي يبين أن تقدم الحركات و تأخرها يثبت من دون مدة يقع
فيها أنه لا يخلو هذه المدة من أن يكون شيئا واحدا لا امتداد فيه و لا ينقل من حال
إلى حال أو يكون فيه تنقل و امتداد. و الأول يقتضي إثبات الزمان على غير الوجه
المعقول و يقتضي أن تكون الأشياء غير متقدم بعضها على بعض إذا كان بالأجل تقدمه و
تأخره تتقدم الأشياء و تتأخر ليس فيه تقدم و تأخر. فليت شعري أ ثبت التقدم و التأخر
بنفسه أم بغيره إن كان يثبت فيه بغيره أدى إلى ما لا نهاية له و إن كان ذلك الزمان
متقدما و متأخرا بنفسه من غير أن يكون في شيء متقدم و متأخر فهلا قيل ذلك في
الحركات و استغني عن معنى غيرها
كنزالفوائد ج : 1 ص : 48فصل و بيان
و هذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة كافية في إثبات الحجة على
المستدل و هي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي لأنه لا يطلق القول بأن بين القديم
و أول المحدثات مدة. و يقول إنه أي الصانع تعالى قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم
وجدت و هو معنى ما ذكر هذا المتكلم في قوله إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود
فعله فهو على هذا الوجه قبل أفعاله. و اعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع
تضيق عن المعاني و تدعو الضرورة إلى النطق بما عهد و وجد في الشاهد و إن لم يكن
المراد حقيقة في المتعارف و يجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس كقولنا
قبل و بعد و كان و ثم فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الألفاظ إلا في الأوقات و
المدد. فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم و
التأخير مفيدا لأوقات و مدد و قد يتقدم بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها
أوقات أخر. و كذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل وجود خلقه. فليس
الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود و إنما هو اتساع في القول و المعنى مفهوم
معقول. و قد سأل أبو القاسم البلخي نفسه فقال إن قال قائل أخبرونا عن أول فعل فعله
الله تعالى أ كان من الجائز أن يفعل قبل غيره كنزالفوائد ج : 1 ص : 49و أجاب عن ذلك
فقال هو جائز بمعنى أن يكون لم يفعله و فعل غيره بدله و فعله هو فأما غير ذلك فلا
يجوز لأنه يؤدي إلى المحال. و في هذا القدر كفاية في الكلام على الملحدة الدهرية و
الحمد لله
مسألة في تأويل خبر
إن سأل سائل فقال ما معنى قول النبي ص في الخبر المروي عنه
لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر
الجواب قيل له الوجه في ذلك أن الملحدين و من نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما
ينزل به من أفعال الله تعالى كالمرض و العافية و الجدب و الخصب و الفناء إلى الدهر
جهلا منهم بالصانع جلت عظمته و يذمونه في كثير من الأحوال من حيث اعتقدوا أنه
الفاعل بهم هذه الأفعال فنهاهم النبي ص عن ذلك و قال لهم لا تسبوا من فعل بكم هذه
الأفعال ممن يعتقدون أنه هو الدهر فإن الله تعالى هو الفاعل لهذه الأفعال و إنما
قال إن الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدهر أفعال الله تعالى. و قد حكى الله
تعالى عنهم قولهم ما هِيَ إِلّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما
يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ و قال لبيد كنزالفوائد ج : 1 ص : 50
في قروم سادة من قومه نظر الدهر إليهم و ابتهل
أي دعا عليهم. قصيدة في الآداب و الأمثال لابن دريد
ما طاب فرع لا يطيب أصله حمى مؤاخاة اللئيم فعلهو كل من آخى لئيما مثله من يشتكي
الدهر يطل في الشكوى فالدهر ما ليس عليه عدوى مستشعر الحرص عظيم البلوى من أمن
الدهر أتى من مأمنه لا تستثر ذا لبد من مكمنهو كل شيء يبتغى من معدنه لكل ناع ذات
يوم ناعي و إنما السعي بقدر الساعي قد يهلك المرعي عنف الراعي من يترك القصد تضق
مذاهبه دل على فعل امرئ مصاحبه لا تركب الأمر و أنت عائبه من لزم التقوى استبان
عدله من ملك الصبر عليه عقله نجا من العار و بان فضله
كنزالفوائد ج : 1 ص : 51يجلو اليقين كدر الظنون و المرء في تقلب الشئون حتى توفاه
يد المنون يا رب حلو سيعود سما و رب حمد تحوز ذماو رب روح سيصير همامن لم تصل فارض
إذ حباكا و أوله حمدا إذا قلاكاأو أوله منك الذي أولاكاما لك إلا عليك مثله لا
تحمدن المرء ما لم تبلهو المرء كالصورة لو لا فعله يا ربما أدرئت اللجاجة ما ليس
للمرء إليه حاجةو ضيق أمر يبتغي انفراجه ليس يقي من لم يق الله الحذر و ليس يقدر
امرؤ على القدرو القلب يعمى مثلما يعمى البصركم من وعيد يخرق الآذانا كأنما يعنى به
سواناأصمنا الإهمال بل أعماناما أفسد الخرق و ساء الرفق و خير ما أنبأ عنك الصدق كم
صعقة دل عليها البرق لكل ما يؤذي و إن قل ألم ما أطول الليل على من لم ينمو سقم عقل
المرء من شر السقم أعداء غيب إخوة التلاقي يا سوأتا لهذه الأخلاق كأنما اشتقت من
النفاق أنف الفتى و هو صريم أجدع من وجهه و هو قبيح أشنع هل يستوي المحظوظ و المضيع
كنزالفوائد ج : 1 ص : 52ما منك من لم يقبل المعاتبة و شر أخلاق الفتى
المؤاربة ينجيك مما نكره المجانبة متى تصيب الصاحب المهذبا هيهات ما أعسر هذا
المطلباو شر ما طالبته ما استصعباأف لعقل الأشمط النصاب رب معيب فعله عياب ذم
الكلام حذر الجواب لكل ما يجري جواد كبوة ما لك إلا إن قبلت عفوه من ذا الذي يسقيك
عفوا صفوه لا يسلك الشر سبيل الخير و الله يقضي ليس زجر الطيركم قمر عاد إلى قميرلم
يجتمع جمع لغير بين لفرقه كل اجتماع اثنين يعمى الفتى و هو البصير العين الصمت إن
ضاق الكلام أوسع لكل جنب ذات يوم مصرع كم جامع لغيره ما يجمع ما لك إلا ما بذلت مال
في طرفة العين يحول الحالو دون آمال الفتى الآجال كم قد بكت عين و ليس تضحك و ضاق
من بعد اتساع مسلك لا تبرمن أمرا عليك يملك خير الأمور ما حمدت غبه لا يرهب المذنب
إلا ذنبهو المرء مقرون بمن أحبه كل مقام فله مقال كل زمان فله رجالو للعقول تضرب
الأمثال دع كل أمر منه يوما تعتذر عف كل ورد غير محمود الصدرلا تنفع الحيلة في ماضي
القدر
كنزالفوائد ج : 1 ص : 53نوم امرئ خير له من يقظة لم يرضه فيه الكرام الحفظةو في
صروف الدهر للمرء عظة مسألة الناس لباس ذل من عف لم يسأم و لم يمل فارض من الأكثر
بالأقل جواب سوء المنطق السكوت قد أفلح المبتدئ الصموت ما حم من رزقك لا يفوت في كل
شيء عبرة لمن عقل قد يسعد المرء إذا المرء اعتدل ترجو غدا و دون ما ترجو الأجل من
لك بالمحض و ليس محض يخبث بعض و يطيب بعضو رب أمر قد نهاه النقض كم زاد في ذنب جهول
عذره ذا مرض يعنى عليك أمره يخشى امرؤ شيئا و لا يضره يا رب إحسان يعود ذنبا و رب
سلم سيعود حرباو ذو الحجى يحمل إن أحباقد يدرك المعسر في إعساره ما لم يبلغ الموسر
في إيسارهو ينتهي الهاوي إلى قراره الشيء في نقص إذا تناها و النفس تنقاد إلى
رداهامذعنة يحتث سائقاهاالناس في فطرتهم سواء و إن تساوت بهم الأهواءكل بقاء بعده
فناءلم يغل شيء و هو موجود الثمن مال الفتى ما قصه لا ما احتجن إذا حوى جثمانه ثرى
الجبن
كنزالفوائد ج : 1 ص : 54المال يحكي الغي في أثقاله و إنما المنفق من أمواله ما غمر
الخلة من سؤاله من لاح في عارضة القتير فقد أتاه بالبلى النذيرثم إلى ذي العزة
المصيررأيت غب الصبر مما يحمد و إنما النفس كما تعددو شر ما يطلب ما لا يوجدإن
اتباع المرء كل شهوة ليلبس القلب لباس قسوةو كبوة العجب أشد كبوة من يزرع المعروف
يحصد ما رضي لكل شيء غاية ستنقضيو الشر موقوف لدى التعرض لا يأكل الإنسان إلا ما
رزق ما كل أخلاق الرجال تتفق هان على النائم ما يلقى الأرق من يلذع الناس يجد من
يلذعه لسان ذي الجهل وشيكا يوقعه لا يعدم الباطل حقا يدمغه كل زمان فله نوابغ و
الحق للباطل ضد دامغ لا يغصك المشرب و هو سائغ رب رجاء قص من مخافة و رب أمن سيعود
آفة ذو النجح لا يستبعد المسافة كم من عزيز قد رأيت ذلا و كم سرور مقبل تولىو كم
وضيع شال فاستقلالا خير في صحبة من لا ينصف و الدهر يجفو أمره و يلطفو الموت يفني
كل عين تطرف
كنزالفوائد ج : 1 ص : 55رب صباح لامرئ لا يمسه حتف الفتى موكل بنفسه حتى يحل في
ضريح رمسه إني أرى كل جديد بالي و كل شيء فإلى زوال فاستشف من جهلك بالسؤال آن
رحيلا فأعد الزادا آن معادا فاحذر المعادالا يملك العمر و إن تمادى إنك مربوب مدين
تسأل و الدهر عن ذي غفلة لا يغفلو كلما قدمته محصل حتى يجيء يومك المؤجل
فصل
روي عن أحد الأئمة ع أنه قال رسول الله ص إن الله عز و جل كتم ثلاثة في ثلاثة رضاه
في طاعته و كتم سخطه في معصيته و كتم وليه في خلقه و لا يستخف أحدكم شيئا من
الطاعات فإنه لا يدري في أيها رضا الله تعالى و لا يستقلن أحدكم شيئا من المعاصي
فإنه لا يدري في أيها سخط الله و لا يزرين أحدكم بأحد من خلقه فإنه لا يدري أيهم
ولي الله
و من كلامه ص من سرته حسنته و ساءته معصيته فهو مؤمن لا خير في العيش إلا لرجلين
عالم مطاع و مستمع واع كفى بالنفس غنى و بالعبادة شغلا لا تنظروا إلى صغير الذنب و
لكن انظروا إلى من اجترأتم
و قال ع آفة الحديث الكذب و آفة العلم النسيان و آفة العبادة الفترة و آفة الطرف
الصلف لا حسب إلا بتواضع و لا كرم إلا بتقوى و لا عمل إلا بنية و لا عبادة إلا
بيقين كنزالفوائد ج : 1 ص : 56إن العاقل من أطاع الله و إن كان ذميم المنظر حقير
الخطر و إن الجاهل من عصى الله و إن كان جميل المنظر عظيم الخطر أفضل الناس أعقل
الناس إن الله تعالى قسم العقل ثلاثة أجزاء فمن كانت فيه كمل عقله و من لم تك فيه
فلا عقل له المعرفة بالله تعالى و حسن الطاعة و حسن الصبر إن لكل شيء آلة و عدة و
آلة المؤمن و عدته العقل و لكل تاجر بضاعة و بضاعة المجتهدين العقل و لكل خراب
عمارة و عمارة الآخرة العقل و لكل سفر فسطاط يلجئون إليه و فسطاط المسلمين العقل
فصل
روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص أنه قال العقل ولادة و العلم إفادة و
مجالسة العلماء زيادة
و روي عنه ع أنه قال هبط جبرئيل ع على آدم ع فقال يا آدم أمرت أن أخيرك في ثلاث
فاختر منهن واحدة و دع اثنتين فقال آدم و ما الثلاث قال العقل و الحياء و الدين
فقال آدم فإني قد اخترت العقل فقال جبرئيل للحياء و الدين انصرفا فقالا يا جبرئيل
إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان قال فشأنكما و عرج
مسألة إن سأل سائل فقال كيف يحسن مخاطبة الحياء و الدين و كيف يصح منهما النطق و
هما داخلان في باب الأعراض التي لا تقوم بأنفسها و لا تصح الحياة و النطق منهما.
الجواب قيل له هذا مجاز من القول و توسع في الكلام و المعنى فيه أنهما لو كانا حيين
قائمين بأنفسهما تصح المخاطبة لهما و النطق لكان هذا حكمهما و المحكي عنهما
جوابهما. كنزالفوائد ج : 1 ص : 57و قد يستعمل العرب ذلك في كلامها و هو نوع من
أنواع فصاحتها قال الشاعر
امتلأ الحوض و قال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني
و نحن نعلم أن الحوض لا يصح منه النطق و لكنه استعار النطق لأنه عنده لو كان في
صورة ما ينطق لكان هذا قوله. خبر آخر في هذا المعنى و هو المشتهر بين الخاصة و
العامة
من أن أول شيء خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال
و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك بك أعطي و بك أمنع و بك أثيب و بك
أعاقب و عزتي و جلالي لا أكملتك إلا فيمن أحببت
فالمعنى فيه نظير ما تقدم هو أن العقل لو كان قائما بنفسه حتى يوجد مفردا لكان أول
شيء خلقه الله تعالى لفضله و لأن المنازل العالية لا تستحق إلا به و لو كان حيا
قادرا لصح منه امتثال أمر الشارع إلى ما يؤمر به و لم يقع خلاف للمراد منه. و هذا
كله بينة على شرف العقل و جلالته و حث على وجوب الرجوع إليه و التمسك بحججه و في
القرآن لذلك نظائر
فصل مما ورد في القرآن في هذا المعنى
فمن ذلك قول الله عز و جل إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْء إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فدليل شاهد بأن المراد بذلك ليس هو القول و لا يصح فيه حقيقة
الأمر لأنه لو كان يأمر الشيء في الحقيقة بالكون كان لا يخلو من حالين كنزالفوائد ج
: 1 ص : 58إما أن يأمره بذلك و الشيء في حال عدمه أو في حال وجوده. و محال أن يأمره
و هو في حال عدمه لأن المعدوم في الحقيقة ليس بشيء فيتوجه إليه الأمر. و الذين
يثبتون أنه شيء في حال عدمه من المتكلمين لا يخالفون في أنه لا يصح أن يؤمر. و محال
أيضا أن يأمره و هو في حال وجوده لأن الموجود هو الكائن. و لا يقال للكائن كن كما
لا يقال للساكن اسكن. و أيضا فلو كان يأمره في الحقيقة بالكون لكان الشيء المأمور
هو الذي يفعل نفسه و يكونها. و لا يصح من شيء أن يفعل إلا أن يكون حيا قادرا و لا
يصح منه أن يفعل الحكم المتقن إلا بعد كونه عالما. و هذا كله على أن المعدوم لا
يؤمر و لا يفعل نفسه. و لم يبق إلا أن يكون ذلك مجازا في القول. و المراد به
الإخبار عن تيسر الفعل على الله سبحانه أنه إذا أراده و أنه غير متعذر منه و متى
أراد كونه كان بغير حائل و لا مانع حتى كان الذي يريده لو كان حيا قادرا يصح أن
يكون نفسه ثم أمره الله تعالى بذلك ليبادر إليه و لم يتأخر عنه. كنزالفوائد ج : 1 ص
: 59و مثل ذلك قول الله عز و جل ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ
فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا
طائِعِينَ. و ليس المراد أن السماء و الأرض و هما جماد نطقتا و إنما المعنى تيسر
فعلهما و ما أراده فيهما. فكأنهما لو كانتا في حكم الأحياء القادرين الذين يصح منهم
النطق و الإتيان لقالتا إذا أمرنا بالإتيان أتينا طائعين. و نظير هذا في الكلام
كثير. و الناس يجعلون من تيسر منه الفعل كان فعله قد أطاعه و يقولون للشاعر الحاضر
الخاطر إن القوافي لتسمع له و تطيع و إنك لتراها رأي العين و إنها لمحصورة بين
يديك. و مرادهم أنها لا تتعذر عليه متى رامها و لا يتوقف شيء منها إذا قصدها.
فكأنها لو كانت في حيزها ترى لرآها أو في حكم من يطيع لأطاعت أمره إذا أمرها. فأما
الإخبار عن السماء و الأرض بأنهما قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ بلفظ التذكير فيحتمل
أن يكون المعنى أتينا بمن فينا و من يصح فيه التذكير و من ذلك قول الله عز و جل
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد و جهنم
في الحقيقة لا يصح أن تخاطب و لا يقع منها القول. فالمعنى أنها لو كانت في حكم من
يخاطب و يصح منها القول لقالت هَلْ مِنْ مَزِيد. و قيل في الآية بوجه آخر. و هو أن
الذكر لها و الخطاب في الحقيقة متوجه لخزنتها و هم القائلون هَلْ مِنْ مَزِيد.
كنزالفوائد ج : 1 ص : 60و إنما أضيف ذلك إليها كما يقال قالت البلدة الفلانية أي
قال أهلها و قال الله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها و المراد
أهلها. و من ذلك قول الله عز و جل يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ
أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و قوله جل اسمه وَ قالُوا
لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي
أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فالقول عندنا في ذلك كله إنه على الاستعارة و مجاز اللغة دون الحقيقة. و المعنى فيه
أن الجوارح لو كانت مما تنطق لنطقت على أصحابها بالشهادة و قالت أنطقنا الله. و قد
يجوز في أبعاض الإنسان ما تقام الشهادة بفعله و إن لم يكن نطق و العرب تقول رب عين
أنطق من لسان و يقولون عيناك تشهد بسحرك و نظرك يدل على خبرك. و الشواهد على هذا
كثيرة و فيما ذكرناه كفاية
مسألة من عويص النسب
ألا قل لابن أم حماة أمي أنا ابن أخ ابن أختك غير وهم فلو زوجت أختك من أخ لي
فأولدها غلاما كان عميو كان أخي لذاك العم عما و صار العم مثل دمي و لحمي فمن أنا
منك أو من أنت مني أجب إن كنت ذا لب و فهم
الجواب القائل ابن ابن المقول له هو خال أبي القائل و أخت المقول له هي أم أبي
القائل كنزالفوائد ج : 1 ص : 61فإذا تزوجها أخو القائل لأمه و هو جائز لأنه لا
قرابة بينها فأولدها غلاما فالغلام عم القائل لأنه يصير أخا لأبيه و يكون القائل
أيضا عما للغلام من الأم و كانت إخوة القائل من أبيه و أمه أعماما للغلام
فصل في ذكر الدنيا
قال رسول الله ص من أحب دنياه أضر ب آخرته
و قال أمير المؤمنين ع الدنيا دول فاطلب حظك منها بإجمال الطلب
و قال ع من أمن الزمان خانه و من غالبه هانه
و قال الدهر يومان يوم لك و يوم عليك فإن كان لك فلا تبطر و إن كان عليك فاصبر
فكلاهما عنك يمضى
قال بعض الشعراء
و إن امرأ دنياه أكثر همه لمستمسك منها بحبل غرور
و قال بعضهم إياك الاغترار بالدنيا و الركون إليها فإن أمانتها كاذبة و آمالها
خائبة و عيشها نكد و صفوها كدر و أنت منها على خطر إما نعمة زائلة و إما بلية نازلة
و إما مصيبة موجعة و إما منية مفجعة و قال آخر صاحب الدنيا في حرب يكابد الأهواء
لتقدح و الجهالة لتقمح و الأرواع لتندفع و الآمال لتنال و المكروه ليزال و بعض ذلك
عن بعض كنزالفوائد ج : 1 ص : 62شاغل و المشغل عنه ضائع فلما رأى الحكماء أنه لا
سبيل إلى إحكام ذلك تركوا ما يفنى ليحرزوا ما يبقى
فصل في ذكر الأمل
روي أن الله تعالى قال يا ابن آدم يأتي رزقك و أنت تحزن و ينقص من عمرك و أنت لا
تحزن تطلب ما يطغيك و عندك ما يكفيك
و قال رسول الله ص من كان يأمل أن يعيش غدا فإنه يأمل أن يعيش أبدا
و قال بعضهم الآمال لا تنتهي و الحي لا يكتفي و قيل ما أطاع عبد أمله إلا قصر عمله
و قال آخر لا يلهك الأمل الطويل عن الأجل القصير و قال آخر من جرى في عنان أمله عثر
بأجله و قال آخر إنك إذا أدركت أملك قربك من أجلك و إذا أدركك أجلك لم تبلغ أملك
لابن الرومي كنزالفوائد ج : 1 ص : 63
خمسون عاما كنت آملها كانت أمامي ثم خلفتهاكنز حياة لي أنفقته على تصاريف تطرفتهالو
كان عمري ماية هدني تذكري أني تسوفتها
فصل في ذكر الموت
روي أنه كان في التوراة مكتوبا يا ابن آدم لا تشتهي حتى تموت حتى تتوب و أنت لا
تتوب حتى تموت
و قال أمير المؤمنين ع من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير
و قال بعضهم لو رأيتم الأجل و مسيره لأبغضتم الأمل و غروره و أنشد
نراع لذكر الموت ساعة ذكره فتعترض الدنيا فنلهو و نلعب
و قيل إن امرأ آخره الموت لحقيق أن يخاف ما بعده
و روي أن أمير المؤمنين ع سمع إنسانا يقول إنا لله و إنا إليه راجعون فقال قولنا
إنا لله إقرار منا له بالملك و قولنا و إنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك
كنزالفوائد ج : 1 ص : 64و قيل إن من عجائب الدنيا أنك تبكي على من تدفنه و تطرح
التراب على وجه من تكرمه قال أبو نواس
غر جهولا أمله يموت من جا أجلهو من دنا من يومه لم تغن عنه حيلهو كيف يبقى آخر قد
مات عنه أوله لا يصحب الإنسان من دنياه إلا عمله
قال أبو ذؤيب
و إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
غيره
ننافس في الدنيا و نحن نعيبها و قد حذرتناها لعمري خطوبهاو ما نحسب الساعات نقطع
مدة على أنها فينا سريع دبيبهاكأني برهطي يحملون جنازتي إلى حفرة يحثى علي كثيبهاو
باكية حرى تنوح و أنني على غفلة من صوتها لا أجيبها
كنزالفوائد ج : 1 ص : 65أيا هادم اللذات ما منك مهرب يحاذر نفسي منك ما سيصيبهارأيت
المنايا قسمت بين أنفس و نفسي سيأتي بعد ذاك نصيبها
لأبي إسحاق الصابي من قطعة كتبها إلى الشريف الرضي أبي الحسن الموسوي و هو هذا
و إني على عيب الردى في جوانبي و ما كف من خطوي و بطش بنانيو إن لم يدع إلا فؤادا
مروعا به غير باق من الخفقان تلوم تحت الحجب تنقب حكمة إلى أذن تصغي لنطق
لساني لأعلم أني ميت عاق دفنه دماء قليل في غد هو فانو إن فما للأرض غرثان حائما
يراصد من أكلي حضور أوان به فترة عم الورى لفجائع تركن فلانا ثاكلا لفلان غدا فاغرا
يشكو الطوى فهو راتع و ما تلتقي يوما له شفتانو كيف و حد القوت منه فناؤنا و ما دون
ذاك الحد رد عيان
كنزالفوائد ج : 1 ص : 66إذا عاصيا بالنسك ممن يعوله فلا أولا منه بمهلك ثان إلى ذات
يوم لا ترى الأرض وارثا سوى الله من إنس تراه و جان
لغيره
فكم من صحيح بات للموت آمنا أتته المنايا رقدة بعد ما هجع فلم يستطع إذ جاءه الموت
بغتة فرارا و لا منه بحيلة انتفع فأصبح تبكيه النساء مكفنا و لا يسمع الداعي إذا
صوته رفعو قرب من لحد فصار مقيله و فارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فصل في ذكر الموت و القتل و ما بينهما
اعلم أن الموت غير القتل و الذي يدل على أنهما غيران قول الله عز و جل فَإِنْ ماتَ
أَوْ قُتِلَ و قوله تعالى وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ و قوله سبحانه ما
ماتُوا وَ ما قُتِلُوا و ليس يجوز أن يكون التأكيد و التكرير في اللفظين يرجعان إلى
معنى واحد. و يدل على ذلك أيضا العلم بأن الله سبحانه ليس بقاتل لمن مات حتف أنفه.
كنزالفوائد ج : 1 ص : 67و لو قال قائل في ميت إن الله قتله لأعاب العقلاء عليه. و
الموت و القتل عرضان و ليسا بجسمين. و قد قال شيخنا المفيد رضي الله عنه إن القتل
متولد عن الأسباب و محله محل حياة الأجسام و الموت معنى يضاد حياة الفاعل المخلوق و
لا يصح حلوله في الأجسام قال و هذا مذهب يختص بي. و القتل عند جميع أهل العدل من
مقدورات العباد و الموت لا يقدر عليه أحد إلا الله تأويل آية إن سأل سائل عن قول
الله سبحانه وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ. فقال كيف يصح
أن يسأل من لا عقل له و أي فائدة في سؤالها عن ذلك و لا ذنب لها و ما الموءودة و من
أي اشتقاق هذه اللفظة جواب قلنا في قوله تعالى سُئِلَتْ وجهان كنزالفوائد ج : 1 ص :
68أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة في قتلها و سئل عن سبب قتله لها و
بأي ذنب قتلها و ذلك على سبيل التوبيخ و التعنيف و إقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم
المسئولون على الحقيقة لا المقتولة مسئول عنها. و مثله قوله تعالى وَ أَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي مطالبا به و مسئولا عنه. و الوجه
الآخر أن يكون السؤال توجه إلى الموءودة على الحقيقة توبيخا لقاتلها و تقريعا له
على أنه لا حجة له في قتلها. و يجري هذا مجرى قوله تعالى لعيسى ع أَ أَنْتَ قُلْتَ
لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ على طريق التوبيخ
لقومه و إقامة الحجة عليهم. فإن قيل على هذا الوجه كيف يخاطب و يسأل من لا عقل له و
لا فهم فالجواب أن في الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيه القائل و
تهجينه و إدخال الغم عليه في ذلك الموقف على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع و إن لم
يكن من الموءودة فهم لأن الخطاب و إن توجه إليها فالغرض في الحقيقة به غيرها. و هذا
يجري مجرى رجل ضرب ضارب طفلا له من ولده فأقبل الرجل على ولده يقول له لم ضربت و ما
ذنبك و بأي شيء استحل هذا منك و غرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. و في الناس من
قال إن توجه السؤال إلى الموءودة و إن كان الغرض فيه تبكيت القاتل فإنه لا يكون إلا
و الموءودة قد أكملت لها العقل و جعلت على أفضل الهيئات لأنها في القيامة تعوض عما
نالها بالنعيم الدائم فلا بد من إكمال عقولها لتعرف عدل الله كنزالفوائد ج : 1 ص :
69تعالى و يحسن التذاذها بما وصل إليها فليس يتوجه السؤال إليها إلا و هذه حالها. و
قد روي عن أمير المؤمنين ص و عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما و عن غيرهما أنهم
قرءوا إذا الموءودة سألت بفتح السين و الهمزة و إسكان التاء بأي ذنب قتلت بإسكان
اللام و ضم التاء الثانية فكانت الموءودة و القائلة. و أما الموءودة فهي المقتولة
صغيرة و كانت العرب في الجاهلية تدفن البنات أحياء و هو قوله أَ يُمْسِكُهُ عَلى
هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ و هو قوله عز و جل قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ
قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم و يقال إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين
أحدهما أنهم كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالله فهو أحق
بالبنات و الأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهم خشية الإملاق قال الله عز و جل لا
تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّاكُمْ إِنَّ
قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
فصل في معرفة الاسم و الصفة
اعلم أن الاسم غير المسمى و الصفة غير الموصوف و الاسم و الصفة جميعا لا يكونان إلا
قولا من المسمى و الوصف أو كتابة يدل على ما يدل عليه القول كنزالفوائد ج : 1 ص :
70و الاسم في الحقيقة ما دل على المسمى و الصفة ما دل على معنى في المسمى و في هذا
اللفظ تجوز لأنها تعطي الظرفية و الحلول و ربما كان الموصوف غير ظرف و لا محل. و
أقرب من هذا أن يقال إن الصفة ما أفادت أمرا يكون في الموصوف عليه. و إنما افتقر
المتكلم إلى استعمال هذه الألفاظ لضيق العبارات عن استيفاء المعاني فإذا فهم من
اللفظ الغرض جاز استعماله. فالاسم قولنا زيد و عمرو و نحو ذلك مما وسمت به الأشخاص
و حصل لها ألقابا تتخصص بها عند الإشارات و ليست دالة على معنى في الموصوف و لا
مفيدة أمرا هو عليه. و الصفة قولنا قادر و عالم و نحو ذلك مما يدل على أمور يكون
الموصوف عليها. فقولنا قادر يفيد جواز وقوع الفعل منه و قولنا عالم يفيد صحة وقوع
الفعل المحكم منه. فإن انكشف لنا الاعتبار عن خروج الموصوف عن هاتين الصفتين إلى
ضدهما حتى يتعذر وقوع الفعل منه و يستحيل حصول الفعل المحكم المتقن منه فما ذاك إلا
لأن فيه معنيين حالين و هما القدرة و العلم و بوجودهما صح منه فعل المحكم المتقن و
هما عرضان متغايران و ضداهما العجز و الجهل و لا يكون هذا إلا و الموصوف محدث و ليس
القدرة و العلم صفتين للقادر و العالم و إنما الصفة قول الواصف هذا قادر و هذا عالم
أو كتابته الدالة على ذلك. و كذلك ليس السواد بصفة للأسود و إنما صفته قولنا هذا
أسود و من خالف في هذا فقد غلط. كنزالفوائد ج : 1 ص : 71إلا أن يقال إن العلم
للعالم و السواد للأسود على وجه التوسع في الكلام فذلك جائز. و إن كشف لنا الاعتبار
عن استحالة خروج الموصوف عما وصف به و بطلان وصفه بضده فما ذاك إلا لأنها صفات
نفسية و لهذا قلنا إن الله قادر و عالم لنفسه و إنه لا علم و لا قدرة في الحقيقة له
لاستحالة خروجه من جواز وقوع الفعل المحكم المتقن منه. فالمعاني التي دلت الصفات
عليها هي ما استفدناه من حال الموصوف. و قد ظنت المجبرة أن الصفة غير الوصف و قالوا
إن الصفة معنى قائم بالموصوف و الوصف هو قول الواصف و هذا فاسد و الصفة هي الوصف و
هما مصدران لفعل واحد تقول وصف يصف صفة و وصفا و هذا كالوهب و الواهب و الهبة و
الوعد و العدة تقول وهب يهب هبة و وهبا و وعد يعد عدة و وعدا
أسماء الله و حقيقتها فصل في معرفة أسماء الله تعالى و حقيقتها
فأما أسماء الله تعالى كلها فعائدة إلى الصفات لأنها دالة على معان و متضمنة لفوائد
و ليس فيها اسم يخلو من ذلك و يجري مجرى اللقب إنما وضع على شخص تقع الإشارة إليه
ليفرق بينه و بين ما شاركه في جنسه من الأشخاص المتماثلة. و لما كان الله تعالى يجل
عن المجانسة و يرتفع عن المماثلة استحال أن يكون في أسمائه لقب و وجب أن يكون
جميعها مفيدا للمعاني كما تفيد الصفات فأما التسمية له تعالى بالله فإنه يفيد من
المعنى وله العباد إليه و تعلق نفوسهم به و رغبتهم عند الشدائد في إزالة المكروه
إليه. و قد روي عن الصادق ع في هذا المعنى مثل ما ذكرناه في الحقيقة و إن خالفه في
بعض اللفظ. كنزالفوائد ج : 1 ص : 72
فروي عنه أنه قال الإله يقتضي والها و الواله لا بد له من مألوه و الاسم غير المسمى
و الأصل في قولنا الله إله ثم دخلت الألف و اللام للتعريف فصار الإله فأسقطت الهمزة
الثانية تخفيفا و جعلت اللامان لاما واحدة مشددة فقيل الله. فأما التسمية له
بالرحمن الرحيم فهو أن الرحمن مشتق من فعل الرحمة على سبيل المبالغة في الوصف
لوقوعها في الفعل على حد لا يصح وقوعها عليه من أحد من الخلق.
و قد روي عن الباقر ع صحة ذلك فقال الرحمن لسائر الخلق الرحيم بالمؤمنين
فكان أحد الاسمين مشتق من عموم الرحمة و هو الرحمن و الآخر من خصوصها و هو الرحيم.
فأما تسميته باللطيف فيفيد اجتماع الحكمة و الرحمة و نفوذ مراده إذا شاء وقوعه على
الحتم بلطائفه التي يلطف بها لخلقه على العلم بمصالحهم. و هذا معروف في اللسان تقول
العرب فلان لطيف في أمره و فلان لطيف في صنعته إذا أرادوا وصفه بالحكمة في تدبيره.
و أما الخبير فيفيد علمه بالأشياء على حقائقها و تبينه لها على أوصافها و أما
الكريم فهو مشتق من فعل الكرم و هو التفضل بالنعم و الصفح عن الذنوب و التطول
بالمنن. كنزالفوائد ج : 1 ص : 73و أما الجواد فهو مشتق من الجود و هو التفضل كما
ذكرناه في معنى الكرم غير أن لفظه أبلغ في الوصف في معنى الكرم من لفظ كريم. و أما
الغني فيفيد القدرة على ما يريد من غير معين عليه و ليس تستحق هذه السمة مع الله عز
و جل على الحقيقة غيره و من وصف بها من المخلوقين فعلى سبيل الاتساع. و أما السخي
فمعناه عند من حقق إطلاقه على الله سبحانه بذل النعم و التفضل بها. و قد أبت جماعة
من أهل التوحيد إطلاق السخاء على الله تعالى لأنه لم ينقطع عذري بكتاب منزل و لا
سنة متواترة و لا إجماع و لا أثر مستفيض جاء عن الصادقين ع في تسمية الله تعالى
بالسخاء و ليس له معنى تدل عليه العقول. و قد ذكر بعض أهل التوحيد العارفين باللغة
أنه مأخوذ من السخاوة و هي الأرض الرخوة. و قد ثبت أن الأسماء لا تؤخذ إلا سماعا
فلهذا وقفت و لم أقدم. و أما قولنا رب مأخوذ من التربية ثم نقل إلى الملك. و قولنا
مالك مشتق من الملك. و جميع ما سوى هذا مما سمى الله تعالى به نفسه فصفات مفيدة
لمعان يفهم ذلك من تأمله
فصل في تمييز صفات الله تعالى
اعلم أن جميع ما يوصف به على حقيقة و المراد به معنى الوصف. و قسم يوصف به مجازا و
اتساعا و المراد به غير حقيقة ذلك الوصف. و صفات الحقائق تنقسم أيضا قسمين.
كنزالفوائد ج : 1 ص : 74فقسم صفات ذاتية و هي التي لم يزل عليها و لا يزول عن
استحقاقها. و قسم صفات أفعال و هي التي تجددت عند فعله الأفعال و لا يصح أن يقال
إنه عليها فيما لم يزل
بيان صفات الذات و الدليل عليها
و هي قولنا حي باق و قادر و عالم و كذلك موجود و قديم فهذه الصفات استحقها لنفسه لا
لمعنى آخر و الدليل على ذلك أنه لو كان حيا بحياة و باقيا ببقاء و قادرا بقدرة و
عالما بعلم كان حياته و بقاؤه و قدرته و علمه لا يخلو عن حالين إما أن تكون معاني
قديمة معه و إما أن تكون حادثة فلو كانت قديمة لشاركته في أخص صفاته و ماثلته فيبطل
التوحيد و قد تقدمت الأدلة على صحته. و أيضا فلو ماثلت الصفة الموصوف لم تكن صفة له
بأولى من أن يكون هو صفة لها. و إن كانت هذه المعاني الموصوف بها أعني الحياة و
البقاء و القدرة و العلم حادثة وجب أن يكون قبل حدوثها غير مستحق للوصف بها. و قد
ثبت الأدلة على أنه سبحانه لم يزل حيا باقيا قادرا عالما. و لو كانت أيضا حادثة لم
يكن لها غناء عن محدث أحدثها. و لا يصح أن يكون محدثا غيره تعالى لأنه الفاعل الأول
و القديم الذي لم يزل فكيف يفعل الحياة لنفسه من ليس بحي أو يحدث القدرة من ليس
بقادر. و العاقل يعلم أن هذا مستحيل باطل. كنزالفوائد ج : 1 ص : 75فعلم أنه حي و
باق و قادر و عالم لنفسه لا لمعان غيره. و ربما أطلق اللفظ اتساعا بأن له قدرة و
علما قال الله سبحانه كذا و المعنى أنزله و هو عالم به و يقول المتكلمون قدرة الله
عظيمة و المعنى التعظيم لمقدوره و أنه لا يعجزه شيء أراده. فأما عند التحقيق فهو
قادر عالم لنفسه.
و قد روي عن أمير المؤمنين ع أنه قال في كلام له وجد الله تعالى و ليس بينه و بين
معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه
و هذا القول عنه ع إنه تعالى عالم لنفسه و ذاته و إنه لا علم في الحقيقة له تعالى
الله الذي ليس كمثله شيء. و قد ذهب المجبرة إلى أن الله تعالى موصوف بصفات قديمة
معه و أنها ليست غيره و لا بعضها غير بعض. و هذا خروج عما يعقل و يفهم لأن العقول
شاهدة بأن الأشياء التي يقع عليها العدد و يشملها الوجود و يختص كل منها بدليل لا
تكون إلا غيارا بعضها سوى بعض. و قد قال لهم أهل العدل. إذا كانت لله تعالى صفات
قديمة و ليست غيره بقولها إنها أو هي هو فإن العقل يقضي بأنه لا بد لكم في إثباتكم
من أحد هذه الثلاثة الأقسام. قالت المجبرة كل واحد من هذه الثلاثة الأقسام قد ثبت
الدليل على بطلانه فلا سبيل إلى قوله. و لكنا نقول ليست الصفات عين الموصوف و لا
غيره و لا بعضه. كنزالفوائد ج : 1 ص : 76فقال لهم أهل العدل و قد هربتم من أن
تقولوا بأحد هذه الأقسام لبطلانه و صرتم إلى ادعاء ما لا تتصور العقول صحته بل يشهد
بفساده و بطلانه فأخبرونا ما الفرق بينكم في قولكم إن صفاته لا هي هو و لا غيره و
لا بعضه. قالت المجبرة هذا القول مناقضة. قالت العدلية و قولكم في التناقض مثله و
أي شيء أردتموه في إبطال ما عارضناكم به فقولكم يبطل بمثله. و قد قالت المجبرة أيضا
في نصرة مذهبها إنا لم نر عالما إلا و له علم و لا قادرا إلا و له قدرة فلما كان
الله عالما قادرا وجب أن يكون له علم و قدرة. قال لها أهل العدل إنكم إنما عولتم في
ذلك على الشاهد فقولوا إن علم الله تعالى غيره و كذلك قدرته غيره لأنكم لم تروا في
الشاهد عالما و قادرا إلا و هذا حكمه و قولوا أيضا إن علم الله تعالى محدث و كذلك
قدرته و جميع صفاته لأنكم لم تروا ذات صفات إلا و صفاته محدثة فاحتالوا في الخلاص
مما لزمكم على سنن قياسكم
بيان صفات الأفعال
اعلم أن صفة الفعل هي كل صفة داخلة في باب المضاف و معنى ذلك أن يكون يقتضي وجود
غير الموصوف كقولنا إله و رب و مالك و فاعل و جواد و رزاق و راحم و متكلم و صادق و
نحو ذلك. لأنا قد بينا أن الإله واله و الواله لا يكون إلا موجودا و الرب يقتضي
مربوبا و كذلك مالك يقتضي وجود المملوك لأنه لا يقال قد ملك المعدوم و فاعل صفة لا
شبهة في أنها لا تصح إلا إذا وجد المفعول نعوذ بالله من القول كنزالفوائد ج : 1 ص :
77بأن القديم لم يزل فاعلا لأن ذلك يقتضي أنه لم يتقدم أفعاله فيصير الفاعل قديما و
جميع صفات الأفعال جارية هذا المجرى لمن تأملها. أ لا ترى لو قلنا إنه جواد فيما لم
يزل اقتضى ذلك فعله للجود فيما لم يزل و وجود من يجود عليه أيضا فيما لم يزل. و
كذلك قولنا متكلم يقتضي وجود كلام إذا تكلم فكلام الله تعالى أحد أفعاله كما أن
رزقه أحد أفعاله و هو موجود قبل كلامه. فأما صادق فلا يصح إلا بعد صحة التكلم و
الجميع صفات أفعال على ما تبين
فصل في فروق صفة الذات و صفة الفعل
الفروق بينهما كثيرة فمنها أن تنظر الصفة التي تصف الله تعالى بها فإن كانت داخلة
في باب المضاف فهي نفسية كقولنا موجود و قديم و باق و حي. و كذلك إن كانت تقتضي
إضافته إلى أمر غير موجود كقولنا قادر فالقادر لا يكون إلا على مقدور و لكن المقدور
غير موجود. و يجري مجرى ذلك قولك عالم لأنه لا يكون عالما إلا بمعلوم و قد يصح أن
يكون المعلوم معدوما غير موجود. فأما ما سوى ذلك من الصفات الداخلة في باب المضاف
المقتضية إثبات غير الموصوف مما يكون موجودا غير معدوم فكلها صفات أفعال. فرق آخر و
منها أن كل صفة تصف الله تعالى بها و لا يجوز أن يدخلها التخصيص فتثبتها له في حال
و تنفيها منه في أخرى فهي صفة نفسية كقولك موجود و حي و قادر و عالم فإنه لا يجوز
أن ينتفي عنه و لا يتخصص شيء من ذلك. و كل صفة تصفه بها و يجوز التخصيص فيها
فتثبتها في حال و تنفيها عنه كنزالفوائد ج : 1 ص : 78في غيرها فهي صفة فعل كقولك
فاعل و راحم و رازق و متكلم فإنك تقول إنه سبحانه يفعل الخير و لا يفعل الشر و يرحم
المؤمن و لا يرحم الكافر و يرزق زيدا و لا يرزق عمرا و كلم الله موسى و لم يكلم
فرعون فيكون فيها صفات أفعال صح فيها التخصيص و هذا واضح. فرق آخر و هو أن كل ما
استحال أن يوصف بالقدرة عليه و على ضده فهو من صفات ذاته أ لا ترى أنه يستحيل قولك
يقدر أن يحيا و يقدر على الإحياء و يقدر على أن لا يقدر و يقدر على أن يعلم و يقدر
على أن لا يعلم فهذه صفات ذاته فأما إن كان ما يوصف به يصح أن يوصف بالقدرة عليه و
على ضده فهو من صفات الأفعال. أ لا ترى أنك تقول يقدر أن يفعل و يقدر أن لا يفعل و
يقدر أن يرحم و يرزق و يقدر أن لا يرحم و لا يرزق و يقدر أن يتكلم و يقدر أن لا
يتكلم فهذه كلها صفات أفعال فافهم ذلك
بيان صفات المجاز
فأما الذي يوصف الله تعالى به و مرادنا به غير حقيقة الوصف في نفسه فهو كثير فمنه
مريد و كاره و غضبان و راض و محب و مبغض و سميع و بصير و راء و مدرك فهذه صفات لا
تدل على وجوب صفة يتصف بها و إنما نحن متبعون للسمع الوارد بها و لم يرد السمع إلا
على مجاز اللغة و اتساعاتها و المراد بكل صفة منها غير حقيقتها. القول في المريد
اعلم أن المريد في الحقيقة و المعقولة هو القاصد إلى أحد الضدين اللذين خطرا بباله
الموجب له بقصده و إيثاره دون غيره. كنزالفوائد ج : 1 ص : 79و هذا من صفات
المخلوقين التي تستحيل أن يوصف في الحقيقة بها رب العالمين إذ كان سبحانه لا يعترضه
الخواطر و لا يفتقر إلى أدنى روية و فكر إذ كان هذا على ما بيناه فإنما معنى قولنا
إن الله تعالى مريد لأفعاله أنها وقفت و هو عالم بها غير شاغلة و لا هو موجودا
لمسبب وجب من غيره مريدا له فصح إذا أردنا أن نخبر بأن الله تعالى يفعل لا من سهو و
لا غفلة و لا بإيجاب من غيره أن تقول هو مريد لفعله و يكون هذا الوصف استعارة لأن
حقيقته كما ذكرناه لا يكون إلا في المحدث. دليل و الذي يدل على صحة قولنا في وصف
الله تعالى بالإرادة أنه سبحانه لو كان مريدا في الحقيقة لم يخل الأمر من حالين إما
أن يكون مريدا لنفسه لوجب أن يكون مريدا للحسن و القبح كما أنه لو كان عالما لنفسه
كان عالما بالحسن و القبح و إرادة القبح لا تجوز على الله سبحانه. و الكلام في هذا
يأتي محررا على المجبرة في خلق الأفعال. فإذا ثبت أن الله عز و جل لا يجوز أن يريد
المقبحات علم أنه غير مريد لنفسه و إن كان مريدا بإرادة لم تخل الإرادة من حالين
إما أن تكون قديمة أو حادثة و يستحيل أن تكون قديمة بما بيناه من أنه لا قديم سواه
عز و جل. و الكلام على المجبرة في هذا داخل في باب نفي الصفات التي ادعت المجبرة
أنها قديمة مع الله تعالى. و أيضا فلو كان الله سبحانه مريدا فيما لم يزل إما لنفسه
و إما بإرادة قديمة معه لوجب أن يكون مراده فيما لم يزل لأنه لا مانع له مما أراده
و لا حائل بينه و بينه و لكان ما يوجده من الأفعال لا تختلف أوقاته و لا يتأخر بعضه
عن بعض لأن الإرادة حاصلة موجدة في كل وقت و هذا كله موضح أنه عز و جل ليس بمريد
فيما لم يزل لا لنفسه و لا لإرادة قديمة معه. كنزالفوائد ج : 1 ص : 80و إذا بطل هذا
لم يبق إلا أن يكون مريدا بعد أن لم يكن مريدا بإرادة محدثة و هذا أيضا يستحيل لأن
الإرادة لا تكون إلا عرضا و العرض يفتقر إلى محل و الله تعالى غير محل للأعراض و لا
يجوز أن تكون إرادته حالة في غيره كما لا يجوز أن يكون عالما بعلم يحل في غيره و
قادرا بقدرة تحل في غيره. و لا يجوز أيضا أن تكون لا فيه و لا في غيره لأنه عرض و
العرض يفتقر إلى محل يحملها و يصح بوجوده وجودها. و لو جاز أن توجد إرادة لا في
مريد بها و لا في غيره لجاز أن توجد حركة لا في متحرك بها و لا في غيره. فإن قيل إن
الحركة هيئة للجسم و ليس يجوز أن تكون هيئة غير حالة فيه. قلنا و لم لا يجوز ذلك.
فإن قيل لأن تغيير هيئة الجسم مدرك بالحاسة فوجب أن يكون المعنى الذي يتغير به حالا
فيه. قلنا و كذلك المريد للشيء بعد أن لم يكن مريدا له قد يتغير عليه حس نفسه فوجب
أن تكون إرادته تحله. فإن قيل أي شيء من الحواس تحس الإرادة. قلنا و بأي شيء يحس
الصداع. فإن قيل إن الإنسان يدرك ألم الصداع في موضعه ضرورة. قلنا فلم نركم أشرتم
إلى حاسة بعينها أدركه بها. و لنا أن نقول و كذلك المريد في الحقيقة يعلم بتغير حسه
و يدرك ذلك من نفسه ضرورة