>
قصص الأنبياءللجزائري ص : 1
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرسل أنبياءه حجة على العالمين و عقبهم
بالأوصياء تكميلا للدين المبين و اصطفى منهم
خمسة و هم أولو العزم و فضلهم على أنبيائه المرسلين و اختار من بينهم محمدا ص و
جعله نبيا و آدم بين الماء و الطين ثم فضل
أوصياءه ص و صيرهم حجة على أهل السماوات و الأرضين و فضل من بينهم ابن عمه و أخاه و
باب مدينة علمه على الخلق أجمعين و
خصه باسم حرم على غيره بأن يسمى به و هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه و على
أولاده المعصومين من يومنا هذا إلى يوم الدين.
و بعد فيقول المذنب الجاني قليل البضاعة و كثير الإضاعة نعمة الله الموسوي الجزائري
وفقه الله تعالى لمراضيه و جعل مستقبل
أحواله خيرا من ماضيه إنه لما وفقنا الله سبحانه لتأليف كتابنا الموسوم برياض
الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار سلام الله عليهم
آناء الليل و أطراف النهار و استقصينا فيه ما بلغنا من أحوال النبي ص و أحوال
الأئمة ع من مواليدهم و معجزاتهم و غزواتهم و
مناقبهم على التمام فجاءت عدته ثلاث مجلدات حسان فيهن من أسرارهم ع ما لم يطمثهن
أنس قبلهم و لا جان ثم إن جماعة من علماء
الإخوان التمسوا منا أن نكتب كتابا في تفصيل أحوال الأنبياء و ما جرى عليهم في سالف
الزمان ليكون متمما لكتابنا المذكور و تتلى
أحاديثه في البكور و العصور و سميناه النور المبين في قصص الأنبياء و المرسلين و
رتبناه على مقدمة و أبواب و فصول و خاتمة
قصص الأنبياءللجزائري ص : 3
المقدمة في بيان ما يشترك فيه الأنبياء ع و في عددهم و بيان أولي العزم منهم و
الفرق بين النبي و الإمام و جملة من
أحوالهم
اعلم أن وهب بن منبه صنف كتابا مبسوطا في قصص الأنبياء و لا نعتمد ما أورده فيه
لأنه من طريق الجمهور و تواريخهم فيصلح
شاهدا لا حجة على المطلوب و أما الفاضل الراوندي قدس الله ضريحه فهو من علمائنا و
كتب أيضا كتابا أوضح فيه عن قصص الأنبياء
ع و روى ما أودع فيه من أخبارنا عن الأئمة ع إلا أنه قد شذ عنه أكثر ما ضمنه كتابه
فجاءت القصص ناقصة تحتاج إلى التتميم و أما
شيخنا المعاصر قدس الله سره فقد ألف كتاب بحار الأنوار و جعل الكتاب الخامس في
أحوال الأنبياء ع و سماه كتاب النبوة فهو و
إن أحاط بجميع قصصهم ع و تفصيل أحوالهم من أخبارنا و رواياتنا إلا أنه بلغ الغاية
في التطويل و التفصيل لأنه ذكر الآيات أولا
تفسيرها ثانيا و كل ما ورد من طريق العامة و الخاصة في بيان أحوالهم ع فأحببت أن
أنسج كتابي هذا على منوال عجيب و طرز غريب
بأن أذكر كل ما ورد من طرق الخاصة و بعض ما أحتاج إليه من روايات الجمهور إن وقع
الاحتياج إليه على طريق الاختصار فيكون
كتابا صغير الحجم غزير العلم تهش إليه الألباب و تستلذه الطلاب قال الله تعالى وَ
إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ
كِتاب وَ حِكْمَة ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي
قالُوا أَقْرَرْنا
قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ
روى الثقة علي بن إبراهيم في الصحيح عن أبي عبد الله ع قال ما بعث الله نبيا من لدن
آدم فهلم جرا إلا و يرجع إلى الدنيا و ينصر
أمير المؤمنين ع و هو قوله تعالى لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ يعني برسول الله ص و لتنصرن
أمير المؤمنين ع ثم قال لهم في الذر أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ
عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي عهدي قالُوا أَقْرَرْنا قال الله فَاشْهَدُوا وَ أَنَا
مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ
قصص الأنبياءللجزائري ص : 4
أقول جاءت الأخبار مستفيضة في أن القائم ع إذا خرج و قام له الملك يخرج في زمانه
النبي ص و أمير المؤمنين ع و هو صاحب
العصا و الميسم يسم المؤمن في جبهته فينتقش بها هذا مؤمن و يسم الكافر فينتقش في
جبهته هذا كافر و تخرج الأئمة ص و الأنبياء
ص لينصروا أمير المؤمنين ع و المهدي ص سيما الأنبياء الذين أوذوا في الله كزكريا و
يحيى و حزقيل و من قتل منهم و من جرح فإن
الأخبار جاءت مستفيضة برجوعهم إلى الدنيا ليقتصوا ممن آذاهم و قتلهم من الأمم و
ليأخذوا بثأر الحسين ع
و عن جميل عن أبي عبد الله ع قال قلت قول الله عز و جل إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
قال ذاك و الله في الرجعة أ ما علمت أن أنبياء الله كثير لم ينصروا في الدنيا و
الأئمة من بعدهم قتلوا و لم ينصروا في الدنيا و ذلك
في الرجعة و الأشهاد الأئمة ع
يقول مؤلف الكتاب أيده الله تعالى المراد من الرسل في الآية الأنبياء ففي هذا
الحديث و ما قبله و ما روي بمعناهما دلالة على أن
الأنبياء ع كلهم يرجعون إلى الدنيا و في القيامة الصغرى و ينصرهم الله تعالى بالقوة
و الملائكة على أعدائهم و أعداء آل محمد ع
و يحيي الله سبحانه أممهم الذين آذوهم كما يخرج بني أمية و من رضي بفعالهم من
ذراريهم و غيرها و كذلك يحيي من أخلص الإيمان
من الأمم ليفوزوا بثواب النصر و الجهاد و يتنعموا في دولة آل محمد ص كما قال سبحانه
وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً و قال
الصدوق طيب الله ثراه اعتقادنا في عدد الأنبياء ع أنهم مائة ألف نبي و أربعة و
عشرون ألف نبي و مائة ألف وصي و أربعة و عشرون
ألف وصي و أن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحى و هم أصحاب الشرائع و من
أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من
تقدمه و هم خمسة نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد و هم أولو العزم ص. أقول ما
قال في عددهم ع هو الذي دلت عليه
واضحات الأخبار و قاله علماؤنا رضوان الله عليهم و ما دل على خلافه يكون محمولا على
طريق التأويل مثل ما روي في قوله ص
بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل
بأن يراد أعاظم الأنبياء ع و أما المرسلون ففيه ص أنهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر
و قيل له يا رسول الله كم أنزل من كتاب قال مائة صحيفة و أربعة كتب أنزل الله على
شيث ع خمسين صحيفة و على إدريس ثلاثين
صحيفة و على إبراهيم عشرين صحيفة و أنزل التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان
و في كتاب الإختصاص للمفيد طاب ثراه بإسناده إلى صفوان الجمال عن أبي عبد الله ع
قال قال لي يا صفوان هل تدري كم بعث الله
من نبي قال قلت ما أدري قال بعث الله مائة ألف نبي و أربعة
قصص الأنبياءللجزائري ص : 5
و أربعين ألف نبي و مثلهم أوصياء
و عنه ع قال أبو ذر يا رسول الله كم بعث الله من نبي فقال ثلاثمائة ألف نبي و عشرين
ألف نبي و المرسلون منهم ثلاثمائة و بضعة
عشر و الكتب المنزلة مائة صحيفة و أربعة كتب أنزل منها على إدريس خمسين صحيفة
أقول وجه الجمع بين هذين الخبرين و ما تقدم يكون أما بحمل الزائد من عدد الأنبياء
على ما كان قبل آدم ع فإن الأرض لا تخلو من
حجة ما دام التكليف أو بأن يقال إن مفهوم العدد ليس بحجة
و عن أبي الحسن موسى ع قال إن الأنبياء و أتباع الأنبياء خصوا بثلاث خصال السقم في
الأبدان و خوف السلطان و الفقر
أقول يجوز أن يراد من أولاد الأنبياء المعصومون منهم المنزهون عن الذنوب و يجوز أن
يراد الأعم فتكون ذرية الرسول ص من
العلويين كلهم داخلين في الأمور الثلاثة و أما الأتباع فهم العلماء و الصلحاء و
الفقراء و المتقون
و في كتاب الإقبال لابن طاوس قدس الله ضريحه بإسناده إلى الثمالي قال سمعت علي بن
الحسين ع يقول من أحب أن يصافحه مائة
ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي فليزر الحسين ع ليلة النصف من شعبان فإن أرواح
النبيين يستأذنون الله في زيارته فيأذن لهم
فطوبى لمن صافحهم و صافحوه منهم خمسة أولو العزم من المرسلين نوح و إبراهيم و موسى
و عيسى و محمد صلى الله عليه و
عليهم أجمعين قلت و لم سموا أولي العزم قال لأنهم بعثوا إلى شرقها و غربها و جنها و
إنسها
أقول هذه المصافحة يجوز أن تكون في الدنيا لزائريه و إن لم يشعروا بها أو ببعضها
فإن الملائكة تتصور بصور الرجال يأتون إلى
زيارته و يصافحون زواره و يجوز أن تكون يوم القيامة في الجنة أو قبل دخولها و قوله
فليزر الحسين ع الظاهر أن المراد زيارته من
قرب و إرادة البعد محتملة أيضا و ما دل عليه من أن أولي العزم هذه الخمسة ص روي في
الأخبار المستفيضة و رواه الجمهور عن ابن
عباس و قتادة و ذهب بعضهم إلى أنهم ستة نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و
أيوب و قيل هم الذين أمروا بالقتال و
الجهاد و أظهروا المكاشفة و جاهدوا في الدين و قيل هم أربعة إبراهيم و نوح و هود و
محمد ص و لا عبرة بهذه الأقوال كلها لأنها
خلاف إجماعنا و أصحابنا و ما تضمنه و من وجه التسمية و أن رسالتهم عامة هي إحدى
الروايات و في تفسير الثقة علي بن إبراهيم
أنهم سموا أولي العزم لأنهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار بالله و أقروا بكل نبي كان
قبلهم و بعدهم و عزموا على الصبر مع التكذيب
و الأذى
و في عيون الأخبار عن الرضا ع قال إنما سمي أولو العزم لأنهم كانوا أصحاب العزائم و
الشرائع و ذلك أن كل نبي كان بعد نوح ع
كان على شريعته و منهاجه و تابعا لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل ع
ثم ساق الكلام في الخمسة على مثال
قصص الأنبياءللجزائري ص : 6
واحد و فيه دلالة على أن الخمسة ع رسالتهم عامة و لا كلام في الثلاثة إنما الكلام
في عموم رسالة موسى و عيسى ع لأن في بعض
الأخبار نوع معارضة لها و أن رسالتهما كانت خاصة لا عامة و يمكن تأويل تلك الأخبار
و إبقاء ما دل على عموم رسالتهما على حاله
لاستفاضة الأخبار الدالة عليه
و في مشارق الأنوار عن علي بن عاصم الكوفي قال دخلت على أبي محمد العسكري ع فقال لي
يا علي انظر إلى ما تحت قدميك فإنك
على بساط قد جلس عليه كثير من النبيين و المرسلين و الأئمة الراشدين ثم قال ادن مني
فدنوت منه فمسح يده على وجهي فصرت
بصيرا قال فرأيت في البساط أقداما و صورا و قال هذا أثر قدم آدم ع و موضع جلوسه و
هذا أثر هابيل و هذا أثر نوح و هذا أثر قيدار
و هذا أثر مهلائيل و هذا أثر يارد و هذا أثر أخنوخ و هذا أثر إدريس و هذا أثر
متوشلخ و هذا أثر سام و هذا أثر فخشد و هذا أثر صالح و
هذا أثر لقمان و هذا أثر إبراهيم و هذا أثر لوط و هذا أثر إسماعيل و هذا أثر إلياس
و هذا أثر إسحاق و هذا أثر يعقوب و هذا أثر يوسف
و هذا أثر شعيب و هذا أثر موسى و هذا أثر يوشع بن نون و هذا أثر طالوت و هذا أثر
سليمان و هذا أثر الخضر و هذا أثر دانيال و هذا
أثر اليسع و هذا أثر ذي القرنين إسكندر و هذا أثر شابور بن أردشير و هذا أثر لؤي و
هذا أثر كلاب و هذا أثر قصي و هذا أثر عدنان و
هذا أثر عبد مناف و هذا أثر عبد المطلب و هذا أثر عبد الله و هذا أثر سيدنا محمد
رسول الله ص و هذا أثر أمير المؤمنين ع و هذا أثر
الأوصياء من بعده و المهدي ع لأنه قد وطئه و جلس عليه ثم قال انظر إلى الآثار و
اعلم أنها آثار دين الله و أن الشاك فيهم كالشاك
في الله ثم قال أخفض طرفك يا علي فرجعت محجوبا كما كنت
أقول ما اشتمل عليه من ذكر شابور و ما بعده يدل على أنهم كانوا مسلمين وقتا ما و
ذلك لأن شابور من أجداد علي بن الحسين ع كما
أن لؤي و ما بعده من أجداد النبي ص
و روى الشيخ في الأمالي بإسناده إلى رجل جعفي قال كنا عند أبي عبد الله ع فقال
اللهم إني أسألك رزقا طيبا قال فقال أبو عبد الله
ع هيهات هيهات هذا قوت الأنبياء و لكن سل ربك رزقا لا يعذبك عليه يوم القيامة هيهات
إن الله يقول يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ
الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً و الطيبات الرزق الحلال
و في الكافي بإسناده إلى معمر بن خلاد قال نظر أبو جعفر ع إلى رجل و هو يقول اللهم
إني أسألك عن رزقك الحلال فقال أبو جعفر ع
سألت قوت النبيين قل اللهم إني أسألك رزقا واسعا طيبا من رزقك
قصص الأنبياءللجزائري ص : 7
أقول المراد من الرزق الحلال في الحديثين ما يكون حلالا في الواقع و نفس الأمر و هو
رزق الأنبياء و أوصيائهم و أما رزق المؤمنين
فهو الحلال في ظاهر الشريعة و ربما كان فيه شبهات
و في الكافي عن زرارة قال سألت أبا جعفر ع عن قول الله تعالى وَ كانَ رَسُولًا
نَبِيًّا ما الرسول و ما النبي قال النبي الذي يرى في
منامه و يسمع الصوت و لا يعاين الملك و الرسول الذي يرى في المنام و يسمع الصوت و
يعاين الملك قلت الإمام ما منزلته قال
يسمع الصوت و لا يرى و لا يعاين الملك ثم تلا هذه الآية و ما أرسلنا من قبلك من
رسول و لا نبي و لا محدث
و عن الرضا ع الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه و يسمع كلماته و ينزل عليه الوحي
و ربما يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ع و
النبي ربما يسمع الكلام و ربما رأى الشخص و لم يسمع الإمام هو الذي يسمع الكلام و
لا يرى الشخص
و في الصحيح عن الأحوال قال سمعت زرارة يسأل أبا جعفر ع قال أخبرني عن الرسول و
النبي و المحدث فقال الرسول الذي يأتيه
جبرئيل قبلا فيراه و يكلمه و أما النبي فهو يرى في منامه على نحو ما رأى إبراهيم ع
و نحو ما كان رسول الله ص عليه من أسباب
النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة و كان محمد ص حين جمع له
النبوة و جاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها
جبرئيل ع و يكلمه بها قبلا و من الأنبياء من جمع له النبوة و يرى في منامه يأتيه
الروح فيكلمه من غير أن يكون رآه في اليقظة و أما
المحدث فهو الذي يحدث فيسمع و لا يعاين و لا يرى في منامه
أقول اختلف علماء الإسلام في الفرق بين النبي و الرسول فقيل بالترادف و قيل بالفرق
بأن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب
المنزل عليه و النبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب و إنما يدعو إلى كتاب من
قبله. و منهم من قال إن من كان صاحب المعجزة و
صاحب الكتاب و نسخ شرع من قبله فهو الرسول و من لم يكن مستجمعا لهذه الخلة فهو
النبي غير الرسول. و منهم من قال من جاءه
الملك ظاهرا و أمره بدعوة الخلق فهو الرسول و من لم يكن كذلك بل يرى في النوم فهو
النبي ذكر هذه الوجوه الفخر الرازي و غيره
و الظاهر من حديثنا صحة القول الأخير لما مر من عدد المرسلين و كون من نسخ شرعة ليس
إلا خمسة
و في كتاب البصائر عن الباقرين ع و المرسلون على أربع طبقات فنبي تنبأ في نفسه لا
يعدو غيرها و نبي يرى في النوم و يسمع
الصوت و لا يعاين في اليقظة و لم يبعث إلى أحد و عليه إمام مثل ما كان إبراهيم على
لوط و نبي يرى في منامه و يسمع الصوت و
يعاين الملك و قد أرسل إلى طائفة قلوا أو كثروا كما قال الله تعالى وَ أَرْسَلْناهُ
إِلى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ
قصص الأنبياءللجزائري ص : 8
و قال يزيدون ثلاثين ألفا و نبي يرى في منامه و يسمع الصوت و يعاين في اليقظة و هو
إمام مثل أولي العزم و قد كان إبراهيم ع
نبيا و ليس بإمام حتى قال إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ
ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ أي من عبد صنما أو وثنا
أقول يعني الإمامة الرئاسة العامة لجميع المخلوقات فهي أفضل من النبوة و أشرف منها
الإختصاص للمفيد عن عمر بن أبان عن بعضهم قال كان خمسة من الأنبياء سريانيين آدم و
شيث و إدريس و نوح و إبراهيم و كان
لسان آدم العربية و هو لسان أهل الجنة فلما عصى ربه أبدله السريانية قال و كان خمسة
عبرانيين إسحاق و يعقوب و موسى و داود
و عيسى و خمسة من العرب هود و صالح و شعيب و إسماعيل و محمد ص و ملك الدنيا مؤمنان
و كافران فالمؤمنان ذو القرنين و
سليمان ع و أما الكافران فنمرود بن كوش بن كنعان و بخت نصر
أقول نصر بوزن بقم اسم صنم و بخت يعني أولد لأنه وجد مطروحا عنده فكأنه ابنه
و روى الصدوق طاب ثراه في إكمال الدين حديثا طويلا يسنده إلى الباقر ع و فيه أن آدم
ع لما استكملت أيام نبوته أوحى الله
سبحانه إليه بجعل العلم و ميراث النبوة في ابنه هبة الله و بشر آدم بنوح و كان
بينهما عشرة آباء كلهم أنبياء فلما مضت أيام نبوة
نوح ع دفع ميراث العلم و النبوة إلى ابنه سام و ليس بعد سام إلا هود فكان بين نوح و
هود من الأنبياء مستخفين و غير مستخفين و
من بعد هود انتهت النبوة إلى إبراهيم و كان بين هود و إبراهيم من الأنبياء عشرة و
ذكر كلاما طويلا ثم قال فأرسل الله موسى و
هارون إلى فرعون و هامان و قارون و كان يقتل في اليوم نبيين و ثلاثة و أربعة حتى
أنه كان يقتل في اليوم الواحد سبعون نبيا و
يقوم سوق بقلهم آخر النهار ثم ذكر أن موسى ع أرسل إلى أهل مصر خاصة و أن عيسى أرسل
إلى بني إسرائيل خاصة و أرسل الله
محمدا ص إلى الإنس و الجن عامة
و هذا الحديث يعارض ما تقدم من عموم رسالة موسى و عيسى ع و يجري فيه من التأويل أنه
من قبيل ما يقال إن رسول الله ص
أرسل إلى العرب أو يقال إنه أرسل إلى مكة لضرب من المجاز و العلاقة ظاهرة
و في الكافي يسنده إلى البرقي يرفعه إلى أبي عبد الله ع قال إن الله جعل الاسم
الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا فأعطى آدم منها
خمسة و عشرين حرفا و أعطى نوحا منها خمسة و عشرين و أعطى إبراهيم منها ثمانية أحرف
و أعطى منها موسى أربعة أحرف و أعطى
منها عيسى حرفين و كان يحيي بها الموتى و يبرئ الأكمه و الأبرص و أعطى محمدا ص
قصص الأنبياءللجزائري ص : 9
اثنين و سبعين حرفا و احتجب حرفا لئلا يعلم ما في نفسه و يعلم ما في نفس العباد
و عنه ع كان مع عيسى ابن مريم حرفان يعمل بهما و كان مع موسى ع أربعة أحرف و كان مع
إبراهيم ع ستة أحرف و كان مع آدم ع
خمسة و عشرون حرفا و كان مع نوح ثمانية و جمع ذلك كله لرسول الله ص إن اسم الله
ثلاثة و سبعون حرفا و حجب عنه واحد
أقول إن الله سبحانه حجب الاسم الأعظم عن عباده غير الأنبياء و أوصيائهم. قال
المحققون لعل الوجه فيه أنه لو عرفهم إياه
لأقبلوا على الدعاء به و أعرضوا عما سواه من الأسماء الحسنى على أن أكثرهم لا
تحتمله عقولهم و لو عرفوه لأفسدوا على أنفسهم
ضياع دينهم و على غيرهم ضياع دنياهم كما وقع لبلعم بن باعوراء حتى سلخه الله تعالى
علمه و كذلك حجبت ليلة القدر في ثلاث
ليال ليحافظ على العبادة فيها كلها و كذلك حجب ولي الله في جملة الناس لأنه لو عرف
بعينه لربما أقبل الناس على توقيره و احترامه
وحده و ولعوا بالإضرار بغيره و ربما أوقع الضرر به فيعظم الذنب و مع أنه سبحانه
حجبه عن الخلق ورد في الأخبار تارة أنه أقرب
إلى بسم الله الرحمن الرحيم من سواد العين إلى بياضها و قيل إنه في سورة التوحيد. و
قيل إنه لفظة الله لا غير و في الأخبار غير
هذا أيضا و أما آدم ع فقد أعطي من الاسم الأعظم أزيد من إبراهيم ع و كذلك أعطي نوح
ع فلا يلزم منه فضلهما شرفهما على إبراهيم
ع لأن الأفضلية لا يلزم أن تكون بكل فرد فرد و شخص شخص من أنواع التكامل في التفاضل
بين أولي العزم الأربعة و الذي يظهر
من إشارات الأخبار أنه الخليل ع لأمور سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى في
مواضعها. و في بعض أنه كان مع إبراهيم ع من
الاسم الأعظم ستة أحرف و مع نوح ع ثمانية و مفهوم العدل ليس بحجة كما تقرر في
الأصول
و روى الثقة عن علي بن إبراهيم عن ياسر عن أبي الحسن ع قال ما بعث الله نبيا إلا
صاحب مرة سوداء صافية
أقول صاحب هذه المرة تقرر في عالم الطب أنه في غاية الحذق و الفطانة و الحفظ لكن
لما كان بجامعها الخيالات الفاسدة و الجبن و
الغضب وصفها بأنها هنا صافية أي خالية من هذه الأخلاق الرديئة
و عن أبي عبد الله ع إن الله عز و جل أحب لأنبيائه من الأعمال الحرث و الرعي لأن لا
يكرهوا شيئا من قطر السماء
و قال ع ما بعث الله نبيا قط حتى يسترعيه الغنم يعلمه بذلك رعية الناس
إكمال الدين بإسناده إلى الصادق عن النبي ص قال عاش آدم أبو البشر
قصص الأنبياءللجزائري ص : 10
تسعمائة و ثلاثين سنة و عاش نوح ألفي سنة و أربعمائة و عاش إبراهيم ع مائة سنة و
خمسا و سبعين و عاش إسماعيل بن إبراهيم
مائة و عشرين سنة و عاش إسحاق مائة و ثمانين سنة و عاش يعقوب ع مائة و عشرين سنة و
عاش يوسف ع مائة و عشرين سنة و عاش
موسى ع مائة و ستا و عشرين سنة و عاش هارون ع مائة و ثلاثا و ثلاثين سنة و عاش داود
ع مائة سنة منها أربعون سنة ملكه و عاش
سليمان بن داود ع سبعمائة و اثنتي عشرة سنة
و عنه ع قال إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالجوع حتى يموت جوعا و إن كان النبي
من الأنبياء ليبتلى بالعطش حتى يموت
عطشا و إن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالسقم و الأمراض حتى يتلفه و إن كان النبي
ليأتي قومه فيقوم فيهم يأمرهم بطاعة الله و
يدعوهم إلى توحيد الله و ما معه مبيت ليلة فما يتركونه يفرغ من كلامه و لا يستمعون
إليه حتى يقتلوه و إنما يبتلي الله تبارك و
تعالى عباده على قدر منازلهم عنده
و عن أبي الحسن ع من أخلاق الأنبياء التنظف و التطيب و حلق الشعر و كثرة الطروقة
و عن أمير المؤمنين ع العشاء بعد العتمة عشاء النبيين
و عن أبي الحسن الرضا ع ما من نبي إلا و قد دعي لأكل الشعير و بارك عليه و ما دخل
جوفا إلا أخرج كل داء فيه و هو قوت الأنبياء و
طعام الأبرار أبى الله تعالى أن يجعل قوت أنبيائه إلا شعيرا
و عن الصادق ع السويق طعام المرسلين و اللحم باللبن مرق الأنبياء و كان أحب الأصباغ
إلى رسول الله ص الخل و الزيت و هو
طعام الأنبياء و ما أفتقر أهل بيت يأتدمون بالخل و الزيت
و روى الصدوق طاب ثراه في كتاب علل الشرائع بإسناده إلى ابن السكيت قال قلت لأبي
الحسن الرضا ع لما ذا بعث الله موسى بن
عمران بيده البيضاء و العصا و آلة السحر و بعث عيسى بالطب و بعث محمدا بالكلام و
الخطب فقال ع إن الله تبارك و تعالى لما
بعث موسى كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله عز و جل بما لم يكن في
وسع القوم مثله و بما أبطل به سحرهم
فأثبت به الحجة عليهم و إن الله تبارك و تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات و
احتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند
الله عز و جل بما لم يكن عندهم مثله و بما أحيا لهم الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص
بإذن الله و أثبت به الحجة عليهم و إن الله
تبارك و تعالى بعث محمدا ص في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب و الكلام فأتاهم
من كتاب الله عز و جل و مواعظه و
أحكامه
قصص الأنبياءللجزائري ص : 11
ما أبطل به قولهم و أثبت الحجة عليهم فقال ابن السكيت تالله ما رأيت مثل اليوم قط
فما الحجة على الخلق اليوم فقال ع العقل
يعرف به الصادق على الله فيصدقه و الكاذب على الله فيكذبه فقال ابن السكيت هذا و
الله الجواب
خاتمة في بيان عصمة الأنبياء و تأويل ما يوهم خلافه
قال الصدوق قدس الله ضريحه اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الأئمة و الملائكة ص
أنهم معصومون مطهرون من كل دنس و أنهم لا
يذنبون ذنبا صغيرا و لا كبيرا و لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و من
نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد
جهلهم و اعتقادنا فيهم أنهم موصوفون بالكمال و التمام و العلم من أوائل أمورهم إلى
أواخرها لا يوصفون في شيء من أحوالهم
بنقص و لا جهل
روى قدس الله رمسه في كتاب الأمالي بإسناده إلى أبي الصلت الهروي قال لما جمع
المأمون لعلي بن موسى الرضا ع أهل المقالات
من أهل الإسلام و الديانات و اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين و سائر أهل
المقالات فلم يقم أحد إلا و قد ألزمه حجته كأنه
ألقم حجرا فقام إليه علي بن الجهم فقال يا ابن رسول الله أ تقول بعصمة الأنبياء قال
بلى قال فما تعمل في قول الله عز و جل وَ
عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى و قوله عز و جل وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ و قوله في يوسف وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ
هَمَّ
بِها و قوله في داود وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ و قوله في نبيه محمد وَ
تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النّاسَ وَ اللّهُ أَحَقُّ
أَنْ
تَخْشاهُ فقال مولانا الرضا ع ويحك يا علي اتق الله و لا تنسب إلى أنبياء الله
الفواحش و لا تأول كتاب الله برأيك فإن الله عز و جل
يقول وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و
أما قوله عز و جل وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فإن الله عز و جل خلق آدم حجة
في أرضه و خليفة في بلاده و لم يخلقه للجنة و كانت المعصية من آدم في الجنة لا في
الأرض لتتم مقادير أمر الله عز و جل فلما أهبط
إلى الأرض جعل حجة و خليفة عصم بقوله عز و جل إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً
وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ و أما قوله
عز و جل وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ إنما ظن أن الله عز و جل لا يضيق عليه
قصص الأنبياءللجزائري ص : 12
أ لا تسمع قول الله عز و جل وَ أَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ
رِزْقَهُ أي ضيق عليه و لو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر أما قوله عز
و جل في يوسف وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها فإنها همت بالمعصية و هم يوسف
بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله فصرف الله عنه قتلها و
الفاحشة و هو قوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ يعني الزنى و
أما داود فما يقولون من قبلكم فيه فقال علي بن الجهم
يقولون إن داود كان في محرابه يصلي إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من
الطيور فقطع صلاته و قام ليأخذ الطير
فخرج الطير إلى الدار فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير
في دار أوريا بن حنان فاطلع داود في أثر
الطير فإذا امرأة أوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها و كان أوريا قد أخرجه في بعض
غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا أمام
الحرب فقدم فظفر أوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب الثانية أن قدمه أمام
التابوت فقتل أوريا رحمه الله و تزوج داود
بامرأته قال فضرب الرضا ع بيده على جبهته و قال إنا لله و إنا إليه راجعون و لقد
نسبتم نبيا من الأنبياء إلى التهاون بصلاته حتى
خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل
فقال يا ابن رسول الله فما كانت خطيئته فقال ويحك إن داود إنما ظن أن الله لم يخلق
خلقا هو أعلم منه فبعث الله إليه الملكين
فتسورا المحراب فقالا خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فَاحْكُمْ بَيْنَنا
بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ
تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَ
عَزَّنِي فِي الْخِطابِ فعجل داود على المدعى عليه فقال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ
نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ و لم يسأل المدعي البينة على ذلك و لم يقبل على المدعى
عليه فيقول ما يقول فقال هذه خطيئة حكمه لا ما
ذهبتم إليه أ لا تسمع قول الله عز و جل يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي
الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ الآية فقلت يا ابن رسول
الله فما قصته مع أوريا فقال الرضا ع إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو
قتل لا تتزوج بعده أبدا و أول من أباح الله عز و
جل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود فذلك الذي على أوريا و أما محمد و قول الله
عز و جل وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَ
تَخْشَى النّاسَ وَ اللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فإن الله عز و جل عرف نبيه ص
أزواجه في دار الدنيا و أسماء أزواجه في الآخرة و إنهن أمهات
المؤمنين و أحد من سمى له زينب بنت جحش و هي يومئذ تحت زيد بن حارثة فأخفى ص اسمها
في نفسه و لم يبد له لكيلا يقول أحد
من المنافقين إنه قال في امرأة في بيت رجل إنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين و خشي
قول المنافقين قال الله عز و جل وَ اللّهُ أَحَقُّ
أَنْ تَخْشاهُ في نفسك و إن الله عز و جل
قصص الأنبياءللجزائري ص : 13
ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم ع و زينب من رسول الله ص و فاطمة
من علي ع قال فبكى علي بن الجهم و قال يا
ابن رسول الله أنا تائب إلى الله عز و جل و لن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا
إلا بما ذكرته
أقول قوله ع و كانت المعصية من آدم في الجنة ظاهره تجويز الخطيئة على آدم ع على بعض
الجهات إما لأن المعصية منه كانت في
الجنة و العصمة تكون في الدنيا أو لأنها كانت قبل البعثة و إنما تجب عصمتهم بعد
النبوة و كلاهما خلاف ما أجمع عليه علماؤنا و
دلت عليه أخبارنا. و من ثم قال شيخنا المحدث أبقاه الله تعالى يمكن أن يحمل كلامه ع
على أن المراد من المعصية ارتكاب المكروه
و يكونون بعد البعثة معصومين عن مثلها أيضا و يكون ذكر الجنة لبيان كون النهي
للتنزيه و الإرشاد لأن الجنة لم تكن دار تكليف
حتى يقع فيها النهي التحريمي و يحتمل أن يكون المراد الكلام على هذا النحو لنوع من
التقية مماشاة مع العامة لموافقة بعض
أقوالهم أو على سبيل التنزل و الاستظهار ردا على من جوز الذنب على الأنبياء ص و أما
ظن داود ع فيحتمل أن يكون ظن أنه أعلم
أهل زمانه و هذا و إن كان صادقا إلا أنه لما كان مصادفا لنوع من العجب نبه الله
تعالى بإرسال الملكين و أما تعجيله ع في حال
المرافعة فليس المراد أنه حكم بظلم المدعى عليه قبل البينة إذ المراد بقوله لَقَدْ
ظَلَمَكَ أنه لو كان كما تقول فقد ظلمك و كان
الأولى أن لا يقول ذلك أيضا إلا بعد وضوح الحكم
معاني الأخبار مسندا إلى رجل من أصحابنا عن أبي عبد الله ع قال سألته عن قول الله
عز و جل في قصة إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ قال ما فعله كبيرهم و لا كذب إبراهيم ع
لأنه قال فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ إن نطقوا
فكبيرهم فعل و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم فما نطقوا و ما كذب إبراهيم فقلت قوله
عز و جل في يوسف أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ
لَسارِقُونَ قال إنهم سرقوا يوسف من أبيه أ لا ترى أنه قال لهم حين قال ما ذا
تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ و لم يقل سرقتم
صواع الملك إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه فقلت قوله إِنِّي سَقِيمٌ قال ما كان
إبراهيم سقيما و ما كذب إنما كان سقيما في دينه
مرتادا
و قد روي أنه عنى بقوله إِنِّي سَقِيمٌ أي سأسقم و كل ميت سقيم قال الله عز و جل
لنبيه ص إِنَّكَ مَيِّتٌ أي ستموت
و قد روي أنه عنى إِنِّي سَقِيمٌ بما يفعل بالحسين بن علي ع
و في تفسير علي بن إبراهيم سئل أبو عبد الله ع عن قول إبراهيم هذا رَبِّي لغير الله
هل أشرك في قوله هذا رَبِّي قال من قال هذا
اليوم فهو مشرك و لم يكن من إبراهيم
قصص الأنبياءللجزائري ص : 14
شرك و إنما كان في طلب ربه و في قوله ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
إِلّا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إِيّاهُ قال إبراهيم لأبيه إن لم تعبد
الأصنام استغفرت لك فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه
عيون الأخبار مسندا إلى علي بن الجهم قال حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا علي بن
موسى ع فقال له المأمون يا ابن رسول الله
أ ليس من قولك إن الأنبياء معصومون قال بلى قال فما معنى قول الله عز و جل وَ عَصى
آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فقال ع إن الله تبارك و
تعالى قال لآدم ع اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً
حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ و أشار لهما إلى شجرة الحنطة
فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ و لم يقل لهما كلا من هذه الشجرة و لا مما كان من
جنسها فلم يقربا من تلك الشجرة و إنما أكلا من غيرها لما
أن وسوس الشيطان إليهما و أقسم لهما إني لكما من الناصحين و لم يكن آدم و حواء قد
شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا
فَدَلّاهُما بِغُرُور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله و كان ذلك من آدم قبل النبوة و
لم يكن ذلك بذنب كبير استحق به النار و إنما كان من
الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم فلما اجتباه الله عز
و جل و جعله نبيا كان معصوما لا يذنب صغيرة
و لا كبيرة قال الله عز و جل وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ
فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى و قال تعالى إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ
آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ فقال له المأمون فما معنى قول
الله عز و جل فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
فقال الرضا ع إن حواء ولدت لآدم خمسمائة بطن في كل بطن ذكر و أنثى و إن آدم و حواء
عاهدا الله عز و جل و دعواه و قالا لَئِنْ
آتَيْتَنا صالِحاً من النسل خلفا سويا بريئا من الزمانة و العاهة كان ما آتاهما
صنفين صنفا ذكرانا و صنفا إناثا فجعل الصنفان لله تعالى
شركاء فيما آتاهما و لم يشكراه كشكر أبويهما له عز و جل فتعالى الله عما يشركون
فقال المأمون أشهد أنك ابن رسول الله حقا
فأخبرني عن قول الله عز و جل في إبراهيم فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى
كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فقال الرضا إن إبراهيم وقع على ثلاثة
أصناف صنف يعبد الزهرة و صنف يعبد القمر و صنف يعبد الشمس و ذلك حين خرج من السرب
الذي أخفي فيه فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
رَأى الزهرة فقال هذا ربي على الإنكار و الاستخبار فلما أفل الكوكب قالَ لا أُحِبُّ
الْ آفِلِينَ لأن الأفول من صفات الحدث لا من صفات
القديم فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي على الإنكار و الاستخبار
فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ
الضّالِّينَ
فلما أصبح و رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر من الزهرة و القمر على الاستخبار
لا على الإخبار و الإقرار فلما أفلت قال
للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة و القمر و الشمس إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
قصص الأنبياءللجزائري ص : 15
فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً
مسلما وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ و إنما أراد إبراهيم ع بما قال أن يبين لهم
بطلان دينهم و يثبت عندهم أن العبادة لا تحق لمن كان
بصفة الزهرة و القمر و الشمس و إنما تحق العبادة لخالقها و خالق السماوات و الأرض و
كان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله عز
و جل و آتاه وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ فقال المأمون
لله درك يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول إبراهيم رَبِّ أَرِنِي
كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال الرضا ع إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ع أني متخذ من
عبادي خليلا إن سألني بإحياء الموتى أجبته فوقع في نفس إبراهيم ع أنه ذلك الخليل
فقال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ
تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على الخلة قال فَخُذْ
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَل
مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ
ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فأخذ
إبراهيم نسرا و بطا و طاوسا و ديكا فقطعهن و خلطهن ثم جعل على كل جبل
من الجبال التي حوله و كانت عشرة منهن جزءا و جعل مناقيرهن بين أصابعه ثم دعاهن
بأسمائهن و وضع عنده حبا و ماء فتطايرت تلك
الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان و جاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته و رأسه
فخلى إبراهيم ع عن مناقيرهن فطرن ثم
وقعن فشربن من ذلك الماء و التقطن من ذلك الحب و قلن يا نبي الله أحييتنا أحياك
الله فقال إبراهيم ع بل الله يحيي و يميت و هو
على كل شيء قدير قال المأمون بارك الله فيك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و
جل فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ قال الرضا ع إن موسى ع دخل مدينة من مدائن فرعون على حين
غفلة من أهلها و ذلك بين المغرب و العشاء فوجد
فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من
عدوه فقضى موسى ع على العدو بحكم الله
تعالى ذكره فمات فقال هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني الاقتتال الذي كان وقع بين
الرجلين لا ما فعله موسى ع من قتله إِنَّهُ يعني
الشيطان عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قال المأمون فما معنى قول موسى رَبِّ إِنِّي
ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي قال يقول إني وضعت نفسي غير
موضعها بدخولي هذه المدينة فَاغْفِرْ لِي أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي
فيقتلوني فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ موسى
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة فَلَنْ أَكُونَ
ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى فَأَصْبَحَ
ع فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ
قصص الأنبياءللجزائري ص : 16
بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ
على آخر قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ قاتلت رجلا بالأمس و تقاتل هذا
اليوم لأودينك و أراد أن يبطش به فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ
بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما و هو من شيعته قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ
تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلّا أَنْ تَكُونَ
جَبّاراً فِي
الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ قال المأمون جزاك الله
خيرا يا أبا الحسن فما معنى قول موسى لفرعون فَعَلْتُها إِذاً وَ أَنَا
مِنَ الضّالِّينَ قال الرضا ع إن فرعون قال لموسى لما أتاه وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ بي قالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً
وَ أَنَا مِنَ الضّالِّينَ عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك فَفَرَرْتُ
مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ
الْمُرْسَلِينَ و قد قال الله عز و جل لنبيه محمد أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَ آوى
يقول أ لم يجدك وحيدا ف آوى إليك الناس وَ وَجَدَكَ ضَالًّا يعني
عند قومك فَهَدى أي هداهم إلى معرفتك وَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى يقول أغناك بأن
جعل دعاءك مستجابا قال المأمون بارك الله فيك يا
ابن رسول الله فما معنى قول الله عز و جل وَ لَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَ
كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي الآية
كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه
الرؤية حتى يسأله هذا السؤال فقال الرضا
ع إن كليم الله موسى بن عمران علم أن الله تعالى عز أن يرى بالأبصار و لكنه لما
كلمه الله تعالى و قربه نجيا رجع إلى قومه
فأخبرهم أن الله عز و جل كلمه و قربه و ناجاه فقالوا لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما
سمعت و كان القوم سبعمائة ألف رجل اختار
منهم سبعمائة ثم اختار من السبعمائة سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء
فأقامهم في سفح الجبل و صعد موسى ع
إلى الطور و سأل الله تبارك و تعالى أن يكلمه و يسمعهم كلامه فكلمه الله تعالى ذكره
و سمعوا كلامه من فوق و أسفل و يمين و
شمال و وراء و أمام لأن الله عز و جل أحدثه في الشجرة و جعله منبعثا منها حتى سمعوه
من جميع الوجوه فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ بأن
الذي سمعناه كلام الله حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فلما قالوا هذا القول العظيم و
استكبروا و عتوا بعث الله صاعقة فأخذتهم بظلمهم
فماتوا فقال موسى يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم و قالوا إنك ذهبت بهم
فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من
مناجاة الله إياك فأحياهم الله و بعثهم معه فقالوا إنك لو سألت الله أن يراك تنظر
إليه لأجابك و كنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق
معرفته فقال موسى يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار و لا كيفية له و إنما يعرف
ب آياته
قصص الأنبياءللجزائري ص : 17
و يعلم بأعلامه فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى ع يا رب إنك قد علمت مقالة
بني إسرائيل و أنت أعلم بصلاحهم فأوحى
الله إليه يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى ع يا رَبِّ
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ
إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ و هو يهوي فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا
تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ب آية من آياته جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً
فَلَمّا أَفاقَ
قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يقول رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي وَ أَنَا
أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ منهم بأنك لا ترى فقال المأمون لله درك يا
أبا الحسن فأخبرني عن قول الله وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ
رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فقال الرضا لقد همت به و لو لا أن رأى برهان ربه
لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم لا يهم بذنب و لا يأتيه و قد حدثني
أبي عن أبيه عن الصادق ع قال همت به بأن
تفعل و هم بأن لا يفعل فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و
جل وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ
نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال الرضا ع ذاك يونس بن متى ذهب مغاضبا لقومه فظن بمعنى استيقن
أن لن نقدر عليه أي لن نضيق عليه رزقه و منه قوله
تعالى وَ أَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أي ضيق و قتر فَنادى
فِي الظُّلُماتِ ظلمة الليل و ظلمة البحر و بطن الحوت أَنْ لا إِلهَ إِلّا
أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ بتركي مثل هذه العبادة التي قد
فرغتني لها في بطن الحوت فاستجاب الله له و قال عز و جل
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله حَتّى إِذَا
اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا قال
الرضا ع يقول الله حتى إذا استيئس الرسل من قومهم إن الرسل قد
كذبوا جاء الرسل نصرنا فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عز و
جل لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ
ما تَأَخَّرَ قال الرضا ع لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله ص
لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة و
ستين صنما فلما جاءهم ص بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم و قالوا أَ
جَعَلَ الْ آلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ وَ
انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ
هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْ آخِرَةِ
قصص الأنبياءللجزائري ص : 18
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
فلما فتح الله على نبيه ص مكة قال له يا محمد إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ عند مشركي
أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم و ما تأخر لأن مشركي مكة أسلم بعضهم و خرج
بعضهم عن مكة و من بقي منهم لم يقدر
على إنكار التوحيد عله إذا دعي الناس إليه فصار ذنبه في ذلك عندهم مغفورا بظهوره
عليهم فقال المأمون لله درك يا أبا الحسن
فأخبرني عن قول الله عز و جل عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ قال الرضا ع
هذا مما نزل بإياك أعني و اسمعي يا جارة خاطب الله عز و
جل نبيه ص و أراد به أمته و كذلك قول الله عز و جل لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ و قوله عز و جل وَ لَوْ لا
أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا قال صدقت يا
ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِ
وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللّهَ وَ تُخْفِي
فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النّاسَ وَ اللّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشاهُ قال الرضا ع
إن رسول الله ص قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته
تغتسل فقال لها سبحان الذي خلقك و إنما أراد
بذلك تنزيه الله تعالى عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله فقال الله عز و جل أَ
فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ
إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً فقال النبي ص فلما رآها تغتسل
سبحان الذي خلقك أن يتخذ ولدا يحتاج إلى هذا التطهير و
الاغتسال فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته بمجيء رسول الله ص و قوله لها سبحان الذي
خلقك فلم يعلم زيد ما أراد بذلك و ظن أنه
قال ذلك لما أعجبه من حسنها فجاء إلى النبي ص فقال يا رسول الله امرأتي في خلقها
سوء و إني أريد طلاقها فقال له النبي ص أمسك
عليك زوجك و اتق الله و قد كان الله عز و جل عرفه عدد أزواجه و إنما تلك المرأة
منهن فأخفى ذلك في نفسه و لم يبده لزيد و خشي
الناس أن يقولوا إن محمدا يقول لمولاه إن امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك فأنزل
الله عز و جل وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِ يعني بالإسلام و أنعمت عليه بالعتق أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ
اللّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النّاسَ وَ اللّهُ
أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ثم إن زيدا طلقها و اعتدت منه فزوجها الله من نبيه ص و أنزل
بذلك قرآنا فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ
لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا
مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولًا
قصص الأنبياءللجزائري ص : 19
ثم علم عز و جل أن المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ
مِنْ حَرَج فِيما فَرَضَ اللّهُ لَهُ فقال المأمون لقد شفيت
صدري يا ابن رسول الله و أوضحت لي ما كان ملتبسا علي فجزاك الله عن أنبيائه و عن
الإسلام خيرا قال علي بن محمد بن الجهم فقام
المأمون إلى الصلاة و أخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد و كان حاضر المجلس فتبعتهما
فقال له المأمون كيف رأيت ابن أخيك فقال
عالم و لم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم فقال المأمون إن ابن أخيك من أهل بيت
النبي الذين قال فيهم إن أبرار عترتي و أطايب
أرومتي أحلم الناس صغارا و أعلم الناس كبارا لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم لا
يخرجونكم من باب هدى و لا يدخلونكم في باب ضلال
و انصرف الرضا ع إلى منزله فلما كان من الغد غدوت إليه و أعلمته ما كان من قول
المأمون و جواب عمه محمد بن جعفر له فضحك ع
ثم قال يا علي بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني و الله ينتقم لي منه
قال الصدوق هذا الحديث عجيب من طريق علي بن محمد بن الجهم مع نصبه و بغضه و عداوته
لأهل البيت ع. أقول هذا ليس بعجيب
لأن الله سبحانه يجري الحق لأوليائه على ألسنة أعدائه في كثير من الأحوال و في أغلب
الأزمان
و في كتاب الخصال مسندا إلى الأشعري رفعه إلى أبي عبد الله ع قال ثلاث لم يعر منها
نبي فمن دونه الطيرة و الحسد و التفكر في
الوسوسة في الخلق
قال الصدوق و معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم فأما هم ع فلا
يتطيرون و ذلك كما قال الله عز و جل في قوم
صالح قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ و
كما قال آخرون لأنبيائهم إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا
لَنَرْجُمَنَّكُمْ الآية. و أما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا لا أنهم يحسدون
غيرهم و ذلك كما قال الله عز و جل أَمْ يَحْسُدُونَ
النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ
الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. و أما التفكر في الخلق
فهو
بلواهم ع بأهل الوسوسة لا غير ذلك كما حكى الله عنهم من الوليد بن المغيرة المخزومي
إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني قال
للقرآن إِنْ هذا إِلّا قَوْلُ الْبَشَرِ. أقول ما ذكره من التأويل حسن إلا أن في
الكافي و غيره تتمة للحديث لا يحتمله و هي لكن المؤمن لا
يظهر الحسد و من ثم حمل جماعة من أهل الحديث على ما هو أعم من
قصص الأنبياءللجزائري ص : 20
الغبطة أو أن القليل منه إذا لم يظهر ليس بذنب و الطيرة هي التشاؤم بالشيء و انفعال
النفس بما يراه أو يسمعه مما يتشاءم به و لا
دليل على أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء إذ ورد أنهم يتفاءلون بالشيء الحسن و المراد
بالتفكر في الوسوسة في الخلق التفكر فيما
يحصل في نفس الإنسان من الوساوس في خالق الأشياء و كيفية خلقها و خلق أعمال العباد
و التفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور
في العالم من غير استقرار في النفس و حصول شك بسببها و يحتمل أن يكون المراد بالخلق
المخلوقات و بالتفكر في الوساوس
التفكر و حديث النفس بعيوبهم و تفتيش أحوالهم و في الأخبار ما يؤيد الوجهين كما
سيأتي و بعض أفراد هذا الأخير على الوجهين لا
يستبعد عروضها لهم ع هذا. و اعلم أن الخلاف بين علماء الإسلام في عصمة الأنبياء ع
يرجع إلى أربعة أقسام ما يقع في باب العقائد
و ما يقع في التبليغ و ما يقع في الأحكام و الفتيا و ما يقع في أفعالهم و سيرهم ع.
أما الاعتقادات فهم منزهون عن الكفر و الضلال
فيما قبل النبوة و بعدها باتفاق الأمة غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم
الذنب و عندهم كل ذنب كفر فيلزمهم تجويز الكفر
عليهم بل يحكى عنهم أنهم قالوا يجوز أن يبعث الله نبيا و يعلم أنه يكفر بعد نبوته.
و أما النوع الثاني و هو ما يتعلق بالتبليغ فقد
اتفقت الأمة و أرباب الملل و الشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب و التحريف فيما
يتعلق بالتبليغ عمدا و سهوا إلا القاضي أبو
بكر فإنه جوز ما كان من ذلك على سبيل النسيان و فلتات اللسان. و أما النوع الثالث و
هو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز
خطأهم فيه عمدا و سهوا إلا شرذمة قليلة من العامة. و أما النوع الرابع و هو الذي
يتعلق بأفعالهم فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال
أولها قول أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم و هو نفي الذنب عنهم مطلقا الصغار و
الكبار و العمد و النسيان و السهو و الإسهاء و
لم يخالف فيه إلا الصدوق و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد فإنهما جوزا عليهم الإسهاء
من الله لا السهو من الشيطان و كذا
القول في الأئمة الطاهرين ع. الثاني مذهب أكثر المعتزلة و هو أنه لا يجوز عليهم
الكبائر و يجوز عليهم الصغائر إلا الصغائر
الخسيسة المنفردة كسرقة حبة أو لقمة و كل ما ينسب فاعله إلى الدناءة و الضعة.
الثالث و هو مذهب أبي علي الجبائي أنه لا يجوز
أن يأتوا بصغيرة و لا كبيرة على جهة العمد لكن يجوز على جهة التأويل و السهو كما
تقدم في حكاية آدم ع من أنه كان
قصص الأنبياءللجزائري ص : 21
منه غلطا في التأويل لأنه ظن أنه نهي عن شخص الشجرة لا عن نوعها فتناول من غير التي
نهي عن شخصها. الرابع أنه لا يقع منهم
الذنب إلا على طريق السهو و الخطأ لكنهم مؤاخذون به و إن رفع حكمه عن الأمة لقوة
معرفتهم و علو مرتبتهم و قدرتهم على
التحفظ و هو قول النظام و من تبعه. الخامس أنه يجوز عليهم الصغائر و الكبائر عمدا و
سهوا و خطأ و هو قول الحشوية و كثير من
أصحاب الحديث من العامة ثم إنهم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال الأول أنه
من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله و هو
مذهب الإمامية رضوان الله عليهم. الثاني أنه من حين بلوغهم و لا يجوز عليهم الكفر و
الكبيرة قبل النبوة و هو مذهب كثير من
المعتزلة. الثالث أنه وقت النبوة أو ما قبله فيجوز صدور المعصية عنهم و هو قول أكثر
الأشاعرة و منهم الفخر الرازي و أما دلائلنا
على ما صرنا إليه فهي و إن كانت متكثرة إلا أن العمدة فيها أخبارنا المتواترة و
إجماعنا المقطوع به حتى إنه صار من ضروريات ديننا.
و قد ذكر سيدنا الأجل علم الهدى في الشافي و كتاب تنزيه الأنبياء ع جملة من الدلائل
و البراهين القاطعة من أراد الاطلاع عليها
فليطلها من هناك
قصص الأنبياءللجزائري ص : 22
الباب الأول في قصص آدم و حواء و أولادهما و فيه فصول
الفصل الأول في فضلهما و العلة في تسميتهما و بدو خلقهما و سؤال الملائكة في ذلك
قال الله تعالى وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ
نَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ وَ
عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ
أَنْبِئُونِي
بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا
إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ
غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ
تَكْتُمُونَ. أقول
الخليفة من ينوب عن غيره و الهاء للمبالغة و هذه الآية و ما بمعناها دالة على أن
الغرض و المقصود من خلق آدم ع أن يكون خليفة في
الأرض لمن تقدمه من الجان و ليس المقصود من خلقه أن يكون في الجنة نعم كان الأولى
به ألا يفعل ما فعل و ينزل من الجنة عزيزا
كريما على خلع الجنة و على زوجته ثياب حور العين و الملائكة يزفونه و يسجدون له في
الجنة. و أما قول الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها
فهو تعجب أما من أن يستخلف لعمارة الأرض و إصلاحها من يفسد فيها و استكشاف عما خفي
عليهم من الحكمة التي غلبت تلك
المفاسد و استخبار عما يزيح شبههم و ليس باعتراض على الله و لا طعن في بني آدم و
على وجه الغيبة كما توهمه من جواز الذنوب
على الملائكة فإنهم أجل و أعلى من أن يظن بهم ذلك. و إنما عرفوا ذلك بإخبار من الله
أو تلق من اللوح المحفوظ أو قياس لأحد
الثقلين على الآخر. و قوله وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ حال مقررة لجهة الإشكال
عليهم قيل و كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث
قوى عليها مدار أمره شهوية و غضبية تؤديان به إلى الفساد و سفك الدماء و عقلية
تدعوه إلى المعرفة و الطاعة و نظروا إليها مفردة و
قالوا ما الحكمة في استخلافه و هو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده
فضلا عن استخلافه و أما
قصص الأنبياءللجزائري ص : 23
باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم بما يتوقع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد و
غفلوا عن فضيلة كل واحد من القوتين إذا صارت
مهذبة مطاوعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة و الشجاعة و لم يعلموا أن التركيب يفيد
ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات و
استخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف. و أما
تعليم آدم الأسماء فبخلق علم ضروري فيه أو
أنه ألقاه في روعه. و قوله ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي المسميات المدلول عليها ضمنا. و أما
ما يقال من أنه كان للملائكة أن يقولوا لو علمتنا كما
علمت آدم لعلمنا مثله فجوابه أنهم أجابوا أنفسهم بقولهم إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
الْحَكِيمُ. و ذلك أن مقتضى الحكمة وضع الأشياء
مواضعها على وفق الحكمة فحكمته تعالى إنما اقتضت إلقاء التعليم إلى آدم لا إلى
الملائكة
و روى الصدوق بإسناده إلى أبي عبد الله ع قال إنما سمي آدم ع لأنه خلق من أديم
الأرض
قال الصدوق اسم الأرض الرابعة أديم و خلق منها آدم فلذلك قيل من أديم الأرض
و قال ع سميت حواء لأنها من حي يعني آدم ع
و قد اختلف في اشتقاق اسم آدم ع فقيل اسم أعجمي لا اشتقاق له ك آزر. و قيل إنه مشتق
من الأدمة بمعنى السمرة لأنه كان أسمر
اللون و قيل من الأدم بمعنى الألفة و الاتفاق. و أما اشتقاق حواء من حي أو الحيوان
فهو من الاشتقاقات الشاذة أو الجعلية كلابن و
تامر
و روى الصدوق رحمه الله أيضا عن ابن سلام أنه قيل للنبي ص هل خلق آدم من الطين كله
أو من طين واحد قال بل من الطين كله و
لو خلق من طين واحد لما عرف الناس بعضهم بعضا و كانوا على صورة واحدة قال فلهم في
الدنيا مثل ذلك قال التراب فيه أبيض و فيه
أخضر و فيه أشقر يعني شديد الحمرة و فيه أزرق و فيه عذب و فيه ملح فلذلك صار الناس
فيهم أبيض و فيهم أصفر و فيهم أسود و على
ألوان التراب الحديث
و عن أمير المؤمنين ع إن الله تبارك و تعالى بعث جبرئيل ع و أمره أن يأتيه من أديم
الأرض بأربع طينات طينة بيضاء و طينة حمراء
و طينة غبراء و طينة سوداء و ذلك من سهلها و حزنها ثم أمره أن يأتيه بأربع مياه عذب
و ماء مالح و ماء مر و ماء منتن ثم أمره أن يفرغ
الماء في الطين فجعل الماء العذب في حلقه و جعل الماء المالح في عينيه و جعل الماء
المر في أذنيه و جعل الماء المنتن في أنفه
قصص الأنبياءللجزائري ص : 24
و جاء تعليله في توحيد المفضل
عن الصادق ع إنما جعل الماء العذب في الحلق ليسوغ له أكل الطعام و جعل الماء المالح
في العينين إبقاء على شحمة العين لأن
الشحم يبقى إذا وضع عليه الماء و أما الماء المر في الأذنين فلئلا تهجم الهوام على
الدماغ
و من ذلك أنها إذا وصلت إلى الماء المر في الأذنين ماتت و ربما تعدى الماء المر و
وصل إلى الدماغ. و من العجب أنه جاءت إلي
امرأة تستفتيني في أن بعض الجراحين أراد أن يكسر قطعة من عظم رأسها حتى يظهر الدماغ
و ذلك أن هامة تسمى هزارپا دخلت أذنها
و هي نائمة فوصلت إلى الدماغ و إلى مخ الرأس فصارت تأكل منه و ربما سكنت و بقيت على
هذا أعواما و ما أفتيت في حكاية كسر
شيء من قحفة رأسها و جاء في كتب الطب أنه وقع مثل هذا في زمن أفلاطون فأخذ الرجل
إلى الحمام و رفع قطعة من قحفة رأسه و
استخرج الهامة ثم وضع القحفة على حالها و هذا منه ليس بعجيب فقد روي عنه لما قلع
القحفة و ظهر هزارپا في الدماغ أراد أن
يتناوله بالمنقاش فقال له أحد تلاميذه لا تفعل فإنه محكم أيديه و أرجله في حجاب
الدماغ فحمي له المنقاش و وضعه على ظهره حتى
رفع رجليه من حجاب الدماغ فتناوله و رماه
و عنه ع أول من قاس إبليس قال خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِين و لو
علم إبليس ما جعل الله في آدم لم يفتخر عليه ثم قال إن
الله عز و جل خلق الملائكة من نور و خلق الجان من النار و خلق الجن صنفا من الجان
من الريح و صنفا من الماء و خلق آدم من صفحة
الطين ثم أجرى في آدم النور و النار و الريح و الماء فبالنور أبصر و عقل و فهم و
بالنار أكل و شرب و لو لا النار في المعدة لم تطحن
المعدة الطعام و لو لا أن الريح في جوف بني آدم تلهب نار المعدة لم تلتهب و لو لا
أن الماء في جوف ابن آدم يطفئ حر المعدة
لأحرقت النار جوف ابن آدم فجمع الله ذلك في آدم لخمس خصال و كانت في إبليس خمسة
فافتخر بها
و عنه عن أبي عبد الله ع قال إن القبضة التي قبضها الله عز و جل من الطين الذي خلق
منها آدم أرسل إليها جبرائيل ع أن يقبضها
فقالت الأرض أعوذ بالله أن تأخذ مني شيئا فرجع إلى ربه و قال يا رب تعوذت بك مني
فأرسل إليها إسرافيل فقالت مثل ذلك فأرسل
إليها ميكائيل فقالت مثل ذلك فأرسل إليها ملك الموت فتعوذت بالله أن يأخذ منها شيئا
فقال ملك الموت و إني أعوذ بالله أن أرجع
إليه حتى أقبض منك
قصص الأنبياءللجزائري ص : 25
أقول جاء في الرواية أن الله سبحانه أمر ملك الموت على الحتم و يدل على أن أمره
تعالى لمن تقدمه ليس على سبيل الحتم
و روى علي بن إبراهيم بإسناده إلى الباقر ع عن أمير المؤمنين ص قال إن الله تعالى
لما أراد أن يخلق خلقا بيده و ذلك بعد ما مضى من
الجن و الناس في الأرض سبعة آلاف سنة فكشف عن أطباق السماوات و قال للملائكة انظروا
إلى أهل الأرض من خلقي من الجن و
الناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي عظم ذلك عليهم فقالوا ربنا أنت العزيز
القادر و هذا خلقك الضعفاء يعيشون برزقك و
يعصونك و لا تنتقم لنفسك فلما سمع من الملائكة قال إني جاعل في الأرض خليفة يكون
حجة في أرضي فقالت الملائكة سبحانك
تجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت بنو الجان فاجعل ذلك الخليفة منا فإنا لا نعصيك و
نسبح بحمدك و نقدس لك فقال عز و جل
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أريد أن أخلق خلقا بيدي و أجعل من ذريته أنبياء
و عبادا صالحين و أئمة مهديين أجعلهم خلفاء على خلقي في
أرضي و أطهر أرضي من الناس و أنقل مردة الجن العصاة على خلقي و أسكنهم في الهواء و
في أقطار الأرض و أجعل بين الجن و بين
خلقي حجابا فقالت الملائكة يا ربنا افعل ما شئت فباعدهم الله من العرش مسيرة
خمسمائة عام فلاذوا بالعرش و أشاروا بالأصابع
فنظر الرب إليهم و نزلت الرحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال طوفوا به و دعوا العرش
فطافوا به و هو البيت الذي يدخله الجن
كل يوم سبعون ألف ملك يعودون إليه أبدا فوضع الله البيت المعمور توبة لأهل السماء و
وضع الكعبة توبة لأهل الأرض إلى أن
قال ثم قبض الله سبحانه طينة آدم و أجرى فيها الطبائع الأربع الريح و الدم و المرة
و البلغم فلزمه من ناحية الريح حب النساء و
طول الأمل و الحرص و لزمه من ناحية البلغم حب الطعام و الشراب و البر و الحلم و
الرفق و لزمه من ناحية المرة