عقيدة أبي طالب

 تأليف السيد طالب الحسيني الرفاعي



ه( 3 )

بسم الله الرحمن الرحيم


تقريظ
بقلم الأستاذ الدكتور علي النجدي ناصف عضو مجمع اللغة العربية

حول اسلام أبى طالب

     اختلفت الآراء، وتعددت الروايات في اسلام أبي طالب عم الرسول ووالد الامام علي، وذهب الناس فيه بين مثلب يقرره، وناف ينكره، بل لقد غلا بعض منكريه، فحدد مقعد أبي طالب من النار، اجتراء على الله، وعدوانا على سلطانه وارادته في خلقه، فالله هو وحده الذي يحكم بين عباده ويحدد مصايرهم على ما يشاء: عفوا أوحسابا، وغفرانا أو عقابا، لا معقب لحكمه ولا راد لارادته.
     ومهما يكن من الأمر فقد كنت امرءا لا يأنس بنفي الاسلام عن أبي طالب، ولا تقع انباؤه مني


ه( 4 )

بموقع الرضا والقبول، لا عن بحث ودرس، ولكن عن وجدان وحس، لا أعرف لذلك سببا ولا مأتى ، الا أن تكون المواقف الكريمة التى أعلمها عن أبىطالب من صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، في أطوار حياته كلها هى سره ومأتاه، وداعيته الموحية، ومنشؤه الأصيل.
     فما أحسب أنباء هذه المواقف الا أنها رسبت في قرارة النفس على مر الأيام، فكان منها ما أجده وأحس به حيال ما نرجى أن يلقاه عنده ربه من الرضا والقبول.
     على أنني قد اطلعت على كتاب في هذه القضية، صادر عن دار أهل البيت عليهم السلام في القاهرة، من تأليف العالم السيد طالب الحسني الرفاعي، فألفيته قد درس القضية دراسة موضوعية مبرأة من دوافع الميل، ونوازع العاطفة.
     فقد ناقش انكار المنكرين مناقشة هادئة رصينة، وعرض ألوانا من النصوص المروية،


ه( 5 )

وحشدا من القرآن المرجحة، انتهت به هذه وتلك الى ترجيح القول باسلام أبى طالب، ودخوله في دين الله. وأرجو أن يقيض الله للقضايا الأخرى التي تشبه هذه القضية من يتولاها بالدراسة والتمحيص.
     وهكذا تطابق عندي الحس والدرس، وما أكثر ما يتطابقان في عالم القضايا والأحكام والحمد لله رب العالمين.
     القاهرة
علي النجدي ناصف



ه( 6 )

مقدمة

     الحمد لله أهل الحمد، والصلاة والتسليم على رسوله الأمين محمد المختار وآله الطيبين الأطهار.
     لقد كثر الكلام واحتدم الجدال في قضية إيمان شيخ بني هاشم أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . وكتب في هذا الموضوع جماعة من أهل السنة والشيعة على السواء كتبا ذهب فيها أصحابها الى القول بايمانه (1) وقد عرضنا أقوال النافين والمثبتين في كتابنا ((يوم الدار)) (2) ولما عرضت على
____________
    
     (1) من بعض هذه الكتب:
     (أ) ايمان أبي طالب للشيخ المفيد.
     (ب) الحجة على الذاهب الى تكفير أبي طالب للسيد شمس الدين مختار بن معد.
     (ج) شيخ الأبطح للسيد محمد على شرف الدين.
     (د) أبو طالب شيخ بني هاشم لعبدالعزيز سيد الأهل.
     (هـ) أبو طالب مؤمن قريش لعبدالله الخنيزي.
     (2) سيصدر للمؤلف قريبا.



ه( 7 )

الأستاذ الدكتور علي عبدالعظيم أن يقدم للكتاب استجاب لذلك مشكورا ومن جملة ما ذكر في التقديم قوله: ((ومن خير فصول الكتاب البحث الذي كتبه عن إسلام أبي طالب فقد شرح الصدور وأقر العيون وأفاد به المستفيدين، وأقنع به الباحثين المنصفين فقد كان فيه قوى الحجة صائب الرأي… وأتمنى أن يطبع هذا الفصل الخاص بايمان أبي طالب في كتيب مستقل ليعم به النفع، جميع المثقفين.
     وبناء على هذه الرغبة من الأستاذ الفاضل الدكتور علي عبدالعظيم سارعنا بطبعه مستقلا عن كتابنا ((يوم الدار)).
     ورأيت من باب الفائدة المزدوجة أن أصحبه بما كتبه بعض الكتاب المعاصرين الذي كان يذهب في بداية عهده بالكتابة الى نفي إيمان أبي طالب اعتمادا على بعض المؤرخين فقال: ((وكان لهذا اليتيم ـ يعني النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ـ سمات في حداثته من النبل والقداسة


ه( 8 )

عرفها أبو طالب وجعلته والكثيرين من ذوي العلم في الناس يتوقعون لابن عبدالله بين العرب مكانة لن يبلغ شأوها في أقوالهم بالغ، ولكن الشيخ، مع هذا تجلل بالصمت وجلس ينظر، وان هي الا شقاوة شاءها له طالع سوء، به على الشر كبا، وعن الخير نبا)) (1) .
     ثم انتهى به المطاف بعد أن قطع أشواطا مضنية ومتعبة في كتابة التاريخ وقراءة نصوصه مع الأناة والتأمل وحسن الصبر الى أن قال بإيمان أبي طالب مستدلا لذلك بالوقائع والأحداث التاريخية التي صحبت بداية الدعوة الإسلامية بما في ذلك شعر أبي طالب ومواقفه الجريئة المخلصة من الدعوة وصاحبها فيقرر الأستاذ بعد ذلك ويقول: ((والواقع أن موضوع إسلام أبي طالب لا يغني فيه المنقول عن المعقول وليس مما يرجع في تحقيقه الى الأسفار وحدها لفرط ما غلب من
____________
    
     (1) عبدالفتاح عبدالمقصود ـ الإمام علي بن أبي طالب: 1/47.



ه( 9 )

بعد على تاريخ تلك الفترة من تزييف وابتداع الأحاديث والروايات، وحسبنا دليلا على تغلب الميل لعقيدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نفس أبي طالب أن الشيخ الكريم ـ انتصارا لهذه العقيدة ـ قدم ابنه أمير المؤمنين وهو أعز على نفسه من كل أهله بمقياس القرابة فداء لابن أخيه وهو في الحقيقة فداء للدين)).
     هذا والله أسأل أن ينفع به ويهدي فريقا من المنصفين لتناول هذا الموضوع بأقلام معاصرة تستهدف البحث عن الحقيقة غير متأثرة بآراء مسبقة وبعيدة كل البعد عن كل عصبية مذهبية والحمد لله رب العالمين.
     دار أهل البيت بالقاهرة.
المؤلف



ه( 10 )

أبو طالب بن عبدالمطلب

     بعد عبدالمطلب تولى زعامة قريش ابنه أبو طالب ويسترعي النظر في هذه ثلاثة أمور تلابس أبا طالب، وهي أنه:
     1 ـ لم يكن أكبر أخوته، مع أن السن كان له حينئذ وزنها في تحديد المواقع وتقويم الرجال.
     2 ـ كان فقيرا لا مال له، مع أنه لم يكن يتبوأ سدة الزعامة في قريش في الجاهلية إلا من كان مستندا إلى ثراء وغنى كبيرين، وظاهرين.
     3 ـ كان بين اخوانه من هو، فعلا، على غنى وثراء واسع وهو العباس بن عبدالمطلب.
     وكل هذه أمور تجعل أبا طالب فذا في زعامته لقريش، مما يؤكد أنه كان على مواهب وصفات ألغت التأثير المعاكس لكل هذه العوامل الثلاثة بالنسبة له، وأتاحت له أن يتصدر قومه ويسودهم دون منازع، فقد كان له من مكارم


ه( 11 )

الصفات، ومعالي السجايا والأخلاق، ما جعله محل احترام الجميع ومحبتهم.
     اسمه: عبدمناف بن عبدالمطلب.
     لقبه: ابوطالب. وقد غلبت عليه هذه الكنية حتى لم يعرف أن أحدا كان يناديه باسمه الأصلي (عبدمناف) أبدا. سيادته في قومه:
     كانت شخصية أبي طالب القوية تسيطر على النفوس بطهارتها واستقامتها وترفعها عن الدنيا، الى أنه مع ذلك، كان شاعرا مجيدا، فأضاف الى تأثيره بالشخصية تأثيره باللسان وسحر البيان.
     ولقد خلف أبو طالب أباه عبدالمطلب في كل مناصبه ومكانته، ولكن ضيق حالته المالية جعله يكل الى أخيه العباس شأن السقاية وأعباءها نظرا لما كان له من ثراء واسع، يعينه على أن ينهض بمهمتها بصورة أحسن تتناسب


ه( 12 )

مع ما اعتاده بنوهاشم من اكرام وتكريم ضيوف البيت الحرام من الحجيج.
     ومما يؤثر عن حكمته وحسن تقديره أنه كان أول من سن القسامة في العرب قبل الاسلام (1) . وذلك في دم عمرو بن علقمة، ثم جاء الاسلام فأقرها. كفالته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :
     كان أبو طالب الأخ الشقيق الوحيد لعبدالله (والد النبي). وقد عهد اليه والده عبدالمطلب بكفالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان عند حسن الظن به، حدبا عليه، وانعطافا اليه، ورعاية له وعناية به، حيث لم يجعله فقط، كواحد من أبنائه، بل كان يقدمه عليهم أجمعين (2) .
     وكان مما زاد في اعزازه عنده، واهتمامه بشأنه
____________
    
     (1) (القسامة) بالفتح: الأيمان تقسم على أولياء الدم.
     (2) سيرة ابن هشام: 1/179.



ه( 13 )

وحرصه عليه أن جميع الدلائل كانت ترهص بأن له شأنا في المستقبل. ومن ذلك:
     1 ـ ما يرويه ابن اسحاق من أن ((رجلا عائفا من لهب، كان اذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر اليهم، ويعتاف (1) لهم فيهم، فأتاه أبو طالب بالنبي ـ وهو غلام ـ فنظر اليه.. ثم قال ـ بعد فترة ـ ردوا على هذا الغلام الذي رأيت آنفا، فوالله ليكونن له شأن…. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه، غيبه عنه)) (2) .
     2 ـ ما سمعه أبو طالب من بحيرى الراهب، اذ قال له: ((ارجع بابن أخيك الى بلده، وأحذر عليه يهود، فوالله لو رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فانه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به الى بلاده)) (3) .
____________
    
     (1) يعتاف: يتكهن ويتنبأ.
     (2) المصدر نفسه: 180.
     (3) المصدر السابق: 182.



ه( 14 )


     3 ـ ولقد سبق أن سمعه أبو طالب من والده عبدالمطلب في شأنه ثم صدقه كلام العائف والراهب من بعد ـ فكان لهذا أثره الكبير في أنه صار على أتم الثقة من أنه سيكون له شأن عظيم.
     4 ـ ولقد ظل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيت عمه أبي طالب، محل الاعزاز والاكرام والاهتمام والعناية الى أن انتقل الى بيت الزوجية حيث بنى بخديجة بنت خويلد (1) احدى كرائم مكة، ومعالم ثرائها في تلك الأيام.
     ولعل مما يشير الى مكانة النبي عند أبي طالب،
____________
    
     (1) أُم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى من قريش: زوجة رسول الله الأُولى، وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة، ولما بعث رسول الله دعاها الى الإسلام، فكانت أول من أسلم من الرجال والنساء. وأولاده كلهم منها، غير ابراهيم ابن مارية القبطية. وفاتها في السنة الثالثة قبل الهجرة. بعد خمس وعشرين سنة من حياة زوجية هادئة وادعة هنيئة ذاق فيها رسول الله طعم السعادة البيتية برغم ما عاناه في العشر السنوات الأُولى للبعثة من المتاعب والمشقة.



ه( 15 )

وتقديره له أن نستمع اليه ـ وهو يخطب في حفل زواج النبي من السيدة خديجة اذ يقول: ((ان ابن أخي هذا محمد بن عبدالله، من علمتم قرابة وهو لا يوزن بأحد الا رجحه: شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، فان كان في المال قل، فان المال ظل زائل، وعارية مسترجعة. وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك. وما أحببتم من الصداق فعلي، ومحمد ـ بعد هذا ـ له نبأ عظيم، وخطر جليل)) (1) .
     على أن أبا طالب لم يكن يصدر ـ في تقديره لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مجرد الحب والقرابة بينهما، أو مجرد الاعجاب بمحامد الصفات، وجميل السجايا، وكريم الأخلاق، التي كان يتحلى بها النبي، وانما كان عن اكبار واجلال وتقدير واحترام ـ على ما كان بينهما من فارق
____________
    
     (1) الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي: 1/238، تاريخ ابن خلدون: 2/712.



ه( 16 )

السن ودرجة القرابة ـ لشخصية النبي، فكان، وهو كافله وحاميه، يمدحه بالقصائد التي لا يمدح بمثلها الا الملوك والعظماء من مثل قوله:
وتلقوا ربيع الأبطحين محمدا     *     على ربوة من فوق عنقاء عطيل وتأوى اليه هشام ان هاشما     *     عرانين كعب، آخرا بعد أول

     وبمثل قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     *     ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من آل هاشم     *     فهم عنده في نعمة وفواضل

     ويقول علي بن يحيى البطريق في بيان سر ذلك ((لولا خاصة النبوة وسرها، لما كان مثل أبي طالب ـ وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها ـ يمدح ابن أخيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وهو شاب


ه( 17 )

قد ربى في حجره، وهو يتيمه ومكفوله، وجار مجرى أولاده. فان هذا الاسلوب من الشعر لا يمدح به التابع من الناس، وانما هو مديح الملوك والعظماء، فاذا تصورت أنه شعر أبي طالب، ذلك الشيخ المبجل العظيم، في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره… علمت موضع خاصة النبوة وسرها، وأن الله تعالى أوقع في القلوب والأنفس له منزلة رفيعة ومكانا جليلا (1) .
     ولم يكتف أبوطالب بهذا وانما وقف حياله صلى الله عليه وآله وسلم منذ بعثته، يعينه وينصره ويحميه، دون أن يلقى بالا لما يترتب على ذلك من مشاق ومتاعب مادية ومعنوية، وظل على ذلك حتى انتقل الى أخراه.
____________
    
     (1) شرح النهج لابن أبي الحديد: 14/63 تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم.



ه( 18 )

وحينما تألبت قريش كلها ضد ابن أخيه، وواجهوا أبا طالب في هذا، لم يلن ولم يهن، ودعا بني هاشم وبني عبدالمطلب الى مشاركته في منع الرسول والقيام دونه، فأجمعوا اليه، وقاموا معه، فسر بذلك وطابت نفسه، وتفجرت شاعريته يمدحهم، ويفخر بهم، وذلك اذ يقول:
اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر     *     فعبد مناف سرها وصميمها وان حصلت أشراف عبد منافها     *     ففي هاشم أشرافها وقديمها وان فخرت يوما فان محمدا     *     هو المصطفى من سرها وكريمها (1)

     وحينما أحس روح الشر التي سيطرت على قريش قد تجاوزت حدودها، بعد أن ذاع أمر النبي بين القبائل وخشى أن تنضم دهماء العرب ورعاعها
____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/269.



ه( 19 )

الى المخالفين من قومه، مما لا قبل له به، توجه، مع وفد من بني هاشم، الى البيت متعوذا بحرمته ومكانته، مما يصوره بقوله:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم     *     وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى     *     وقد طاوعوا أمر العدو المزابل وقد حالفوا قوما علينا أظنة     *     يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة     *     وأبيض عضب من تراث المقاول وأحصرت عند البيت رهطي واخوتي     *     وأمسكت من أثوابه بالوصائل أعوذ برب الناس من كل طاعن     *     علينا بسوء أو ملح بباطل وبالبيت حق البيت من بطن مكة     *     وبالله، أن الله ليس بغافل



ه( 20 )

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ     *     وهل من معيذ يتقي الله عاذل (1)

     ولقد كان آخر سهم في جعبة قريش ضد أبي طالب، ومن معه في حماية النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو فرض الحصار والمقاطعة لبني هاشم، لا يتناكحون معهم، ولا يبايعونهم، فقبل بنو هاشم ذلك التحدي وانحازوا الي شيخهم وكبيرهم أبي طالب في شعبه، ولم يشذ منهم ـ في ذلك ـ الا شقيهم أبو لهب واستمر الحال على ذلك ثلاث سنوات صمدوا خلالها وثبتوا رغم الجوع والأملاق الذي أصابهم حتى هيأ الله من أنهى هذا الحصار. وفاته:
     استمرت مناصرة أبي طالب للنبي منذ بعثه الله تعالى ـ لا وهن فيها ولا تخليا بحال من الأحوال
____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/272.



ه( 21 )

حتى لفظ أنفاسه الأخيرة من الدنيا وذلك في السنة الثالثة قبل الهجرة (1) وكان ذلك بعد الحصار المشار اليه بسنة ونصف تقريبا، بل أنه لم ينس ـ وهو في آخر رمق من حياته ـ أن يمارس نصرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد التفت الى المحيطين به قبيل وفاته، فأوصاهم بالنبي قائلا ((أُوصيكم بمحمد خيرا، فانه الأمين في قريش، والصادق في العرب، والجامع لكل ما أُوصيكم به… والله لا يملك أحد سبيله الا رشد، ولا يهتدي بهديه إلا سعد، ولو كان في العمر بقية لكففت عنه الهزاهز، ورفعت عنه الدواهي. أن محمد هو الصادق فأجيبوا دعوته، واجتمعوا على نصرته، فانه الشريف الباقي لكم على الدهر)) (2) .
____________
    
     (1) ابن القيم ـ زاد المعاد: 2/46.
     (2) وبهذا نزل القرآن الكريم من قول الله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)) الزخرف: 44.



ه( 22 )

عقيدته:
     وهذه الوصية وحدها كفيلة بأن تنبىء عن حقيقة عقيدته في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته، ولكن خلافا نشب حول هذه العقيدة فيما بعد البعثة النبوية، وان اتفق الجميع على أنه كان قبلها من المتألهين الحنفاء، وانه لم يعرف عنه أنه هام بصنم أبدا، أو سجد لصنم قط (1) .
     فالشيعة وبعض المعتزلة وبعض السنة، يرون أنه آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه (2) وان كان لم يعلن ذلك لأسباب كثيرة، ترجع كلها لمصلحة الدعوة الوليدة، وامكان الاستمرار في حمايتها، باعتبار أن المرحلة الأولى لها كانت تقتضي هذا التكتيك
____________
    
     (1) الشيخ الصدوق ـ اكمال الدين: 104.
     (2) كتاب في رحاب علي: ص14 ، 15 وكتاب: ما الفوارق بين السنة والشيعة: ص53 نقلا عن كتاب (أبوطالب) لعبدالعزيز سيّد الأهل.



ه( 23 )

(الخطة) (1) و يستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به:
     1 ـ بمواقفه في مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما أسلفنا الاشارة الى بعض منه.
     2 ـ وبما روى عنه من أشعار كثيرة تنبىء عن ذلك، ومنها (2) .
     قوله:
ولقد علمت بأن دين محمد     *     من خير أديان البرية دينا

     وقوله:
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا     *     نبيا كموسى خط في أول الكتب

____________
    
     (1) كما أمر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعيم بن مسعود الأشجعي في غزوة الخندق أن يظل كاتما ايمانه ليتمكن من التخذيل عن المؤمنين ـ راجع سيرة ابن هشام: 2/229.
     (2) أنظر في ذلك ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة: 14/55 ـ وما بعدها.



ه( 24 )


     وقوله (1) :
فأيده رب العباد بنصره     *     وأظهر دينا حقه غير باطل

     وقوله (2) :
لقد علموا أن أبننا لا مكذب     *     لدينا ولا يعني بقوله الأباطل فمن مثله في الناسر الا مؤمل     *     اذا قاسه الحكام عند التفاضل

     وقوله (3) :
والله لن يصلوا اليك بجمعهم     *     حتى أوسد في التراب دفينا فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة     *     وابشر وقر بذاك منك عيونا

     فهو في هذه الأبيات كلها ـ يصدق محمدا
____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/280.
     (2) نفس المصدر: 1/280.
     (3) شرح النهج: 14/55.



ه( 25 )

صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤمن بنبوته وبدينه، ومن ثم تصدى لنصرته بكل مرتخص وغال.
     3 ـ وبما روي في الأخبار الثابتة من أنه:
     (أ) لم ينكر على ابنه علي عليه السلام ايمانه بدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يزجره على ذلك، أو ينهه عنه، بل أقره عليه، مع ما يعلمه بما يعرضه ذلك للمتاعب والأهوال (1) .
     (ب) لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليا عليه السلام يصلي خلفه عن يمينه ـ وكان معه ولده جعفر ـ قال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره (2) ، مما يدل دلالة واضحة على اسلامه فعلا، والا لما أقر ابنه عليا على اسلامه وصلاته، ولما أمر ابنه الثاني جعفرا بأن ينضم الى أخيه في الصلاة، وهي عمود الاسلام، فالولد
____________
    
     (1) شرح النهج: 14/75.
     (2) ابن الأثير أسد الغابة: 1/341.



ه( 26 )

هو أعز ما يحرص الانسان على تنشئته وفق آرائه ومعتقداته، بل وعاداته، وبخاصة في ذلك العصر من الزمان، وكذلك البيئة القبلية من المكان، بل كان هذا هو ديدن ناس ذلك الأوان، كما سجله، كذلك، القرآن ـ حكاية عنهم ـ يقول الله تعالى ((انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون (1) .
     ويزيد هذا تأكيدا أن أبا طالب أنشد، حينئذ، شعرا سجل فيه سعادته بذلك، يقول فيه:
ان عليا وجعفرا ثقتي     *     عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا، وأنصرا ابن عمكما     *     أخي لأمي، من بينهم، وابي والله لا أخذل النبي، ولا     *     يخذله من بني ذو حسب (2)

____________
    
     (1) الزخرف: 23.
     (2) شرح النهج لابن أبي الحديد: 14/76.



ه( 27 )


     فهو لا يكتفي بأمرهما بالصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وانما هو يمدحهما ويثني عليهما في ذلك، يأمرهما بنصرته وعدم خذلانه، ويقسم على ألا يصدر منه، ولا من أحد بنيه، خذلان له أبدا.
     (ج) أن زوجته فاطمة بنت أسد، (أم علي ـ وجعفر)، كانت ثاني امرأة تدخل في الاسلام، بعد خديجة الكبرى، زوجة رسول الله، مع ما هو معلوم من تأثير كل أم على بنيها ـ ذكورا واناثا ـ ومع ما هو معلوم، أيضا، من أن تقاليد ذلك الزمن كانت تقضي بألايقر الزوج زوجته اذا خرجت عن عقيدته الى عقيدة أخرى. ومن ثم فكيف يتصور ـ أن يقرها أبو طالب ـ وهو من هو في قومه ـ على اسلامها بينما يكون هو باقيا ومصرا على أن يكون على غير الاسلام؟
     (د) لما علم أن قريش علمت على الدس لدى نجاشي الحبشة ضد مهاجري المسلمين اليها كتب اليه كتابين من الشعر، نبهه في أحدهما الى هذا


ه( 28 )

الدس، وأغراه بأن يكون على الأمل في شهامته وبسط جواره على كل من يلجأ الى حماه، وذلك اذ يقول فيه:
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد     *     كريم، فلا يشقى لديك المجانب تعلم بأن الله زادك بسطة     *     وأسباب خير كلها بك لازب وانك فيض ذو سجال غزيرة     *     ينال الأعادى نفعها والأقارب (1)

     ويدعوه في ثانيهما الى الاسلام، كما جاء فيه، من قوله:
تعلم مليك الحبش أن محمدا     *     نبي كموسى، والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به     *     فكل، بأمر الله، يهدي لمعصم

____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/333 ـ 334.



ه( 29 )

وانكم تتلونه في كتابكم     *     بصدق حديث، لا حديث المرجم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا     *     فان طريق الحق ليس بمظلم (1)

     فهل من يدعو الى الاسلام يكون غير مسلم؟
     (هـ) لما علم بتظاهر قريش على الرسول قال (2) :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا     *     نبيا كموسى خط في أول الكتب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا     *     لعزاء من عض الزمان ولا كرب

     (و) لما بلغه أن أحد المشركين، وضع أقذاره على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ساجد في الصلاة، وأنه يسخر من حركاته فيها، ويظاهره في هذه السخرية بعض الحاضرين،
____________
    
     (1) المستدرك على الصحيحين للحاكم: 2/623 ـ 624. باختلاف بسيط.
     (2) سيرة ابن هشام: 1/352.



ه( 30 )

جاء مسرعا مغضبا الى حيث يوجد النبي حينئذ، وسأل من فعل به هذا، فلما علم أنه الشاعر ابن الزبعري لطمه لطمة أدمته، وألقى عليه نفس القاذورات، ولوث بها لحييه، ثم توجه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عطف وحنان ـ فقال له: أرضيت؟ ولم يلبث أن جادت قريحته بشعر يتحدي فيه كل من يقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوته الى دينه، يقول فيه:
أنت النبي محمد     *     قدما أعز مسود أني تضام ولم أمت     *     وأنا الشجاع العربد وبطاح مكة لا يرى     *     فيها نجيع أسود وبنو أبيك كأنهم     *     أسد العرين توقدوا نعم الأرومة أصلها     *     عمرو الحطيم الأوحد ولقد عهدتك صادقا     *     بالقول لا تتزيد ما زلت تنطق بالصوا     *     ب وأنت طفل أمرد (1)

     4 ـ وبما روي عن العباس أنه سأل النبي
____________
    
     (1) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: 14/77.



ه( 31 )

صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، فقال: يارسول الله، ما ترجو لأبي طالب؟ فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((أرجو له كل الخير من الله عز وجل (1) .
     فهل يرجو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخير ـ بل كل الخير لأحد، وجهت اليه دعوة الاسلام، ولم يستجب اليها؟
     ويرى بعض المعتزلة وأكثر الجمهور من السنة أن أبا طالب مات على غير الاسلام (2) وأن نصرته وحمايته للنبي كانت بسبب القرابة العائلية، ومن قبيل النخوة والقبلية، ويستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به له:
     1 ـ بأبيات كثيرة من شعره تؤيدهم فيما ذهبوا اليه، ومنها:
____________
    
     (1) شرح النهج: 14/68.
     (2) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: 14/66.



ه( 32 )


     قوله:
فوالله، لولا أن أجيىء بسبة     *     تجر على أشياخنا في المحافل لكنا أتبعناه على كل حالة     *     من الدهر جدا غير قول التنازل (1)

     وقوله:
لولا الملامة أو حذارى سبة     *     لو جدتني سحا بذاك مبينا (2)

     ويلاحظ على هذين القولين أنه، يجد الحرج في الاعلان عن، اسلامه، ولكنه يؤكد بهما حقيقة ايمانه. ومن ثم كيف يقال: أنه مات على ما كان عليه قبل الإسلام؟
     2 ـ وبما رواه ابن اسحاق من أنه صلى الله عليه وآله وسلم طمع في اسلام أبي طالب لما رأى منه قبل وفاته،
____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/180.
     (2) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: 14/55.



ه( 33 )

فجعل يقول له: ((أي عم، قلها ـ أي كلمة التوحيد ـ استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي، والله ـ لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنني انما قلتها فزعا من الموت، لقلتها، ولا أقولها الا لأسرك بها (1) ، فلما تقارب الموت من أبي طالب، نظر العباس اليه فوجده يحرك شفتيه، فأصغى اليه بأذنيه ثم قال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم أسمع)) (2) . فهو هنا مؤمن، ولكنه يخاف ـ من اعلان اسلامه ـ السبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بني أبيه.
     ولعمري كيف يمكن أن يكون اسلام أبي طالب سبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو نبي الاسلام، الداعي اليه، متحملا من الايذاء في سبيله ما لا قبل لغيره به، اذا سلمنا، جدلا، أنه يكون سبة على بني أبيه؟ بل هل يدعو النبي
____________
    
     (1) سيرة ابن هشام: 1/418.
     (2) المصدر نفسه: 1/418.



ه( 34 )

الى ما فيه سبة عليه؟ وكيف يتصور أن يكون اسلام أبي طالب على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حينئذ سبة، وقد كان علي وجعفر وعمهما حمزة، كلهم في ذلك الوقت مسلمين فعلا بصورة علنية؟
     على أنه كيف يتصور أن يهتم العباس بأن يتابع شفتي أبي طالب، حينئذ، ويتسمع اليه بأذنيه ـ ليتأكد مما يقول في شأن هذا الذي أمره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهو لما يعرف عنه الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام حتى شهد بدرا في صفوف المشتركين، وكان من أسراها؟
     وحينئذ كيف يتصور اذا كان اسلام أبي طالب سبة على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أن يحقق العباس هذه السبة، فيقول للنبي: ((يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها))؟ وكيف يتصور ـ اذا كان ذلك قد حدث فعلا ـ أن يقول النبي صلى الله عليه وآله


ه( 35 )

وسلم: ((لم أسمع))، مع أنه هو الذي أمره أن يقولها، وأخبره عمه بنطقه بها؟
     3 ـ وبما روي عن ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ((وهم ينهون عنه، وينأون عنه (1) أنه قال: أنزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد عما جاء به)) (2) .
     فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن ابن عباس نفسه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجو لأبي طالب كل الخير من ربه؟ لابد أن احدى الروايتين مكذوبة (3) على ابن عباس.
     4 ـ وبما روي أن عليا عليه السلام جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين مات أبو طالب ـ فقال: ان عمك الضال قد مات، فقال
____________
    
     (1) الأنعام: 26.
     (2) أسباب النزول ص144 للواحدي.
     (3) مما يشير الى أن المقام دخله الكذب والوضع وناهيك بما في هذا من اثارة للشك والريبة من الرواية.



ه( 36 )

اذهب فغسله، وكفنه، وواره (1) فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن الامام علي نفسه من أنا أبا طالب ما مات حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا؟ واذن فلابد أن احدى الروايتين مكذوبة أيضا على علي عليه السلام.
     ولو سلمنا جدلا، أن أبا طالب لم يعلن اسلامه قبل مماته، فهل ينكر أحد أنه لم يدع وسيلة لنصرة النبي وحماية دعوته إلا وأتبعها؟
     وهل من كان هذا شأنه يستحق من ابنه المسلم، أن يقول عنه ـ حين مماته ـ لرسول الله أن عمك الضال قد مات؟
     أفلا كان يكفيه، وهو ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمنشأ على أخلاق الإسلام وعفة اللسان ـ أن يقول، حينئذ: ان عمك قد مات، دون أن يصفه بالضلال؟
____________
    
     (1) شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني: 1/153.



ه( 37 )


     وهل هذا من بر الوالدين الذي نزل به القرآن من مثل قول الله تعالى: ((وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من أناب الي)) (1) .
     وعلى ما تقدم كله، نتساءل:
     الى أي مدى يمكن اعتبار ما نسب الى أبي طالب من الشعر ـ على تعارضه ـ دليلا على أنه أسلم بالفعل أو لم يسلم؟
     والى أي مدى يمكن اعتبار الروايات التي استعرضناها ـ على تعارضها أيضا ـ دليلا لهذا الفريق أو ذاك؟
     لا شك أن النظرة الملية الى الظروف التي أوحت بهذا الشعر أو ذاك وبهذه الرواية أو تلك، والي البيئة النفسية، التي أنتجت كلا منهما، والى التيارات السياسية التي تقاذفتهما سنين طويلة عبر قرون زاخرة بالتعصب المذهبي الذي فرض نفسه على الأفكار والآراء على صعيد العالم
____________
    
     (1) لقمان: 15.



ه( 38 )

الإسلامي كله، طولا وعرضا… كل ذلك ينبغي أن يكون في الاعتبار عند النظرة الى هذا الشعر أو ذاك، والى هذه الرواية أو تلك، عن اسلام أو عدم اسلام أبي طالب، الذي شاء له القدر ـ بلا نزاع من أي من الفريقين ـ أن يكون كافل النبي صلى الله عليه وآله وسلم طفلا، وراعيه يافعا، وحاميه عند مبعثه، حيث لم يكن له بين الناس حام سواه.
     واذا كان مما لا خلاف فيه، أيضا، أن ما جرى لأهل البيت خلال القرون المتوالية على الأمة الإسلامية من جحود وقطيعة ـ عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان كفيلا بأن يحول بين صفحات التاريخ وبين أن تخط فيها كلمة انصاف يكتبها قلم، أو تنطقها شفتان، تثنى عليهم أو تعترف بفضلهم… (1) ,
     فلقد كانت الحرب ـ ولا تزال بصورة أو بأخرى معلنة عليهم في كل زمان ومكان. ولقد تعقبوا في النفس والولد والمال والسمعة، ولاحقتهم الاحقاد باللعن والسب والإساءة… وحل بهم
____________
    
     (1) هذه الفقرة مقتبسة من ص66 ـ 67.



ه( 39 )

التنكيل والتقتيل في كل مكان. ولم يكن عجبا ـ والحالة هذه ـ أن يتناولهم كثير من الكتاب، ورواة الأنباء والأخبار بما يستجيب ويتمشى مع النزعات السياسية والمذهبية المخالفة، بما يثلبهم ويقدح فيهم، ويحرف الحقيقة في شأنهم، وأن يكون موقف ذوي الضمير من هؤلاء، وهؤلاء متمثلا في اهمال أمرهم، وعدم التعرض لذكرهم بسلب أو بايجاب، خشية من أن ينالهم ما ينالهم من الأذى والنكال والعقاب، مما كان يحل بكل من اتخذ الموقف الحق منهم، وفي أحداث تاريخنا المعاصر ما يمدنا بالأمثلة الصارخة، والمتعددة، مما يحدث للمعارضين للحكام.
     ومن ثم فاذا تسرب الينا ـ من خلال هذا الحصار والإعسار ـ شيء من سيرتهم المضيئة، أو قبس من أقوالهم ومواقفهم المعبرة عن حقيقة الإسلام، أو شعلة من معالم سلوكهم الرشيد، فلا شك أنه حدث في غفلة من الطغاة وأعوانهم، وعلامة صحية على أن العقيدة ـ حين تملك على الإنسان وجدانه وسلوكه ـ تدعوه لأن يتحدى


ه( 40 )

الأوضاع، ليتغلب عليها بقدر الإمكان. وهذا هو الذي ظهر، فيما بعد، أنه كان حتى أصبح مادة لما نقوله الآن.
     لقد وصل الينا ـ رغما عن كل الموانع والعوائق ـ شعر يحدثنا عن اسلام أبي طالب، منسوبا اليه، وروايات تاريخية تؤكد ذلك منه، أفلا يكون هذا مرجحا لما روي من هذا أو ذاك، على ما روي في الجانب الآخر النافي لإسلامه؟
     ان الأمر ـ حينئذ، والحالة هذه ـ ان لم يرق الى رتبة الدليل، فانه، بلا شك، لا ينزل عن مرتبة القرينة القوية التي تصل بانضمام غيرها من القرائن الى مرتبة الدليل القوي، والبرهان الجلي، دون أن يعني هذا تهوينا من نسبة هذا الشعر الى أبي طالب، أو صحة تلك الروايات، بما فيها من دلالة صريحة على اسلامه، فقد ورد ذكرهما في كثير من الكتب والمراجع التارخية المعترف بوثاقتها، وصحة نقلها مثل: تاريخ ابن كثير، وسيرة ابن هشام، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ومستدرك الحاكم.


ه( 41 )

ومن ثم فاننا نضم الى تلك القرينة القوية غيرها من القرائن الآتية، وسنجد أنها كلها يأخذ بعضها برقاب بعض، مؤكدة اسلام أبي طالب، حتى لا يبقى في ذلك مجال للشك، وذلك أنه من المعلوم:
     1 ـ أن رابطة الدين هي أقوى الروابط الاجتماعية، وأمامها تذوب، بل تزول وتتلاشى، سائر الروابط النسبية والسببية، أيا كان نوعها، وأيا كانت درجة كل نوع منها، حتى لقد يبلغ من قوة تأثيرها أن تدفع الأخ لأن يحارب ـ في سبيلها ـ أخاه، بل وابنه وأباه، وأنها تمنع التوارث بمجرد اختلافها، وأن الولاء والتناصر يتحققان بين المتفقين فيها، مهما تباعدوا نسبيا، أو تفاوتوا اجتماعيا.
     ومن ثم لا يمكن أن يقال: ان رابطة القرابة كانت سبب نصرة أبي طالب لرسول الله وحمايتة له من أعدائه، تلك الحماية التي لولاها لما أمكن للدعوة الإسلامية أن تأخذ مسارها نحو الشيوع والانتشار، والا فقد كان أبو لهب ايضا ـ ونبفس المقدار ـ جديرا بنفس النصرة والحماية، فكلاهما


ه( 42 )

عم لرسول الله، ولكن أبا لهب على العكس من أبي طالب كان حربا عوانا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودينه وأتباعه، بكل أصناف الحرب وأنواع الإيذاء…
     واذن فالعقيدة هي الأولى أن تكون عامل التفرقة بين الرجلين فأبو لهب ملكت عليه عقيدته كل آفاق تفكيره فلم ير شيئا غيرها جديرا بالنظر والاعتبار، فكانت وقفته المتحدية لله ولدين الله ولرسول الله، لا يرعى في ذلك رحما أو قرابة، حتى عرض ابن أخيه للهلاك واهدار الدم، بينما أبو طالب، اذ أخذت عليه عقيدة الاسلام كل آفاق تفكيره ـ بعد أن اقتنع بها، انطلاقا من تجربته لصدق محمد صلى الله عليه وآله على طول عمره قبل البعثة ـ فرآها جديرة بالاعتبار بل والانتصار، ومن ثم اندفع يؤيدها بكل مرتخص وغال، معرضا نفسه للمتاعب والأهوال، مما سنعرض لطرف منه في الفقرات التالية:
     فالرجلان (أبو طالب وأبو لهب) من قرابة محمد


ه( 43 )

صلى الله عليه وآله وسلم متماثلان، ومن ثم لم يكن اختلاف موقف كل منهما عن الآخر منه صلى الله عليه وآله وسلم الا تبعا لعقيدة كل منهما فيه وفي دينه فكان أحدهما الى اليمين وكان الآخر الى اليسار.
     2 ـ أن أبا طالب كان يرى بطلان عقيدة قومه من مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام، فقد ثبت ـ كما سبقت الإشارة ـ أنه كان من المتألهين الحنفاء، الذين لم يهيموا بصنم قط، ولم يسجدوا لوثن أبدا، كما كان على ذلك أبوه عبدالمطلب تماما (1) .
     3 ـ أن أبا طالب أقر ابنه عليا عليه السلام على متابعته لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والابن أهم ما يحرص الأب على الحفاظ على عقيدته، ودينه، وأمنه وسلامته، فكيف اذن كان هذا الدين يعرض من يتبعه لصنوف من الإيذاء والآلام؟ وهل يكون ذلك من غير مسلم؟
____________
    
     (1) الشيخ الصديق اكمال الدين: 104 والقاضي عياض في كتابه الشفا: 1/183.



ه( 44 )


     4 ـ أن أبا طالب رأى النبي يوما يصلي وعن يمينه ابنه علي، وكان معه ابنه جعفر فأمره أن يدخل في الجماعة، قائلا له: ((صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره))، مما يدل على أن جعفرا كان مسلما من قبل، ويعرف الصلاة الإسلامية، وأن أبا طالب كان يعرف أحكامها كذلك. وهو بذلك يقدمه مع أخيه قربانين لهذا الدين في مناخ كله حرب عليه وشجب له، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟
     5 ـ أن أبا طالب ظل على موقفه من نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته له ولدعوته طول حياته ولم يسلمه ـ تحت أي ظرف ـ الى خصومه وأعدائه أبدا.
     6 ـ أن أبا طالب صمد لتحدي قريش بالمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، مقيما بشعبه في مكة، ثلاث سنوات متواصلة مع بني هاشم، عانوا خلالها جميعا من الشظف والمسغبة والحرمان مما تعجز الكلمات عن وصف مداه وتقدير عنائه، دون


ه( 45 )

أن يتطرق اليه الوهن أو الضعف أو التردد، فهل يكون ذلك لمجرد القرابة دون أن يكون للعقيدة مدخل فيه؟
     7 ـ أن أبا طالب لم يتردد في تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما أخبره أن الأرضة قد أكلت وثيقة المقاطعة المودعة بالكعبة ولم يبق فيها الا اسم ((الله)) فقط، فخرج الى قريش متحديا بذلك. وكان الأمر كما أخبر الرسول تماما، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟ أو هل يبقى بعد ذلك غير مسلم، لو لم يكن مسلما من قبل؟
     8 ـ أن النبي ظل مقيما بمكة يدعو الى الإسلام، آمنا على حياته" طيلة حياة أبي طالب، ولم تضق عليه الأرض بمكة إلا بعد أن فقده بموته، فكان أذن الوحي له بالهجرة، لأن البقاء في مكة بعد أبي طالب لم يكن يعني فقط اجهاض الدعوة، واكراه المؤمنين بها على الارتداد عنها، وانما كان يعني أيضا الإجهاز على الإسلام نهائيا من الأساس لو تعرض النبي للقتل. وهذا هو


ه( 46 )

ما خطط له القرشيون بالفعل، وعلى رأسهم عمه أبولهب، وكانت ساعة الصفر في نفس الليلة التي أذن النبي فيها بالهجرة، من مكة الى المدينة، فهل من كان وزنه بالنسبة للدعوة الإسلامية أن حياته في مكة حياتها وحياة نبيها، وأن مماته بمكة تعريض لهما الى الضياع والفناء، يكون على غير دين الإسلام؟
     9 ـ و أخيرا وليس آخرا اننا نجد التاريخ لا يسجل، ولو لمرة واحدة، أن أعدى أعداء على ابن ابي طالب ـ وهو معاوية بن أبي سفيان ـ يطعن في اسلام أبي طالب، مع أنه لم يكن يرعى عهدا ولا ذمة في الطعن على علي عليه السلام والادعاء عليه بما ليس فيه والانتقاص منه بنسبة ما هو متأكد من براءته منه، حتى لقد بلغ من حقده عليه أنه.
     (أ) أمر بلعنه على منابر المساجد، وأوصى باستمرار ذلك من بعده.


ه( 47 )


     (ب) تتبع كل من يوالونه ليكرههم على البراءة منه أو يقتلهم أن امتنعوا من ذلك.
     (ج) أمر بوضع الأحاديث التي تنسب اليه ما يشينه من جهة، والتي تضفى على غيره ما خصه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات ومزايا من جهة أُخرى.
     ومع كل هذا فلقد كان علي عليه السلام يهاجمه بما فيه أمه هند، وأبيه أبي سفيان، من مذام ومثالب، فهل كان معاوية ـ وقد صار الأمر الى الآباء والأمهات ـ يعف عن أن يرمي عليا عليه السلام في أبيه بتهمة الكفر، لو كان لذلك ظل من الشبهة، فضلا عن الحقيقة، نكاية في علي، وردا على نيله من أبويه (1) ؟
     لا يقولن أحد ما يدريك لعل ذلك قد كان من معاوية، فها هي رسائل معاوية كلها الى علي عليه السلام ـ كما يسجلها التاريخ ـ لا تنطوي واحدة منها على كلمة تشير ـ من قريب
____________
    
     (1) شرح نهج البلاغة: للشيخ محمد جواد مغنية: 3/471.



ه( 48 )

أو من بعيد ـ الى أن أبا طالب لم يكن ـ حين مات ـ على غير الإسلام، مما يؤكد أن قضية التشكيك في اسلام أبي طالب لم تكن مطروحة حتى زمن تمرد معاوية على علي عليه السلام، والا اهتبل معاوية فرصتها، وكال لعلي، في هذا الباب، مقابل الصاع صاعين.
     ولا أدل على ذلك من أن معاوية، حينما دخل عليه، بالشام، عقيل بن أبي طالب، في زمن خلافة أخيه علي عليه السلام، وأراد أن يقلل من شأن عقيل، (اسلاميا، بما ينسحب، تبعيا، الى الامام علي عليه السلام فقال له: أين عمك أبولهب يا عقيل، فكان جواب عقيل الفوري عليه يا معاوية، اذا دخلت النار فمل عن يسارك قليلا، تجده مفترشا عمتك أم جميل (1) .
     فما الذي كان يحوج معاوية الى أن يعدل ـ في هذا الإحراج ـ الى أبي لهب، فيحيق به مكره كما حدث له، ويترك أبا طالب لو أن هناك أدنى
____________
    
     (1) العقد الفريد: 2/315.



ه( 49 )

شك في اسلامه، حيث كان، حينئذ، سيضرب عصفورين بحجر واحد، يحرج عقيلا، ويشهر بخصمه الألد علي عليه السلام دون أن يدع لعقيل فرصة الرد عليه بما يفحمه كما حدث بالنسبة لأبي لهب.
     أفلا يدل هذا وحده دلالة أكيدة على أن كل ما روي في شأن عدم اسلام أبي طالب ـ فيما بعد ـ كان من قبيل الوضع، وتزييف الحقيقة، والافتيات على الواقع؟
     أما بعد:
     فهذه قرائن تسع، تكفي كل واحدة منها حين تنضم الى ما روي من شعر منسوب الى أبي طالب يثبت اسلامه، أو روايات المؤرخين في هذا الشأن لأن تقيم الدليل القاطع، الذي لا يدفع، على أن أبا طالب انما مات على الإسلام، فكيف بها مجتمعة، متضافرة، ومتكاملة، يأخذ بعضها برقاب بعض، نحو غاية واحدة، ونتيجة مؤكدة، وهي أن أبا طالب ـ حين مات ـ انما مات على الإسلام، لا أقول الإسلام الذي وقع حينئذ فقط،


ه( 50 )

وانما الإسلام الذي كان، منذ بداية بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون جدال.
     وفي ضوء ما تقدم جمعه يثور تساؤل ملح يتلخص في أنه ما هو السر في هذا اللغط، الذي دار ـ ولا يزال يدور ـ حول اسلام أبي طالب، نفيا واثباتاً؟
     ولا أرى تعليلا لذلك الا أن السياسة شاءت ذلك، فكان لها من أعوانها وحاشيتها من الكتاب والمؤرخين والرواة ما شاءت، ذلك أن أبا طالب هو أبو علي عليه السلام الإمام، وكنز الأئمة وحق علي عليه السلام ـ والأئمة من بعده ـ في ولاية أمر الأمة، سياسيا واجتماعيا، دون غيرهم، هو معتقد الشيعة، وقد صار أمر الأمة الى غيرهم، فكانت مصلحة الحاكمين ـ وخاصة في العصر العباسي (1)
____________
    
     (1) بعد أن خرج كثير من أهل البيت ضد المنصور العباسي أطلق هذه الفرية ضد أبي طالب ليوحي الى الناس أن العباسيين هم بنو العم، الذي أسلم بينما الطالبيون هم بني العم، الذي لم يسلم. وبذلك يزكي ويرجح موقفه السياسي على خصومه من أهل البيت.



ه( 51 )

ـ ملاحقة هؤلاء الأئمة بالتنكيل والتحريف والتشويه بشتى الوسائل، طالما كانت قلوب الناس تطوف حولهم وتعطف على مظلوميتهم. ومن ثم لم يدع الحكام فرصة لثلب مزايا الأئمة، ونفي محاسنهم، وشل مفاخرهم، الا واهتبلوها.
     ولقد كان في مقدمة مفاخر آل البيت موقف أبي طالب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودينه منذ بدأ، رعاية وحماية، ودفاعا مجيدا، لا يقف عند حد، ولا يتقيد بقيد، بما لولاه لما تمكن أن يأخذ هذا الدين طريقه الى نور الحياة فضلا عن أن ينتشر ثم ينتصر. ومن ثم كان أبوطالب من أهداف هذه الحملة السلطوية الشنعاء ضد أهل البيت، فكانت الأشعار المنحولة، والروايات الموضوعة المدخولة، لنفي اسلامه، حتى لم يتورعوا، في هذا المجال، عن أن ينسبوا بعض الروايات تارة الى علي نفسه، وأخرى الى ابن عباس (1) .
____________
    
     (1) أنظر: ص35.



ه( 52 )


     وما رأينا مثل هذا الجدل ثار حول اسلام كثير من المنافقين، وبخاصة من الذين قال الله تعالى فيهم لنبيه: ((لا تعلمهم، نحن نعلمهم )) (1) ولكنه ثار حول اسلام أبي طالب، لا لشيء الا لأنه أبو علي عليه السلام الإمام، أبي الإمامين، وجد الأئمة، متمثلا في التشكيكات التي حيكت لها الأشعار. والروايات، تنفيرا للناس، وصرفا لهم عن قضية الأئمة، ونشرا للضباب حولها، حتى لا تكون الحقيقة واضحة جلية أمام الرعية، فيطمئن الحكام الى استقرار ملكهم، واستمرار حكم أسراتهم. ولكن الله كان بالمرصاد، فقد أشرقت شمس الحقيقة، فبددت سحائب الضباب المصنوع، حيث شاء الله تعالى أن تذهب ـ الى غير رجعة ـ عصور العصبية المذهبية والعداوة العائلية لأهل البيت، وسادت الحرية الفكرية، فانطلق الحق
____________
    
     (1) التوبة: 101.



ه( 53 )

يأخذ طريقه الى الوضوح والأسفار عن وجهه الصحيح. ومن ثم فان الغد القريب أو البعيد سيشهد ـ باذن الله تعالى ـ تصحيح كثير من المفاهيم، وانصاف كثير من المظاليم، واذابة الثلوج بين القائلين باسلام أبي طالب والقائلين بعدم اسلامه، لا بالنسبة لهذا الموضوع فحسب، ولكن بالنسبة لكثير من المعتقدات المدعاة والمفتراة، ولله عاقبة الأمور. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد وعلى آله الميامين وسلم تسليما كثيرا.


ه( 54 )

رأي الأستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود في اسلام أبي طالب

     واليك أيها القارىء الكريم ما جادت به براعة الأستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود فلقد اخترته شاهدا لانصاف هذه الحقيقة لأنه لم يكن من الشيعة حتى يتهم بالتحيز لقضيتهم وقد ذكرنا في المقدمة أنه كان له رأي في بداية عهده بالكتابة يقف فيه من ايمان أبي طالب موقفا سلبيا ثم انتهى بعد ذلك الى هذا الرأي الجديد الايجابى نرجو أن تسايره لتعرف وجه الحق في رأيه الجديد (1) .
     يقول الأستاذ: ورد في الأخبار أن أبا طالب: عبدمناف بن عبدالمطلب، رأى النبي وعليا يصليان، وكان معه ولده جعفر، فقال له:
     ((يا جعفر.. صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره)).
____________
    
     (1) لأول مرة ينشر هذا الرأي.



ه( 55 )


     ثم أنشد:
((ان عليا وجعفرا ثقتي     *     عند ملم الخطوب والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما     *     أخي لأمي، من بينهم، وأبي والله لا أخذل النبي ولا     *     يخذله من بني ذو حسب ))

     وأثر أيضا أنه ـ لما علم أن قريشا تكيد لمهاجرة المسلمين بالحبشة ـ كتب الى النجاشي ينبهه الى هذا الكيد كتابا من الشعر، قال فيه:
((تعلم أبيت اللعن انك ماجد     *     كريم، فلا يشقى اليك المجانب تعلم بأنّ الله زادك بسطة     *     وأسباب خير كلها بك لازب وانك فيض ذو سجال عزيزة     *     ينال الأعادي نفعه والأقارب))



ه( 56 )


     وأردف بكتابه هذا، خطابا شعريا آخر، دعاه فيه الى الإسلام كان منه:
تعلم، مليك الحبش، أن محمدا     *     نبي كموسى والمسيح بن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به     *     فكل، بأمر الله، يهدي لمعصم وانكم تتلونه في كتابكم     *     بصدق حديث، لا حديث المرجم فلا تجعلوا لله ندا، واسلموا     *     فان طريق الحق ليس بمظلم

     وروي أنه سمع يوما أن ((ابن الزبعري)) جاء باقذار، فألقى بها على رسول الله وهو ساجد يصلي، وراح يسخر به، ويتابعه على سخريته جمع من المشركين ـ فأقبل مسرعا غاضبا، وسأل ابن أخيه:
     ((يا بني.. من الفاعل بك هذا؟))
     فلما علم، لطم الشاعر الضال لطمة أسالت دمه


ه( 57 )

. . . ثم لطخه بتلك الأقذار، ولوث بها لحى الفريق الساخر. . . وقال للرسول:
     ـ (( أرضيت؟..))
     وأنشده شعرا من بينه:
أنت النبي محمد     *     قرم أغر مسود أني تضام ولم أمت     *     وأنا الشجاع العربد وبطاح مكة لا يرى     *     فيها نجيع أسود وبنو أبيك، كأنهم     *     أسد العرين، توقدوا نعم الأرومة .. أصلها     *     عمرو الحطيم، الأوحد ولقد عهدتك صادقا     *     بالقول لا تتزيد ما زلت تنطق بالصو     *     اب وأنت طفل أمرد

     وبعيدا عن هذا الذي أثر عن ابي طالب من أشعار، كان لابد لي من جولة فيها وأنا أقدم لهذه، الكتاب (1) .. بعيدا عنه والى جواره أيضا نجد
____________
    
     (1) ذكرنا في المقدمة أنه تقديم لكتاب أسنى المطالب لمؤلفه العالم الشافعي الجليل ريني دحلان رحمه الله تعالى.



ه( 58 )

طائفة من رواه الأخبار لها ولوع شديد بأن تطلع على الناس بالعديد من أبطال التاريخ الاسلامي وقد وضعت على شفاههم من القصائد والأراجيز الطوال والقصار أبيات شتات تضفي على مواقفهم المعروضة من روعة البيان النظيم، صحة جمالية تسحر المشاعر، وتجسد البطولات وان كان الكثير من ذلك الشعر لما لا يوافق المألوف ولا يطابق مقتضى الحال، وان كان الكثير أيضا من تلكم المواقف التي قيل فيها، ليزخر من الأهوال والأخطار بما هو أحرى بأن يشغل الناظم المرتجز عن نفسه وسيفه فضلا عن معالجته نظم الشعر وسوق القريض.
     بل ليمكن القول بوجه عام أن جانبا مرويا عن لسان بطل من الأبطال، يأتينا خلوا من سمات عصره، ومن خصائص النظم السائدة في أوان.. أو مفتقرا إلى القدرة البلاغية والمزايا الشعرية للذين نسب اليهم وورد أنهم قائلوه.. كما أن جانبا آخر منه قد يرى فيه في الأسفار والدواوين منسوبا


ه( 59 )

الى بطل آخر.. أو أكثر.. سوى البطل المقصود وليس يعوزنا الاستدلال فالكتاب الذي في أيدينا جاء فيه:
     ومن شعره (شعر أبي طالب) قوله:
وشق له من اسمه ليجله     *     فذو العرش محمود وهذا محمد

     ثم يضيف:
     هكذا نسب الحافظ ابن حجر في الاصابة هذا البيت لأبي طالب وقيل بأنه لحسان بن ثابت الأنصاري.
     وذهب مشركو قريش مرة لأبي طالب يقولون له:
     يا ابا طالب.. هذا عمارة بن الوليد، انهد فتى في قريش.
     وأشعره وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه


ه( 60 )

أحلامهم، وعاب آلهتهم فنقلته.. وانما رجل برجل.. قال لهم:
     والله لبئس ما تسومونني.. أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟..
     يقول (أسنى المطالب).
     ثم أنشد أبو طالب:
والله لن يصلوا اليك بجمعهم     *     حتى أوسد في التراب دفينا فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة     *     وأبشر بذلك وقرمنك عيونا ودعوتني وعلمت أنك صادق     *     ولقد صدقت وكنت ثم أمينا ولقد علمت بأن دين محمد     *     من خير أديان البرية دينا

     ـ ويروى الكتاب الذي في أيدينا وزاد بعضهم بعد هذا:


ه( 61 )

لولا المسبة أو حذار ملامة     *     لوجدتني سمحا بذاك مبينا

     ويعلق واضع الكتاب بقوله:
     ـ فقيل ان هذا البيت موضوع، ادخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه وقيل انه من كلامه وأتى به للتعمية على قريش ليوهم أنه معهم..
     ومع ذلك فلا ينبغي أن يطعن هذا ومثله من تأخذ في ((مضمون)) الشعر المنظوم تصويرا بيانيا لتلك المناسبات البطولية المشهورة وان كنا نراه ينال بعض النيل من صحة انتسابه لأبطاله… أو ـ على الأدق ـ من ((كلية)) انتسابه لهؤلاء الأبطال.. فلربما بدأوه فعلا وأكمله، أو أضاف اليه كما شهدنا آخرين، لربما أنتقص منه.. لربما خالجت أصحابه معانيه وان لم تجر على السنتهم في هيئة قصيد.. لربما أفصحوا عن احساسهم بنثير ((ترجم)) بعد لهم الى نظيم عسى أن يكون بصياغته المنظومة أشد وقعا في القلب وأبعد أثرا في السمع وأكثر تداولا على


ه( 62 )

الشفاه ثم أخلد وأبقى على الزمان بين اُمة تشغفها الأشعار..
     أجل لا تحسبنا نرى مطعنا في ((المضمون)).. فشعر أشباه هذه المناسبات ما كان لينطلق من فراغ.. انما المعقول المنطقي أن لابد له من منبع انبثق منه، أو أصل ثابت ارتكز اليه رواة الأخبار وهم يوردونه لرسم واقعة أو لنقل مروي أو لوصف مرئي أو للتعبير عن احساس.. واذا لم يكن فهذا الشعر هو لسان المقال فلا أقل من أن يكون لسان الحال، وكفانا به صدقا أن يطابق نفسية المنسوب اليه ويوفق الحادث الذي حركه ويصدق الشعور الذي أوحى به ثم لا يخالف المعلوم من الحقائق التاريخية، ولا المتوسم المرتقب من أولئك الأبطال أو المعروف مما يعتنقون من مبادئ ويدينون به من أفكار.
     ونخرج من هذا التعميم الى التخصيص.. تساؤل:


ه( 63 )


     إلى أي مدى يمكن اعتبار ما نسب من الشعر الى ابي طالب صحت النسبة وثبتت، أو علق بها غبار من الريب والشكوك ـ دليلا عن اسلام الشيخ الهاشمي، يؤخذ به ويعول عليه ويكون أساسا تاريخا ثابتا لا يخضع للمراجعة ولايقبل الجدال؟..
     ان ((القرينة)) في ذاتها قد تقترب هوينا من اليقين ولكنها ليست اليقين وقد تساند الدليل ثم لا تكون الدليل..
     والشعر هنا بالنظرة المنصفة والمتجردة ليس إلا القرينة..
     فلقد يومئ الى دليل..
     ولقد يشق الطريق أو يمهده لتلمس البراهين..
     ولقد يساند أدلة هي في حاجة ـ على نحو من الأنحاء ـ الى مساندة ظهير..
     لكنه بكل المقاييس لا يمثل الحجة الدامغة التي لا تدع سبيلا لتقول متقول ولا لجدل مجادل ولا


ه( 64 )

لتأول متأول في أمر لا يبلجه أمام العيون والأفهام الا التدليل..
     انه ليس ((البرهان)) الحسي السمعي المرئي الذي يستطيع وحده اثبات قضية تاريخية هي ((اسلام أبي طالب)) سيد بني هاشم الذي اختلفت فيه الآراء بسبب افتقار صحائف التاريخ الى صورة واضحة للرجل تطلعه لنا وعلى لسانه عبارة التوحيد ((لا اله الا الله))..
     من هنا فان تعمق الظروف التي استنبتت ذلك الشعر ((الطالبي)).. والبيئة النفسية التي تمخضت عنه والتيارات السياسية التي تقاذفته سنين طويلة عبر قرون مليئة بالخطوب والتقلبات. والتعصب المذهبي الذي فرض نفسه ـ في طول الأرض الاسلامية وعرضها ـ على الأفكار في مختلف الأعصر ومع تباين الدويلات والحكام ـ كل هذا يمثل ضرورة لازمة لابد منها لاستنباء ذلك الشعر قيمته ((الكيفية)) بغير حاجة الى النظر في هيئته


ه( 65 )

وحجمه: من حيث الملامح البلاغية ومن حيث الكم والمقدار..
     ولا شك في أننا عندما نقول: ((قيمته الكيفية)) انما نعني: قوة نبضه وصدق تعبيره عن الواقعة موضع البحث: وقصة اسلام هذا العم من أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي شرفته الأقدار بأن يكون كافلا لمحمد منذ طفولته يربه ويرعاه ثم حمى له عند بعثته حين لم يكن له حمى سواه.
     والسؤال الآن:
     ((هل كان شعر أبي طالب ((ناقلا أمينا)) لواقعة اسلامه الى الأذهان)) لعله كان:
     لكنه احتمال مظنون يضطرب معه ميزان الحقيقة بين الشك وبين الرجحان وهو كما، قلنا، قرينة وليس ببرهان..
     ((فهل كان أذن، ذلك الشعر مجرد ((محدث لبق)) عن اسلام الرجل، كل قصاراه العقل يزخرف من القول يدعم، أو يجسم أو يضخم الأحداس


ه( 66 )

والتخيلات التي قد لا يستبعد القول بأنها ـ عن جانب واخر ـ نتاج أعجاب عاطفي هو وليد ((ميول مذهبية)) شاءت أن تستبدل بالحقيقة الخالصة فخامة التهويل؟
     ان هذا الرأي حرى لو قيل بأن يصبغ بالشبهات والشكوك هذه الاشعار ثم لا يعدم أن يجد هنا وهناك بعض المساندة والتأييد حتى ليوشك أن يطرح واقعة اسلام الرجل وشعره المتحدث عنها في متاهة الضياع.
     وثمة الى جوار هذا، واقع تاريخي يجب ألا تغفل عنه الأذهان أو يفوت لغير اعطائه حقه من الاعتبار.
     فالثابت الذي لا يكاد يشوبه خلاف ان العصور الطويلة التي توالت على الأمة الاسلامية عقب وفاة رسول الله، كانت كفيلة بأن تمحو من صفحات التاريخ كل كلمة انصاف يخطها قلم أو تلفظ بها شفتان اعترافا بفضل أهل البيت الكرام فلقد حوربوا كل مكان وحوربوا كل زمان.. حوربوا في النفس والولد والسمعة فتعقبتهم الأحقاد السوداء


ه( 67 )

أينما كان باللعن وفحش القول وتلويث السيرة، كما تعقبتهم بالقتل والنكال والايذاء على مساحة الدولة العريضة في كل مصر وقطر وكل منزل ودار.. ولم يكن من العجيب نتيجة لهذا الاضطهاد ـ أن يتناولهم كثير من المؤرخين ورواد الأخبار، استجابة للنزعات السياسية والمذهبية المناوئة بالقدح والتجريح.. والقلة من الكتاب التي وسعها أن تعف عن التزام هذا الاتجاه العدائي السائد، تغافلت عنهم بالأهمال أو ذكرت من حقائق حياتهم المضيئة أقل القليل بينما فئة أخرى عبثت بأنبائهم ومشت عليها بالتحريف فاذا سلم بعد هذا شيء من سيرهم ومن آراءهم ومن معالم سلوكهم فتلك ((مزية)) تسللت خلسة من وراء أظهر طغاة السياسيين والمذهبيين أو على ((غفلة)) كبرى من الطاعنين والثالبين.
     وما قد يقال في الشعر المنسوب الى أبي طالب من طعون قد قيل من قبل مثله وأكثر منه في أصالة غيره من الأشعار.


ه( 68 )

فقديما طلع الشاعر اليوناني العظيم: ((هوميروس)) على الدنيا برائعته الخالدة: ((الألياذة)) فاذا الاراء من بعد تضطرب في حقيقة الشاعر وفي حقيقة الرائعة على السواء.. واذا ادعاء من بين التهم يقول باسطورية هوميروس منكرا وجوده انكارا كاملا مقررا أنه انما عاش فقط في أخيلة بعض الناس.. واذا ادعاء آخر ينازع الشاعر مشركا معه فيه آخرين واذا ادعاء ثالث يزعم أن الالياذة من صنع عديد من شعراء مجهولين قد توالوا على الأجيال كل واحد منهم يضيف الى شعر من سبق فقرة هنا أو بيتا هناك.. واذا هوميروس بفعل هذه الادعاء فقد حرم من انتماء ملحمته اليه وارتباط أصلها به فلم يعد أباها الشرعي بل تفرق نسبها بين طائفة من صانعي القريض أو بين آباء غير شرعيين كأنما أمها بغي قد تاجرت بنفسها في سوق الأعراض.
     وما لنا نذهب بعيدا موغلين في تراث قدامى اليونان تنقيبا عن الالياذة وهوميروس وملاحقة


ه( 69 )

لما قيل فيهما من اتهام في الماضي والحاضر وأمامنا المثل الحي يتجسد في ((نهج البلاغة)) الذي لم يسلم من طعن طاعنين في نسبته الى أمير المؤمنين. وان كان حالهم لا يختلف كثيرا عن حال الذي يغمض عينيه عن الشمس الساطعة ثم يدعى أن لا نور ثمة ولا نهار..
     اذن فقد خلص الينا ـ على الرغم من كل الظروف المانعة ـ شعر لأبي طالب حدثنا عن اسلامه، مهما قيل في خصائصه الفنية وصحة نسبته فانه ـ مضمونا ـ ينطق بلسان الحال وان لم ينطق بلسان المقال.. فاذا نظر الى هذا الشعر على أنه ((دليل)) على اسلام الشيخ الجليل فهذا بلا ريب تجاوز لا يسهل أقراره لأنه الدليل الذي لا يمكن من الوجهة التاريخية أن يثبت على قدميه أمام ألسنة الاقلام المغموسة في عداد الحقائق المؤكدة المبرأة من عوج الانحياز واذا أخذ على أنه ((قرينه)) تضاف الى غيرها من القرائن المساندة فلا تتريب.
     وليس تجنيا على هذا الشعر أن يقال فيه هذا


ه( 70 )

الذي يقال ذلك لاضطراب الأراء في حقيقته: أهو حقا لأبي طالب؟ أم منسوب اليه؟ أم قد عرف بأنه لغيره من الناس؟ وهل كله أو بعضه في جميع حالات الافتراض؟
     ان الشك فيه وارد لا جدال.. واذا كان من المتفق عليه عرفا أو قانونا أن الشك يؤول عادة لصالح المتهم فهذا مبدأ مجاله ساحة القضاء وليس ساحة التاريخ الذي لا معدى عن قيام أحكامه على أرض صلبة عصيبة على الانهيار..
     ولا يعني هذا ولا ينبغي أن يعني ففي عزوه الى أبي طالب جملة وتفصيلا ونفض اليدين منه فما من أحد يستطيع أن ينكر ورود ذكره متأثرا في كثير من الكتب والمراجع التاريخية والمعترف بها كتاريخ ابن كثير وسيرة ابن هشام وشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد كما أن نتفا منه قد جرت على السنة ثقاة، فضلا عن الأئمة وعلى رأسهم أمير المؤمنين.. كذلك فان وروده في تلك الاسفار


ه( 71 )

لا يعني أنه دليل قاطع على صحة نسبته بما لا يدع مجالا للارتياب بل هو حقيق بالكثير من المراجعة والتمحيص كأغلب ما انتقل الينا من روايات الرواة.. وهل هو الا نوع من الروايات روايات الرواة.. وهل هو الا نوع من الروايات منظوم فيه الحادث، وفيه شخوص التأريخ..
     أما في الأخذ به كحجة قاطعة على اسلام الشيخ أن يواجه حجة أقطع هي ما ورد من نصوص مشهورة تبين أنه لم يعلن عن اسلامه ولم يجاهر بشهادة ((لا اله الا الله)).. فضلا عن ذلك الحديث النبوي ـ أو المنسوب لرسول الله ـ الذي يصور أبا طالب متأبيا على النطق بكلمة الإسلام، وهو يكاد ينسلخ من الحياة.
     حذرا وحيطة يحمل شعر أبي طالب الذي استفاض بذكر اسلامه واعلانه الدخول في دين الله ـ على أنه مجرد قرينة.. تماما كقرينة انحداره من صلب سلالة طاهرة لم يشب الشرك نقاوة معدنها الروحي تكريما لمحمد النبي المختار،


ه( 72 )

وتأكيدا على أنه عليه الصلاة والسلام، طاهر من أطهار..
     ولا مماراة في طهارة أُصول الرسول..
     فهذا جده عبدالمطلب، كمثال كان متألها موحدا على ما ورد في الأخبار.. فلقد كان حنيفا على ملة ابراهيم وكان يأمر أبناءه بترك الظلم والبغي والعدوان، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور وكان يرفض عبادة الأصنام ويحض على الوفاء بالنذر ويمنع نكاح المحارم، ويرى قطع يد السارق ويحرم الخمر والزنا وينهى عن وأد البنات على نفس المنوال الذي جاء به القرآن بعد بضع عشرات من السنين.. وهو القائل: ((والله ان وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن باحسانه ويعاقب المسيء ((باساءته)) ايمانا منه بالبعث والنشور..).
     وقد اختلف في تفسير معنى الطهارة كما وردت في الحديث النبوي القائل: ((نقلنا من الأصلاب


ه( 73 )

الطاهرة الى الأرحام الزكية)) فقيل: انها تنزيه الأمهات عن السفاح، وقيل: بل تنزيه الظهور والبطون عن الشرك بالله.. والرأي الأخير فيمانحسب أصوب لما علم من ثبات تلك الأصول الشريفة على ملة ابراهيم.
     لكن طهر الظهور والبطون: أسلاف محمد، لم يعصم سليلهم أبا لهب عبدالعزى بن عبدالمطلب من التنكر للاسلام ومن التنكر لنبي الاسلام ومن اشعالها نارا حامية من الحقد والعداوة على ابن أخيه ورسالة السماء التي تنزلت عليه لم يبرد لها حر، ولا فتر أوارها حتى أهلكه الله. وعلى هذا فالبقاء على الحنفية لا يعني الدخول في الإسلام وان كانت الحنفية نفسها محتواة في الإسلام..
     ومن الخطأ اعتبار القرابة سر انعطاف أبي طالب الى محمد وحمايته له من أعدائه تلك الحماية التي فتحت الطريق واسعا لنشر الدعوة الإسلامية والا فقد كان أبو لهب وغيره من أقرباء الرسول الذين لم يتبعوه آنذاك حقيقين بالانعطاف.


ه( 74 )


     فلقد تكون القرابة دافعا للمناصرة كما قد تكون في كثير من الأحايين عاملا قويا لأنشاب الخصومة ونشر الحزازة بين القريبين بالنسب وبالرحم لوجد أحدهما على الآخر ظفر دونه بما أخفق هو في الحصول عليه وأنهما لا بني أب واحد أو أصل واحد.
     انما العقيدة هي الأولى في راينا أن تكون سرا لانعطاف أو تكون سر الازورار. ولا غرابة في هذا لأن المكافأة بين الرجلين هي التي تثبت الاخفاق أو تثبت الرجحان حين توضع القرابة في الكفة الأخرى ثم ينظر بأيهما يثقل أو يخف الميزان. فأبو لهب ملكت عليه عقيدة قومه كل أفاق تفكيره فلم ير شيئا غيرها من العقائد والأفكار حقيقا بالرؤية والاعتبار أو لم ير شيئا غيرها على الاطلاق أولى بالسيادة والانتصار فكانت وقفته تلك المنكرة لله، الغالية في العداء للدين الجديد ولنبيه العظيم الى أقصى ما يمكن أن تبلغ المغالاة ومن ثم فقد


ه( 75 )

أهدر حق القربى والدم وباع ابن أخيه بأبخس الأثمان، وأبو طالب قد أخذت عليه العقيدة الجديدة: الإسلام أفاق تفكيره ومجامع قلبه فرآها الجديرة بالمناصرة والتأييد ومن ثم كانت وقفته الخالدة الى جوار محمد ودينه وان لقى في هذا السبيل ما يفوق الاحتمال من أخطار.. فالرجلان من قرابة محمد سيان ولم يكن اختلاف موقفيهما الا مظاهرة للب عقيدة كليهما فمال أحدهما الى اليسار ومال الآخر الى اليمين.
     والواقع أن موضوع اسلام أبي طالب لا يغني فيه المنقول عن المعقول وليس مما يرجع في تحقيقه الى الأسفار وحدها لفرط ما غلب من بعد على تاريخ تلك الفترة من تزييف وابتداع الأحاديث والروايات وحسبنا دليلا على تغلب الميل لعقيدة محمد في نفس أبي طالب أن الشيخ الكريم ـ انتصارا لهذه العقيدة ـ قدم ابنه أمير المؤمنين وهو أعز على نفسه من كل أهله بمقياس القرابة فداء لابن أخيه وهو في الحقيقة فداء للدين.


ه( 76 )


     وقد يضيف الى صورة الحقيقة بعض الأضواء التى تظهرها مجلوة مبجلة أمام الأذهان أن نجد التاريخ خلوا من الطعن في اسلام أبي طالب بلسان أعدى أعداء علي الذين كانوا لا يرعون عهدا ولا ذمة في الادعاء عليه بكل مثلبة ومنقصة هم أول من يعملون أنه منها براء.. (1) ولمن يحتاج في هذا الرأي فليأتنا من رسائل معاوية بن أبي سفيان الى الاسلام بما يشير من بعيد أو قريب الى أن أبا طالب مات على غير دين الإسلام.. ليأتنا بكلمة واحدة في هذا الخصوص في وقت كان علي يرمي ابن هند وأباه أبا سفيان بما فيهما من مذام وهل كان معاوية ليقف عن رمي شيخ الطالبيين بتهمة الكفر لو أنه عثر على أدنى شبهة تشوب اسلامه؟
     لكن هذا الذي فات العاهر الأموي أن يدعيه لم
____________
    
     (1) سبق أن ذكرنا هذا الرأي ترجيحا لكفة ايمان أبي طالب وسبق لنا تدوينه قبل أن يخط الأستاذ كلمته وذاكرته فيه أكثر من مرة في منزله بالاسكندرية فالراجح أنه استعاره منا ونسى أن ينسبه لصاحبه وجل من لا ينسى.



ه( 77 )

يفت الذين أعقبوه فطمست بأيديهم الجوانب المشرقة في حياة أبي طالب ليفتروا عليه ما شاء الافتراء. ثم لماذا لم يكتف الرد بآراء الجانب المعادي ولا يتلمس الحقيقة في جانب الرأي الآخر؟ ان الانصاف يقتضي المقابلة بين الرأيين وكفى أن نذكر هنا كلمة الامام التي تقول:
     ((ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا)).
     وتلك شهادة من لا يكتم الشهادة ولا يلبسها ببهتان..
تم بحمد الله تعالى في 9 ذي الحجة سنة 1398هـ الموافق 10/11/1978م