أعلام الدين ص : 73
و حمل في سرير و صلي عليه بتكبير و نقل من دور مزخرفة و
قصور مشيدة و حجر منضدة و فرش ممهدة فجعل في ضريح ملحود و ضيق
مسدود بلبن جلمود و هيل عليه عفره و حثي عليه مدره و محي منه أثره و نسي خبره و رجع
عنه وليده و صفيه و حبيبه و قريبه و نسيبه
فهو حشو قبره و رهين سعيه يسعى في جسمه دود قبره و يسيل صديده من منخره و جسمه و
يسحن تربه لحمه و ينشف دمه و يرم
عظمه فيرتهن بيوم حشره حتى ينفخ في صوره و ينشر من قبره فلا ينتصر بقبيلة و عشيرة و
حصلت سريرة صدره و جيء بكل نبي و
شهيد و صديق و نطيق و قعد للفصل عليم بعبيده خبير بصير فحينئذ يلجمه عرقه و يحرقه
قلقه و تعزر عبرته و تكثر حسرته و تكبر
صرعته حجته غير مقبولة نشرت صحيفته و تبينت جريمته و نظر في سوء عمله فشهدت عينه
بنظره و يده بلمسه و فرجه بمسه و رجله
بخطوه و يهلكه منكر و نكير و كشف له حيث يصير فسلسله و غلغله ملكه بصفد من حديد و
سيق يسحب وحده فورد جهنم بكرب
شديد و غم جديد في يد ملك عتيد فظل يعذب في جحيم و يسقى من حميم يشوى به وجهه و
ينسلخ منه جلده بعد نضجه جديد فمن
زحزح عن عقوبة ربه و سكن حضرة فردوس و تقلب في نعيم و سقي من تسنيم و مزج له
بزنجبيل و ضمخ بمسك و عنبر مستديم للملك
مقيم في سرور محبور و عيش مشكور يشرب من خمور في روض مغدق ليس يصدع عن شربه ليس
تكون هذه إلا منزلة من خشي ربه و
حزن نفسه و تلك عقوبة من عصى منشئه و ربه و سولت له نفسه معصيته و دينه ذلك قول فصل
و حكم عدل خير قصص قص و وعظ
نص تنزيل من حكيم حميد نزل به روح قدس مبين على قلب نبي مهتد رشيد صلت عليه رسل
سفرة مكرمون بررة و رب كل مربوب و
على درسه ذوي طهر غير مسلوب و على كل مؤمن و مؤمنة و السلام
أعلام الدين ص : 74
يقول العبد الفقير أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي أعانه الله على
طاعته و أمده الله برأفته و رحمته ممل هذه
الخطب المتقدمة إني وجدت كلمات بليغة في توحيد الله و تمجيده جل و عز فأضفت إليها
ما سنح من فتوح الله تعالى في خاطري
فأحببت إثبات ذلك و هي أن نفي العلل عن الله تعالى يشهد له بحدث خلقه و إخراجه له
من العدم إذ العلل لا تحل إلا معلولا و لا
يكون المعلول إلا محدثا للزوم صفات الحدث فيه و القديم سبحانه و تعالى لا تحل فيه
الصفات لسبب لأن السبب لازم للمتوقع
الزيادة و الخائف النقص من غيره الفقير إلى الموجد ذلك فيه الذي باتحاده يجد ما
يتوقع. و القديم هو الغني الحميد الذي لا وقت له
و لا حال من أحلها كان و لا كانت له صفة من أحل الحال و الأحوال لا تجوز عليه و لا
يدخل تحت الصفة و الدوائر و لا عليه حجب و
سواتر و لا ساعات و شعائر و لا حاجة به إلى الكون إذ وجوده كفقده لم يأنس به و لم
يستوحش لفقده و لا فقد عليه و مرجع كل شيء
إليه كما هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد أزلي أبدي أزلي القدرة و العلم و الحكم
و النظر و الإحاطة أزلي الوجود و البقاء مستحق
لها بحقائقها و له الشأن الأعظم و الجد المتعالي و العلو المنيع و الامتناع القاهر
و السلطان الغالب و الغلبة النافذة و القوة الذي
لا يعجز إذ لا فترة و لا مانع و لا ثم ليس لمراده دافع و لا يستصعب عليه شيء أراده
و لا به إلى ما أراد تكوينه وطر إذ هو الغني غاية
كل غاية متفضل بما فطر من غير قضاء وطر فطر ما فطر و عنصر العناصر لإظهار قدرته و
ملكه و إظهار جوده و طوله و إحسانه و فيض
الكرم الباهر و الجود الفائض و هو الجواد الفياض و ليعرفوه و لا يجهلوه و لم يك قط
مجهولا و لا علمهم به محيط. لا يقدر أحد قط
حقيقة قدره إذ قدره لا يقدر و وصفه لا يقرر و هو القدير الأقدر المتعزز عن كون مع
أزل له مقرر المتعالي عن مدبر معه دبر قدر الكون
بتقديره حتى أخرجه إلى التكوين بتدبيره و ليس للتقدير و التدبير فكر و لا خاطر و لا
حدوث عزم و لا يضمر في إرادة و لا يهم في
مشيئته و لا روية في فعل و لا غلبة فوت عز أن يستصعب عليه شيء أراده أ يفوته شيء
طلبه قدم و أخر حسب حكمته و هو المقدم
أعلام الدين ص : 75
المؤخر و جعل الأوقات و الفضاء و الجو و المكان حاجة الكون و مستقر العالم و شاء
الكون و شاء وقته كل كائن فهو موجودة على
ما يشاء و يريده من أفعاله سبحانه و حسن أفعال خلقه لا قبيح أفعالهم و لا يكون إلا
كذلك و لا خروج للشيء عنه بغلبة و ذلك كمال
الملك و تمام الحكم و إبرام الأمر و كل غيب عنده شهادة و هو المفيد و لا يتوقع
إفادة و مزيد و لا يتوقع زيادة و محدث و لا عليه
حدث مخترع و لا كذلك غيره و مبدع و لا معه بديع بل هو بديع السماوات و الأرض و ما
بينهما و ما خرج عنهما و صانع لا ب آلة و
خالق لا بمباشرة و سميع بصير لا بأداة علا عن الخصماء و الأنداد و تقدس عن الأمثال
و الأضداد و جل عن الصاحبة و الأولاد حكمته لا
كحكمة الحكماء سبحانه ما أقدره و أيسر القدرة عليه و ما أعزه و أعز من اعتمد عليه و
ذكره و استلم إليه إذ العزة له و هو العزيز
بعزته تعالى عن المثل و الشبه إذ الشبه ذل و نقص و هو العزيز الأجل ذو الجلال و
الإكرام قمع بعزته و جلاله عزة كل متكبر جبار لا
يتغير أبدا و لا يفاوت في صفاته الذاتية و لا يحيط له بحقيقة ذات إذ الحقيقة و
المائية لا يقع إلا على المحدودات و هو سبحانه
محدثها و هو على كمال تعجز عن وصفه الألباب و تندحض الأفهام و الأوهام عن درك صفاته
العزيز الأعز ذي المفاخر الذي افتخر
بفخره كل فاخر اتضعت بقدرته و قوته كل ذي قدرة و قوة و تاه كل ذي كمال و جلال في
كماله و جلاله و خضعت الرقاب لعظمته و
سلطانه و ذل كل متجبر لجبروته و كبريائه لم يجبر الخلق على ما كلفهم بل جبل القلوب
على فطرة معرفته. سبق المكان فلا مكان
لأنه سبحانه كان و لا مكان ثم خلق المكان فهو على ما كان قبل خلق المكان و هو
القريب بلا التصاق و البعيد من غير افتراق حاضر
كل خاطر و مخطر صحيح كل خاطر و مشاهد كل شاهد و غائب مدرك كل فوت و مؤنس كل أنيس و
أعلى من كل عال و هو على كل
شيء عال علوه على ما تحت التحت كعلوه على ما فوق الفوق صفاته لا تستشعر بالمشاعر و
أوصافه لا تكيف بتكيف و هو الشيء لا
كالأشياء ثابت لا يزول و قائم لا يحول سبق القبل فلا قبل
أعلام الدين ص : 76
و البعد فلا بعد تقدم العدم وجوده و الكون أزله قيوم بلا غاية دائم بلا نهاية ذو
النور الأكبر و الفخر الأفخر و الظهور الأظهر و
الطهور الأزهر مدهر الدهور و مدبر الأمور باعث من في القبور و جاعل الظل و الحرور
ذو اللطف اللطيف و العلم المطيف و النور
المتلألئ و الكبرياء المتعالي الذي لا يسأم من طلب إليه و لا يتبرم من حاجة الملح
عليه إذ لا يجوز عليه الملال إذ لا شغل له بشيء
عن شيء و لا آلة و لا فكر و لا مباشرة مدور الأفلاك و مملك الأملاك لا يضع شيئا على
مثال صنعه موقوف على مراده و أمره نافذ في
عباده لا يسعه علم عالم و وسع هو كل شيء علما و أحاط بكل شيء خبرا كلما ينسب إليه
سبحانه فهو المتفرد بمعناه إذ يستحيل أن
يشاركه أحد في شيء لا إله إلا إياه سبحانه ما أعلمه و في العلم ما أحلمه و في
القدرة على الخلق ما ألطفه له المشية فهم مع سعة
العفو و الصفح عنهم لهم به لطف خفي و نظر حفي حليم كريم مهول و ينتقم ممن يشاء عدلا
منه فلم يظلم أحدا و لم يجر في حكمه
أبدا. فله الحمد على ما ألهم و له الشكر على ما وفق و فهم و على ما جاد و أنعم و له
المن على ما قضى و أبرم و على ما أخر و قدم و له
الثناء و المجد الأعظم نحمده سبحانه حمدا لا يماثل و نسأله أن يوفقنا لحمد يرضاه و
شكر يهواه لا يشوبه عارض و أن يعيننا على
حمده و شكره فإننا نعجز عن بلوغ أمده و قدره و نكل عن إحصاء عدده و وصفه. اللهم
ألهمنا محامدك و وفقنا لصفاء خدمتك و اكشف
لنا عن حقائق معرفتك و واصلنا بصاف من تمجيدك و وظائف تحميدك و أنلنا من خزائن
مزيدك و صف لنا الأواني و كمل لنا منك
الأماني و حقق لنا المعاني و رضنا بما تقدر مما هو فان و ارزقنا سريرة نقية و آلات
طاهرة نقية و عافية وفية و عاقبة مرضية و نعمة
كفية و عهودا وفية و عيشة هنية و حيطة من كل البرية و أقبل بنا عليك بالكلية و
اعصمنا من الزيغ و الهوية و من كل مارق غوية و
كل قواطع منسية يا بارئ البرية و قاضي القضية و مجزل العطية و رافع السماوات
المبنية
أعلام الدين ص : 77
و ماهد الأرض المدحية صلى الله على محمد سيد البرية و على آله الأئمة الراضين
المرضية بأفضل صلواتك و أتم تحياتك و بركاتك
أعلام الدين ص : 78
دليل آخر على حدوث العالم و قدم محدثه
و مما يستدل به على محدث للعالم أنا نجد الأجسام مشتركة في كونها أجساما هي مع ذلك
مفترقة في أمور أخر كونها ترابا و ماء و
هواء و نارا فلا يخلو هذا الافتراق في الصور و الصفات أما أن يكون لأمر من الأمور
اقتضى ذلك أو لا لأمر فإن كان لا لأمر لم تكن
الأجسام بأن تفترق أولى من أن لا تفترق و لم يكن بعضها بكونه أرضا و بعضها هواء أو
ماء بأولى من العكس فثبت أنه لا بد من أمر
اقتضى افتراقها و لا يصح أن يكون ذلك الأمر هو كونها أجساما لأنها مشتركة في ذلك
فكان يجب أن تشترك في صفة واحدة أو يكون
كل بعض منها على جميع هذه الصفات المتصلات فلا بد أن يكون الأمر المقتضي لأمر إنما
هو غيرها و لا يصح أن يكون مثلها و لا من
جنسها ثم لا يخلو أن يكون موجبا أو مختارا فإن كان موجبا فلم أوجب النار كونها نارا
دون أن يوجب للماء أن يكون نارا و للأرض
أن تكون هواء و كيف يصح وجود صور متضادة و لا موجب لها و في فساد هذا دلالة على أنه
مختارا و إذا ثبت ذلك فهو المحدث القديم
الذي لا يجوز أن يكون محدثا إلا و هو حي قادر.
دليل آخر
و مما يستدل به على أنه لا بد للعالم من محدث ما تجد فيه من إحكام الصنعة و إتقان
التدبير فلو جاز أن يتفق ذلك لا بمحدث أحدثه
لجاز أن يجتمع ألواح و قار و مسامير و تتألف سفينة بغير جامع و لا مؤلف ثم تعبر
بالناس في البحر بغير معبر و لا مدبر فلما كان
ذلك ممتنعا في العقل كان ذلك في العالم أشد امتناعا و أبعد وقوعا.
دليل آخر
و مما يستدل به على وجود المدبر الصانع أمر الفيل و أصحابه الذين أخبر الله تعالى
عنهم و عما أصابهم مما ليس لملحد في تخريج
الوجوه له حيلة و لا يكون ذلك إلا من الصانع سبحانه و ليس إلى إنكاره سبيل لاشتهاره
و قرب عهده فلأنه يجوز أن يقوم
أعلام الدين ص : 79
رجل فيقول للناس في وجوههم و يتلو عليهم أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِأَصْحابِ الْفِيلِ و يقص عليهم قصتهم و هم مع ذلك لم يروا هذا
و لم يصح عندهم و ليس من الطبائع التي يذكرها الملحدة ما يوجب قصة أصحاب الفيل و لا
علم في العادات مثله و لا يقع من الآثار
العلوية و السفلية نظيره و هو أن يجيء طير كثير في منقار كل واحد حجر فيرسله على كل
واحد من ألوف كثيرة فيهلكهم دون
العالمين هذا ما لا يكون إلا من صانع حكيم قادر عليهم و لا يصح أن يكون إلا رب
العالمين.
أبيات في التوحيد
يا من يجل بأن أراه بناظري و يعز عن أوصاف كنه الخاطر
لو كنت تدركك العلوم تقدرا و تفكرا و توهما للخاطر
ما كنت معبودا قديما دائما حيا و لا صمدا و ملجأ حائر
و بما و كيف ترى و تعلم في الورى عظم العظيم و سر قهر القاهر
لكن عظمت بأن تحاط جلاله أبدا فسبحان القديم الآخر
أعلام الدين ص : 80
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه و رضوانه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن الديلمي
أعانه الله على طاعته و تغمده برأفته و رحمته
إني حيث أثبت المعارف صدر الكتاب لوجوب تقدمها على جميع العلوم اقتضت الحال إرداف
ذلك بذكر فضل العلم و أهله و لم ألتزم
ذكر سند أحاديثها لشهرتها في كتبها المصنفة المروية عن مشايخنا رحمهم الله تعالى
بأسانيدهم لها و أشير عند ذكر كل حديث مذكور
أو أدب مسطور إلى كتابه المحفوظ منه المنقول عنه إلا ما شد عني من ذلك فلم أذكر إلا
فص القول دون ذكر كتابه و الراوي له
فمن ذلك ما حفظته من كتاب كنز الفوائد إملاء الشيخ الفقيه أبي الفتح محمد بن علي
الكراجكي رحمه الله تعالى عن النبي ص قال من
خرج يطلب بابا من أبواب العلم ليرد به ضالا إلى هدى أو باطلا إلى حق كان عمله
كعبادة أربعين يوما
و قال ع لساعة من العالم متكئا على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة ثلاثين عاما
و قال ع إذا استرذل الله عبدا حظر عليه العلم
و قال النبي ص ما أهدى أخ إلى أخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى أو
يرده عن ردى
و قال ص ما أخذ الله الميثاق على الخلق أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا
و روى أمير المؤمنين ع عن النبي ص أنه قال من طلب العلم لله لم يصب منه بابا إلا
ازداد في نفسه ذلا و في الله تواضعا و لله خوفا و
في الدين اجتهادا فذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه و من طلب العلم للدنيا و المنزلة
عند الناس و الحظة عند السلطان لم يصب منه
بابا إلا ازداد في نفسه عظمة و على الناس استطالة و بالله اغترارا و في الدين محقا
فذلك الذي لم ينتفع بالعلم فليكف عنه الحجة
عليه و الندامة و الخزي يوم القيامة
أعلام الدين ص : 81
و قال ص يبعث الله تعالى العالم و العابد يوم القيامة فإذا اجتمعا عند الصراط قيل
للعابد ادخل الجنة فأنعم فيها بعبادتك و قيل
للعالم قف هاهنا في زمرة الأنبياء فاشفع فيمن أحسنت أدبه في الدنيا
و قال ص فضل العالم على العابد كفضلي على سائر الأنبياء
و قال أمير المؤمنين ص العلم وراثة كريمة و الآداب حلل حسان و الفكر مرآة صافية و
الاعتبار منذر ناصح و كفى بك أدبا لنفسك
تركك ما تكرهه لغيرك
و قال النبي ص طلب العلم فريضة على كل مسلم
و قال العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع و علم في اللسان فذلك حجة على
العباد
و قال أربع تلزم كل ذي حجى من أمتي قيل و ما هن يا رسول الله قال استماع العلم و
حفظه و العمل به و نشره
و قال ص العلم خزائن و مفاتيحها السؤال فسلوا يرحمكم الله فإنه يؤجر فيه أربعة
السائل و المجيب و المستمع و المحب له
و قال ع من يرد الله تعالى به خيرا يفقهه في الدين
و قال إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس و لكن يقبض العلم بقبض العلماء
حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا
فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا
و قال من ازداد في العلم رشدا و لم يزدد في الدنيا زهدا لم يزدد من الله إلا بعدا
و قال إنما مما أخاف على أمتي زلات العلماء
أعلام الدين ص : 82
و قال قيدوا العلم بالكتابة
و قال أمير المؤمنين ع تعلموا العلم فإن تعليمه حسنة و طلبه عبادة و البحث عنه جهاد
و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة و بذله لأهله
قربة لأنه علم الحلال و الحرام و سبيل منازل الجنة و الأنيس في الوحشة و الصاحب في
الغربة و المحدث في الخلوة و الدليل على
السراء و الضراء و السلاح على الأعداء و الزينة عند الأخلاء يرفع به أقواما فيجعلهم
للخير قادة و أئمة و تقتص آثارهم و يقتدى
بفعالهم و ينتهى إلى رأيهم ترغب الملائكة في خلتهم و بأجنحتها تمسحهم و يستغفر لهم
كل رطب و يابس لأن العلم حياة القلوب و
مصابيح الأبصار من الظلم و قوة الأبدان من الضعف و يبلغ به العباد منازل الأخيار و
الدرجات العلى و به توصل الأرحام و يعرف
الحلال من الحرام و هو إمام العمل و العمل تابعه يلهمه الله تعالى أنفس السعداء و
يحرمه الأشقياء
و قال ع الكلمة من الحكمة يسمع بها الرجل فيقولها أو يعمل بها خير من عبادة سنة
و قال ع تعلموا العلم و تعلموا للعلم السكينة و الوقار و الحلم و لا تكونوا جبابرة
العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم
و قال ع شكر العالم على علمه أن يبذله لمستحقه
و قال ع لا راحة في عيش إلا لعالم ناطق أو مستمع واع
و قال ع اغد عالما أو متعلما و لا تكن الثالث فتهلك
و قال ع إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع
أعلام الدين ص : 83
و قال ع لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم الله و ملائكته و أهل طاعته من خلقه و
لكن حملوه لطلب الدنيا فمقتهم الله و هانوا
على الناس
و قال ع العلوم أربعة الفقه للأديان و الطب للأبدان و النجوم لمعرفة الأزمان و
النحو للسان
و قال محمد بن علي الباقر ع عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد
و قال ع من أفتى الناس بغير علم و لا هدى لعنته ملائكة السماء و ملائكة الرحمة و
ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه
و قال الصادق ع تفقهوا في دين الله و لا تكونوا أعرابا فإنه من لم يتفقه في دين
الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة و لم يزك له
عمل
و قال ع العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق و لا يزيده سرعة السير إلا
بعدا
و قيل له ع أ يحسن بالشيخ أن يتعلم فقال إذا كانت الجهالة تقبح منه حسن منه التعلم
و قال الصادق ع تعلموا العلم و أثبتوه و أحكموه بالدرس و إن لم تفعلوا ذلك يدرس
و قال ع لخيثمة أبلغ موالينا السلام و أوصهم بتقوى الله و العمل الصالح و أن يعود
صحيحهم مريضهم و ليعد غنيهم على فقيرهم و
ليحضر حيهم جنازة ميتهم و أن يتألفوا في البيوت و يتذاكروا علم الدين ففي ذلك حياة
أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا و أعلمهم يا
خيثمة إنا لا نغني عنهم من الله شيئا إلا بالعمل الصالح و إن ولايتنا لا تنال إلا
بالورع و الاجتهاد و إن أشد الناس عذابا يوم القيامة
من
أعلام الدين ص : 84
وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره
و روي أن أمير المؤمنين ع أوصى ولده الحسن فقال يا بني احرز حظك من الأدب و فرغ له
قلبك فإنه أعظم من أن تخالطه دنس و
اعلم أنك إن أعوزت غنيت به و إن اغتربت كان لك الصاحب الذي لا وحشة معه الأدب هو
لقاح العقل و ذكاء القلب و زينة اللسان و
دليل الرجل على مكارم الأخلاق و ما الإنسان لو لا الأدب إلا بهيمة مهملة لله در
الأدب إنه يسود غير السيد فاطلبه و اكسبه تكتسب
القدر و المال من طلبه صال به و من تركه صيل عليه يلزمه الله السعداء و يحرمه
الأشقياء و الدنيا طوران فمنهما لك و منهما عليك
فما كان منهما لك أتاك على ضعفك و ما كان منهما عليك لم تدفعه بقوتك
و قال ع قيمة كل امرئ ما يحسن و الناس أبناء ما يحسنون
و قال ع المرء مخبوء تحت لسانه
و قال ع العلم وراثة مستفادة و رأس العلم الرفق و آفته الخرق و الجاهل صغير و إن
كان شيخا و العالم كبير و إن كان حدثا و الأدب
يغني عن الحسب و من عرف بالحكمة لحظته العيون بالهيبة و الوقار و العلم مع الصغر
كالنقش في الحجر و زلة العالم كانكسار
السفينة تغرق و تغرق و الآداب تلقيح الأفهام و مفتاح الأذهان
و قال و تحزم فإذا استوضحت فاعزم و لو سكت من لا يعلم سقط الاختلاف و من جالس
العلماء وقر و من خالط الأنذال حقر لا تحتقرن
عبدا آتاه الله الحكمة و العلم فإن الله تعالى لم يحقره حيث آتاه إياه و المودة
أشبك الأنساب لا تسترذلن حسب ذي العلم فإن الله
تعالى لم يحقره حيث آتاه أشرف الأحساب و لا كنز أنفع من العلم و لا قرين سوء شر من
الجهل و العلم خير من المال لأن العلم
يحرسك و أنت تحرس المال و العلم يزكو على الإنفاق و المال تنقصه النفقة و العلم
حاكم و المال محكوم عليه فعليكم بطلب العلم
فإن طلبه فريضة و هو صلة بين الإخوان و دال على المروءة و تحفة في المجالس
أعلام الدين ص : 85
صاحب في السفر و أنس في الغربة و من عرف الحكمة لم يصبر عن الازدياد منها و الشريف
من شرفه علمه و الرفيع من رفعته الطاعة
و العزيز من أعزته التقوى
و قال رسول الله ص لا قول إلا بعمل و لا قول و لا عمل إلا بنية و لا قول و عمل و
نية إلا بإصابة السنة
و ما نقلته من نهج البلاغة تصنيف السيد الرضي الموسوي رضي الله عنه قال كميل بن
زياد أخذ بيدي أمير المؤمنين ع فأخرجني إلى
الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها
فاحفظ عني ما أقول لك الناس ثلاثة عالم
رباني و متعلم على سبيل نجاة و همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم
يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا إلى ركن وثيق
يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك و أنت تحرس المال و المال تنقصه النفقة و
العلم يزكو على الإنفاق و صنيع المال يزول
بزواله يا كميل بن زياد معرفة العلم دين يدان به و يكسب صاحبه الطاعة في حال حياته
و حسن الأحدوثة بعد وفاته و العلم حاكم و
المال محكوم عليه هلك خزان الأموال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدهر
أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة ها إن
هاهنا علما جما لو أصيب له حملة و أشار إلى صدره بلى أصيب له لقنا غير مأمون عليه
مستعملا آلة الدين للدنيا و مستظهرا بنعم الله
على عباده و بحججه على أوليائه أو منقادا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه ينقدح
الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ألا لا ذا و لا
ذاك أو منهوما باللذة سلس القياد للشهوة أو مغرما بالجمع و الادخار ليسا من رعاة
الدين في شيء أقرب شيء
أعلام الدين ص : 86
شبها بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لا تخلو الأرض من
حجة قائم لله بحجته إما ظاهرا مشهورا أو
خائفا مغمورا كي لا تبطل حجج الله و بيناته و كم ذا و أين أولئك أولئك و الله
الأقلون عددا و الأعظمون عند الله قدرا يحفظ الله
حججه و بيناته بهم حتى يودعوها نظراءهم و يزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم
على حقيقة البصيرة و باشروا روح اليقين و
استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنيا
بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى أولئك
خلفاء الله في أرضه و الدعاة إلى دينه سرا و جهرا آه آه شوقا إلى رؤيتهم
و قال أيضا لكميل بن زياد تبذل و لا تشهر و وار شخصك و لا تذكر و تعلم و اعمل و
اسكت تسلم تسر الأبرار و تغيض الفجار فلا
عليك إذا علمك الله معالم دينه ألا تعرف الناس و لا يعرفونك
و بعد فقد جمع الله جل جلاله معاني ما قلناه و زيادة في كتابه العزيز بقوله سبحانه
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. و
في قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. و في قوله
كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ. و
في قوله شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا
الْعِلْمِ فقرن شهادته بشهادتهم و شهادة ملائكته و هذا يدل على عظيم منزلتهم
و رفيع مكانتهم و علو درجتهم. و قال سبحانه فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. و قال سبحانه و تعالى حكاية عن يوسف ع
ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي
أعلام الدين ص : 87
رَبِّي. و قال فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ. و قال تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ
كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ
هؤُلاءِ إِنْ
كُنْتُمْ صادِقِينَ فرفعه عليهم بفضيلة العلم و أسجدهم له. و قال سبحانه قالَ
الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ. و قال تعالى كَفى بِاللّهِ
شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ في كل ذلك
يستشهد أهل العلم لا يشير إلا إليهم و لا يعتد إلا بهم و كفى بذلك
فضيلة و فضلا بالعلم و أهله. و لقد أحسن الخليل بن أحمد رحمه الله في قوله لولده يا
بني تعلم العلم فإنه يقومك و يسددك صغيرا
و يقدمك و يسودك كبيرا
و قال الصادق ع لأصحابه أحسنوا النظر فيما لا يسعكم جهله و انصحوا لأنفسكم فيما لا
يسعكم جهله و معرفة ما لا عذر لكم في
تركه فإن للدين أركانا لا ينفع من جهلها شدة اجتهاده في ظاهر عبادته و لا يضر من
عرفها فدان بها حسن اقتصاده
و قال أمير المؤمنين ع العاقل يعمل بالدرايات و الجاهل يعمل بالروايات
و قال ع كونوا دراءين و لا تكونوا رواءين
و قال ع همة العاقل الدراية و همة الجاهل الرواية
و لقد صدق ص فإن الدراية هي العلم القطعي الذي تبرأ به الذمة على اليقين به و صاحب
الرواية على خطر لإقدامه على أمر لم يعرف
صحة الدليل على العمل به أو الترك له و من هاهنا امتنع كثير من أصحابنا رحمهم الله
عن العمل بالخبر الواحد المتجرد من قرينة
تعضده.
أعلام الدين ص : 88
و قد أشار مولانا الصادق ع إلى العمل على اليقين و الحث على العلم المقطوع به في
المعارف الدينية عقيب ذكره المعارف العقلية
بقوله ع وجدت علم الناس في أربع أحدها أن تعرف ربك و الثاني أن تعرف ما أراد منك و
الثالث أن تعرف ما صنع بك و الرابع أن
تعرف ما يخرجك من دينك
و قيل لبعض الحكماء العلم أفضل أو المال فقال العلم فقيل له فما بالنا نرى العلماء
على أبواب الأغنياء و لا نكاد نرى الأغنياء على
أبواب العلماء فقال ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال و جهل الأغنياء بفضل العلم. و
لقد أحسن الشاعر في قوله
العلم زين و تشريف لصاحبه فاطلب هديت فنون العلم و الأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب حتى يكون على من زانه حدبا
كم من نجيب أخي غي و طمطمة فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
و خامل مقرف الآباء ذي أدب نال المعالي به و المال و النشبا
المقرف الذي تكون أمه كريمة و أبوه غير كريم.
يا طالب العلم نعم الشيء تطلبه لا تعدلن به ورقا و لا ذهبا
فالعلم كنز و ذخر لا نفاد له نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا
و روي عن لقمان أنه قال
العلم زين و السكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مكثارا
ما إن ندمت على سكوت مرة و لقد ندمت على الكلام مرارا
و قال آخر
تعلم فليس المرء يخلق عالما و ليس أخو علم كمن هو جاهل
أعلام الدين ص : 89
و إن عزيز القوم لا علم عنده ذليل إذا انضمت عليه المحافل
و قال آخر
لا تيأسن إذا ما كنت ذا أدب على خمولك أن ترقى إلى الفلك
بينا ترى الذهب الإبريز مطرحا في الترب إذ صار إكليلا على الملك
نعود إلى ذكر النثر من القول في مدح العلم و أهله و ذم من لم يتعلم لله تعالى و لم
يقم فيه بما يجب عليه
روى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه رحمه الله تعالى في كتاب الخصال في باب الثلاثة
قال قال أمير المؤمنين ع طلبة العلم على
ثلاثة أصناف ألا فاعرفوهم بصفاتهم و أعيانهم فصنف منهم يتعلمون للمراء و الجهل و
صنف منهم يتعلمون للاستطالة و الختل و
صنف منهم يتعلمون للفقه و العقل فصاحب المراء و الجهل تراه مؤذيا مماريا للرجال في
أندية المقال قد تسربل بالخشوع و تخلى
من الورع فدق الله من هذا حيزومه و قطع منه خيشومه و صاحب الاستطالة و الختل فإنه
يستطيل به على أمثاله من أشكاله و
يتواضع للأغنياء من دونهم فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم فأعمى الله من هذا بصره و
قطع من آثار العلماء أثره و أما صاحب
الفقه و العقل فإنك تراه ذا ك آبة و حزن قد قام الليل في حندسه و انحنى في برنسه
يعمل و يخشى خائفا وجلا من كل أحد إلا من كل
ثقة من إخوانه فشد الله من هذا أركانه و أعطاه يوم القيامة أمانه
و من كتاب الكراجكي عن سليم بن قيس الهلالي عن علي عن النبي ص قال العلماء رجلان
رجل عالم أخذ بعلمه فهو ناج و عالم تارك
لعلمه فهذا هالك و إن أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلى الله سبحانه
فاستجاب له و قبل منه فأطاع الله فأدخله الله
الجنة و أدخل الداعي النار بتركه علمه و اتباع الهوى و طول الأمل فإن اتباع الهوى
يصد عن
أعلام الدين ص : 90
الحق و طول الأمل ينسي الآخرة
و قال ع منهومان لا يشبعان طالب دنيا و طالب علم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل
الله له سلم و من تناولها من غير حلها هلك إلا
إن يتوب و يراجع و من أخذ العلم من أهله و عمل بعلمه نجا و من أراد به الدنيا فهي
حظه
و قال ع الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول الله ما دخولهم
فيها قال اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك
فاحذروهم على دينكم
و عن أبي جعفر محمد بن علي ع قال من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به
السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده
من النار و إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها
و عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين ع قال إن أحبكم إلى الله تعالى أحسنكم عملا
و إن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما
عند الله رغبة و إن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية و إن أقربكم من الله جل ذكره
أوسعكم خلقا و إن أرضاكم عند الله أشبعكم
لعياله و إن أكرمكم عند الله أتقاكم
و عن أبي عبد الله الصادق ع قال ثلاث من كن فيه فلا يرجى خيره من لم يستح من العيب
و لم يخش الله في الغيب و لم يرعو عند
الشيب
و روى الشيخ ورام رحمه الله في مجموعه عن النبي ص يكون في آخر الزمان علماء يرغبون
الناس في الآخرة و لا يرغبون و يزهدون
أعلام الدين ص : 91
الناس في الدنيا و لا يزهدون و ينهون الناس عن الدخول إلى الولاة و لا ينتهون
يقربون الأغنياء و يباعدون الفقراء أولئك الجبارون
أعداء الله
و حيث قد ذكرنا فضل العالم و العلم و حال من لم يعمل بعلمه فينبغي أن نذكر حال
المتعلم و ما يجب أن يكون عليه من الصفات
التي وصفها الأئمة الصادقون ع
من كتاب الخصال لابن بابويه رحمه الله تعالى في باب ست عشرة خصلة عن أمير المؤمنين
ع قال إن من حق العالم أن لا تكثر
السؤال عليه و لا تسبقه بالجواب و لا تلح عليه إذا أعرض و لا تأخذ بثوبه إذا كسل و
لا تشير إليه بيدك و لا تغمزه بعينك و لا تساره
في مجلسه و لا تطلب عوراته و ألا تقول قال فلان خلاف قولك و لا تفشي له سرا و لا
تغتاب عنده أحدا و أن تحفظه شاهدا و غائبا و أن
تعم القوم بالسلام و تخصه بالتحية و تجلس بين يديه و إن كانت له حاجة سبقت القوم
إلى حاجته و لا تمل من طول صحبته فإنما
هو مثل النخلة فانتظر متى تسقط عليك منها منفعة و العالم بمنزلة الصائم القائم
المجاهد في سبيل الله و إذا مات العالم ثلم في
الإسلام ثلمة لا تسد إلى يوم القيامة و إن طالب العلم يشيعه سبعون ألف ملكا من
مقربي السماء
و قال علي ع لابن عباس إن حق معلمك عليك التعظيم له و التوقير لمجلسه و حسن
الاستماع و الإقبال عليه و أن لا ترفع صوتك عليه
و لا تجيب أحدا يسأله حتى يكون هو المجيب له و لا تحدث في مجلسه أحدا و لا تغتاب
عنده أحدا و أن تدفع عنه إذا ذكر بسوء و أن
تستر عيوبه و تظهر مناقبه و لا تجالس له عدوا و لا تعادي له وليا فإذا فعلت ذلك
شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته و تعلمت علمه
لله جل اسمه لا للناس
أعلام الدين ص : 92
و قال أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي
لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أعظم و
الحسرة له ألزم و هو عند الله ألوم
و قال ع من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره و ليكن
تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه فإن معلم
نفسه و مؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مؤدبهم
و روى جابر الأنصاري قال قال رسول الله ص لساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في
علمه خير من عبادة العابد سبعين عاما
و روى أنس بن مالك في فضل قراءة شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ بما
تضمنت من فضيلة العلم و العلماء قال قال رسول الله ص تعلموا
العلم فإن تعليمه لله حسنة و مدارسته تسبيح و البحث عنه جهاد و تعليمه من لا يعلمه
صدقة و تذكره لأهله قربة لأنه معالم الحلال و
الحرام و منار سبيل الجنة و الأنيس في الوحشة و الصاحب في الغربة و المحدث في
الخلوة و الدليل على السراء و الضراء و
السلاح على الأعداء و القربة عند الغرباء فيرفع الله به أقواما فيجعلهم يقتدى بهم و
يقتص ب آثارهم و ينتهى إلى رأيهم و ترغب
الملائكة في خلتهم و بأجنحتها تمسحهم و في صلاتهم تستغفر لهم كل رطب و يابس يستغفر
لهم حتى حيتان البحار و هوامها و سباع
الأرض و أنعامها و السماء و نجومها ألا و إن العلم حياة القلوب و نور الأبصار و قوة
الأبدان يبلغ بالعبد منازل الأحرار و مجالس
الملوك و الذكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته بالقيام و به يعرف الحلال و الحرام و به
توصل الأرحام و هو إمام العمل يلهمه الله
السعداء و يحرمه الأشقياء
و هذا الحديث أيضا فيه زيادة عن الحديث الذي يروى عن مولانا أمير المؤمنين ع و لهذا
كررناه
أعلام الدين ص : 93
و أوصى لقمان ابنه فقال يا بني تعلم العلم و الحكمة تشرف فإن الحكمة تدل على الدين
و تشرف العبد على الحر و ترفع المسكين
على الغني و تقدم الصغير على الكبير و تجلس المسكين مجالس الملوك و تزيد الشريف
شرفا و السيد سؤددا و الغني مجدا و كيف
يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه و معيشته بغير حكمة و لن يهيئ الله عز و جل أمر
الدنيا و الآخرة إلا بالحكمة و مثل الحكمة بغير
طاعة مثل الجسد بغير نفس أو مثل الصعيد بغير ماء و لا صلاح للجسد بغير نفس و لا
الحكمة بغير طاعة و اعلم يا بني أن الدنيا بحر
عميق و قد هلك فيه خلق كثير فاجعل سفينتك فيه الإيمان بالله و زادك التقوى و شراعك
التوكل على الله و سكانك الإخلاص له و
اعلم أنك إن نجوت فبرحمة الله و إن هلكت فبنفسك و اعلم يا بني أن من حين نزلت من
بطن أمك استدبرت الدنيا و استقبلت الآخرة
فأصبحت بين دارين دار تقرب منها و دار تباعد عنها فلا تجعلن همك إلا عمارة دارك
التي تقرب منها و يطول مقامك بها فلها خلقت و
بالسعي لها أمرت ثم أطع الله بقدر حاجتك إليه و اعصه بقدر صبرك على عذابه و إذا
أردت أن تعصيه فاطلب موضعا لا يراك فيه و
عليك بقبول الموعظة و العمل بها فإنها عند المؤمن أحلى من العسل الشهد و على
المنافق أثقل من صعود الدرجة على الشيخ الكبير
و اعلم يا بني أن الموت على المؤمن كنومة نامها و بعثه كانتباهه منها فاقبل وصيتي
هذه و اجعلها نصب عينيك و الله خليفتي عليك و
هو حسبنا و نعم الوكيل و إياك و الكسل و الضجر فإنك إذا كسلت لم تؤد فرضا و لا حقا
و إذا ضجرت لم تصبر على حق
و روى صفوان في كتاب النوادر يرفعه إلى أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين ع قال من
صفة المسلم أن يخلط عمله بالعلم و
يخلص ليعلم و ينصب ليسلم و ينطق ليفهم لا يخون أمانته الأصدقاء و لا يكتم شهادته
أعلام الدين ص : 94
للأعداء و لا يفعل شيئا من الخير رياء و لا يتركه حياء إن زكي خاف مما يقولون و
يستغفر الله مما لا يعلمون لا يغره قول من جهله و
يخشى إحصاء ما قد عمله
و من الكتاب أيضا قال قال علي بن الحسين ع الحمد لله الذي جعل العلم لنا مصباحا في
ظلم الدجى و الحلم لنا وقارا عند الجهالة
و القصد لنا هاديا عند حيرة الأمور و الصبر لنا جنة عند نازلة الأمور
و من كتاب الخصال في ذم فاسق العلماء عن البرقي أحمد بن أبي عبد الله يرفعه إلى
أمير المؤمنين ع قال قطع ظهري رجلان من
الدنيا رجل عليم اللسان فاسق و رجل جاهل القلب ناسك هذا يصد بلسانه عن فسقه و هذا
بنسكه عن جهالته فاتقوا الفاسق من
العلماء و الجاهل من المتعبدين أولئك فتنة كل مفتون فإني سمعت رسول الله ص يقول يا
علي هلاك أمتي على يد كل منافق عليم
اللسان
و من كتاب القلائد روي عن أمير المؤمنين ع قال أيها الناس اعلموا أن كمال الدين و
رأس الطاعة لله طلب العلم و العمل به ألا و إن
طلب العلم أوجب عليكم من طلب الرزق لأن الرزق مقسوم مضمون لكم قسمه عادل بينكم و
سيفي لكم و العلم مخزون عند أهله و قد
أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه
و من كلام لمولانا أمير المؤمنين ع في الدعاء إلى معرفة حقه و بيان فضله و صفة
العلماء و ما ينبغي لمتعلم العلم أن يكون عليه في
خطبة له رواها الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد تركنا ذكر صدرها إلى قوله ع
و الحمد لله الذي هدانا من الضلالة و بصرنا من العمى و من علينا بالإسلام و جعل
فينا النبوة و جعلنا النجباء و جعل أفراطنا أفراط
الأنبياء و جعلنا خير أمه أخرجت للناس نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر و نعبد الله
لا نشرك به شيئا و لا نتخذ من دونه وليا فنحن
شهداء الله و الرسول شهيد علينا نشفع فنشفع فيمن شفعنا له و ندعو فيستجاب دعاؤنا و
يغفر لمن نشفع له ذنوبه أخلصنا لله فلم
ندع من دونه وليا
أعلام الدين ص : 95
أيها الناس تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا
الله إن الله شديد العقاب أيها الناس إني ابن عم
نبيكم و أولاكم بالله و رسوله فاسألوني ثم اسألوني فكأنكم بالعلم قد تفقدونه إنه لا
يهلك عالم إلا هلك معه بعض علمه و إنما
العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء على سائر الكواكب خذوا من العلم ما بدا لكم
و إياكم أن تطلبوه لخصال أربع لتباهوا به
العلماء أو تماروا به السفهاء أو تراءوا به في المجالس أو تصرفوا به وجوه الناس
إليكم للترؤس لا يستوي عند الله في العقوبة
الذين يعلمون و الذين لا يعلمون نفعنا الله و إياكم بما علمنا و جعله لوجهه خالصا
إنه سميع قريب
و قال ع حسن الأدب ينوب عن الحسب
و قوله ع لا حياة إلا بالدين و لا موت إلا بجحود اليقين فاشربوا العذب الفرات
ينبهكم من نومة السبات و إياكم و السمائم
المهلكات
يشير ع إلى معرفة العلم اليقين و يحذر من الإخلاد إلى الجاهلين
و قال ع العاقل يعمل بالدرايات و الجاهل يعمل بالروايات
و قال ع همة العاقل الدراية و همة الجاهل الرواية
و قال الصادق ع كونوا دراءين و لا تكونوا رواءين فلخبر تدريه خير من ألف خبر ترويه
و قال كميل بن زياد قال لي مولانا أمير المؤمنين يا كميل بن زياد تعلم العلم و اعمل
به و انشره في أهله يكتب لك أجر تعلمه و
عمله إن شاء الله تعالى
و قد دل الله تعالى في كتابه العزيز ذكرنا فيما تقدم منها و نذكر الآن ما يتيسر
ذكره فمن ذلك
أعلام الدين ص : 96
قوله تعالى في قصة طالوت إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي
الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ فجعل سبحانه سبب تفضيله العلم. و قال
سبحانه أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا
يَهِدِّي إِلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ و هذا من أعظم دلائل
فضل العلم
و العلماء العاملين بما علموا
و قال أمير المؤمنين ع من عبد الله بغير علم كفر من حيث لا يعلم ألا و إن الأدب حجة
العقل و العلم حجة القلب و التلطف مفتاح
الرزق
و قال الصادق ع إن الشيطان ليطمع في عالم بغير أدب أكثر من طمعه في عالم بأدب
فتأدبوا و إلا فأنتم أعراب
و قال الباقر ع صمت الأديب عند الله أفضل من تسبيح الجاهل
و قال علي بن الحسين ع العلم دليل العمل و العمل وعاء الفهم و العقل قائد الخير و
الهوى مركب المعاصي و الدنيا سوق الآخرة و
النفس تاجر و الليل و النهار رأس المال و المكسب الجنة و الخسران النار
و من كتاب الخصال عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه ع قال العلم خزائن و المفاتيح
السؤال فاسألوا يرحمكم الله فإنه
يؤجر فيه أربعة السائل و المتكلم و المستمع و المحب لهم
و من كتاب الخصال لابن بابويه رحمه الله عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي ع
قال إن في جهنم رحى تطحن أ فلا تسألوني
ما طحنها فقيل و ما طحنها يا أمير المؤمنين قال العلماء الفجرة و القراء الفسقة و
الجبابرة الظلمة و الوزراء الخونة و العرفاء
الكذبة و إن في جهنم لمدينة يقال لها الحصينة أ فلا تسألوني ما فيها فقيل له و ما
فيها يا أمير المؤمنين فقال فيها أيدي
أعلام الدين ص : 97
الناكثين
و من كتاب الخصال عن أبي عبد الله ع قال ع إن من العلماء من يحب أن يخزن علمه و لا
يؤخذ عنه فذاك في الدرك الأول من النار و
من العلماء من إذا وعظ أنف و إذا وعظ عنف فذاك في الدرك الثاني من النار و من
العلماء من يرى أن يضع علمه عند ذوي الثروة و
الشرف و لا يرى له في المساكين وضعا فذاك في الدرك الثالث من النار و من العلماء من
يذهب في علمه مذهب الجبابرة و السلاطين
فإن رد عليه شيء من قوله أو قصر في شيء من أمره غضب فذاك في الدرك الرابع من النار
و من العلماء من يطلب أحاديث اليهود و
النصارى ليعز به دينه و يكثر به حديثه فذاك في الدرك الخامس من النار و من العلماء
من يضع نفسه للفتيا و يقول سلوني و لعله لا
يصيب حرفا واحدا و الله لا يحب المتكلفين فذاك في الدرك السادس من النار و من
العلماء من يتخذ علمه مروءة و عقلا فذاك في
الدرك السابع من النار
يقول العبد الفقير إلى رحمة الله و عفوه الحسن بن علي بن محمد بن الديلمي تغمده
الله برحمته و مسامحته و غفرانه جامع هذا
المجموع إن من العلماء أيضا من يعنف بالمتعلم و يثقل عليه و يحمله من التكاليف ما
يشق عليه في أول أمره و إنما ينبغي أن يأخذه
استدراجا و تلطفا و يخاطبه على قدر عقله و بصيرته و يحمله ما يسعه وعاؤه فما تستوي
أخلاق الناس و لا بصائرهم فقد يعطى زيد ما
لم يعط عمرو من الفهم و الذكاء و الوعاية فمتى حمل الضعيف حمل القوي حمله ذلك على
الترك و الإهمال لأن لكل إنسان حالا
يؤخذ بها و يخاطب على قدرها
فقد روي عن الصادق ع أنه قال إن الله تبارك و تعالى وضع الإسلام على سبعة أسهم على
الصبر و الصدق و اليقين و الرضا و الوفاء
و العلم
أعلام الدين ص : 98
و الحلم ثم قسم ذلك بين الناس فمن اجتمعت له هذه السبعة أسهم فهو كامل الإيمان
محتمل
ثم قسم لبعض الناس سهما و لبعض سهمين و لبعض سبعة أسهم فلا تحملوا صاحب السهم سهمين
و لا صاحب السهمين ثلاثة و لا
صاحب الستة سبعة فيشق ذلك عليهم و يثقل و تنفرونهم و لكن ترفقوا بهم و سهلوا لهم
المدخل و سأضرب لكم مثلا تعتبروا به إنه
كان رجل مسلما و كان له جار كافر و كان الكافر يرفق بالمسلم و يحسن إليه فأحب له
المسلم الإيمان و لم يزل يزينه له و يرغبه
فيه حتى أسلم فأخذه المؤمن و ذهب به إلى المسجد فصلى معه الفجر فقال له لو قعدنا
نذكر الله حتى تطلع الشمس فقعد معه فقال
لو تعلمت القرآن إلى أن تزول الشمس و صمت اليوم كان أفضل فقعد معه و صام حتى صلى
الظهر و العصر فقال لو صبرت حتى نصلي
المغرب و العشاء الآخرة ثم نهضا و قد بلغ مجهوده و كاد يتلف مما ضيق و ثقل عليه
فلما كان من الغد جاءه فدق عليه الباب ثم قال له
اخرج حتى نمضي إلى المسجد فأجابه أن انصرف فإن هذا دين شديد لا أطيقه فلا تخرقوا
بهم أ ما علمتم أن إمارة بني أمية كانت
بالسيف و العنف و الجور و أن إمامتنا بالرفق و التألف و الوقار و التقية و حسن
الخلطة و الورع و الاجتهاد فرغبوا الناس في دينكم
و ما أنتم فيه
هذا آخر كلامه ع ذكره عنه مرفوعا ابن بابويه في كتاب الخصال
أعلام الدين ص : 99
و قال ع للحارث الهمداني في وصيته له و خادع نفسك في العبادة و ارفق بها و لا
تقهرها و خذ عفوها و نشاطها إلا ما كان مكتوبا
عليك من الفريضة فإنه لا بد من قضائها و تعاهدها عند محلها
و قال الحسن بن علي العسكري ع إن للقلوب إقبالا و إدبارا فإذا أقبلت فاحملوها على
النوافل و إذا أدبرت فاقصروها على الفرائض
و لقد صدق ع و نصح فإن القلوب إن لم تنشط و تقبل على العلوم و العبادات لم يبلغ
منها المراد و لهذا ذم الله تعالى المنافقين
بقوله تعالى وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلّا وَ هُمْ كُسالى وَ لا يُنْفِقُونَ
إِلّا وَ هُمْ كارِهُونَ. و قال تعالى في موضع آخر وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلّا قَلِيلًا
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ فذم سبحانه و تعالى
الكسل عند العبادة و التردد بين أن يفعل و أن لا يفعل فلم يبق أن يكون المراد إلا
أن يقبل العبد بقلبه و جوارحه و عمله الخالص
على ربه سبحانه فيقبل حينئذ عليه و يعطيه سؤله و مراده. فصل و إذا كان من العلماء
قراء القرآن المجيد بل من خيارهم فلنذكر
حالهم و صفاتهم مضافا إلى فضل قراءته و التمسك به عند اختلاف الناس
روى الشيخ الفقيه أبو الفتح الكراجكي رحمه الله في كتابه كنز الفوائد مرفوعا إلى
الحارث الأعور قال دخلت على أمير المؤمنين
علي ع فقلت يا أمير المؤمنين أ لا ترى الناس قد وقعوا إلى الأحاديث قال و قد فعلوها
قلت نعم قال أما إني سمعت رسول الله ص
يقول سيكون بعدي فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله ص قال كتاب الله فيه نبأ ما
كان قبلكم و خبر ما بعدكم و حكم ما بينكم
هو الفصل ليس بالهزل ما تركه من جبار إلا قصمه الله و من ابتغى الهدى من غيره أضله
الله تعالى و هو حبل الله المتين
أعلام الدين ص : 100
و هو الذكر الحكيم و الصراط المستقيم و هو الذي لا تزيغ به الأهواء و لا تلتبس به
الألسن و لا يشبع منه العلماء و لا يخلق عن
كثرة الرد و لا تنقضي عجائبه هو الذي لم يثنه الجن حين سمعته قالوا إِنّا سَمِعْنا
قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ من قال به صدق و من
عمل به أجر و من حكم به عدل و من دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم
و روي عن رسول الله ص أنه قال أ لا أخبركم بالفقيه كل الفقيه قالوا بلى يا رسول
الله قال إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس
الناس من روح الله و لا يؤمنهم مكر الله و لا يقنطهم من رحمة الله و لا يدع القرآن
رغبة عنه إلى ما سواه ألا لا خير في قراءة ليس
فيها تدبر ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه و لا في علم ليس فيه تفهم
و روي عنه ع أنه قال في قول الله تعالى كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ قال حقا على من يقرأ القرآن أن يكون فقيها
و قال أهل القرآن أهل الله و خاصته
و قال ع تعلموا كتاب الله و تعاهدوه و أفشوه فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا
من المخاض من عقله
و قال من سره أن يتمتع ببصره في الدنيا فليكثر من النظر في المصحف
و قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة التي ريحها طيب و طعمها طيب و مثل
المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة
طعمها طيب و لا ريح لها و مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب و
طمعها مر و مثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن
كمثل الحنظلة طعمها مر و لا ريح لها
و روي عن أمير المؤمنين ع أنه قال أنصتوا إلى ذكر الله فإنه
أعلام الدين ص : 101
أحسن الحديث و اقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى و استنوا بسنته فإنها أفضل السنن
و تعلموا كتاب الله و استضيئوا بنوره
فإنه أشفى لما في الصدور و اسمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون
و جاء في الحديث عن محمد بن علي الباقر ع أنه قال قراء القرآن ثلاثة رجل قرأ القرآن
فاتخذه بضاعة و استدر به الملوك و استطال
به على الناس و رجل قرأ القرآن فحفظ حروفه و ضيع حدوده و أقامه مقام القدح فلا كثر
الله هؤلاء من حملة القرآن و رجل قرأ القرآن
فوضع دواء القرآن على داء قلبه فسهر ليله و ظمئ به نهاره و قام به في مساجده و
تجافى به عن فراشه فذاك من الذين يدفع العزيز
الجبار بلاءهم و يزيل أعداءهم و أولئك ينزل الله عز و جل الغيث عليهم من سمائه ثم
قال إذا قرأتم القرآن فبينوه تبيانا و لا تهذوه
هذا كهذ الشعر و لا تنثروه نثر الرمل و لكن أفرغوا له القلوب القاسية و لا يكن هم
أحدكم آخر السورة و اقرءوه بألحان العرب و
أصواتها و إياكم و لحوم أهل الكبائر و أعربوا به فإنه عربي و لا تقرءوه هذرمة و إذا
مررتم ب آية فيها ذكر الجنة فقفوا عندها و اسألوا
الله الجنة و إذا مررتم ب آية فيها ذكر النار فقفوا عندها و تعوذوا بالله من النار
و حسنوه بأصواتكم فإن الله تعالى أوحى إلى موسى
بن عمران ع إذا وقفت بين يدي فقف موقف الذليل الفقير و إذا قرأت التوراة فأسمعنيها
بصوت حزين و لقد كان علي بن الحسين ع
يقرأ القرآن فربما مر عليه المار فيصعق من حسن صوته و اقرءوه في المصحف فإنه من
قرأه في المصحف متع ببصره و خفف عن
والديه و إنه ليعجبني أن يكون في البيت مصحف و إن البقعة التي يقرأ فيها القرآن و
يذكر الله تعالى فيها تكثر بركتها و تحضرها
الملائكة و يهجرها الشيطان و تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض و إن
البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر فيه
الله تعالى تقل بركته و تهجره الملائكة و يحضره الشيطان و من قرأ القرآن و هو شاب
مؤمن اختلط القرآن بلحمه و دمه و جعله الله
مع السفرة الكرام البررة و كان القرآن حجيرا عنه يوم القيامة
أعلام الدين ص : 102
و قال ع لقارئ القرآن بكل حرف يقرؤه في الصلاة قائما مائة حسنة و قاعدا خمسون حسنة
و متطهرا في غير الصلاة خمس و عشرون
حسنة و غير متطهر عشر حسنات أما إني لا أقول المر حرف بل له بالألف عشر و باللام
عشر و بالميم عشر و بالراء عشر
و قال ع قراءة القرآن أفضل من الذكر و الذكر أفضل من الصدقة و الصدقة أفضل من
الصيام و الصوم جنة من النار
و قال رسول الله ص فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه
شافع مشفع و شاهد مصدق من جعله أمامه
قاده إلى الجنة و من جعله خلفه ساقه إلى النار و هو أوضح دليل إلى خير سبيل من قال
به صدق و من عمل به وفق و من حكم به عدل
و من أخذ به أجر
و قال أمير المؤمنين ع القرآن ظاهره أنيق و باطنه عميق لا تفنى عجائبه و لا تنقضي
غرائبه و لا تكشف الظلمات إلا به
و قال ع عقيب كلام ذكر فيه النبي ص و وصفه ثم قال قبضه الله إليه كريما ص و خلف
فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم
هملا بغير طريق واضح و لا علم قائم كتاب ربكم مبينا حلاله و حرامه و عامه و عبره و
أمثاله و مرسله و حدوده و محكمه و متشابهه و
مفسرا جمله مبينا غوامضه بين مأخوذ ميثاق علمه و موسع على العباد في جمله و بين
مثبت في الكتاب فرضه معلوم في السنة نسخه و
واجب في السنة أخذه مرخص في الكتاب تركه و بين واجب بوقته و نائل في مستقبلة و
مباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه و
صغير أرصد له غفرانه و بين مقبول في أدناه و موسع في أقصاه
و قال ع القرآن آمر و زاجر صامت ناطق حجة الله على خلقه أخذ عليهم ميثاقه و ارتهن
عليه أنفسهم أتم نوره و أكرم به دينه و قبض
نبيه ص و قد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه
فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه و لم يترك
شيئا رضيه أو كرهه إلا و جعل له علما باديا و آية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه
فرضاه فيما مضى واحد
أعلام الدين ص : 103
و سخطه فيما بقي واحد و اعلموا أنه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم و لن
يسخط عليكم بشيء رضيه ممن كان
قبلكم و إنما تسيرون في أثرين و تتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم
و قال ع في بعض خطبه فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به و
استضئ بنور هدايته و ما كلفك الشيطان علمه
مما ليس في الكتاب عليك فرضه و لا في سنة النبي ص و أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى
الله تعالى فإن ذلك منتهى حق الله عليك و
اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب
الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب
المحجوب فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما و سمى
تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه
رسوخا فاقتصر على ذلك و لا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين
و قال ع و كتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه و بيت لا تهدم أركانه و عز لا
يهزم أعوانه
و قال ع في نهج البلاغة في التحكيم إنا لم نحكم الرجال و إنما حكمنا القرآن و هذا
القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين لا
ينطق بلسان و لا بد له من ترجمان و إنما ينطق عنه الرجال و لما دعانا القوم إلى أن
نحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن
القرآن كتاب الله تعالى و قد قال الله سبحانه فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء
فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ فرده إلى الله أن نحكم بكتابه و رده
إلى الرسول أن نأخذ بسنته فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به و إن حكم
بسنة رسول الله فنحن أولاهم به
أعلام الدين ص : 104
و قال ع فإن أطعتموني حملتكم إن شاء الله على سبيل الجنة و إن كان ذا مشقة شديدة و
مذاقة مريرة و سبيل أبلج المنهاج أنور
السراج بالإيمان يستدل على الصالحات و بالصالحات يستدل على الإيمان و بالإيمان يعمر
العلم و بالعلم يرهب الموت و بالموت
تختم الدنيا و بالدنيا تحرز الآخرة و إن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة مرقلين في
مضمارها إلى الغاية القصوى قد شخصوا من مستقر
الأجداث و صاروا إلى مضايق الغايات لكل دار أهل لا يستبدلون بها و لا ينفكون عنها و
إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
لخلقان من خلق الله و إنهما لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق و عليكم بكتاب
الله فإنه الحبل المتين و النور المبين و الشفاء
النافع و الري الناقع و العصمة للمستمسك بها و النجاة للمتعلق به لا يعوج فيقوم و
لا يزيغ فيستعتب لا تخلقه كثرة الرد و ولوج
السمع من قال به صدق و من عمل به سبق فقام إليه رجل فقال أخبرنا عن الفتنة فقال لما
أنزل الله تعالى قوله الم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ علمت أن الفتنة لا تنزل
بنا و رسول الله بين أظهرنا فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي
أخبرك الله بها فقال يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي فقلت يا رسول الله أ و ليس قلت
لي في يوم أحد حيث استشهد من استشهد من
المسلمين و حيزت الشهادة عني فشق ذلك علي فقلت لي أبشر فإن الشهادة من ورائك فقال
لي إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا فقلت
يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر و لكن من مواطن البشرى و الشكر فقال يا علي إن
القوم سيفتنون بأموالهم و يمنون
بدينهم على ربهم و يتمنون رحمته و يأمنون سطوته و يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة و
الأهواء الساهية فيستحلون الخمر
بالنبيذ و السحت بالهدية و الربا بالبيع فقلت يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم عند
ذلك أ بمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة فقال
أعلام الدين ص : 105
بمنزلة فتنة
و قال ع يأتي على الناس زمان يبايع فيه المضطرون و قد نهى رسول الله عن بيع
المضطرين
و قال ع في خطبة له يذكر فيها فضل القرآن و شيئا من مواعظه انتفعوا ببيان الله و
اتعظوا بمواعظ الله و اقبلوا نصيحة الله فإن
الله قد أعذر إليكم بالجلية و اتخذ عليكم الحجة و بين لكم محابه من الأعمال و
مكارهه منها لتبغوا هذه و تتجنبوا هذه فإن رسول
الله ص كان يقول إن الجنة حفت بالمكاره و إن النار حفت بالشهوات و اعلموا أنه ما من
طاعة الله شيء إلا يأتي في كره و ما من
معصية الله شيء إلا يأتي في شهوة فرحم الله رجلا نزع عن شهوته و قمع هوى نفسه فإن
هذه النفس أبعد شيء منزعا و إنها لا تزال
تنزع إلى المعصية في هوى و اعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح و لا يمسي إلا و
نفسه ظنون عنده فلا يزال زاريا عليها و مستزيدا
لها فكونوا كالسابقين قبلكم و الماضين أمامكم قوضوا من الدنيا تقويض الراحل و طووها
طي المنازل و اعلموا أن هذا القرآن هو
الناصح الذي لا يغش و الهادي الذي لا يضل و المحدث الذي لا يكذب و ما جالس هذا
القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة
في هدى و نقصان من عمى و اعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة و لا لأحد قبل
القرآن من غنى فاستشفوه من أدوائكم و
استعينوا به على لأوائكم فإن فيه شفاء من أكبر الداء و هو الكفر و النفاق و الغي و
الضلال و اسألوا الله به و توجهوا إليه بحبه و لا
تسألوا به خلقه فإنه ما توجه العباد إلى الله بمثله
أعلام الدين ص : 106
و اعلموا أنه شافع مشفع و شاهد مصدق و أنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه و
من محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه و
أنه ينادي مناد يوم القيامة ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه و عاقبة عمله غير حرثة
القرآن فكونوا من حراثه و أتباعه و استدلوه على
ربكم و استنصحوه على أنفسكم و اتهموا عليه آراءكم و استغشوا فيه أهواءكم العمل
العمل ثم النهاية النهاية و الاستقامة
الاستقامة ثم الصبر الصبر و الورع الورع إن لكم نهاية فانتهوا إليها و إن لكم علما
فاهتدوا بعلمكم و إن للإسلام غاية فانتهوا إلى
غايته و اخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه و بين لكم من وظائفه أنا شاهد لكم
و حجيج يوم القيامة عنكم ألا و إن القدر
السابق قد وقع و القضاء الماضي قد تورد و إني متكلم بعدة الله و حجته قال الله
تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ و قد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه
و على منهاج
أمره و على الطريقة الصالحة من عبادته و لا تمرقوا منها و لا تبدعوا فيها و لا
تخالفوا عنها فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم
القيامة ثم إياكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها و اجعلوا اللسان واحدا و ليخزن الرجل
لسانه فإن هذا اللسان جموح المصاحبة و الله
ما أرى أحدا يتقي تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه فإن لسان المؤمن من وراء قلبه و إن
قلب المنافق من وراء لسانه لأن المؤمن إذا
أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه فإن كان خيرا أبداه و إن كان شرا واراه و إن
المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ما ذا عليه
مما له و قد قال رسول الله ص لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه
حتى يستقيم لسانه فمن استطاع منكم أن
يلقى الله سبحانه و هو نقي الراحة من دم المسلمين و أموالهم سليم اللسان من أعراضهم
فليفعل و اعلموا عباد الله أن المؤمن
يستحل العام ما استحل عاما أول و يحرم
أعلام الدين ص : 107