بعدی

أعلام الدين ص : 33
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله ذا القدرة و الجلال و الرفعة و الكمال الذي عم عباده بالفضل و الإحسان و ميزهم بالعقول و
الأذهان و شرفهم بالعلوم و مكن لهم الدليل و البرهان و هداهم إلى معرفة الحق و الصواب بما نزل من الوحي و الكتاب الذي جاء به
أفضل أولي العزم الكرام مولانا و سيدنا محمد بن عبد الله خاتم النبيين و أشرف العالمين صلى الله عليه و على الأطايب من عترته
ذوي الفضائل و المناقب حجج الله على كافة المسلمين الهادين المهديين الذين يهدون بالحق و به يعدلون. يقول العبد الفقير إلى
رحمة ربه و رضوانه الحسن بن أبي الحسن الديلمي أعانه الله على طاعته و تغمده برأفته و رحمته إنني حيث بليت بدار الغربة و
فقدت الأنيس الصالح في الوحشة و حملتني معرفة الناس على الوحدة خفت على ما عساه حفظته من الآداب الدينية و العلوم العلوية
و هو قليل من كثير و يسير من كبير أن يشذ عن خاطري و يزول عن ناظري لعدم المذاكر أثبت ما سنح لي إيراده و سهل علي إسناده
ليكون لي تذكرة و عدة و لمن يقف عليه بعدي تبصرة و عبرة وفق الله المراعاة له و العمل به و جعله خالصا لوجهه الكريم و موجبا
لثوابه الجزيل العظيم و هو حسبنا و نعم الوكيل. فأول ما أبدأ به ذكر المعارف بالله تعالى و برسوله ص و حججه من بعده و ما يجوز
عليه و عليهم و ما لا يجوز.
أعلام الدين ص : 34
ثم أثني بذكر فضل العالم و العلوم و ما يتبع ذلك من العلوم الدينية و الآداب الدنيائية و لم ألتزم ذكر سندها لشهرتها عند العلماء
في كتبها المصنفة المروية عن مشايخنا رحمهم الله تعالى و أحلت في ذلك على كتبهم و أسانيدهم إلا ما شذ عني من ذلك فلم أذكر إلا
فص القول. و سميت هذا الكتاب كتاب أعلام الدين في صفات المؤمنين و كنز علوم العارفين فحق على من وقف عليه و استفاد به أن
يدعو لمصنفه و يترحم عليه و يدع الهوى و الميل في إعابة شيء منه فإنه يشتمل على ترك الدنيا و الرغبة في الآخرة حسب ما يأتي
ذكره و تفصيله
أعلام الدين ص : 35
فصل في الدليل على حدث الإنسان و إثبات محدثه
أقرب ما يستدل به الإنسان على حدثه و إثبات محدثه ما يراه من حاله و تغيره الواقع بغير اختياره و قصده كالزيادة و النقص
المعترضين في جسمه و حسه و ما يتعاقب عليه من صحته و سقمه و ينتقل إليه من شيبته و هرمه و أنه لا يدفع فيه من ذلك طارئا
موجودا و لا يعيد ماضيا مفقودا لو نقصت منه جارحة لم يقدر على التعويض منها و لا يستطيع الاستغناء في الإدراك بغيرها عنها لا
يعلم غيب أمره و لا يتحقق مبلغ عمره و قدر متناهية و بنية ضعيفة واهية. فيعلم بذلك أن له مصورا صوره و مدبرا دبره لأن التصوير و
التدبير فعلان لم يحدثهما الإنسان لنفسه و لا كانا بقدرته و الفعل فلا بد له من فاعل كما أن الكتابة لا غنى بها عن كاتب. ثم يعلم أن
مصوره صانعه و محدثه و أن مدبره خالقه و موجده لأنه لا يصح وجوده إلا مصورا مدبرا. ثم يعلم أيضا أن محدثه قادر إذ كان لا يصح
الفعل من عاجز. و يعلم أنه حكيم عالم لأن الأفعال المحكمة لا تقع إلا من عالم. ثم يعلم أنه واحد إذ لو كان اثنين لجاز اختلاف
مراديهما فيه بأن يريد أحدهما أن يميته و يريد الآخر أن يحييه فيؤدي ذلك إلى وجود المحال و كونه ميتا حيا في حال أو إلى انتفاء
الحالين و تمانع المرادين فيبطل ذلك أيضا و يستحيل و هذا يبين أن صانعه واحد ليس باثنين. و يعلم أنه لا يجوز على محدثه
النقص و التغيير و ما هو جائز على المحدثين لأن في جواز ذلك عليه مشابهة للمصنوعين و هو يقتضي وجود صانع له أحدثه و صوره و
دبره إما محدث مثله أو قديم و في استحالة تنقل ذلك إلى ما لا يتناهى دلالة على أن صانعه قديم.
أعلام الدين ص : 36
و يعلم بمشابهة حال غيره لحاله أن حكمه كحكمه و أنه لا بد من الإقرار بوجود صانع للجميع لبطلان التثنية حسب ما شهد به
الدليل
فصل
و قد ورد في الحديث أن أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجلس الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد ص فقال له أبو عبد
الله إنك لأحد النجوم الزواهر و كان آباؤك بدورا بواهر و أمهاتك عقيلات طواهر و عنصرك من أكرم العناصر و إذا ذكر العلماء فبك
تثنى الخناصر خبرنا أيها البحر الزاخر ما الدليل على حدث العالم فقال أبو عبد الله ص إن من أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك ثم
دعا ببيضة فوضعها في راحته و قال هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق يطيف به كالفضة السائلة و الذهبة المائعة أ شك في ذلك قال
أبو شاكر لا شك فيه قال الإمام ع ثم إنه ينفلق عن صورة كالطاوس أ دخله شيء غير ما عرفت قال لا قال فهذا الدليل على حدث العالم
قال أبو شاكر دللت أبا عبد الله فأوضحت و قلت فأحسنت و ذكرت فأوجزت و قد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركت أبصارنا أو سمعناه
ب آذاننا أو ذقناه بأفواهنا أو شممناه بأنوفنا أو لمسناه ببشرنا فقال الصادق ع ذكرت الحواس و هي لا تنفع في الاستنباط إلا بدليل كما
لا تقطع الظلمة بغير مصباح
قال شيخنا المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي الله عنه
أعلام الدين ص : 37
إن الصادق ع أراد أن الحواس الخمس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات و إن الذي أراه من حدوث الصورة معقول بني العلم به
على محسوس. و اعلم أيدك الله أن الأجسام إذا لم تخل من الصورة التي قد ثبت حدثها فهي محدثة مثلها. دليل آخر على حدث العالم
الذي يدلنا على ذلك أنا نرى أجسامنا لا تخلو من الحوادث المتعاقبة عليها و لا يتصور في العقل أنها كانت خالية منها و هذا يوضح
أنها محدثة مثلها لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المحدث فإنه يجب أن يكون مثله محدثا. و هذه الحوادث هي الاجتماع و
الافتراق و الحركة و السكون و الألوان و الروائح و الطعوم و نحو ذلك من صفات الأجسام. و الذي يدل على أنها أشياء غير الجسم
ما نراه من تعاقبها عليه و هو موجود مع كل واحد منها. و هذا يبين أيضا حدثها لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز أن يكونا مجتمعين في
الجسم و لا يتصور اجتماعهما في العقل و إنما وجد أحدهما و عدم الآخر فالذي طرأ و وجد هو المحدث لأنه كائن بعد أن لم يكن و
الذي انعدم أيضا محدث لأنه لو كان غير محدث لم يجز أن ينعدم و لأن مثله أيضا نراه قد تجدد و حدث. و الذي يشهد بأن الأجسام
لم تخل من هذه الحوادث بدائه العقول و أوائل العلوم إذ كان لا يتصور فيها وجود الجسم مع عدم هذه الأمور و لو جاز أن يخلو
الجسم منها فيما مضى لجاز أن يخلو منها الآن فيما يستقبل من الزمان. فالذي يدل على أن حكم الجسم كحكمها في الحدوث أن
المحدث هو الذي لوجوده أول و القديم هو المتقدم على كل محدث و ليس لوجوده أول فلو كان الجسم قديما لكان موجودا قبل
الحوادث كلها خاليا منها و فيما قدمناه من استحالة خلوه منها دلالة على أنه محدث مثلها فالحمد لله
أعلام الدين ص : 38
فصل من السؤال و البيان
إن سألك سائل عن أول ما فرض عليك فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله فإن قال لم زعمت ذلك فقل لأنه سبحانه أوجب معرفته و لا
سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في الأدلة المؤدية إليها. فإن قال فإذا كانت المعرفة بالله جل و عز لا تدرك إلا بالنظر فقد حصل المقلد
غير عارف بالله فقل هو كذاك. فإن قال فيجب أن يكون جميع المقلدين في النار فقل إن العاقل المستطيع إذا أهمل النظر و الاعتبار
و اقتصر على تقليد الناس فقد خالف الله تعالى و انصرف عن أمره و مراده و لم يكفه تقليده في أداء فرضه و استحق العقاب على
مخالفته و تفريطه غير أنا نرجو العفو عمن قلد المحق و التفضل عليه و لا نرجوه لمن قلد المبطل و لا نعتقده فيه. و كل مكلف يلزمه
من النظر بحسب طاقته و نهاية إدراكه و فطنته و أما المقصر الضعيف الذي ليس له استنباط صحيح فإنه يجزيه التمسك في الجملة
بظاهر ما عليه المسلمون. فإن قال كيف يكون التقليد قبيحا من العقلاء المميزين و قد قلد الناس رسول الله ص فيما أخبر به عن رب
العالمين و رضي بذلك عنهم و لم يكلفهم ما تدعون
أعلام الدين ص : 39
فقل معاذ الله أن نقول ذلك أو نذهب إليه و رسول الله ص لم يرض من الناس التقليد دون الاعتبار و ما دعاهم إلا إلى الله بالاستدلال
و نبههم عليه ب آيات القرآن من قوله سبحانه أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْء و قوله إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَ آيات لِأُولِي الْأَلْبابِ و قوله وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا
تُبْصِرُونَ و قوله أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. و نحن نعلم أنه ما أراد بذلك إلا نظر الاعتبار. فلو كان ع إنما دعا الناس إلى
التقليد و لم يرد منهم الاستدلال لم يكن معنى لنزول هذه الآيات. و لو كان أراد أن يصدقوه و يقبلوا قوله تقليدا بغير تأمل و اعتبار
لم يحتج إلى أن يكون على يده ما ظهر من الآيات و المعجزات. فأما قبول قوله ص بعد قيام الدلالة على صدقه فهو تسليم و ليس
بتقليد و كذلك قبولنا لما أتت به أئمتنا ع و رجوعنا إلى فتاويهم في شريعة الإسلام. فإن قال قائل فأبن لنا ما التقليد في الحقيقة و ما
التسليم ليقع الفرق فقل التقليد قبول قول من لم يثبت صدقه و مأخوذ من القلادة. و التسليم هو قبول من ثبت صدقه و هذا لا يكون
إلا ببينة و حجة و الحمد لله
أعلام الدين ص : 40
فصل من كلام جعفر بن محمد ع
قال وجدت علم الناس في أربع أحدها أن تعرف ربك و الثاني أن تعرف ما صنع بك و الثالث أن تعرف ما يخرجك عن دينك و الرابع أن
تعرف ما أراد منك
قال شيخنا المفيد رحمه الله هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف لأنه أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله فإذا علم أن
له إلها وجب أن يعرف صنعه إليه فإذا عرف صنعه عرف نعمته فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة
مراده ليطيعه بفعله و إذا وجبت عليه طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه من دينه ليجتنبه فتصح به طاعة ربه و شكر إنعامه. و لقد
أحسن بعض أهل الفضل و العلم في قوله في المعرفة بالله تعالى و ذم التقليد و بالغ
إن كان جسما فما ينفك عن عرض أو جوهرا فبذي الأقطار موجود
أو كان متصلا بالشيء فهو به أو كان منفصلا فالكل محدود
لا تطلبن إلى التكييف من سبب إن السبيل إلى التكييف مسدود
و استعمل الحبل حبل العقل تحظ به فالعقل حبل إلى باريك ممدود
و الزم من الدين ما قام الدليل به فإن أكثر دين الناس تقليد
و كلما وافق التقليد مختلق زور و إن كثرت فيه الأسانيد
و كلما نقل الآحاد من خبر مخالف لكتاب الله مردود
أعلام الدين ص : 41
فصل آخر في السؤال و البيان
إن سألك سائل فقال ما أول نعمة الله تعالى عليك فقل خلقه إياي حيا لينفعني. فإن قال و لم زعمت أن خلقه إياك حيا أول النعم فقل
لأنه خلقني لينفعني و لا طريق إلى نيل النفع إلا بالحياة التي يصح معها الإدراك. فإن قال ما النعمة فقل هي المنفعة إذا كان فاعلها
قاصدا لها. فإن قال فما المنفعة قل هي اللذة الحسنة أو ما يؤدي إليها. فإن قال لم اشترطت أن تكون اللذة حسنة به فقل لأن من
اللذات ما يكون قاتلا فلا يكون حسنا. فإن قال لم قلت أو ما يؤدي إليها فقل لأن كثيرا من المنافع لا يتوصل إليها إلا بالمشاق
كشرب الدواء الكريه و الفصد و نحو ذلك من الأمور المؤدية إلى السلامة و اللذات فتكون هذه المشاق منافع لما تؤدي إليه في
عاقبة الحال. و لذلك قلنا إن التكليف نعمة حسنة لأن به ينال مستحق النعيم الدائم و اللذات. فإن قال فما كمال نعم الله تعالى
فقل إن نعمه تتجدد علينا في كل حال و لا يستطاع لها الإحصاء. فإن قال فما تقولون في شكر المنعم فقل هو واجب. فإن قال فمن أين
عرفت وجوبه
أعلام الدين ص : 42
فقل من العقل و شهادته و أوضح حجته و دلالته و وجوب شكر المنعم على نعمته مما تتفق العقول عليه و لا تختلف فيه. فإن قال فما
الشكر اللازم على النعمة فقل هو الاعتراف بها مع تعظيم منعمها. فإن قال فهل أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى بشكر أو يوفي
حقها بعمل فقل لا يستطيع ذلك أحد من العباد من قبل أن الشيء إنما يكون كفوا لغيره إذا سد مسده و ناب منابه و قابله في قدره و
ماثله في وزنه. و قد علمنا أنه ليس من أفعال الخلق ما يسد مسد نعم الله عليهم لاستحالة الوصف لله تعالى بالانتفاع أو تعلق
الحوائج به إلى المجازاة. و فساد مقال من زعم أن الخلق يحيطون علما بغاية الإنعام من الله تعالى عليهم و الإفضال فيتمكنون من
مقابلتها بالشكر على الاستيفاء للواجب و الإتمام. فنعلم بهذا تقصير العباد عن مكافاة نعم الله تعالى عليهم و لو بذلوا في الشكر و
الطاعات غاية المستطاع و حصل ثوابهم في الآخرة تفضلا من الله تعالى عليهم و إحسانا إليهم و إنما سميناه استحقاقا في بعض
الكلام لأنه وعد به على الطاعات و هو الموجب له على نفسه بصادق وعده و إن لم يتناول شرط الاستحقاق على الأعمال و هذا خلاف
ما ذهبت إليه المعتزلة إلا أبو القاسم البلخي فإنه يوافق في هذا المقال و قد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية عليه الأخبار
روى أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر ع قال قال رسول الله ص قال الله تعالى لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي
فإنهم لو اجتهدوا و اتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون من كرامتي و
النعيم في جناتي و رفيع الدرجات العلى في جواري و لكن برحمتي فليثقوا و فضلي فليرجوا و إلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن
أعلام الدين ص : 43
رحمتي عند ذلك تدركهم و بمني أبلغهم رضواني و مغفرتي و ألبسهم عفوي و بعفوي أدخلهم جنتي فإني أنا الله الرحمن الرحيم بذلك
تسميت
و عن عطا بن يسار عن أمير المؤمنين ع قال يوقف العبد بين يدي الله فيقول لملائكته قيسوا بين نعمي عليه و بين عمله فتستغرق
النعم العمل فيقول هبوا له النعم و قيسوا بين الخير و الشر منه فإن استوى العملان أذهب الله الشر بالخير و أدخله الجنة و إن
كان له فضل أعطاه الله بفضله و إن كان عليه فضل و هو من أهل التقوى و لم يشرك بالله تعالى فهو من أهل المغفرة يغفر الله له
برحمته إن شاء و يتفضل عليه بعفوه
و عن سعد بن خلف عن أبي الحسن ع أنه قال له عليك بالجد و الاجتهاد في طاعة الله و لا تخرج نفسك من حد التقصير في عبادة الله
و طاعته فإن الله تعالى لا يعبد حق عبادته
أعلام الدين ص : 44
كتاب البرهان على ثبوت الإيمان لأبي الصلاح التقي بن نجم بن عبيد الله الحلبي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلواته على خيرة النبيين محمد و آله الطاهرين و سلم و كرم. أول فعل مقصود
يجب على العاقل مما لا يخلو منه عنك كمال عقله من وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة لأن الحي عند كمال عقله يجد عليه آثار نفع
من كونه حيا سميعا بصيرا عاقلا مميزا قادرا متمكنا مدركا للمدركات منتفعا بها و يجوز أن يكون ذلك نعمة لمنعم. و يعلم أنها إن
كانت كذلك فهي أعظم نعمة لانغمار كل نعمة في جنبها و يجد في عقله وجوب شكر المنعم و استحقاق المدح على فعل الواجب و
الذم على الإخلال به و يجوز أن يستحق من موجده و المنعم عليه مع المدح ثوابا و مع الذم عقابا و يجد في عقله وجوب التحرز من
الضرر اليسير و تحصيل النفع العظيم. فتجب عليه معرفة من خلقه و النفع له ليعلم قصده فيشكره إن كان منعما و لا سبيل إلى
معرفته إلا بالنظر في آثار صنعته لوقوعها بحسبها و لو كانت لها سبب غيره لجاز حصول جميعها لمن لم ينظر و انتفاؤها عن الناظر
فوجب فعله لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به. و الواجب من المعرفة شيئان توحيد و عدل و للتوحيد إثبات و نفي. فالإثبات إثبات
صانع للعالم سبحانه قادر عالم حي قديم مدرك مريد.
أعلام الدين ص : 45
و النفي نفي صفة زائدة على هذه الصفات و نفي التشبيه و نفي الإدراك عنه تعالى بشيء من الحواس و نفي الحاجة و نفي قديم ثان
شارك في استحقاق هذه الصفات. و العدل تنزيه أفعاله عن القبيح و الحكم لها بالحسن
أعلام الدين ص : 46
فصل في الكلام في التوحيد
طريق العلم بإثبات الصانع سبحانه أن يعلم الناظر أن هاهنا حوادث يستحيل حدوثها عن غير محدث. و جهة ذلك أن يعلم نفسه و
غيره من الأجسام متحركا ساكنا ثم مجتمعا مفترقا أوضحه ذلك. فيعلم بتغاير هذه الصفات على الأجسام أنها أعيان لها لأنها لو كانت
صفات لذواتها لم يجز تغيرها. و يعلم بتجددها عن عدم و بطلانها عن وجود أنها محدثة لاستحالة الانتقال عليها من حيث لم تقم
بأنفسها و الكمون المعقول راجع به إلى الانتقال. فإذا علم استحالة ذلك على هذه الصفات علم أن المتجدد منها إنما يجدد عن عدم و
هذه حقيقة المحدث و المنتفي و أن ما انتفى عن الوجود و العدم يستحيل على القديم لوجوب وجوده و ما ليس بقديم محدث. فإذا
علم حدوث هذه المعاني المغايرة للجسم و علم أنه لا بد في الوجود من مكان يختصه مجاورا لغيره أو مباينا وقتا واحدا أو وقتين
لابثا فيه أو منتقلا عنه و قد تقدم له العلم أنه إنما كان كذلك لمعان غيره محدثة علم أنه محدث لأنه لو كان قديما لوجب أن يكون
سابقا للحوادث بما لا نهاية له. فإذا علم أنه لا ينفك من الحوادث علم كونه محدثا لعلمه ضرورة بحدوث ما لم يسبق المحدث و لأنه
إذا فكر في نفسه و غيرها فوجدها كانت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم جنينا ثم حيا ثم طفلا ثم يافعا ثم صبيا ثم غلاما ثم بالغا
ثم شابا قويا ثم شيخا ضعيفا ثم ميتا. و أنه لم يكن كذلك إلا بتجدد معان فيه حرارات و برودات و رطوبات و يبوسات و طعوم و
ألوان و أراييح مخصوصة و قدر و علوم و حياة. و علم بطلان كل صفة من هذه الأغيار بعد وجود و تجددها عن عدم و الجواهر التي
تركب منها الجسم باقية علم أنها صفات مغايرة لها و أنها محدثة لاستحالة الكون
أعلام الدين ص : 47
و الانتقال عليها بما قدمناه. و إذا علم حدوث جواهره و غيره من الجواهر بالاعتبار الأول و صفاته بهذه و صفات غيره بالاعتبار الثاني و
لأنها لا تنفك من المحل المحدث. و علم أن في الشاهد حوادث كالبناء و الكتابة و إن لها كاتبا و بانيا هو من وقعت منه بحسب غيرها
و إنما ذلك مختص بما يجوز حصوله و انتفاؤه فلا يحصل إلا بمقتض. فأما ما وجب فمستغن بوجوبه عن مؤثر منفصل عن الذات كتحيز
الجوهر و حكم السواد. و لا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لوجوب الوجود له تعالى في حق كونه قديما لنفسه يجب له وجوده
تعالى في كل حال و كونها صفات نفسه يجب ثبوتها للموصوف و يستحيل خروجه عنها ما وجد لكون المقتضي ثانيا و هو النفس و
استحالة حصول المقتضي و انتفاء مقتضاه. و بعلمه سبحانه مدركا إذا وجدت المدركات لكونه تعالى يستحيل فيه الآفات و الموانع
بدليل حصول هذا الحكم لكل حي لا آفة به متى وجد المدرك و ارتفعت الموانع. و بعلمه سبحانه مريدا لوقوع أفعاله على وجه دون
وجه و في حال دون أخرى و ذلك مفتقر إلى أمر زائد على كون الحي قادرا عالما لكونه صفة للفعل زائدة على مجرد الحدوث و الأحكام
و إرادته فعله إذ كونه مريدا لنفسه أو معنى قديم يقتضي قدم المرادات أو كونه عازما و كلا الأمرين مستحيل فيه سبحانه. و المحدث
لا يقدر على فعل الإرادة في غيره و قديم ثان نرد برهان نفيه فثبت سبحانه مريدا بإرادة يفعلها إلا في محل لاستحالة حلولها فيه أو في
غيره و لا صفة له سبحانه زائدة على ما علمناه لأنه لا حكم لهما و لا برهان بثبوتهما و إثبات ما لا حكم له و لا برهان عليه مفض إلى
الجهالات. و بعلمه سبحانه لا يشبه شيئا من الأجسام و الأعراض لقدمه تعالى و حدوث
أعلام الدين ص : 48
هذه الأجناس لتعذر هذه الأجناس على غيره. و إذا علمه تعالى فكذلك علم استحالة إدراكه بشيء من الحواس لأن الإدراك المعقول
مختص بالمحدثات. و علم كذلك استحالة الاختصاص بالجهات و النقل فيها و المجاوزة و الحلول و إيجاب الأحكام و الأحوال عليه
سبحانه لكون ذلك من صفات الأجسام و الأعراض المباينة له تعالى. و بعلمه عنها يستحيل عليه الحاجة لاختصاصها باجتلاب النفع
و دفع الضرر و اختصاص النفع و الضر بمن يصح أن يألم و يكد و اختصاص اللذة و الألم بذي شهوة و نفار و كونهما معنيين يفتقران
إلى فعل و ذلك لا يجوز عليه لحدوث المحل و قدومه سبحانه و لخلو الفعل من دليل على إثباته مسهيا أو نافرا. و إذا علم تخصصه
تعالى بهذه الصفات من سائر الموجودات علمه تعالى واحدا لأنهما لو كانا اثنين لوجب اشتراكهما في جميع الصفات الواجبة و
الجائزة و ذلك يوجب كون مقدورهما و مرادهما واحدا مع حصول العلم الضروري بصحة إرادة أحد المتحيزين ما يكره الآخر أو لا
يريده و لا يكرهه و قيام البرهان على استحالة تعلق مقدور واحد بقادرين و تقدير قديم ثان يقتضي نقض هذا المعلوم. فثبت أنه تعالى
واحد لا ثاني له و لأنه لا دليل من جهة العقل على إثبات ثان و قد ورد السمع المقطوع بإضافته إليه سبحانه بنفي قديم ثان فوجب
له القطع على كونه واحد
أعلام الدين ص : 49
فصل في مسائل العدل
ثبوت ما بيناه من كونه تعالى عالما لا يصح أن يجهل شيئا غنيا لا يصح أن يحتاج إلى شيء يقتضي كونه سبحانه عادلا لا يخل
بواجب في حكمته سبحانه و لا يفعل قبيحا لقبح ذلك و تعذر وقوع القبيح من العالم به و بالغني عنه و ذلك فرع لكونه قادرا على
القبيح. و كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قادرا على الحسن يقتضي كونه قادرا على القبيح إذ كان الحسن من جنس القبيح و
ذلك مانع من كونه مريدا للقبيح لأنا قد بينا أنه لا يكون مريدا إلا بإرادة يفعلها و إرادة القبيح قبيحة لأن كل من علم مريدا للقبيح
علم قبح إرادته و استحقاقه الذم و مقتض لكونه مريدا لما فعله تعالى و كلفه لاستحالة فعله ما لا غرض فيه و تكليفه ما لا يريده و
كارها للقبيح لكونه غير مريد له و فساد حلو ما كلفه و إحسانه من الإرادة و الكراهة لأن ذلك يلحقه بالمباح و موجب لكون المكلف
قادرا على ما كلفه فعلا و تركا من متماثل الأجناس و مختلفها و مضادها قبل وقوع ذلك و مزيح لعلته بالتمكين من ذلك و العلم به و
اللطف فيه و مقتض لحسن أفعاله و تكاليفه لأن خلاف ذلك ينقض كونه عادلا و قد أثبتناه. و لا يعلم كون كل مكلم قادرا لصحة الفعل
منه و متعلقا بالمتماثل و المختلف و المتضاد لصحة وقوع ذلك من كل قادر. و فاعلا لوجوب وقوع التأثيرات المتعلقة به من الكتابة
و البناء و غيرهما بحسب أحواله و لتوجيه المدح إليه على حسنها و الذم على قبحها و ثبوت القادر على الفعل قبل وقوعه لثبوت
حاجة المقدور في حال عدمه إلى حال القادر و استغنائه في حال وجوده عنها كحال بقائه و متمكنا بالآيات من جميع ما يفتقر إليها و
بكمال العقل من العلم بذوات الأشياء و أحكامها و بالنظر من العلوم المكتسبة بدليل حصول الأول
أعلام الدين ص : 50
لكل عاقل و الثاني لكل ناظر و وجوب اصطلاح المريد من غيره ما يعلم أو يظن كونه مؤثرا في اختياره و لوجوب تمكينه. و علمنا
بأنه تعالى لا يخل بواجب في حكمته و ظهور الغرض الحكمي في أكثرها أوجده سبحانه على جهة التفضل و ثبوت ذلك على الجملة
فيما لا يظهر لنا تفصيل المراد به كأفعال سائر الحكماء. و حسن التكليف لكونه تعريضا لما لا يوصل إليه إلا به من الثواب. و كون
التعريض للشيء في حكم إيصاله من حسن و قبح لأنه لا حسبه له بحسن التكليف غيره و علمه سبحانه بكفر المكلف أو فسقه لا
يقتضي قبح تكليفه لكونه تعالى مزيحا لعلته و محسنا إليه كإحسانه إلى من علم من حاله أنه يؤمن أتي من قبل نفسه فالتبعة عليه
دون مكلفه سبحانه. و حسن جميع ما فعله تعالى من الآلام أو فعل بأمره أو إباحته لما فيه من الاعتبار المخرج له من العيب و العوض
الزائد المخرج له عن قبيل الظلم و الإساءة إلى حيز العدل و الإحسان. و وجوب الانتصاف للمظلوم من الظالم لوقوع الظلم عن
تمكينه تعالى و إن كان كارها له تعالى. و وجوب الرئاسة لكون المكلف عندها أقرب من الصلاح و أبعد من الفساد. و وجوب ما له هذه
الصفة لكونه لطفا و وقوف هذا اللطف على رئيس لا رئيس له لفساد القول بوجود ما لا نهاية له من الرؤساء و منع الواجب في حكمته
تعالى. و لا يكون كذلك إلا بكونه معصوما و كون الرئيس أفضل الرعية و أعلمها لكونه إماما لها في ذلك و قبح تقديم المفضول على
الفاضل فيما هو أفضل منه فيه. و وجوب نصبه بالمعجزات و النص المشتد إليه لوجوب كونه على صفات لا سبيل إليها إلا ببيان
علام الغيوب سبحانه. و هذه الرئاسة قد تكون نبوة و قد تكون إمامة ليست بنبوة. فالنبي هو المؤدي عن الله سبحانه بغير واسطة
من البشر و الغرض في تعينه بيان
أعلام الدين ص : 51
المصالح من المفاسد. و الدلالة على حسن البعثة لذلك قيام البرهان على وجوب بيان المصالح و المفاسد للمكلف في حق المكلف
فلا بد متى علم سبحانه ما له هذه الصفة من بعثه مبينا له و لا بد من الموت المبعوث معصوما فيما يرد به من حيث كان الغرض في
تعينه ليعلم المكلف المصالح و المفاسد من جهته فلو جاز عليه الخطأ فيما يؤديه لارتفعت الثقة بأدائه و قبح العمل بأوامره و
اجتناب نواهيه. و لا بد من كونه معصوما من القبائح لوجوب تعظيمه على الإطلاق و قبح ذمه و الحكم بكفر المستخف به مع وجوب
ذم فاعل القبيح. و لا يعلم صدقه إلا بالمعجز و يفتقر إلى شروط ثلاثة أولها أن يكون خارقا للعادة لأنه إن كان معتادا و إن تعذر جنسه
كخلق الولد عند الوطي و طلوع الشمس من المشرق و المطر في زمان مخصوص لم يقف على مدع من مدع. و طريق العلم بكونه
خارقا للعادة اعتبار حكمها و ما يقع فيها و يميزه من ذلك على وجه لا لبس فيه أو بحصول تحد و توفر دواعي المتحدي و خلوصا و
تعذر معارضته. و ثانيها أن يكون من فعله تعالى لأن من عداه سبحانه يصح منه إيثار القبيح فلا يؤمن منه تصديق الكذاب و طريق
العلم بكونه من فعله تعالى أن يكون متعدد الجنس كالجواهر و الحياة و غيرهما من الأجناس الخارجة من مقدور المحدثين أو يقع
بعض الأجناس المختصة بالعباد على وجه لا يمكن إضافته إلا إليه سبحانه. ثالثها أن يكون مطابقا للدعوى لأنه إن كان منفصلا عنها
لم يكن مدع أولى به من مدع و طريق ذلك المشاهدة أو خبر الصادق. فمتى تكاملت هذه الشروط ثبت كونه معجزا إذ لا صدق من
اقترن ظهوره بدعواه لأنه جار مجرى قوله تعالى صدق هذا علي فيما يؤديه عني و هو تعالى لا يصدق الكذابين.
أعلام الدين ص : 52
فإذا علم صدقه بالمعجز وجب اتباعه فيما يدعو إليه و القطع على كونه مصلحة و ينهى عنه و القطع بكونه مفسدة. و لا طريق إلى
نبوة أحد من الأنبياء ع الآن إلا من جهة نبينا ص لانسداد طريق التواتر بشيء من معجزاتهم بنقل من عدا المسلمين لفقد العلم
باتصال الأزمنة مشتملة على متواترين فيها بشيء من المعجزات و تعذر تعين الناقلين لها. و طريق العلم بنبوته ص القرآن و ما عداه
من الآيات و وجه الاستدلال به أنه تحداهم به على وجه لم يبق لهم صارف عن معارضته فتعذرت على وجه لا يمكن إسناده إلى غير
عجزهم إما لأنه في نفسه معجز أو لأن الله سبحانه صرفهم عن معارضته إذ كل واحد من الأمرين دال على صدقه. و قد تضمن القرآن
ذكر أنبياء على جهة التفصيل و الجملة فيجب لذلك التدين بنبوتهم و كونهم على الصفات التي يجب كون النبي عليها. و أن رسول
الله ص أفضلهم و خاتمهم و الناسخ لشرائعهم بشريعة يجب العلم و العمل بها إلى يوم القيامة. و الإمام هو الرئيس المتقدم
المقتدى بقوله و فعله و الغرض في نصبه فيه من اللطف للرعية في تكاليفهم العقلية و يجوز أن يكون نائبا عن نبي أو إمام في تبليغ
شريعة. و متى كان كذلك فلا بد من كونه عالما بجميعها لقبح تكليفه الأداء و تكليف الرجوع إليه مع فقد العلم بما يؤديه و يرجع
إليه فيه. و يجب أن يكون معصوما في أدائه لكونه قدوة و لتسكن النفوس إليه و لتسلم بعظمة الواجب خلوصه من الاستخفاف. و
يجب أن يكون عابدا زاهدا لكونه قدوة فيهما و إن كان مكلفا بجهاد أوجب كونه أشجع الرعية لكونه فئة لهم. و يجوز من طريق
العقل أن يبعث الله سبحانه إلى كل واحد من المكلفين نبيا و ينصب له رئيسا و يكون ذلك في الأزمنة و إنما ارتفع هذا الجائز في
شريعتنا بحصول
أعلام الدين ص : 53
العلم من دين نبينا ص أن لا نبي بعده و لا إمام في الزمان إلا واحد. و وضح البرهان على تخصيص الإمامة بعده بأمير المؤمنين علي بن
أبي طالب و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي
و علي بن محمد و الحسن بن علي و الحجة بن الحسن ص. لا إمامة لسواهم بدليل وجوب العصمة للإمام فيما يؤديه و من سائر
الصالح و كونه أعلم الخلق و أعظمهم و أعدلهم و أزهدهم و أشجعهم و تعدي من عاداهم من منتحلي الإمامة من تكامل هذه الصفات
دعوى و تخصصهم ع و شيعتهم بدعواها لهم في ثبوت النص من الكتاب و السنة المعلومة على إمامتهم و تعريهما عن ذلك فيمن
عداهم حسب ما ذكرناه في غير موضع و ذلك مقتض لضلال المتقدم عليهم و كفر الشاك في إمامة واحد منهم. و غيبة الحجة ع ليست
بقادحة في إمامته لثبوتها بالبراهين التي لا شبهة فيها على متأمل و أمان المكلف من خطإ به في ظهور فاستتار و غيرهما لعصمته. و
يلزم العلم بجملة الشريعة فعلا و تركا لكون ذلك جملة الإيمان و العلم بتفصيل ما تعين فرضه منها و إيقاعه للوجه الذي شرع على
جهة القربة لكون ذلك شرطا في صحته و براءة الذمة منه و استحقاق الثواب عليه. و هي على ضروب أربعة فرائض و نوافل و محرمات
و أحكام. فجهة وجوب الفرائض كون فعلها لطفا في فعل الواجب العقلي و ترك القبيح و قبح تركها لأنه ترك الواجب. و جهة الترغيب
في السنن كونها لطفا في المندوب العقلي و لم يقبح تركها و كما لا يقبح ترك ما هي لطف فيه. و جهة قبح المحرمات كونها مفسدة في
ترك الواجب و فعل القبيح و وجب تركها لأنه ترك القبيح.
أعلام الدين ص : 54
و جهة الأحكام ليعلم مكلفها الوجه الذي عليه يصح التصرف مما لا يصح. فوضح ذلك علمنا ضرورة من حال فاعل العبادات الشرعية و
مجتنب المحرمات كونه أقرب لنا للإنصاف و الصدق و شكر النعمة و رد الوديعة و سائر الواجبات و البعد من الظلم و الكذب و سائر
القبائح. و من حال فاعل المحرمات الشرعيات و المخل بالعبادات كونه أقرب من القبيح العقلي و أبعد من الواجب. و لا شبهة أن من
بلي بالتجارة فلم يعلم أحكام البيوع لم يكن على يقين من صحة التملك. و كذلك من بلي بالإرث مع جهله بأحكام المواريث لا يكون
على ثقة مما يأخذ و يترك. و كذلك يجري الحال في سائر الأحكام و قد استوفينا الكلام في هذا القدح في مقدمة كتاب العمدة و
التخليص في الفروع و في كتابي الكافي في التكليف و فيما ذكرناه هاهنا بلغة. و لا طريق إلى إثبات الأحكام الشرعية و العمل بها إلا
العلم دون الظن لكون التعبد بالشرائع مبنيا على المصالح التي لا يوصل إليها بالظن و لا سبيل إلى العمل بجملتها إلا من جهة
الأئمة المنصوبين لحفظها المعصومين في القيام بها المأمونين في أدائها لحصول العلم بذلك من دينهم لكل مخالط و ارتفاع
الخوف من كذبهم لثبوت عصمتهم ع. و لا بد في هذا التكليف من داع و صارف و ذلك مختص بالمستحق عليه من المدح و الثواب و
الذم و العقاب و الشكر. فالمدح هو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح و هو مستحق بفعل الواجب و المندوب و اجتناب القبيح.
و الثواب هو النفع المستحق الواقع على جهة التعظيم و التبجيل و هو مستحق من الوجوه الثلاثة بشرط المشقة
أعلام الدين ص : 55
و الذم هو القول المنبئ عن إيضاح حال المذموم و هو مستحق بفعل القبيح و الإخلال بالواجب. و العقاب هو الضرب المستحق من
الوجهين بشرط زائد. و الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم و هو مستحق بالإحسان خاصة. و الوجه في حسن التكليف
كونه تعريضا للثواب الذي من حقه ألا يحسن الابتداء به من دون العلم باستحقاق العقاب و دوامه. و إنما يعلم أن الثواب دائم و
العقاب مستحق و دائم بالكفر و منقطع بما دونه من جهة السمع. و المستحق من الثواب ثابت لا يزيله شيء لأنه حق واجب في
حكمته سبحانه لا يجوز فيها منعه و إلا سقوط بندم أو زائد عقائد لاستحالة ذلك لعدم التنافي بين الثواب و بينهما لعدم الجميع و
إحالة التنافي بين المعدومات. و عقاب الفسق يجوز إسقاطه تفضلا بعفو مبتدإ و عند الشفاعة لجوازه و عند التوبة لأنه حق له تعالى
إليه قبضه و استيفاؤه و إسقاطه إحسان إلى المعفو عنه. و قد ورد الشرع مؤكدا لأحكام العقول فمن ذلك تمدحه سبحانه في غير
موضع من كتابه بالعفو و الغفران المختصين بإسقاط المستحق في اللغة و الشرع. و لا وجه لهذا التمدح إلا بوجهه إلى فساق أهل
الصلاة بخروج المؤمنين الذين لا ذنب لهم و الكفار عنه باتفاق إذ لا ذنب لأولئك يغفر و العفو عن هؤلاء غير جائز. و لأن ثواب
المطيع دائم فمنع من دوام عقاب ما ليس بكفر لإجماع الأمة على أنه لا يجتمع ثواب دائم و عقاب دائم لمكلف و فساد التخالط بين
المستحقين مما بيناه. و لا أحد قال بذلك إلا جوز سقوط عقاب العاصي بالعفو أو الشفاعة المجمع
أعلام الدين ص : 56
عليها و يخصصها بإسقاط العقاب و لا يقدح في ذلك خلاف المعتزلة لحدوثه بعد انعقاد الإجماع بخلافه. و آيات الوعيد كلها و آيات
الوعيد مشترطة بالعفو و مخصصة ب آيات العفو و عموم آيات الوعد و لثبوت ثواب المطيع و فساد التخالط و كون ذلك موجبا
لتخصيصها بالكفار إن كان وعيدها دواما أو كون عقابها منقطعا إن كان عاما من حيث كان القول بعمومها للعصاة و دوام عقابها ينافي ما
سلف من الأدلة. و المؤمن هو المصدق بجملة المعارف عن برهانها حسب ما خاطب به من لسان العرب المعلوم كون الإيمان فيه
تصديقا و الكفر اسم لمن جحد المعارف أو شك فيها أو اعتقدها عن تقليد أو نظر لغير وجهه. و الفسق اسم لمن فعل قبيحا أو أخل
بواجب من جهة العقل أو السمع لكونه خارجا بذلك عن طاعة مكلفة سبحانه. و الفاسق في اللغة هو الخارج و في عرف الشريعة هو
الخارج عن طاعته سبحانه. و من جمع بين إيمان و فسق مؤمن على الإطلاق فاسق بما أتاه من القبيح لثبوت كل واحد منهما و من ثبت
إيمانه لا يجوز أن يكفر لدوام ثواب الإيمان و عقاب الكفر و فساد اجتماعهما لمكلف واحد و ثبوت المستحق منهما و عدم سقوطه
بندم أو تحابط. و قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا مختص بمن أظهر الإيمان أو اعتقده لغير وجهه دون من ثبت إيمانه كقوله
تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة يعني مظاهرة للإيمان باتفاق و مدح المقطوع على إيمانه مطلق مقطوع بالثواب و المظهر مشترط بكون
الباطن مطابقا للظاهر واقعا موقعه. و ذم الكافر و لعنه مطلق مقطوع له بالعقاب الدائم
أعلام الدين ص : 57
و ذم الفاسق مشترط الانعفاء عن مستحقه ابتداء أو عند شفاعة و إذا ظهر كفر ممن كان على الإيمان وجب الحكم على ما مضى منه على
المظاهرة به النفاق أو كونه حاصلا عن تقليد أو عن نظر لغير وجهه لما بيناه من الأدلة الموجبة لذلك. و لا بد من انقطاع التكليف و
إلا انتقض الغرض المجرى به إليه من التعريض للثواب و لا يعلم بالعقل كيفية انقطاعه و حال أيضا أو جنسه و كيفية فعله و إنما
يعلم ذلك بالسمع. و قد حصل العلم من دينه ص ضرورة و نطق القرآن بأن الله تعالى آخر بعد فناء كل شيء كما كان أولا قبل وجود
شيء حسب ما أخبر سبحانه من قوله هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْ آخِرُ ينشئهم بعد ذلك و يحشرهم ليوم لا ريب فيه مستحق الثواب خالصا و العقاب
الدائم ليوصل كلا منهما إلى مستحقه على الوجه الذي نص عليه تعالى و من اجتمع له الاستحقاقان فأن يستوفي منه سبحانه ما
يستحقه من العقاب أو يعفو عنه ابتداء أو عند شفاعة ثم يوصله إلى ثواب إيمانه و طاعاته الدائم و المولم به تعالى أو بغيره
ليوصله إلى ما يستحقه من العوض عليه تعالى أو على غيره ثم يدخله الجنة إن كان من أهلها أو النار أو يبقيه أو يحرمه إن كان ممن لا
يستحقها من البهائم و الأطفال و المجانين و من لا يستحق العوض ليتفضل عليه. و هذا أجمع جائز من طريق العقل لتعلقه بمبتدئهم
تعالى و النشأة الثانية أهون من الأولى و هي واجبة لما بيناه من وجوب إيصال كل مستحق إلى مستحقه من ثواب أو عقاب أو عوض.
و لا تكليف على أهل الآخرة بإجماع و لأن العلم بحضور المستحق من الثواب و العقاب و فعله عقيب الطاعة و المعصية ملج و
الإلجاء ينافي التكليف و أهل الآخرة
أعلام الدين ص : 58
عالمون بالله تعالى ضرورة ليعلم المثاب و المعاقب و المعوض وصوله إلى ما يستحقه على وجهه و يعلم المتفضل عليه كون ذلك
النفع نعمة منه تعالى. و قلنا إن هذه المعرفة ضرورية لأنا قد بينا سقوط تكليف أهل الآخرة فلم يبق مع وجوب كونهم عارفين إلا
كون المعرفة ضرورية. هذه جمل يقتضي كون العارف بها موقنا مستحقا للثواب الدائم و إيصاله إليه و مرجو له العفو عما عداهما من
الجوائر و يوجب كفر من جهلها أو شيئا منها أو شك فيها أو اعتقدها عن غير علم أو شيئا منها أو لغير وجهها قد قربناها بغاية وسعنا من
غير إخلال بشيء يؤثر جهله في ثبوت الإيمان لمحصلها و إلى الله سبحانه الرغبة في توفير حظنا و من تأملها أو عمل بها من ثوابه و
جزيل عفوه بجوده و كرمه إنه قريب مجيب تم الكتاب
أعلام الدين ص : 59
و من خطبة له في التوحيد
ما وحده من كيفه و لا حقيقته أصاب من مثله و لا إياه عنى من شبهه و لا صمده من أشار إليه و توهمه كل معروف بنفسه مصنوع و كل
قائم في سواه معلول فاعل لا باضطراب آلة مقدر لا بجول فكرة غني لا باستفادة لا تصحبه الأوقات و لا ترفده الأدوات سبق الأوقات
كونه و العدم وجوده و الابتداء أزله بتشعيره المشاعر عرف ألا مشعر له و بمضادته بين الأمور عرف ألا ضد له و بمقارنته بين الأشياء
عرف ألا قرين له ضاد النور بالظلمة و الوضوح بالبهمة و الجمود بالبلل و الحرور بالصرد مؤلف بين متعادياتها مقارن بين متبايناتها
مقرب بين متباعداتها مفرق بين متدانياتها لا يشمل بحد و لا يحسب بعد و إنما تحد الأدوات أنفسها و تشير الآلات إلى نظائرها
منعتها منذ القدمية و حمتها قد الأزلية و جنبتها لو لا التكملة بها تجلى صانعها للعقول و بها امتنع عن نظر العيون لا يجري عليه
السكون و الحركة و كيف يجري عليه ما هو أجراه و يعود فيه ما هو أبداه و يحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته و لتجزأ كنهه و
لامتنع من الأزل معناه لو كان له وراء لوجد له أمام و لالتمس التمام إذ لزمه النقصان و إذا لقامت آية المصنوع فيه و لتحول دليلا
بعد أن كان مدلولا عليه و خرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره الذي لا يحول و لا يزول و لا يجوز عليه الأفول لم
يلد فيكون مولودا و لم يولد فيكون محدودا جل عن اتخاذ الأبناء و طهر عن ملامسة النساء
أعلام الدين ص : 60
لا تناله الأوهام فتقدره و لا تتوهمه الفطن فتصوره و لا تدركه الحواس فتحسه و لا تلمسه الأيدي فتمسه لا يتغير بحال و لا يتبدل
بالأحوال لا تبليه الليالي و الأيام و لا يغيره الضياء و الظلام و لا يوصف بشيء من الأجزاء و لا بالجوارح و الأعضاء و لا بعرض من
الأعراض و لا بالغيرية و الأبعاض و لا يقال له حد و لا نهاية و لا انقطاع و لا غاية و لا أن الأشياء تحويه فتقله أو تهويه أو أن شيئا
يحمله فيميله أو يعدله ليس في الأشياء بوالج و لا عنها بخارج يخبر بلا لسان و لهوات و يسمع بلا خروق و أدوات يقول و لا يلفظ
و يحفظ و لا يتحفظ و يريد و لا يضمر يحب و يرضى من غير رقة و يبغض و يغضب من غير مشقة يقول لما أراد كونه كن فيكون لا
بصوت يقرع و لا نداء يسمع و إنما كلامه فعل منه أنشأه و مثله لم يكن من قبل ذلك كائنا و لو كان قديما لكان إلها ثانيا لا يقال كان
بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات و لا يكون بينها و بينه فصل و لا له عليها فضل فيستوي الصانع و المصنوع و يتكافأ
المبتدئ و البديع خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره و لم يستعن على خلقها بأحد من خلقه و أنشأ الأرض فأمسكها من غير
اشتغال و أرساها على غير قرار و أقامها بغير قوائم و رفعها بغير دعائم و حصنها من الأود و الاعوجاج و منعها من التهافت و الانفراج
أرسى أوتادها و ضرب أسدادها و استفاض عيونها و خد أوديتها فلم يهن ما بناه و لا ضعف ما قواه هو الظاهر عليها بسلطانه و عظمته و
هو الباطن لها بعلمه و معرفته و العالي على كل شيء منها بجلاله و عزته لا يعجزه شيء منها يطلبه
أعلام الدين ص : 61
و لا يمتنع عليه فيغلبه و لا يفوته السريع منها فيسبقه و لا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه خضعت الأشياء له فذلت مستكينة لعظمته لا
تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه و ضره و لا كفء له فيكافئه و لا نظير له فيساويه هو المفني لها بعد وجودها
حتى يصير موجودها كمفقودها و ليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها و اختراعها و كيف و لو اجتمع جميع حيوانها من
طيرها و بهائمها و ما كان من مراحها و سائمها و أصناف أسناخها و أجناسها و متبلدة أممها و أكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على
إحداثها و لا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها و لتحيرت عقولها في علم ذلك و تاهت و عجزت قواها و تناهت و رجعت خاسئة حسيرة
عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها و أنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان
قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت و لا مكان و لا حين و لا زمان عدمت عند ذلك الآجال و الأوقات و زالت السنون و
الساعات فلا شيء إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها و بغير امتناع منها كان فناؤها و لو
قدرت على الامتناع لدام بقاؤها لم يتكاءده صنع شيء منها إذ صنعه و لم يؤده منها خلق ما برأه و خلقه و لم يكونها لتشديد سلطان و
لا لخوف من زوال و نقصان و لا للاستعانة بها على ند مكاثر و لا للاحتراز بها من ضد مثاور و لا للازدياد بها في ملكه و لا لمكاثرة
شريك في شركه و لا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها و تدبيرها و لا
لراحة واصلة إليه و لا لثقل شيء منها عليه لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها لكنه
أعلام الدين ص : 62
سبحانه دبرها بلطفه و أمسكها بأمره و أتقنها بقدرته ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها و لا استعانة بشيء منها عليها و لا
لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس و لا من حال جهل و عمى إلى حال علم و التماس و لا من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة و لا من
ذل و ضعة إلى عز و قدرة
أعلام الدين ص : 63
و من خطبة له في المعنى
الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه و الظاهر لقلوبهم بحجته خلق الخلق من غير روية إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر و ليس
بذي ضمير في نفسه خرق علمه باطن غيب السترات و أحاط بغموض عقائد السريرات و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأول
فلا شيء قبله و الآخر لا نهاية له لا تقع القلوب له على غاية و لا تعقد القلوب منه على كيفية لا تناله التجزئة و التبعيض و لا تحيط به
الأبصار و القلوب بطن خفيات الأمور و دلت عليه أعلام الظهور و امتنع على عين البصير فلا عين من لم يره تنكره و لا قلب من أثبته
يبصره سبق في العلو فلا شيء أعلى منه و قرب في الدنو فلا شيء أقرب منه فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه و لا قربه ساواهم في
المكان به لم يطلع العقول على تحديد صفته و لم يحجبها عن واجب معرفته فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي
الجحود تعالى الله عما يقول المشبهون به و الجاهلون له علوا كبيرا
أعلام الدين ص : 64
و من خطبة له في التوحيد ع
الحمد لله الدال على وجوده بخلقه و بمحدث خلقه على أزليته و باشتباههم على أن لا شبه له لا تشتمله المشاعر و لا تحجبه
السواتر لافتراق الصانع و المصنوع و الحاد و المحدود و الرب و المربوب الأحد لا بتأويل عدد و الخالق لا بمعنى حركة و نصب و
السميع لا بأداة و البصير لا بتفريق آلة و الشاهد لا بمماسة و البائن لا بتراخي مسافة و الظاهر لا برؤية و الباطن لا بلطافة بان من
الأشياء بالقهر و القدرة عليها و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرجوع إليه من وصفه فقد حده و من حده فقد عده و من عده فقد
أبطل أزله و من قال كيف فقد استوصفه و من قال أين فقد حيزه عالم إذ لا معلوم و رب إذ لا مربوب و قادر إذ لا مقدور منها قد طلع
طالع و لمع لامع و لاح لائح و اعتدل مائل و استبدل الله بقوم قوما و بيوم يوما و انتظرنا الغير انتظار المجدب المطر و إنما
الأئمة قوام الله على خلقه و عرفاؤه على عباده لا يدخل الجنة إلا من عرفهم و عرفوه و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه إن الله
خصكم بالإسلام و استخلصكم له و ذلك لأنه اسم سلامة و جماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه و بين حججه من ظاهر علم و باطن
حكم لا تفنى غرائبه و لا تنقضي عجائبه فيه مرابيع النعم و مصابيح الظلم لا تفتح الخيرات إلا بفاتحهم و لا تكشف الظلمات إلا
بمصابحهم قد أحمى حماه و أرعى مرعاه فيه شفاء المشتفي و كفاية المكتفي
أعلام الدين ص : 65
و من كلام له في المعنى
قاله لذعلب اليماني و قد سأله هل رأيت ربك فقال أ فأعبد من لا أرى قال و كيف تراه قال لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن
تدركه القلوب بحقائق الإيمان قريب من الأشياء غير ملامس بعيد منها غير مباين متكلم لا بروية مريد لا بهمة صانع لا بجارحة لطيف
لا يوصف بالخفاء كبير لا يوصف بالجفاء بصير لا يوصف بالحاسة رحيم لا يوصف بالرقة تعنو الوجوه لعظمته و توجل القلوب من
مخافته الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا كل مسمى بالوحدة غيره قليل
و كل عزيز غيره ذليل و كل قوي غيره ضعيف و كل مالك غيره مملوك و كل عالم غيره متعلم و كل قادر غيره يقدر و يعجز و كل سميع
غيره يصم عن لطيف الأصوات و يصمه كبيرها و يذهب عنه ما بعد منها و كل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان و لطيف الأجسام و كل
ظاهر غيره غير باطن و كل باطن غيره غير ظاهر لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان و لا تخوف من عواقب زمان و لا استعانة على ند
مثاور و لا شريك مكاثر و لا ضد منافر و لكن خلائق مربوبون و عباد داخرون لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن و لم ينأ عنها
فيقال هو منها بائن لم يؤده خلق ما ابتدأ و لا تدبير ما ذرأ و لا وقف به عجز عما خلق و لا ولجت عليه شبهة فيما قدر و قضى بل قضاء
متقن و علم محكم و أمر مبرم المأمول مع النقم المرهوب مع النعم
أعلام الدين ص : 66
و من كلام له ع في التوحيد
عن مقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه قال إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين ع فقال يا أمير المؤمنين أ تقول إن الله واحد
قال فحمل الناس عليه و قالوا يا أعرابي أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب فقال أمير المؤمنين ع دعوه فإن الذي يريده
الأعرابي هو الذي نريده من القوم ثم قال يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله
تعالى و وجهان يثبتان فيه فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا
يدخل في باب الأعداد أ ما ترى أنه كفر من قال ثالث ثلاثة و قول القائل هو واحد يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه
تشبيه جل ربنا عن ذلك و تعالى و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد يريد به ليس له في الأشياء شبه و لا مثل
كذلك الله ربنا و قول القائل إنه تعالى واحد يريد أنه أحدي المعنى يعني أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم كذلك الله ربنا عز
و جل
و روي أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين بما ذا عرفت ربك قال بفسخ العزم و نقض الهم لما أن هممت فحال بيني و بين همي و عزمت
فخالف القضاء عزمي علمت أن المدبر لي غيري قال فبما ذا شكرت نعماءه قال نظرت إلى بلاء قد صرفه عني و أبلى به غيري و إحسان
شملني به فعلمت أنه قد أنعم علي فشكرته قال فبما ذا أحببت لقاءه قال رأيته قد اختار لي دين ملائكته و رسله
أعلام الدين ص : 67
فعلمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه
و من خطبة له ع في التوحيد
الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد و لا تحويه المشاهد و لا تراه النواظر و لا تحجبه السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه و
بحدوث خلقه على وجوده و باشتباههم على أن لا شبه له الذي صدق في ميعاده و ارتفع عن ظلم عباده و قام بالقسط في خلقه و عدل
عليهم في حكمه مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته و بما وسمها به من العجز على قدرته و بما اضطرها إليه من الفناء على دوامه
واحد لا بعدد و دائم لا بأمد و قائم لا بعمد تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة و تشهد له المرائي لا بمحاضرة لم تحط به الأوهام بلى تجلى لها
و بها امتنع منها و إليها حاكمها ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا
بل كبر شأنا و عظم سلطانا و أشهد أن محمدا عبده المصطفى و أمينه الرضي ص أرسله بوجوب الحجج و ظهور الفلج و إيضاح
المنهج فبلغ الرسالة صادعا بها و حمل على المحجة دالا عليها و أقام أعلام الاهتداء و منار الضياء و جعل أمراس الإسلام متينة و عرى
الإيمان وثيقة
و قال ع من عبد الله بالوهم أن يكون صورة أو جسما فقد كفر و من عبد الاسم دون المعنى فقد عبد غير الله و من عبد المعنى دون
الاسم فقد دل على غائب و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك و عبد اثنين و من عبد المعنى بوقوع الاسم عليه يعقد به قلبه و ينطق به
لسانه فذلك في ديني حقا و دين آبائي
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه و رضوانه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن الديلمي أعانه الله على طاعته و تغمده برأفته و رحمته و
حشره مع أئمته إن ذات الله تعالى معروفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة و لا مرئية بالأبصار فهي ثابتة في العقول من غير حد و لا إحاطة
و لا حلول قد حجب سبحانه الخلق أن يعرفوا له كنه ذات و دلهم
أعلام الدين ص : 68
عليه ب آياته و دلالاته فالعقول تثبته و قلوب المؤمنين مطمئنة به غير شاكة فيه و لا منكرة له. و إني لأعجب ممن يستدل بصفات
المخلوق على صفة الخالق و كيف يصح الاستدلال بصفات من له مثل على صفات من لا مثل له و لا نظير. و الله تعالى يصدق هذا
القول بقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. و اعلم أن حقيقة المعرفة عقد الضمير في القلب بإخراج ذات الله عن كل موهوم و مهجوس و
محسوس و طرق الحق واضحة و علاماته لائحة و عيون القلوب مفتوحة و لكن أعماها غشاوة الهوى و ضعف البصائر و جماد القرائح
و ترك الطلب و لو استشعروا الخوف قوموا به العوج و سلكوا الطريق الأبلج. و دواء القلوب و جلاؤها في خمسة أشياء قراءة
القرآن المجيد بالتدبر و خلاء البطن و قيام الليل و التضرع في السحر و مجالسة الصالحين و أعظم مقامات العارفين القيام
بالأوامر و الثقة بالمضمون و مراعاة الأسرار بالسلام و التخلي من الدنيا فإذا حصلت هذه الصفات ضاقت على صاحبها الأرض بما
رحبت كما قال الله ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ و من ألزم نفسه آداب الكتاب و سنة نبينا محمد ص و
سنن الأئمة من أهل بيته ع نور الله قلبه بنور الإيمان و مكن له بالبرهان و جعل على وجهه و أفعاله شاهد الحق و لا مقام أشرف من
متابعة الله الحبيب و أحبائه من أنبيائه و أئمته من أوليائه في أوامرهم و نواهيهم و من ادعى المحبة لهم و هو على خلاف ذلك فإنما
يستهزئ بنفسه و يغمزها
أعلام الدين ص : 69
و من كلام الإمام علي بن موسى الرضا ع في التوحيد
رواه عنه محمد بن زيد الطبري قال كنت قائما عند علي بن موسى الرضا ع بخراسان و حوله جماعة من بني هاشم و غيرهم و هو يتكلم
في توحيد الله تعالى فقال أول عبادة الله معرفته و أصل معرفته توحيده و نظام توحيده نفى التحديد عنه لشهادة العقول بأن كل
محدود مخلوق و شهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بمخلوق الممتنع من الحدث هو القديم في الأزل ليس الله عبد من نعت ذاته و لا
إياه وحد من اكتنهه و لا حققه من مثله و لا به صدق من نهاه و لا صمده من أشار إليه بشيء من الحواس و لا إياه عنى من شبهه و لا له
عرف من بعضه و لا إياه أراد من توهمه كل معروف بنفسه مصنوع و كل قائم في سواه معلول بصنع الله يستدل عليه و بالعقول تعتقد
معرفته سبحانه و بالفطرة تثبت حجته خلق الخلق بينه و بينهم حجاب مباينته إياهم و مفارقتهم له و ابتداؤه لهم دليلهم على أن لا
ابتداء له لعجز كل مبتدإ منهم عن ابتداء مثله فأسماؤه تعالى تعبير و أفعاله سبحانه تفهيم قد جهل الله سبحانه من حده و قد تعداه
من اشتمله و قد أخطأه من اكتنهه من قال كيف فقد شبهه و من قال أين فقد حصره و من قال فيم فقد وعاه و من قال علام فقد شبهه و من
قال متى فقد وقته و من قال لم فقد علله و من قال فيم فقد ضمنه و من قال إلام فقد نهاه و من قال حتام فقد غياه و من غياه فقد جزأه و
من جزأه فقد ألحد فيه لا يتغير الله تعالى بتغاير المخلوق و لا يتحدد بتحديد المحدود واحد لا بتأويل عدد ظاهر لا بتأويل مباشرة
متجل لا باستهلال رؤية باطن لا بمزايلة قريب
أعلام الدين ص : 70
لا بمداناة لطيف لا بتجسيم موجود لا عن عدم فاعل لا باضطرار مقدر لا بفكر مدبر لا بعزيمة شاء لا بهمة مدرك لا بحاسة سميع لا ب آلة
بصير لا بأداة لا تصحبه الأوقات و لا تضمه الأماكن و لا تأخذه السنات و لا تحده الصفات و لا تقيده الأدوات سبق الأوقات كونه و
العدم وجوده و الابتداء أزله و بمشابهته بين الأشياء علم أن لا شبه له و بمضادته بين الأضداد علم أن لا ضد له و بمقارنته بين الأمور
عرف أن لا قرين له ضاد النور بالظلمة و الظل بالحرور مؤلف بين متدانياتها مفرق بين متبايناتها بتفريقها دل على مفرقها و بتأليفها دل
على مؤلفها قال سبحانه وَ مِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ له معنى الربوبية إذ لا مربوب و حقيقة الإلهية إذ لا مألوه و
معنى العلم إذ لا معلوم ليس منذ خلق استحق معنى الخالق و لا من حيث أحدث استفاد معنى المحدث لا تنائيه منذ و لا تدنيه قد و لا
تحجبه لعل و لا توقته متى و لا تشتمله حين و لا تقاربه مع كلما في الخلق من أثر غير موجود به و كل ما أمكن فيه ممتنع من صانعه لا
تجري عليه الحركة و السكون و كيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود فيه ما هو أبداه إذا لتفاوتت دلالته و امتنع من الأزل معناه و لما
كان البارئ غير المبرأ و لو وجد له وراء لوجد له أمام و لو التمس له التمام لزمه النقصان كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث
و كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء لو تعلقت به المعاني لقامت فيه آية المصنوع و لتحول من كونه دالا إلى كونه مدلولا
عليه ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب لا إله إلا هو العلي العظيم
أعلام الدين ص : 71
تفسير سورة الإخلاص
قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ معناه أنه غير مبعض و لا مجزأ و لا موهم و لا توجد عليه الزيادة و النقصان. اللّهُ الصَّمَدُ عنى بالصمد السيد المطاع
الذي ينتهي إليه السؤدد و هو الذي تصمد على الخلائق و تصمد الخلائق إليه. لَمْ يَلِدْ كما قالت اليهود لعنهم الله عزير ابن الله. وَ لَمْ
يُولَدْ كما قالت النصارى لعنهم الله المسيح الله. وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أي ليس له ضد و لا ند و لا شريك و لا شبه و لا معين و لا
ظهير و لا نصير سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
أعلام الدين ص : 72
خطبة بليغة عن مولانا أمير المؤمنين ع ليس فيها ألف
حمدت من عظمت منته و سبغت نعمته و تمت كلمته و سبقت رحمته و نفذت مشيئته و فلحت حجته حمد مقر بربوبية متخضع لعبوديته
مؤمن بتوحيده و وحدته توحيد عبد مذعن بطاعته متيقن يقين عبد لمليك ليس له شريك في ملكه و لم يكن له ولي في صنعه عجز عن
وصفه من يصفه و ضل عن نعته من يعرفه قرب فبعد و بعد فقرب مجيب دعوة من يدعوه و يرزقه و يحبوه ذو لطف خفي و بطش قوي و
رحمة موسعة و عقوبة موجعة رحمته جنة عريضة مونقة و غضبه نقمة ممدودة موبقة و شهدت ببعث محمد عبده و رسوله و نبيه و
حبيبه و خليله بعثه من خير عنصر و حين فترة رحمة لعبيده و منه لمزيده و ختم به نبوته و وضح به حجته فوعظ و نصح و بلغ و كدح
رءوف بكل عبد مؤمن سخي رضي زكي عليه رحمة و تسليم و تكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب وصيتكم معشر من حضرني بوصية
ربكم و ذكرتكم سنة نبيكم فعليكم برهبة و رغبة تسكن قلوبكم و خشية تجري دموعكم قبل يوم عظيم مهول يلهيكم و يبكيكم
يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته و خف وزن سيئته و ليكن مسألتكم مسألة ذل و خضوع و خشوع و مسكنة و ندم و رجوع فليغتنم
كل منكم صحته قبل سقمه و شبيبته قبل هرمة و سعته قبل فقره و فرغته قبل شغله و حضره قبل سفره قبل يهرم و يمرض و يمل و
يسقم و يمله طبيبه و يعرض عنه حبيبه و ينقطع منه عمره و يتغير عقله و سمعه و بصره ثم يصبح و يمسي و هو موعوك و جسمه
منهوك و حديت نفسه و بكت عليه عرسه و يتم منه ولده و تفرق عنه جمعه و عدده و قسم جمعه و بسط عليه حنوطه و شد منه ذقنه و
غسل و قمص و عمم و ودع و سلم