( 71 )
الاِمام الاَوّل
(1)
إسماعيل بن جعفر الصادق
(110ـ145هـ)
إنّ إسماعيل هو الاِمام الاَوّل والموَسِّس للمذهب، فوالده الاِمام الصادق - عليه السّلام-
غنيّ عن التعريف، وفضله أشهر من أن يذكر، وُلِد الاِمام الصادق عام 80هـ على
قول و83 على قول آخر وتوفي عام 148 هـ، وهو من عظماء أهل البيت - عليهم السّلام-
وساداتهم، ذو علوم جَمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة... إلى غير
ذلك من فضائل ومآثر يقصر عنها القلمُ والبيان؛ وقد أنجب - عليه السّلام- عشرة أولاد، هم
إسماعيل ويليه عبد اللّه، وموسى الكاظم، وإسحاق، ومحمد، والعباس وعلي، وأمّا
الاِناث، فأكبرهنّ أُمّ فروة، ثمّ أسماء، وفاطمة.
لقد تزوج - عليه السّلام- فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين، فأنجب منها
إسماعيل وعبد اللّه وأُمّ فروة.
وكان إسماعيل أكبر الاِخوة وكان أبو عبد اللّه - عليه السّلام- شديد المحبة له والبر به
والاِشفاق عليه، مات في حياة أبيه - عليه السّلام- «بالعريض»، وحمل على رقاب الرجال إلى
أبيه بالمدينة، حتى دفن بالبقيع (2)
____________
1. المبدأ في عدّ الاَئمة للاِسماعيليّة، هو موَسس الفرقة ـ حسب زعمهم ـ وإن كان هو الاِمام
السابع عندهم ثمّ إنّ الاَقوال في ميلاد ووفاة إسماعيل كثيرة وما ذكرناه أحد الاَقوال.
2. المفيد: الاِرشاد:284.
( 72 )
ولذلك كان من اللازم استعراض سيرته وسيرة بعض أولاده ممن كان لهم
دور في نشوء هذه الفرقة فنقول:
عنونه الشيخ في أصحاب رجال الصادق - عليه السّلام- و اقتصر على اسمه واسم
آبائه، وقال: إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب الهاشمي، المدني. (1)
وقال ابن عنبة: وأمّا إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السّلام- ويكنى أبا محمد، وأُمّه
فاطمة بنت الحسين الاَثرم بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ويعرف
بإسماعيل الاَعرج، وكان أكبر ولد أبيه، وأحبَّهم إليه، كان يحبُه حباً شديداً، وتوفي
في حياة أبيه «بالعريض»، فحمل على رقاب الرجال إلى البقيع، فدفن به سنة ثلاث
وثلاثين ومائة، قبل وفاة الصادق - عليه السّلام- بعشرين سنة، كذا قال أبو القاسم ابن خداع
نسّابة المصريين. (2)
وقال ابن خلدون :تُوفّي قبل أبيه، وكان أبو جعفر المنصور طلبه، فشهد له
عامل المدينة بأنّه مات. (3)
قال المفيد: لمّا توفي إسماعيل جزع أبو عبد اللّه عليه جزعاً شديداً، وحزن
عليه حزناً عظيماً، وتقدّم سريرَه بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على
الاَرض قبلَ دفنه مراراً، وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه. (4)
لم نقف في حياة إسماعيل على شيء سوى ما نقله ابن أبي الحديد حيث
قال: كان القاسم بن محمد بن طلحة (5) يلقّب «أبا بعرة»، ولي شرطة الكوفة،
____________
1. الطوسي: الرجال: 149 برقم 81.
2. ابن عنبة: عمدة الطالب: 233، ولعلَّ العشرين في العبارة مصحف خمس عشرة لاَنّ الفاصل
الزمني بين الوفاتين لا يتجاوز هذا المقدار على جميع الاَقوال لاَنّها في حقّه مختلفة فانّه مضافاً
إلى ما ذكره من أنّه توفي عام 138 وقيل توفي عام 143.
3. تاريخ ابن خلدون: 4|39.
4. المفيد: الاِرشاد: 284.
5. هو طلحة بن عبيد اللّه التيمي المقتول بالجمل سنة 36هـ .
( 73 )
لعيسى ابن موسى العباسي ـ فكلَّم إسماعيل بن جعفر الصادق بكلام خرجا فيه
إلى المنافرة.
فقال القاسم: لم يزل فضلنا وإحساننا سابغاً عليكم يا بني هاشم، وعلى بني
عبد مناف كافة.
فقال إسماعيل: أيّ فضل وإحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف؟! أغضب
أبوك جدي بقوله: «ليموتن محمد ولنجولنّ بين خلاخيل نسائه، كما جال بين
خلاخيل نسائنا»، فأنزل اللّه تعالى مراغمة لاَبيك: "وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُوَذُوا رَسُولَ
اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً" (1) ومنع ابن عمك أُمّي من حقّها في
فدك، وغيرها من ميراث أبيها، وأجلب أبوكَ على عثمان، وحصره حتى قُتِل،
ونكثَ بيعة علىٍّ، وشام السيف في وجهه، وأفسد قلوبَ المسلمين عليه، فإن كان
لبني عبد مناف قوم غير هوَلاء، أسديتم إليهم إحساناً، فعرّفني من هم، جعلت
فداك؟! (2)
و روى الكشي بسنده عن عنبسة العابد: كنت مع جعفر بن محمد بباب
الخليفة أبي جعفر بالحيرة، حين أُتي ببسّام، وإسماعيل بن جعفر بن محمد،
فأُدخلا على أبي جعفر (3)فأُخرج بسّام مقتولاً ، وأُخرِج إسماعيل بن جعفر بن
محمد، قال: فرفع جعفر رأسه إليه، قال: أفعلتها يا فاسق، أبشر بالنار. (4)
قلت: الضمير في «إليه» يرجع إلى المنصور من باب خطاب الغائبين بما
يقتضيه الحال.
والحديث يدل على أنّه وشي عليهما لدى المنصور فطلبهما، فقتل بسّاماً
____________
1. الاَحزاب: 53.
2. ابن أبي الحديد: شرح النهج:9|323.
3. هو أبو جعفر المنصور الدوانيقي.
4. الكشي: الرجال: ترجمة بسام بن عبد اللّه الصيرفي برقم 121.
( 74 )
وأطلق إسماعيل.و لعلّه ثبتت براءته مما نسب إليه .
و روى الكشي أيضاً في ترجمة عبد اللّه بن شريك العامري، عن أبي
خديجة الجمّال، قال: سمعت أبا عبد اللّه ، يقول: إنّي سألت اللّه في إسماعيل أن
يُبقيه بعدي فأبى، ولكنّه قد أعطاني فيه منزلة أُخرى، انّه يكون أوّل منشور في
عشرة من أصحابه، ومنهم عبد اللّه بن شريك وهو صاحب لوائه. (1)
و الحديث يدل على انّ الاِمام الصادق - عليه السّلام- كان يحبّه كثيراً،و لعلّ إسماعيل
مرض، فدعا أبوه اللّه تعالى أن يشفيه ولكن اللّه قدّر موته، كما يدل على وثاقته
أيضاً.
ويظهر ممّا رواه الكشي في ترجمة المفضل بن مزيد، أخي شعيب الكاتب،
أنّه كان مأموراً بدفع جوائز إلى بني هاشم، وكان أسماءُ أصحاب الجوائز مكتوباً في
كتابٍ، ناولَ الكتابَ للاِمام الصادق - عليه السّلام- فلما رآه قال: ما أرى لاِسماعيل هاهنا شيئاً،
فأجاب المفضل: هذا الذي خرج إلينا. (2)
ومن راجع الكتب الحديثية يرى أنّ هناك روايات يظهر منها جلالة منزلة
إسماعيل، عند والده نذكر منها ما يلي:
1. الاِمام الصادق - عليه السّلام- يستأجر من يحجّ عن إسماعيل:
روى الكليني بسنده، عن عبد اللّه بن سنان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام-
إذ دخل عليه رجل فأعطاه ثلاثين ديناراً يحجّ بها عن إسماعيل، ولم يترك شيئاً من
العمرةِ إلى الحجّ إلاّ اشترط عليه أن يسعى في وادي مُحسِّر، ثمّ قال: يا هذا، إذا أنت
فعلتَ هذا كانَ لاِسماعيل حجة بما أنفق من ماله، وكانت لك تسْع بما أتعبَت من
بدنك. (3)
____________
1. الكشي: الرجال: 190، برقم 97.
2. الكشي: الرجال: 320، برقم 237.
3. الوسائل: الجزء 8، الباب 1 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث 1.
( 75 )
2. الاِمام ينصحه من الائتمان بالفاسق:
روى الكليني بسنده، عن حريز بن عبد اللّه السجستاني، قال: كانت
لاِسماعيل بن أبي عبد اللّه - عليه السّلام- دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرجَ إلى اليمن،
فقال إسماعيل: يا أبت إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن، وعندي كذا وكذا ديناراً،
أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- : يا بُنيّ أما
بلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بُنيّ لا تفعل.
فعصى إسماعيلُ أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها، ولم يأته بشيء منها،
فخرج إسماعيل وقضى أنّ أبا عبد اللّه - عليه السّلام- حجّ وحجّ إسماعيل تلك السنة فجعل
يطوف بالبيت، ويقول: اللهمّ أجرني واخلف عليّفلحقه أبو عبد اللّه - عليه السّلام- فهمزه بيده
من خلفه، فقال له: مَهْ يا بني فلا واللّه مالك على اللّه (هذا) حجة ولا لك أن
يأجرك ولا يُخلف عليك، وقد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته، فقال إسماعيل:
يا أبت إنّـي لم أره يشرب الخمر، إنّما سمعت الناس يقولون.
فقال: يا بُني إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه: "يُوَْمِنُ بِاللّهِ ويُوَْمِنُ
للمُوَمِنين" (1)يقول: يصدِّق اللّه ويصدق للموَمنين فإذا شهد عندك الموَمنون
فصدِّقهم ولا تأتمن شارب الخمر، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه:"وَلا تُوَتُوا
السفهاءَ أَموالَكُم" (2)فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟! إنّ شارب الخمر لا
يُزوَّج إذا خَطِب، ولا يُشفَّع إذا شَفَع، ولا يُوَتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة
فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه، على اللّه أن يأجره ولا يخلف عليه. (3)
____________
1. التوبة: 61.
2. النساء: 5.
3. الكافي: 5|299.
( 76 )
قلة رواياته
لم نجد في الجوامع الحديثية شيئاً يروى عنه، إلاّ الحديثين التاليين، ولعلّ
قصر عمره وموته في حياة والده صارا سبباً لقلة الرواية عنه، وإليك ما وقفنا عليه
من رواياته:
1. روى الكليني بسنده، عن أبي أيّوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن
جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلتُ: ويجوز أمره؟
قال: فقال: إنّ رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل
بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت
شهادته.(1)
2. روى الشيخ الطوسي، عن داود بن فرقد، عن إسماعيل بن جعفر، قال:
اختصم رجلان إلى داود - عليه السّلام- في بقرة فجاء هذا ببيّنة على أنّها له، وجاء هذا ببيّنة
على أنّها له، قال: فدخل داود - عليه السّلام- المحرابَ فقال: يا رب إنّه قد أعياني أن أحكم
بين هذين، فكُن أنتَ الذي تحكم، فأوحى اللّه عزّوجلّ إليه اخرج فخذ البقرة من
الذي في يده، فادفعها إلى الآخر، واضرب عنقه، قال: فضجت بنو إسرائيل من
ذلك، وقالوا: جاء هذا ببينّة وجاء هذا ببيّنة، وكان أحقّهما بإعطائها الذي في يديه،
فأخذها منه، وضرب عنقه، فأعطاها هذا... قال: فدخل داود - عليه السّلام- المحرابَ فقال: يا
ربّ قد ضجَّتْ بنو إسرائيل ممّا حكمتُ، فأوحى إليه ربُّه أنّ الذي كانت البقرة في
يده لقي أب الآخر فقتله وأخذ البقرة منه، إذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى
ولا تسألني أن أحكم حتى الحساب. (2)
____________
1. الكافي:7|388.
2. التهذيب:6|287، الحديث 797.
( 77 )
وفاته
قد عرفت أنّ ابن عنبة ذكر أنّه توفي عام (133هـ)، وقال صاحب تهذيب
الكمال: إسماعيل إمام مات وهو صغير، ولم يروَعنه شيء من الحديث. (1)
و أرّخ الزركلي في الاَعلام وفاته سنة (143هـ) ولعله تبع صاحب دائرة
المعارف الاِسلامية حيث قال: توفي إسماعيل في المدينة سنة (143هـ) أي قبل
وفاة أبيه بخمسة أعوام. (2)
و القول الثاني أقرب للصواب، لاَنّه لو كان توفي سنة (133هـ) لكانت وفاته
قبل وفاة أبيه بخمسة عشر عاماً، وهذا المقدار من الفاصل الزمني، يوجب انقطاع
الناس عنه، ونسيانهم له عند وفاة أبيه.
وقال عارف تامر السوري من كُتّاب الاِسماعيلية : إنّإسماعيل ولد سنة 101
في المدينة المنورة، وادّعى والده الصادق أنّه مات سنة 138هـ بموجب محضر
أشهد عليه عامل الخليفة المنصور العباسي. (3)
استشهاد الاِمام الصادق - عليه السّلام- على موته:
كان الاِمام الصادق حريصاً على إفهام الشيعة بأنّ الاِمامة لم تُكْتب
لاِسماعيل، فليس هو من خلفاء الرسول الاثني عشر الذين كتبت لهم الخلافة
والاِمامة بأمر السماء وإبلاغ الرسول الاَعظم.
و من الدواعي التي ساعدت على بثّ بذر الشبهة والشك في نفوس
____________
1. الاَعلام:1|311، نقلاً عن تهذيب الكمال.
2. الزركلي: الاَعلام:1|311.
3. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:180.
( 78 )
الشيعة في ذلك اليوم، هو ما اشتهر من أنّ الاِمامة للولد الاَكبر. وكان إسماعيل أكبرَ
أولاده فكانت أماني الشيعة معقودة عليه ـ حسب الضابطة ـ صحّت أم لم تصح ،
ولاَجل ذلك تركزت جهود الاِمام الصادق - عليه السّلام- على معالجة الوضع واجتثاث
جذور تلك الشبهةو انّ الاِمامة لغيره، فتراه تارة ينصَّ على ذلك، بقوله وكلامه،
وأُخرى بالاستشهاد على موت إسماعيل، وأنّه قد انتقل إلى رحمة اللّه، ولن يصلحَ
للقيادة والاِمامة.
وإليك نماذج توَيد النهج الثاني الذي انتهجه الاِمام - عليه السّلام- لتحقيق غرضه في
إزالة تلك الشبهة، وأمّا القسم الاَوّل أي النصوص على إمامة أخيه فموكولة إلى
محلّها (1)
1. روى النعماني عن زرارة بن أعين، أنّه قال: دخلت على أبي عبد اللّه - عليه السّلام- و
عند يمينه سيّدُ ولده موسى - عليه السّلام- ، وقُدّامه مرقد مغطى، فقال لي: «يا زرارة، جئني
بداود بن كثير الرقي، وحمران، وأبي بصير». ودخل عليه المفضل بن عمر،
فخرجت فأحضرت مَنْ أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحداً إثرَ
واحد، حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلاً.
فلمّا حشد المجلس قال: «يا داودُ إكشف لي عن وجه إسماعيل»، فكشف
عن وجهه فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام- : «يا داود أحيٌّ هو أم ميت؟» قال داود: يا مولايَ هو
ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتى أتى على آخر مَن في المجلس،و
انتهى عليهم بأسرهم وكلٌّ يقول: هو ميّت يا مولاي، فقال: «اللهمّ اشهد»، ثمّ أمر
بغَسْله وحنوطه، وادراجه في أثوابه.
فلمّـا فرغ منه قال للمفضل: «يا مفضّل احسر عن وجهه»، فحسَر عن
وجهه، فقال: «أحيٌّ هو أم ميّت؟» فقال: ميّت، قال: «اللهم اشهد عليهم»؛ ثمّحُمِل
إلى قبره، فلما وضع في لَحده قال: «يا مفضل اكشف عن وجهه» وقال
____________
1. سوف يأتي شيء منه عند عرض الفطحيّة فلاحظ.
( 79 )
للجماعة: «أحيٌّ هو أم ميت؟» قلنا له: ميت فقال: «اللهمّ اشهد، واشهدوا، فإنّه
سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور اللّه بأفواههم ـ ثم أومأ إلى موسى ـ واللّه
متم نوره ولو كره المشركون»، ثم حثونا عليه التراب ثمّ أعاد علينا القول، فقال:
«الميّت، المحنَّط، المكفَّن، المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل، قال:
«اللهم اشهد»، ثمّ أخذ بيد موسى - عليه السّلام- و قال: «هو حقّ، والحقّ منه، إلى أن يرث اللّه
الاَرض ومن عليها». (1)
2. روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي كهمس، قال: حضرتُ موتَ
إسماعيل وأبو عبد اللّه - عليه السّلام- جالس عنده فلمّـا حضره الموت، شدّ لحييه وغمّضه،
وغطّى عليه المِلْحَفة، ثمّ أمر بتهيئته، فلمّـا فرغ من أمره، دعا بكفنه فكتب في
حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ اللّه. (2)
3. روى الصدوق بسنده عن أبي كهمس قال حضرت موت إسماعيل
ورأيت أبا عبد اللّه - عليه السّلام- وقد سجد سجدة فأطال السجود، ثمّ رفع رأسه فنظر إليه، ثمّ
سجد سجدة أُخرى أطول من الاَُولى ثمّ رفع رأسه، وقد حضره الموت فغمّضه
وربط لحيته، وغطّى عليه الملحفة، ثمّقام، ورأيتُ وجهه وقد دخل منه شيء اللّه
أعلم به، ثمّ قام فدخل منزله فمكث ساعة ثمّ خرج علينا مدهِناً، مكتَحلاً، عليه
ثياب غير ثيابه التي كانت عليه، ووجهه غير الذي دخل به، فأمر ونهى في أمره،
حتى إذا فرغ، دعا بكفنه، فكتب في حاشية الكفن: إسماعيل يشهد أن لا إله إلاّ
اللّه.(3)
و هذه الروايات و خاصّة ما نقلناه عن أبي خديجة الجمّال حاكية عن
جلالة إسماعيل، ويوَكّدها تقبيل الاِمام له بعد موته مراراً.
____________
1. النعماني: الغيبة: 327، الحديث 8، ولاحظ بحار الاَنوار:48|21.
2. الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين، الحديث 1.
3. الوسائل: الجزء 2، الباب 29 من أبواب التكفين ، الحديث 2.
( 80 )
نعم هناك روايات تدل على ذمّه ذكرها الكشي في ترجمة عدّة، مثل
إبراهيم ابن أبي سمال، وعبد الرحمان بن سيابة، والفيض المختار، وقد ناقش
السيد الخوئي، اسنادها فلاحظ. (1)
وقد أخطأ الكاتب الاِسماعيلي، مصطفى غالب السوري في فهم رأي
الشيعة في معرض كتابته عن إمامه، حيث قال:
غير أنّ موَرّخي الشيعة، والسنة، يذهبون في إسماعيل مذهباً مختلفاً كلّ
الاختلاف عمّا يقوله الاِسماعيلية. فيقولون: إنّ إسماعيل لم يكن يصلح للاِمامة،
كونه كان يشربُ الخمر، وأنّه كان من أصدقاء أبي الخطاب الملْحِد الذي تبّـرأ منه
الاِمام الصادق، وأنّ الصادق أظهر فرحه لموت ابنه إسماعيل، وعلى هذه الصورة
اضطربت الروايات، واختلفت الاَقاويل في أمر إسماعيل، فأصبح أكثر الباحثين لا
يدرون حقيقة أمره، ولا سيّما أنّه الاِمام الذي تنسب إليه الحركة الاِسماعيلية التي
قامت بدورٍ هامٍّ في تاريخ العالم الاِسلامي منذ ظهورها. (2)
قد عرفت عقيدة الشيعة الاِماميّة في حقّ إسماعيل وانّهم ـ عن بكرة أبيهم ـ
يذكرون إسماعيل بخير، اقتداء بإمامهم الصادق - عليه السّلام- وأنّ رميه بشرب الخمر من
صنيع أعداء أهل البيت - عليهم السّلام- حيث كانوا لا يتمكّنون من رمي أئمة الشيعة
بالسفاسف فيوجهونها إلى أولادهم المظلومين المضطهدين.
هل كان عمل الاِمام تغطية لستره؟
إنّ الاِسماعيلية تدّعي أنّ ما قام به الاِمام الصادق - عليه السّلام- كان تغطية، لستره عن
أعين العباسيين، الذين كانوا يطاردونه بسبب نشاطه المتزايد في نشر التعاليم
____________
1. السيد الخوئي: معجم رجال الحديث: 3|124ـ127، برقم 1307.
2. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسلامية: 16.
( 81 )
التي اعتبرتها الدولة العباسية منافية لقوانينها. والمعروف انّه توجه إلى «سلَمية»
ومنها إلى دمشق فعلم به عامل الخليفة، وهذا ما جعله يغادرها إلى البصرة ليعيش
فيها متستراً بقية حياته.
مات في البصرة سنة 143هــ، وكان أخـوه موسى بن جعفـر «الكاظم»
حجاباً عليه، أمّا ولي عهده محمد فكان له من العمر أربع عشرة سنة عند موته. (1)
وعلى ما ذكره القائل ـ خلافاً لاَكثر الاِسماعيلية ـ فقد مات في حياة أبيه،
فكيف يكون إماماً بعد أبيه وهو رهين التراب؟!
اسطورة حياته بعد رحيل أبيه
غير أنّ بعضهم يجازفون في القول، ويدعون أمراً خارقاً للعادة، ويقولون:
والاَمر الهام في قضية إسماعيل وإمامته، هو أنّه عاش بعد أبيه، وأثبت هذا الخبر
كثيرون من الموَلفين المعاصرين له مما يدل على أنّ إسماعيل بقى بعد أبيه اثنتي
عشرة سنة.
ولقد حكى أنّ إسماعيل حين ترك المدينة سرّاً، رُئي ثانية في البصرة، حيث
بلغ رفعة، بما أظهر من مقدرة نادرة بشفاء المرضى والمعلولين، وخشية من
اكتشاف الاَمر، ترك البصرة ورحل إلى سوريا واستقر فيها، ولكن ليس بطمأنينة
تامّة حيث حالما سمع الخليفة «المنصور» الذي كان يحكم الجزيرة العربية،
بوجود إسماعيل، أمر واليه في دمشق بإرساله إسماعيل تحت الحراسة إلى بلاطه،
ولكنَّ الوالي لم يكن يحترم الاِمام إسماعيل فحسب، بل كان من أتباعه، وبناء عليه
ولينقذ الوالي سيده الروحي، نصح الاِمام أن يترك سوريا لعدّة أيّام، وما أن ابتعد
____________
1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:180.
( 82 )
الاِمام عن سوريا، حتى أعلن الوالي التفتيش الدقيق عنه، وكتب للخليفة أنّه لم يجد
لاِسماعيل أثراً في أيّ مكان. (1)
أقول: ما ذكره انّ كثيراً من الموَلفين المعاصرين لاِسماعيل أثبتوا حياته بعد
وفاة أبيه، شيء لم يدعمه بالدليل، فَمَنْ هوَلاء الموَلّفون المعاصرون الذين أثبتوا
حياته بعد الاِمام الصادق، وما هي كتبهم؟! نعم أوعز الكاتب في الهامش إلى عمدة
الطالب، وتقدم نصُّهُ (2) وليس فيه أيُّ إشارة إلى ذلك، فضلاً عن إشارته إلى كثيرٍ
من الموَلفين المعاصرين للاِمام إسماعيل، هكذا تحرّف الحقائق بيد العابثين
اللاعبين بتاريخ أُمتنا المجيدة، أو بيد سماسرة الاَهواء فيبيحون الكذب لدعم
المذهب.
وقد اعترف بهذه الحقيقة الكاتب الاِسماعيلي عامر تامر حيث قال:هناك
أقوال كثيرة لموَرخين يوَكدون فيها أنّه مات في عهد والده، وأنّ قصة ظهوره في
البصرة أُسطورة لا تقوم على حقيقة، ومهما يكن من أمر فالاِسماعيليون اشتهروا
بالتخفّي والاستتار، والمحافظة على أئمّتهم. لذلك ليس بعيداً أن تكون الرواية
الاَُولى صحيحة. (3)
إنّ تفسير قصة وفاة إسماعيل بالتمويه والتغطية فكره ورثها الجُدُد من
الاِسماعيلين عن أسلافهم، قال مصطفى غالب: «ولكن أغلب موَرّخي الاِسماعيلية
يقولون: إنّ قصة وفاة إسماعيل في حياة أبيه كانت قصة أرادَ بها الاِمام جعفر
الصادق التمويه والتغطية على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي كان
يُطارد أئمة الشيعة في كلّمكان، وتحت كلّ شمس، فخاف جعفر الصادق على
ابنه وخليفته إسماعيل، فادّعى موته وأتى بشهود كتبوا المحضر إلى الخليفة
____________
1. أ.س. بيكلي: مدخل إلى تاريخ الاِسماعيلية:20.
2. مرّ نصّه ص 72.
3. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام: 180ـ181.
( 83 )
العباسي، الذي أظهر سروراً وارتياحاً لوفاة إسماعيل الذي كان إليه أمر إمامة
الشيعة، ثمّ شُوهِد إسماعيل بعد ذلك في البصرة، وفي بعض البلدان الفارسية.
وعلى هذا الاَساس لم تسقط الاِمامة عن إسماعيل بالموت قبل أبيه لاَنّه مات بعد
أبيه. (1)
ويقول في موضع آخر: ورأينا الاَخير في هذا الموضوع بعد أن اطّلعنا على
جميع ما كتب حول إمامة إسماعيل، نقول: بأنّالاِمام جعفر الصادق قد شعر
بالاَخطار التي تهدِّد حياة ابنه الاِمام إسماعيل، بعد أن نصّ عليه، وأصبح وليّاً
للعهد، فأمره أن يستتر وكان ذلك عام 145هـ ، خشية نقمة الخلفاء العباسيين
وتدبّر الاَمر بأن كتب محضراً بوفاته، وشهد عليه عامل المنصور، الذي كان بدوره
من الاِسماعيلين.
و فوراً توجه إسماعيل إلى سلمية، ومنها إلى دمشق، وعلم المنصور بذلك،
فكتب إلى عامله أن يلقي القبض على الاِمام إسماعيل، ولكن عامله المذكور كان
قد اعتنق المذهب الاِسماعيلي، فعرض الكتاب على الاِمام إسماعيل، الذي ترك
البلاد نحو العراق حيث شوهد بالبصرة عام 151هـ ، وقد مرّ على مقعد فشفاه بإذن
اللّه، ولبث الاِمام إسماعيل عدّة سنوات يتنقل سرّاً بين أتباعه، حتى توفي بالبصرة
عام 158هـ .
ويوَكد كتاب دستور المنجمين أنّ إسماعيل هو أوّل إمام مستور وكان بدء
ستره سنة 145هـ ولم يمت إلاّ بعد سبع (2)سنين». (3)
ما ذكره أُسطورة حاكتها يدُ الخيال ، ولم يكن الاِمام الصادق - عليه السّلام- ولا
____________
(1) 1 .مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 16 ترى أنّالموَرخ الاَوّل الاِسماعيلي يذكر موته
في حياة أبيه وهذا يوَكد على موته بعده، فما هو الحق؟ وما هو المتوقع من مذهب حجر أساسه
الريب والشك؟!!
2. فيكون وفاته على هذا عام 151، لا عام 158 كما ذكره قبل سطر .
3. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية: 142ـ143.
( 84 )
أصحابه الاَجلاّء، ممّن تتلمذوا في مدرسة الحركات السرية، حتى يفتعل موت ابنه
بمرأى ومسمع من الناس، وهوبعدُ حيّ يُرزق، ولم يكن عامل الخليفة بالمدينة
المنورة بليداً، يكتفي بالتنويه، حتى يتسلَّم المحضر ويبعث به إلى دار الخلافة
العباسية.
والعجب أنّ الكاتب يذكر في كلامه الثاني أنّعامل الخليفة في المدينة كان
بدوره من الاِسماعيليين، مع أنّه لم يكن في ذلك اليوم أثر للاِسماعيلية :«وكانت
الاِمامة لاَبيه الاِمام الصادق - عليه السّلام- فكيف يكون في حياة الصادق - عليه السّلام- من الاِسماعيلية؟!
وأعجب منه أنّه يعتمد في إثبات معتقده بدستور المنجمين، ثمّ يذكر له مصدراً في
التعليقة بالشكل التالي «بلوشيه 57ـ 58 دى خويه 203».
إنّ عقيدة إسلامية مبنيّة على تنبّوَ المنجمين ـ وما أكثر أخطائهم ـ
عقيدةٌمنهارةٌ وفاشلة.
و لو أنّ هوَلاء التجأوا في تصحيح إمامة ابنه، محمد بن إسماعيل إلى القول
بعدم بطلان إمامة إسماعيل بموته في حياة والده، ولمّا توفي الاِمام الصادق تسلّم
عبد اللّه بن إسماعيل الاِمامة من والده، لكان أرجح من اللجوء إلى بعض الاَساطير
التي لا قيمة علمية لها في مجالات البحوث التاريخية والعقائدية المبتنية على
أُسس علمية دقيقة.
والحقّ أنّه توفي أيام حياة أبيه، بشهادة الاَخبار المتضافرة التي تعرفت
عليها، وهل يمكن إغفال أُمّة كبيرة وفيهم جواسيس الخليفة وعمالها؟! وستر
رحيل إسماعيل إلى البصرة بتمثيل جنازة بطريقة مسرحيّة يعلن بها موته فانّه
منهج وأُسلوب السياسيين المخادعين، المعروفين بالتخطيط والموَامرة، ومن
يريد تفسير فعلَ الاِمام عن هذا الطريق فهو من هوَلاء الجماعة « وكلّ إناء بالذي
فيه ينضح». وأين هذا من وضع الجنازة مرّات وكشف وجهه والاستشهاد على
موته وكتابة الشهادة على كفنه؟!
( 85 )
والتاريخ يشهد على أنّه لم يكن لاِسماعيل ولا لولده الاِمام الثاني، أيّة دعوة
في زمان أبي جعفر المنصور ولا ولده، بشهادة أنّ المهدي العباسي الذي تسلم
عرش الخلافة بعد المنصـور العباسي 158ـ 169هـ كان متشدداً على أصحاب
الاَهواء والفرق، وكتب له ابن المفضل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثمّ قرأ الكتاب
على الناس، فقال يونس: قد سمعت الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب
بالمدينة، ومرّة أُخرى بمدينة الوضاح، فقال: إنّ ابن المفضل صنف لهم صنوف
الفرق فرقة فرقة حتى قال في كتابه: وفرقة يقال لهم الزرارية، وفرقة يقال لهم
العمارية أصحاب عمار الساباطي، وفرقة يقال لهم اليعفورية، ومنهم فرقة
أصحاب سليمان الاَقطع، وفرقة يقال لهم الجواليقية. قال يونس: ولم يذكر يومئذ
هشام بن الحكم ولا أصحابه. (1)
ترى انّه يذكر جميع الفرق المزعومة للشيعة، حتى يذكر العمارية المنسوبة
إلى عمار الساباطي الذي لم يكن له يوم ذاك أيّ تابع إلاّ كونه فطحياً موَمناً بإمامة
عبد اللّه الاَفطح، ولا يذكر الاِسماعيلية ؟! فلو كانت لاِسماعيل دعوة سرية أيّام
المنصور، ثمّ لابنه محمد، حيث كانا ينتقلان من بلد إلى بلد، كان من المحتّم
مجيء اسمه في قائمة أصحاب الاَهواء. كلّ ذلك يدلّ على أنّ المذهب قد نشأ بعد
لاَي من الدهر .
إلى هنا تمّ البحث في الاِمام الاَوّل، وكانت حصيلته هي:
أنّ الرجل كان رجلاً ثقة، محبوباً للوالد، وتُوفي في حياة والده وهو عنه
راض، ولم تكن له أيُّ دعوةٍ للاِمامة، ولم تظْهر أيَّ دعوة باسمه أيّام خلافة المهدي
العباسي الذي تُوفي عام 169هـ، وقد مضى على وفاة الاِمام الصادق - عليه السّلام- إحدى
وعشرون سنة.
____________
1. الكشي: الرجال: 227.
( 86 )
الاِمام الثاني
محمد بن إسماعيل
(132ـ193هـ)
محمد بن إسماعيل، هو الاِمام الثاني للاِسماعيلية، قال ابن عنبة: أعقب
إسماعيل من محمد وعلي ابني إسماعيل، أمّا محمد بن إسماعيل فقال شيخ
الشرف العبيدلي: هو إمام الميمونية وقبره ببغداد.
ويصفه الكاتب الاِسماعيلي أنّه ولد سنة 141 في المدينة عندما توفي والده
الاِمام إسماعيل، اضطر لترك المدينة خوفاً من مراقبة الرشيد العباسي، الذي
استطاع بنشاطه من إخماد كافة الثورات والدعوات الاِمامية، فذهب إلى الكوفة،
ومنها إلى فرغانة، ثمّ إلى نيسابور، عمل على نشر دعوته بنشاط في الجزيرة
العربية، وفي كافة البلدان الاِسلامية، وقد استطاع التموية على الخلفاء العباسيين
والاِفلات من قبضتهم، وهم المهدي والهادي والرشيد.
إزداد تستراً بعد أن أعطى الرشيدُ أمراً بالقبض عليه، ثمّ إنّه رَحَل إلى الريّ
ومنها إلى نهاوند، وفيها عقد زواجه على ابنة أميرها أبي المنصور بن جوشن،
وبعد ذلك توجه إلى «تدْمُر» في سوريا حيث جعلها مركزاً لاِقامته ونشر دعوته،
وجّه الرشيد جيشاً لاِلقاء القبض عليه عندما كان في نهاوند، ولكن أتباعه تمكنوا
من الانتصار على الجيش المذكور وردّوه خائباً.
يقال أنّه هو الذي أرسل الداعيين: الحلواني وأبا سفيان إلى المغرب، تُوفِي
( 87 )
في مدينة «تَدْمر» و دفن في جبل واقع إلى الشمال الغربي منها، ويعرف حتى الآن
بضريح محمد بن علي، وفاته سنة 193هـ.
يقال إنّ حجته هو ميمون القداح، والحقيقة أنّ الاِمام محمد بن إسماعيل هو
نفسه كان يحمل لقبي ميمون والقداح.
ترك عدداً من الاَولاد ومنهم عبد اللّه الذي كان وليّاً للعهد. (1)
أقول: للقارىَ الكريم أن ينظر إلى كلمات ذلك الكاتب بنظر الشك والريبة،
ويتفحّص عن مآخذ كلامه ومصادر نقله، فإنّ ما وقفنا عليه في السير والآثار لا
يدعم كلامه، وذلك للاَسباب التالية:
1. إنّ شيخ الشرف العبيدلي قال: إنّه توفي ببغداد، وقبره هناك، والكاتب
يذكر أنّه توفي بـ«تدمر» بسوريا، وقبره هناك، وله ضريح معروف بضريح «محمد
بن علي» ولكن من أينَ علم انّه ضريح محمد بن إسماعيل؟! وأنّه حُرِّفَ اسم
والده.
2. الروايات المتضافرة من الفريقين تشهد على أنّه كانت بينه وبين الرشيد
صلة وكان موقفه منه، موقف العين، وقد أخبره بما يجري في أوساط العلويين،
من جمع الاَموال للثورة، والدعوة إلى الاِمامة.و من هذه الروايات التي وقفنا عليها:
روى ابن عنبة، عن أبي القاسم بن إسماعيل نسابة المصريين، أنّ موسى
الكاظم - عليه السّلام- كان يخاف ابن أخيه محمد بن إسماعيل، ويبرّه، وهو لا يترك السعي به
إلى السلطان من بني العباس.
وقال أبو نصر البخاري: كان محمد بن إسماعيل بن الصادق - عليه السّلام- مع موسى
الكاظم - عليه السّلام- يكتب له السر إلى شيعته في الآفاق. فلما ورد الرشيد الحجاز، سعى (2)
محمد بن إسماعيل بعمه إلى الرشيد. فقال: أعلمتَ أنّفي الاَرض خليفتين
____________
1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:181.
2. ذكر الشيخ المفيد أنّ الساعي بعمه الكاظم - عليه السّلام- إلى الرشيد هو علي بن إسماعيل لا
أخوه محمد. وذكر قصة السعاية أُنظر (الاِرشاد) باب ذكر السبب في وفاته - عليه السّلام-
.
( 88 )
يجبى إليهما الخراج؟ فقال الرشيد: ويلك أنا ومن؟ قال: موسى بن جعفر. وأظهر
أسرارَه فقبض الرشيد على موسى الكاظم - عليه السّلام- و حبسه، وكان سبب هلاكه، وحظى
محمد بن إسماعيل عند الرشيد، وخرج معه إلى العراق، ومات ببغداد، ودعا عليه
موسى بن جعفر عليمها السّلام بدعاء استجابه اللّه تعالى فيه وفي أولاده، ولمّا لِيْمَ
(1) موسى بن جعفر عليمها السّلام في صلة محمد بن إسماعيل والاتصال مع
سعيه به. قال: إنّي حدثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلّى الله عليه وآله
وسلّم، الرحم إذا قُطِعتَ فوَصَلْتَ ثمّ قُطِعَتْ فَوصلت ثمّ قُطِعْتَ فوصلتَ ثمُ قُطِعَت
قطعها اللّه تعالى، وإنّما أردتُ أن يقطع اللّه رحمه من رحمي. (2)
هذا ما رواه ابن عنبة من طرق أهل السنّة، كما رواه محدّثوا الشيعة ونأتي
بنصّ أفضلهم وأوسعهم اطلاعاً، أعني: الشيخ الكليني المتوفى عام 329هـ في
الكافي.
روى الكليني بسند صحيح (3) عن علي بن جعفر قال: جاءني محمد بن
إسماعيل وقد اعتمرنا عمرة رجب، ونحن يومئذ بمكة، فقال: يا عمُّ إنّي أُريد
بغداد، وقد أحببتُ أن أُودِّعَ عمي أبا الحسن ـ يعني موسى بن جعفر - عليه السّلام- ـ وأحببت
أن تذهبَمعي إليه، فخرجتُ معه نحو أخي، وهو في داره التي بالحوبة، وذلك بعد
المغرب بقليل، فضربت البابَ فأجابني أخي، فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: علي، فقال:
هو ذا أُخرِجُ ـ وكان بطيء الوضوء ـ فقلت: العجل، قال: واعجل فخرج وعليه ازار
ممشّق (4) قد عقده في عنقه حتى قعد تحت عتبة الباب، فقال عليّ بن جعفر:
فانكببتُ عليه فقبّلتُ رأسه، وقلت: قد جئتك في أمر إن تره صواباً
____________
1. فعل ماضي مجهول من اللوم.
2. ابن عنبة: عمدة الطالب: 233.
3. رواه عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى العبيدي، عن موسى بن القاسم البجلي و هو
نجل معاوية بن وهب البجلي، عن علي بن جعفر، والرواة ثقات والرواية صحيحة.
4. أي مصبوغ بالمشق وهو الطين الاَحمر.
( 89 )
فاللّه وفق له، وإن يكن غير ذلك، فما أكثر ما نخطىَ، قال: وما هو؟ قلتُ: هذا ابن
أخيك يريد أن يودعك ويخرجَ إلى بغداد، فقال لي: أُدعه، فدعوتُه وكان متنحيّاً،
فدنا منه فقبّل رأسه.
وقال: جعلت فداك أوصني فقال: أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فقال
مجيباًله: من أرادك بسوء فعل اللّه به، وجعل يدعو على من يريده بسوء، ثمّ عاد
فقبّل رأسه، فقال: يا عمُّ أوصني، فقال: أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فقال: من
أرادك بسوء فَعَلَ اللّه به وفعل، ثمّ عاد فقبّل رأسه، ثمّ قال: يا عم أوصني، فقال:
أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي، فدعا على من أراده بسوء، ثمّتنحّى عنه، ومضيت
معه، فقال لي أخي: يا عليّ مكانَك فقمتُ مكاني فدخل منزله، ثمّدعاني فدخلتُ
إليه، فتناول صرّة فيها مائة دينار فأعطانيها. وقال: قل لابن أخيك يستعين بها على
سفره، قال عليّ: فأخذتها فأدرجتها في حاشية ردائي، ثمّ ناولني مائة أُخرى وقال:
أعطه أيضاً، ثمّناولني صرة أُخرى وقال: أعطه أيضاً.
فقلت: جعلت فداك، إذا كنتَتخاف منه مثلَ الذي ذكرتَ، فلِمَ تعينه على
نفسك؟ فقال: إذا وصلتُه وقطعني قطع اللّه أجله، ثمّتناول مخدَّه أدم، فيها ثلاثة
آلاف درهم وضح (1) وقال: أعطه هذه أيضاً قال: فخرجت إليه فأعطيته المائة
الاَُولى ففرح بها فرحاً شديداً ودعا لعمِّه، ثمّ أعطيته الثانية والثالثة ففرح بها حتى
ظننت انّه سيرجع ولا يخرج، ثمّ أعطيته الثلاثة آلاف درهم فمضى على وجهه
حتى دخل على هارون فسلّم عليه بالخلافة، وقال: ما ظننتُ أنّفي الاَرض
خليفتين، حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يُسلَّم عليه بالخلافة، فأرسل هارون
إليه بمائة ألف درهم فرماه اللّه بالذبحة (2)فما نظر منها إلى درهم ولا مسّه.(3)
____________
1. الوضح: الدرهم الصحيح. لسان العرب: 2|635، مادة «وضح».
2. الذبحة: وجع في الحلق، أو دم يخنق فيقتل . لسان العرب: 2|438، مادة «ذبح».
3. الكليني: الكافي: 1|485ـ 486.
( 90 )
روى الكشي في رجاله، عن أبي جعفر محمد بن قولويه القمي، قال:
حدثني بعض المشايخ، عن علي بن جعفر بن محمد عليمها السّلام ، قال: جاءني
محمد بن إسماعيل ابن جعفر يسألني أن أسأل أبا لحسن موسى - عليه السّلام- ، أن يأذن له في
الخروج إلى العراق، وأن يرضى عنه ويوصيه بوصيّة، قال: فتجنّبت حتى دخل
المتوضّى ... فلمّـا خرج قلت له: إنّابن أخيك محمد بن إسماعيل، يسألك أن
تأذن له في الخروج إلى العراق، وأن توصيه. فأذن له - عليه السّلام- ، فلمّا رجع إلى مجلسه قام
محمد بن إسماعيل، وقال: يا عم أحبَّ أن توصيني. فقال: «أُوصيك أن تتقي اللّه
في دمي». فقال: لعن اللّه من يسعى في دمك. ثمّ قال: يا عم أوصني،
فقال:«أُوصيك أن تتقي اللّه في دمي». قال: ثمّ ناوله أبو الحسن - عليه السّلام- صرة فيها مائة
وخمسون ديناراً، فقبضها محمد، ثمّ ناوله أُخرى فيها مائة وخمسون ديناراً،
فقبضها، ثمّ أعطاه صرة أُخرى فيها مائة وخمسون ديناراً، فقبضها ثمّ أمر له بألف
وخمسمائة درهم كانت عنده. فقلتُ له في ذلك: استكثرته؟ فقال: «هذا ليكون
أوكد لحجّتي إذا قطعني ووصلتُه». قال: فخرج إلى العراق، فلمّا ورد حضرة هارون
أتى باب هارون بثياب طريقه قبل أن ينزل، واستأذن على هارون وقال للحاجب:
قل لاَمير الموَمنين إنّ محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بالباب. فقال
الحاجب: انزل أوّلاً وغيّر ثياب طريقك وَ عُدْ لاَُدخلك إليه بغير إذن فقد نام أمير
الموَمنين في هذا الوقت. فقال: أعلم أمير الموَمنين انّي حضرتُ ولم تأذن لي،
فدخل الحاجب وأعلم هارون قول محمد بن إسماعيل، فأمر بدخوله، فدخل قال:
يا أمير الموَمنين خليفتان في الاَرض موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له الخراج
وأنت بالعراق يجبى لك الخراج. فقال: واللّه؟! فقال: واللّه. فقال: واللّه؟! قال: فأمر
له بمائة ألف درهم، فلمّا قبضها وحمل إلى منزله أخذته الريحة في جوف ليلته،
فمات، وحول من الغد المال الذي حمل إليه. (1)
____________
1. الكشي: الرجال:226، في ترجمة هشام بن الحكم.
( 91 )
و رواه ابن شهر آشوب في مناقبه. (1)
فلو صحّ ما ذكراه فكيف تكون له ثورة أيام الرشيد وهو يتعامل معه، معاملة
العيون والجواسيس، أو السعاة والوشاة.
نعم نقل أبو الفرج الاصفهاني نفس القصة وتبعه الشيخ المفيد (2)ولكن
الساعي في كليهما هو علي بن إسماعيل أخو محمد بن إسماعيل، لكن السند
قاصر، لاَنّ الاصفهاني يرويه عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المتوفى عام
332هـ، عن شيخه: يحيى بن الحسن العلوي (3)والرواية مرسلة إذ لا يتمكن ابن
عقدة من نقل القصة بواسطة واحدة، كيف والاِمام الكاظم قد أُخذ في آخر
السبعينات بعد المائة، وتوفي عام 183هـ (4)ولاَجل الاِيماء إلى الاِرسال أضاف
المفيد بعد إنهاء السند قولَه عن مشايخهم: فما نقله الكليني بسند صحيح هو
المعتبر.
***
وما ذكره:«وجّه الرشيد جيشاً لاِلقاء القبض عليه عندما كان في نهاوند...» لم
أقف على مصدره ولقد تصفّحت حياة الرشيد (170ـ193هـ) في تاريخ الطبري،
ومروج الذهب للمسعودي، وكامل الجزري، فلم أجد فيها شيئاً من الحرب
المزعومة وانتصار محمد بن إسماعيل على جيش الرشيد.
نعم نقل الجزري في حوادث سنة 312هـ : انه ظهر في الكوفة رجل ادّعى
انّه «محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب، وهو رئيس الاِسماعيلية، وجمع جمعاً عظيماً من الاَعراب وأهل السواد
واستفحل أمره في شوال، فسيّر إليه جيش من بغداد، فقاتلوه وظفروا به وانهزم،
____________
1. ابن شهر آشوب: المناقب:4|326، قريباً مما نقله الكليني والكشي.
2. المفيد: الاِرشاد: 298.
3. في إرشاد المفيد: أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى عن مشايخهم.
4. الجزري: الكامل: 6|164، لاحظ حوادث سنة 183هـ.
( 92 )
وقتل كثير من أصحابه. (1)
قال مصطفى غالب: ويعتبر الاِمام محمد بن إسماعيل أوّل الاَئمة
المستورين،و الناطق السابع ومتم الدور، لاَنّ إمامته كانت بداية دور جديد في
تاريخ الدعوة الاِسماعيلية، فقام بنسخ الشريعة التي سبقته، وبذلك جمع بين
النطق والاِمامة، ورفع التكاليف الظاهرة للشريعة، ونادى بالتأويل، واهتم بالباطن،
ولذلك قال فيه الداعي إدريس: «وإنّما خص محمد بن إسماعيل بذلك لانتظامه
في سلك مقامات دور الستر، لاَنّك إذا عددت آدم ووصيه وأئمّة دوره، كان
خاتمهم الناطق،وهو نوح - عليه السّلام- وإذا عددت عيسى ووصيه قائمة دوره، كان محمّد صلّى
الله عليه وآله وسلّممتسلماً لمراتبهم، وهو الناطق خاتم للنطقاء، وكان وصيّه - عليه السّلام- بالفضل منفرداً به،
وإذا عددت الاَئمّة في دوره كان محمد بن إسماعيل سابعهم، وللسابع قوّة على من
تقدّمه، فلذلك صار ناطقاً وخاتماً للاَُسبوع، وقائماً وهو ناسخ شريعة صاحب
الدور السادس، ببيان معانيها وإظهار باطنها المبطن فيها. (2)
ولولا انّه فسّـر نسخ الشريعة ببيان معانيها وإظهار باطنها المبطن فيها، كان
المتبادر منه أنّه كان صاحب شريعة ودين حديث وهو كما ترى.
ثمّ إنّ ظاهر كلامه انّ النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان خاتماً للدور الثاني، وانّ الدور الثالث
يبتدأ بوصي النبي - صلّى الله عليه وآله وسلّم - علي أمير الموَمنين - عليه السّلام- و بما انّهم لا يعدّون الحسن بن علي
في أئمتهم، يكون محمد بن إسماعيل هو سابع الاَئمّة وأفضلهم.
إنّ ما ذكره اعتبارات وتخيّلات لم يقم عليها دليل، فما هو الدليل القاطع
العقلي أو النقلي على هذا الدور ، وإنّ كلّ سابع، خاتم له.
____________
1. الجزري: الكامل:8|157.
2. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:148.
( 93 )
الاِمام الثالث
عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل
(179ـ212هـ)
ولد في بلدة نيسابور عام 179 هـ من ألقابه: المستور، والرضي، والناصر،
والعطار، وعبد اللّه الاَكبر، كان كثير التنقل بين نهاوند والاَهواز وطبرستان.
عرف أنّه كان معاصراً للرشيد، وقد أدرك عصر المأمون. سمّى جميع دعاته
باسمه حتى لا يعرف .عندما خرج من فرغانة إلى الديلم، وكان يصحبه أخوه
حسين. وفي الديلم تزوّج فتاة علوية وولد له منها أحمد.
و ألّف في سلمية رسائل «إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء».
توفي سنة 212 هـ، ودفن في سلمية (1) وضريحه يعرف بالاِمام
إسماعيل.(2)
إنّ من يدرس كتاب رسائل «إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء» يقف على أنّه أثر
لجنة علمية لا تأليف شاب لم يتجاوز عمره الثلاثين إلاّ قليلاً.
إنّ هذا الكتاب أُلّف في القرن الرابع الهجري، وقد قامت بتأليفه جماعة،
وكان أبو حيان التوحيدي على معرفة بأحوال أحد أفرادها، وقد وصفه لصمصام
الدولة الذي ولي الاَمر في سنة 372هـ. (3)
____________
1. بليدة بالشام من أعمال حمص.
2. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:182.
3. ابن الاَثير: الكامل في التاريخ: 9|22.
( 94 )
ففي مقدمة المحقّق : تألّفتْ هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري، وكان
موطنها البصرة، ولها فرع في بغداد، ولم يعرف من أشخاصها سوى خمسة
يتغشاهم الغموض والشك... فقيل إنّ أحدهم هوأبو سليمان محمد بن معشر
البستي المعروف بالمقدسي، والآخر أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، ثمّ أبو
أحمد المهرجاني، فأبو الحسن العوفي، فزيد بن رفاعة، ويوَخذ من كلام لاَبي
حيّان التوحيدي أثبته أحمد زكي باشا في مقدمته لرسائل الاِخوان انّ زيد بن رفاعة
كان متهماً بمذهبه، وانّ الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة سأله عنه. (1)
____________
1. رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء:5، المقدمة.
( 95 )
الاِمام الرابع
أحمد بن عبد اللّه
(198ـ265هـ)
عرّفه الكاتب عارف تامر بقوله: ولد في سلمية سنة 198هـ، واتخذ من هذه
المدينة مقراً له ومركزاً لتوزيع الدعاة ونشر التعاليم في المناطق الاَُخرى. كان على
جانب كبير من العلم، وإليه تنسب رسالة الجامعة لاِخوان الصفاء وخلاّن الوفاء.
ولد له ولدان هما: الحسن وسعيد.
كان يتنقل بين الديلم والكوفة، وغيرهما في سبيل التجارة. والحقيقة أنّ
ذلك لم يكن إلاّ في سبيل نشر الدعاية والاَفكار الاِسماعيلية. لقبه الوفي.
عاصر المأمون واشترك في إثارة الناس عليه، إلى أن يقول: كان يقضي فصل
الشتاء في سلَمية، والصيف في مصياف. نشاط الدعاة في عصره بلغ الاَوج خاصة
في المجال العلمي.
مات في مصياف سنة 265هـ عن 67 عاماً، ودفن فيها في جبل مشهد. (1)
و يقول الموَرّخ المعاصر: ولقد تعرض الاِمام أثناء وجوده في السلَمية
لمضايقات الخلفاء العباسيين المستمرة، لذلك وجد بأنّ السلَمية لم تعد مكاناً
صالحاً له، فغادرها سرّاً إلى الري حيث استقر فيها مدّة طويلة عمل خلالها لنشر
دعوته على نطاق واسع، فاعتنقها أكثر الملوك والاَُمراء، وقدّموا جميع إمكانياتهم
____________
1. عارف تامر: الاِمامة في الاِسلام:182.
( 96 )
لمساعدة الدعاة في سبيل نشرها وتعميمها في جميع الاَقطار الشرقية، والجدير
بالذكر انّ أكثر الحكام والولاة في العهد العباسي كانوا يتظاهرون بنقمتهم على
الاِسماعيلية، بينما كانوا يدينون بعقائدها في الباطن وينصرون الدعاة، ويعملون
سراً على تقوية الدعوة وإنجاحها. (1)
وقد ذكر عارف تامر انّ لقبه هوالوفي في حين أنّ مصطفى غالب قد لقبه
بمحمد التقي، والظاهر انّهما لقبين لشخص واحد.
ولا يذهب عليك ما في كلامه من المبالغة من اعتناق أكثر الحكام والولاة
لعقائد الاِسماعيلية، فإنّالموَرّخين المعاصرين (2) قد اعتادا على المبالغة في
الثناء وانتشار الدعوة من دون أن يذكرا لكلامهما مصدراً.
____________
1. مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الاِسماعيلية:167.
2. عارف تامر، مصطفى غالب، والثاني أكثر مبالغة.