70-  القول في التوبة من مظالم العباد


أقول إن من شرط التوبة إلى الله سبحانه من مظالم العباد الخروج إلى المظلومين من حقوقهم بأدائها إليهم أو باستحلالهم منها
على طيبة النفس بذلك و الاختيار له فمن عدم منهم صاحب المظلمة و فقده خرج إلى أوليائه من ظلامته أو استحلهم منها على ما
ذكرناه و من عدم الأولياء حقق العزم على الخروج إليهم متى وجدهم و استفرغ الوسع في ذلك بالطلب في حياته و الوصية له بعد
وفاته و من جهل أعيان المظلومين أو مواضعهم حقق العزم و النية في الخروج من الظلامة إليهم متى عرفهم و جهد و أجهد نفسه في
التماسهم فإذا خاف فوت ذلك بحضور أجله وصى به على ما قدمناه و من لم يجد طولا لرد
أوائل المقالات ص : 87
المظالم سأل الناس الصلة له و المعونة على ما يمكنه من ردها أو آجر نفسه إن نفعه ذلك و كان طريقا إلى استفادة ما يخرج به من
المظالم إلى أهلها. و الجملة في هذا الباب أنه يجب على الظالمين استفراغ الجهد مع التوبة في الخروج من مظالم العباد فإنه إذا
علم الله ذلك منهم قبل توبتهم و عوض المظلومين عنهم إذا عجز التائبون عن رد ظلاماتهم و إن قصر التائبون من الظلم فيما ذكرناه
كان أمرهم إلى الله عز و جل فإن شاء عاقبهم و إن شاء تفضل عليهم بالعفو و الغفران و على هذا إجماع أهل الصلاة من المتكلمين و
الفقهاء
71-  القول في التوبة من قتل المؤمنين
أقول من قتل مؤمنا على وجه التحريم لدمه دون الاستحلال ثم أراد التوبة مما فعله فعليه أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول فإن
شاءوا استقادوا منه و إن شاءوا ألزموه الدية و إن شاءوا عفوا عنه و إن لم يفعل ذلك لم تقبل توبته و إن فعله كانت توبته مقبولة و
سقط عنه بها عقاب ما جناه و بهذا نطق القرآن و عليه انعقد الإجماع و إنما خالف فيه شذاذ من الحشوية و العوام و أما القول فيمن
استحل دماء المؤمنين و قتل منهم مؤمنا على الاستحلال فإن العقل لا يمنع من توبته و قبول التوبة منه لكن السمع ورد عن
الصادقين من أئمة الهدى ع أنه من فعل ذلك لم يوفق للتوبة أبدا و لم يتب على الوجه الذي يسقط عنه العقاب به مختارا لذلك غير
مجبر و لا مضطر كما
ورد الخبر عنهم ع أن ولد
أوائل المقالات ص : 88
الزناء لا ينجب و لا يختار عند بلوغه الإيمان على الحقيقة و إن أظهره على كل حال و إنما يظهره على الشك فيه أو النفاق دون
الاعتقاد له على الإيقان
و كما ورد الخبر عن الله عز و جل في جماعة من خلقه أن م آلهم إلى النار و أنهم لا يؤمنون به أبدا و لا يتركون الكفر به و الطغيان و
على هذا القول إجماع الفقهاء من أهل الإمامة و رواة الحديث منهم و الآثار و لم أجد لمتكلميهم فيه مقالا أحكيه في جملة الأقوال
72-  باب القول في بيان العلم بالغائبات و ما يجري مجراها من الأمور المستنبطات و هل يصح أن يكون اضطرارا أم جميعه من
جهة الاكتساب
و أقول إن العلم بالله عز و جل و أنبيائه ع و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شيء لا يدرك حقيقته بالحواس و لا يكون المعرفة به
قائمة في البداية و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة
الاكتساب كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداية من جهة
القياس و هذا قد تقدم و زدنا فيه شرحا هاهنا للبيان و إليه يذهب جماعة البغداديين و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المشبهة
و أهل القدر و الإرجاء
أوائل المقالات ص : 89
73-  القول في العلم بصحة الأخبار و هل يكون فيه اضطرار أم جميعه اكتساب
و أقول إن العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب و لا يصح وقوع شيء منه بالاضطرار و القول
فيه كالقول في جملة الغائبات و إلى هذا القول يذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الإجبار
74-  القول في حد التواتر من الأخبار
و أقول إن التواتر المقطوع بصحته في الأخبار هو نقل الجماعة التي يستحيل في العادة أن تتواطأ على افتعال خبر فينطوي ذلك و
لا يظهر على البيان و هذا أمر يرجع إلى أحوال الناس و اختلاف دواعيهم و أسبابهم و العلم بذلك راجع إلى المشاهدة و الوجود و
ليس يتصور للغائب عن ذلك بالعبارة و الكلام و هذا مذهب أصحاب التواتر من البغداديين و يخالف فيه البصريون و يحدونه بما
أوجب علما على الاضطرار
أوائل المقالات ص : 90
75-  القول فيما يدرك بالحواس و هل العلم به من فعل الله تعالى أو فعل العباد
و أقول إن العلم بالحواس على ثلاثة أضرب فضرب هو من فعل الله تعالى و ضرب من فعل الحاس و ضرب من فعل غيره من العباد.
فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله تعالى كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات
الرياح و ما أشبه ذلك مما يبدو للحاس من غير أن يتعمل لإحساسه و يكون بسبب من الله سبحانه ليس للعباد فيه اختيار. فأما فعل
الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بأذنه أو التعمل لإحساسه بشيء من حواسه أو بفعله السبب الموجب لإحساس
المحسوس و حصول العلم به. و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير
متعمل لسماعه أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و
يخالف فيه من سميناه
أوائل المقالات ص : 91
76-  القول في أهل الآخرة و هل هم مأمورون أو غير مأمورين
و أقول إن أهل الآخرة مأمورون بعقولهم بالسداد و محسن لهم ما حسن لهم في دار الدنيا من الرشاد و إن القلوب لا تنقلب عما هي
عليه الآن و لا تتغير عن حقيقتها على كل حال و هذا مذهب متكلمي أهل بغداد و يخالف فيه البصريون و من ذكرناه
77-  القول في أهل الآخرة و هل هم مكلفون أو غير مكلفين
و أقول إن أهل الآخرة صنفان فصنف منهم في الجنة و هم فيها مأمورون بما يؤثرون و يخف على طباعهم و يميلون إليه و لا يثقل
عليهم من شكر المنعم سبحانه و تعظيمه و حمده على تفضله عليهم و إحسانه إليهم و ما أشبه ذلك من الأفعال و ليس الأمور لهم بما
وصفناه إذا كانت الحال فيه ما ذكرناه تكليفا لأن التكليف إنما هو إلزام ما يثقل على الطباع و يلحق بفعله المشاق. و الصنف الآخر
في النار و هم من العذاب و كلفه و مشاقه و آلامه على ما لا يحصى من أصناف التكليف للأعمال و ليس يتعرون من الأمر و النهي
بعقولهم حسب ما شرحناه و هذا قول الفريق الذي قدمناه و يخالف فيه من الفرق من سميناه و ذكرناه
أوائل المقالات ص : 92
78-  القول في أهل الآخرة و هل هم مختارون لأفعالهم أو مضطرون أم ملجئون على ما يذهب إليه أهل الخلاف
و أقول إن أهل الآخرة مختارون لما يقع منهم من الأفعال و ليسوا مضطرين و لا ملجئين و إن كان لا يقع منهم الكفر و العناد. و أقول
إن الذي يرفع توهم وقوع الفساد منهم وقوع دواعيهم إليه لا ما ذهب إليه من خالف في ذلك من الإلجاء و الاضطرار و هو مذهب
متكلمي البغداديين و كان أبو الهذيل العلاف يذهب إلى أن أهل الآخرة مضطرون إلى الأفعال و الجبائي و ابنه يزعمان أنهم ملجئون
إلى الأعمال
79-  القول في أهل الآخرة و هل يقع منهم قبيح من الأفعال
أقول إن أهل الآخرة صنفان فصنف من أهل الجنة مستغنون عن فعل القبيح و لا يقع منهم شيء منه على الوجوه كلها و الأسباب لتوفر
دواعيهم إلى محاسن الأفعال و ارتفاع دواعي فعل القبيح عنهم على كل حال. و الصنف الآخر من أهل النار قد يقع منهم القبيح على
غير العناد قال الله
أوائل المقالات ص : 93
تعالى وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِ آياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا
يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ و قال سبحانه وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّا أَنْ قالُوا وَ اللّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى
أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ فأخبر جل اسمه عن كذبهم في الآخرة و الكذب قبيح بعينه و باطل على كل حال و هذا
المذهب أيضا مذهب من ذكرناه من متكلمي أهل بغداد و يخالف فيه البصريون من أهل الاعتزال
80-  القول في المقطوع و الموصول
و أقول إن كل عمل ذي أجزاء من الفعل أمر الله تعالى بالإتيان به على الكمال و جعله مفترضا و سنة يستحق به الثواب كالصلاة و
الصيام و الزكاة و الحج و أشباه ذلك من الطاعات ثم علم سبحانه أن العبد يقطعه قبل تمامه مختارا أو يفسده متعمدا بترك كماله
فإنه لا يقع منه شيء على وجه القربة إليه جل اسمه و متى ابتدأ به لقربة الله تعالى في الحقيقة فلن يقطعه فاعله مختارا و لن يفسده
بترك كماله متعمدا و لا بد أن يصله حتى يأتي به على نظامه مؤثرا لذلك مختارا و هذا الباب لاحق بباب الموافاة في معناه و هو مذهب
هشام بن الفوطي من المعتزلة و زرارة بن أعين و محمد بن الطيار و جماعة كثيرة من متكلمي الإمامية و يخالف فيه جمهور المعتزلة و
سائر الزيدية و أكثر أهل التشبيه و طوائف من المرجئة
أوائل المقالات ص : 94
81-  القول في حكم الدار
و أقول إن الحكم في الدار على الأغلب فيها و كل موضع غلب فيه الكفر فهو دار كفر و كل موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان و
كل موضع غلب فيه الإسلام دون الإيمان فهو دار إسلام قال الله تعالى في وصف الجنة وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ و إن كان فيها أطفال و
مجانين و قال في وصف النار سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ و إن كان فيها ملائكة الله مطيعون فحكم على كلتا الدارين بحكم الأغلب فيها.
و أقول لما وصفت أن كل صقع من بلاد الإسلام ظهرت فيه الشهادتان و الصلوات الخمس و صيام شهر رمضان و زكاة الأموال و اعتقاد
فرض الحج إلى البيت الحرام و لم يظهر فيه القول بإمامة آل محمد ع أنه دار إسلام لا دار إيمان و أن كل صقع من بلاد الإسلام كثر
أهله أو قل عددهم ظهرت فيه شرائع الإسلام و القول بإمامة آل محمد ع فهو دار إسلام و دار إيمان و قد تكون الدار عندي دار كفر ملة
و إن كانت دار إسلام و لا يصح أن تكون كذلك و هي دار إيمان و هذا مذهب جماعة من نقلة الأخبار من شيعة آل محمد ع و على جمل
مقدماته و أصوله التي ذكرت جماعة كثيرة من أهل الاعتزال
أوائل المقالات ص : 95
باب القول في اللطيف من الكلام
82-  القول في الجواهر
الجواهر عندي هي الأجزاء التي تتألف منها الأجسام و لا يجوز على كل واحد في نفسه الانقسام و على هذا القول أهل التوحيد كافة
سوى شذاذ من أهل الاعتزال و يخالف فيه الملحدون و من المنتمين إلى الموحدين إبراهيم بن سيار النظام
83-  القول في الجواهر أ هي متجانسة أم بينها اختلاف
و أقول إن الجواهر كلها متجانسة و إنما تختلف بما يختلف في نفسه من الأعراض و على هذا القول جمهور الموحدين
أوائل المقالات ص : 96
84-  القول في الجواهر أ لها مساحة في نفسها و أقدار
أقول إن الجوهر له قدر في نفسه و حجم من أجله كان له حيز في الوجود و به فارق معنى ما خرج عن حقيقته و على هذا القول أكثر
أهل التوحيد
85-  القول في حيز الجواهر و الأكوان
و أقول إن كل جوهر فله حيز في الوجود و إنه لا يخلو عن عرض يكون به في بعض المحاذيات أو ما يقدره تقدير ذلك و هذا العرض
يسميه بعض المتكلمين كونا و على هذا القول أكثر أهل التوحيد
86-  القول في الجواهر و ما يلزمها من الأعراض
أقول إن كل عرض يصح حلوله في الجوهر و يكون الجوهر محتملا لوجوده فإنه لا يخلو منه أو مما يعاقبه من الأعراض و هذا مذهب
أبي القاسم البلخي و أبي علي الجبائي و من قبلهما أكثر المتكلمين و خالف فيه عبد السلام بن محمد الجبائي و أجاز خلو الجواهر
من الألوان و الطعوم و الأراييح و نحو ذلك من الأعراض
87-  القول في بقاء الجواهر
أقول إن الجواهر مما يصح عليها البقاء و إنها توجد أوقاتا كثيرة و لا تفنى
أوائل المقالات ص : 97
من العالم إلا بارتفاع البقاء عنها و على هذه الجملة أكثر الموحدين و إليها يذهب أبو القاسم البلخي و يخالف فيما ذكرناه من سبب
فنائها و الجبائي و ابنه و بنو نوبخت من الإمامية و من سلك سبيلهم في هذا المقام و إبراهيم النظام يخالف الجميع و يزعم أن الله
تعالى يجدد الأجسام و يحدثها حالا فحالا
88-  القول في الجواهر هل تحتاج إلى مكان
أقول إنه لا حاجة للجواهر إلى الأماكن من حيث كانت جواهر إلا أن تتحرك أو تسكن فلا بد لها في الحركة و السكون من المكان و
على غنائها عن المكان كافة الموحدين و في حاجتها إليه عند الحركة و السكون جمهورهم و يخالف في ذلك الجبائي و ابنه عبد
السلام
89-  القول في الأجسام
أقول إن الأجسام هي الجواهر المتألفة طولا و عرضا و عمقا و أقل ما تتألف منه الأجسام ثمانية أجزاء اثنان منها أحدهما فوق صاحبه
طولا و اثنان يليان هذين الاثنين من جهة اليمين أو الشمال يصير بذلك عرضا و أربعة تلقاء هذه الأربعة فيحصل بذلك عمق و على هذا
القول جماعة من المتكلمين. و قد زعم قوم أن الجسم يتألف من ستة أجزاء و قال آخرون إنه يتألف من أربعة أجزاء و ذهب قوم إلى
أن حقيقة الجسم هو المؤلف و قد يكون ذلك من جزءين فالأجسام من نوع ما يبقى و قد ذكرت ذلك في الجواهر المنفردة و
أوائل المقالات ص : 98
التأليف عندي و سائر الأعراض لا تبقى و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة قبله من البغداديين و لم يخالف في بقاء الأجسام
أحد من أهل التوحيد سوى النظام فإنه زعم أنها تتجدد حالا بعد حال
90-  القول في الأعراض
أقول الأعراض هي المعاني المفتقرة في وجودها إلى المحال و لا يجوز على شيء منها البقاء و هذا مذهب أكثر البغداديين و قد خالف
فيه البصريون و غيرهم من أهل النحل و الآراء
91-  القول في قلب الأعراض و إعادتها
أقول إن ذلك محال لا يصح بدلائل يطول ذكرها و هو مذهب أبي القاسم و جميع من نفى بقاء الأعراض من الموحدين
92-  القول في المعدوم
و أقول إن المعدوم هو المنفي العين الخارج عن صفة الموجود و أقول إنه لا جسم و لا جوهر و لا عرض و لا شيء على الحقيقة و إن
سميته بشيء من هذه الأسماء فإنما تسميه به مجازا و هذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة و أصحاب المخلوق و البلخي يزعم أنه
شيء و لا يسميه بجسم و لا جوهر و لا عرض و الجبائي و ابنه يزعمان أن المعدوم شيء و جوهر و عرض و الخياط يزعم أنه شيء و
عرض و جسم
أوائل المقالات ص : 99
93-  القول في ماهية العالم
و أقول العالم هو السماء و الأرض و ما بينهما و ما فيهما من الجواهر و الأعراض و لست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك
94-  القول في الفلك
أقول إن الفلك هو المحيط بالأرض الدائر عليها و فيه الشمس و القمر و سائر النجوم و الأرض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط
الدائرة و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة كثيرة من أهل التوحيد و مذهب أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه جماعة من
بصرية المعتزلة و غيرهم من أهل النحل
95-  القول في حركة الفلك
أقول إن المتحرك من الفلك من جهة الإمكان ما اختص منه بالمكان و من جهة الوجوب ما لاقى الهواء و قطع بحركته المكان و أما ما
يلي صفحته العليا فإنها لا متحركة و لا ساكنة لأنها في غير مكان و أقول إن المتحرك منه إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر
على الكرة و إلى هذا يذهب البلخي و جماعة من الأوائل و كثير من أهل التوحيد
96-  القول في الأرض و هيئتها و هل هي متحركة أو ساكنة
أقول إن الأرض على هيئة الكرة في وسط الفلك و هي ساكنة لا تتحرك
أوائل المقالات ص : 100
و علة سكونها أنها في المركز و هو مذهب أبي القاسم و أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة غيرهما من
أهل الآراء و المذاهب من المقلدة و المتكلمين
97-  القول في الخلإ و الملإ
و أقول إن العالم مملو من الجواهر و إنه لا خلأ فيه و لو كان فيه خلأ لما صح فرق بين المجتمع و المتفرق من الجواهر و الأجسام و
هو مذهب أبي القاسم خاصة من البغداديين و مذهب أكثر القدماء من المتكلمين و يخالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة من متكلمي
الحشوية و أهل الجبر و التشبيه
98-  القول في المكان
و أقول إن المكان ما أحاط بالشيء من جميع جهاته و إنه لا يصح تحرك الجواهر إلا في الأماكن و هو مذهب أبي القاسم و غيره من
البغداديين و جماعة من قدماء المتكلمين و يخالف فيه الجبائي و ابنه و بنو نوبخت و المنتمون إلى الكلام من أهل الجبر و
التشبيه
99-  القول في الوقت و الزمان
و أقول إن الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشيء و ليس بحادث
أوائل المقالات ص : 101
مخصوص و الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفلك محتاجا في وجوده إلى وقت و لا زمان و على هذا القول سائر
الموحدين
100-  القول في الطباع
و أقول إن الطباع معان تحل الجواهر يتهيأ بها المحل للانفعال كالبصر و ما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه و
الإدراك و كالسمع و الأنف السليم و اللهوات و كوجوده في النار التي تحرق به و من أجله أمكن بها الإحراق و الأمر في ذلك و ما
أشبهه واضح الظهور و البيان. فصل و أقول إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع و أنه لا فعل على الحقيقة
لشيء من الطباع و هذا مذهب أبي القاسم الكعبي و هو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع و خلاف الفلاسفة الملحدين أيضا فيما ذهبوا
إليه من أفعال الطباع و أباه الجبائي و ابنه و أهل الحشو و أصحاب المخلوق و الإجبار
أوائل المقالات ص : 102
101-  القول في تركب الأجسام من الطبائع و استحالتها إلى العناصر و الأسطقسات
و قد ذهب كثير من الموحدين إلى أن الأجسام كلها مركبة من الطبائع الأربع و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و احتجوا
في ذلك بانحلال كل جسم إليها و بما يشاهدونه من استحالتها كاستحالة الماء بخارا و البخار ماء و الموات حيوانا و الحيوان مواتا
و بوجود النارية و المائية و الهوائية و الترابية في كل جسم و أنه لا ينفك جسم من الأجسام من ذلك و لا يعقل على خلافه و لا
ينحل إلا إليه و هذا ظاهر مكشوف و لست أجد لدفعه حجة أعتمدها و لا أراه مفسدا لشيء من التوحيد و العدل و الوعد و الوعيد أو
النبوات أو الشرائع فأطرحه لذلك بل هو مؤيد للدين مؤكد لأدلة الله تعالى على ربوبيته و حكمته و توحيده و ممن دان به من رؤساء
المتكلمين النظام و ذهب إليه البلخي و من اتبعه في المقال
102-  القول في الإرادة و إيجابها
و أقول إن الإرادة التي هي قصد لإيجاد أحد الضدين الخاطرين ببال المريد موجبة لمرادها و إنه محال وجودها و ارتفاع المراد بعدها
بلا فصل إلا أن
أوائل المقالات ص : 103
يمنع من ذلك من جهة فعل غير المريد و هذا مذهب جعفر بن حرب و جماعة من متكلمي البغداديين و هو مذهب البلخي و على خلافه
الجبائي و ابنه و البصريين من المعتزلة و الحشوية و أهل الإجبار
103-  القول في التولد
و أقول إن من أفعال القادر ما يقع متولدا بأسباب يفعلها على الابتداء من غير توليد لها كالضارب لغيره فضربه متولد عن اعتماداته و
حركاته و إيلامه للمضروب متولد عن ضربه إياه و كالرامي لغرضه و غيره من الأجسام و كالمعتمد بلسانه في لهواته فيولد بذلك
أصواتا و كلاما و ما أشبه ذلك. فالمبتدأ من الأحوال الأفعال لا يكون متولدا و المسبب عن المبتدأ نحو ما ذكرناه يكون متولدا عن
فعل صاحب السبب و هذا مذهب أهل العدل كافة سوى النظام و من وافقه في نفي التولد من أهل القدر و الإجبار
104-  القول في الفرق بين الموجب و المتولد
و أقول إن كل متولد فهو موجب و ليس كل موجب فهو متولد و الفرق بينهما أن الموجب الذي ليس بمتولد هو ما ولي الإرادة بلا
فصل بينهما من فعل المريد و الموجب المتولد هو ما ولي الذي يلي الإرادة من الأفعال و هذا مذهب
أوائل المقالات ص : 104
اختصرته أنا لقولي في المحدث الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس و الأصل فيه مذهب البلخي و من ذهب إلى الجمع بين إيجاب
الإرادة و التولد من متكلمي بغداد
105-  القول في أنواع المولدات و المتولدات من الأفعال
و أقول إن الاعتمادات و الحركات و المماسات و المتباينات و النظر و الاعتقادات و العلوم و اللذات و الآلام جميع ذلك يولد أمثاله
و خلافه و ليس واحد مما ذكرناه بالتوليد أخص من غيره مما سميناه. و أقول إن الفاعل قد يولد في غيره علما بأشياء إذا فعل به
أسباب تلك العلوم كالذي يصيح بالساهي فيفعل به علما بالصيحة متولدا عن الصيحة به بدلالة أنه لا يصح امتناعه من العلم بذلك
مع سماع ما بدهه من الصياح و كالضارب لغيره المولد بضربة ألما فيه فإنه يولد فيه علما بالألم و الضرب لاستحالة فقد علمه بالألم
في حالة و قد يولد الإنسان في غيره غما و سرورا و حزنا و خوفا بما يورده عليه مما لا يمتنع معه من الغم و المسرة و الجزع و
الخوف و لا يصح امتناعه منه على كل حال و أشباه ذلك مما يطول بذكره الكلام و هذا مذهب كثير من بغدادية المعتزلة و إليه ذهب
أبو القاسم البلخي و خالف في كثير منه الجبائي و ابنه و أنكر جملته النظام و المجبرة
أوائل المقالات ص : 105
106-  القول في أن الأمر بالسبب هل هو أمر بالمسبب أم لا
و أقول إن الأمر بالسبب أمر بالمسبب ما لم يمنع الأمر من المسبب أو يعلم أن صاحب السبب سيمنع من المسبب فأما الأمر
بالمسبب فهو مقتض للأمر بالسبب لا محالة بل هو أمر به في المعنى و إن لم يكن كذلك في اللفظ و لست أعرف بين من أثبت التولد
في هذا الباب خلافا
107-  القول في أفعال الله تعالى و هل فيها متولدات أم لا
و أقول إن في كثير من أفعال الله تعالى مسببات و امتنع من إطلاق لفظ الوصف عليها بأنها متولدات و إن كانت في المعنى كذلك
لأنني أتبع فيما أطلقه في صفات الله تعالى و صفات أفعاله الشرع و لا أبتدع و قد أطلق المسلمون على كثير من أفعال الله تعالى
أنها أسباب و مسببات و لم أجدهم يطلقون عليها لفظ المتولد و من أطلقه منهم فلم يتبع فيه حجة في القول و لا لجأ فيه إلى كتاب و
لا سنة و لا إجماع و هذا مذهب اختص به لما ذكرت من الاستدلال و لدلائل أخر ليس هنا موضع ذكرها. فأما قولي في الأسباب فهو
مذهب جماعة من البغداديين و مذهب أبي القاسم على قرب و أبي علي و إنما خالف فيه أبو هاشم بن أبي علي خاصة
أوائل المقالات ص : 106
من بين أهل العدل و قد قال الله عز و جل مما يشهد بصحته وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً
ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَد مَيِّت فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ و قال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا و آي في القرآن تدل على
هذا المعنى كثيرة
108-  القول في الشهوة
و أقول إن الشهوة عبارة عن معنيين أحدهما الطبع المختص بالحيوان الداعي له إلى ما يلائمه من جهة اللذات و المعنى الآخر ميل
الطبع إلى الأعيان على التفصيل من جملة اللذات فأما الأول فهو من فعل الله سبحانه و تعالى لا محالة و لا شك فيه و لا ارتياب لأن
الحيوان لا يملكه و لا له فيه اختيار و أما الثاني فهو من فعل الحيوان بدلائل يطول بشرحها الكلام و هذا مذهب جمهور البغداديين
و البصريين باتحاد الموجود أو الممنوع من وجوده و ذلك محال و كذلك النهي إذ هو نقيض الأمر و هذا مذهب كافة أهل العدل إلا من
لا يعبأ به منهم و المجبرة على خلافهم فيه
109-  القول في البدل
و أقول إن الكفر قد كان يجوز أن يكون في وقت الإيمان بدلا منه و
أوائل المقالات ص : 107
الإيمان قد كان يجوز أن يكون بدلا من الكفر في وقته و لا أقول في حال الإيمان إن الكفر يجوز كونه فيه بدلا منه و لا الإيمان يجوز
وجوده في حال الكفر بدلا منه و ذلك أن جواز الشيء هو تصحيحه و صحة إمكانه و ارتفاع استحالته و الكفر مضاد للإيمان و وجود
الضد محيل لجواز وجود ضده كما يحيل وجوده فإذا قال القائل إن الكافر يجوز منه الإيمان الذي هو بدل من الكفر تضمن ذلك جواز
اجتماع الضدين و إذا قال قد كان يجوز بتقدم لفظ كان على يجوز لم يتضمن ذلك محالا. فأما القول بأنه يجوز من الكافر الإيمان في
مستقبل أوقات الكفر و يجوز من المؤمن الكفر كذلك و ليس بمنكر لارتفاع التضاد و الإحالة و ليس هذا القول هو الخلاف بيننا و بين
المجبرة و إنما خلافهم لنا في الأول و عليه أهل العدل كما أن أهل الإجبار بأسرهم على خلافهم فيه
110-  القول في خلق ما لا عبرة به و لا صلاح فيه
و أقول إن خلق ما لا عبرة به لأحد من المكلفين و لا صلاح فيه لأحد من المخلوقين عبث لا يجوز على الله تعالى و هذا مذهب أهل
العدل و قد ذهب إلى خلافه جميع أهل الجبر و اشتبه على كثير من الناس فيه خلق ما في قعور البحار و قلل الجبال و بواطن الحيوان
مما لا يحسه أحد من البشر فذهب عليهم وجه الانتفاع به و انسد عليهم طريق الاعتبار بمشاهدته فخالفوا أهل الحق فيما
أوائل المقالات ص : 108
ذكرناه و ليس الأمر في هذا الباب على ما توهموه و ذلك أن البشر و إن لم يحسوا كثيرا مما وصفوه فإن الجن و الملائكة يحسونه
فيعتبرون به و ما لا يقع عليه من جميع ذلك حس ذي حاسة فهو نفع لبعض ما يعتبر به من الحيوان أو مستحيل من طبائع ما لا بد من
وجوده في ألطاف العباد و ليس علينا في صحة هذه القضية أكثر من إقامة الدلالة على أن الله تعالى الغني الكريم الحكيم لا يخلق
شيئا لنفسه و إنما خلق ما يخترعه لغيره و لو خلا ما خلقه من منفعة غيره مع قيام البرهان على أن صانعه جلت عظمته لا ينتفع به لكان
عبثا لا معنى له و الله يجل عن فعل العبث علوا كبيرا
111-  القول في الألم و اللذة إذا استويا في اللطف و الصلاح
و أقول إنه لو استوى فعل الألم بالحيوان و اللذة له في ألطاف المكلفين و مصالحهم الدينية لما جاز من الحكيم سبحانه أن يفعل
الألم دون اللذة إذ لا داعي كان يكون إلى فعله حينئذ إلا العوض عليه و القديم سبحانه قادر على مثل العوض تفضلا و كان الأولى في
جوده و رأفته أن يفعل اللذة لشرفها على الألم و لا يفعل الألم و قد ساوى ما هو أشرف منه في المصلحة و هذا مذهب
أوائل المقالات ص : 109
كثير من أهل العدل و قد خالف منهم فيه فريق و المجبرة بأسرهم على خلافه
112-  القول في علم الله تعالى أن العبد يؤمن إن أبقاه بعد كفره أو يتوب إن أبقاه عن فسقه أ يجوز أن يخترمه دون ذلك أم لا
و أقول إن ذلك غير جائز فيمن لم ينقض توبته و يرجع في كفر بعد تركه و جائز بعد الإمهال فيمن أنظر فعاد إلى العصيان لأنه لو وجب
ذلك دائما أبدا لخرج عن الحكمة إلى العبث و لم يكن للتكليف أجر و هذا مذهب أبي القاسم الكعبي و جماعة كثيرة من أصحاب
الأصلح و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و مانعو اللطف منهم و سائر المجبرة
113-  القول في الألم للمصلحة دون العوض
و أقول إن العوض على الألم لمن يستصلح به غيره مستحق على الله تعالى في العدل و إن كان واجبا في وجوده لمن يجوز أن يفعله
به من المؤمنين. فأما ما يستصلح به غير المؤمنين من الآلام فلا بد من التعويض له عليه و إلا كان ظلما و لهذا قلت إن إيلام الكافر لا
يستحق عليه عوضا لأنه لا يقع إلا عقابا له و استصلاحا له في نفسه و إن جاز أن يصلح به غيره و هذا مذهب من نفى الإحباط من أهل
العدل و الإرجاء و على خلافه البغداديون من المعتزلة و البصريون و سائر المجبرة و قد جمعت فيه بين أصول يختص بي جمعها دون
أوائل المقالات ص : 110
من وافقني في العدل و الإرجاء بما كشف لي النظر عن صحته و لم يوحشني من خالف فيه إذ بالحجة لي أتم أنس و لا وحشة من حق و
الحمد لله
114-  القول في تعويض البهائم و اقتصاص بعضها من بعض
و أقول إنه واجب في جود الله تعالى و كرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الآلام في دار الدنيا سواء كان ذلك الألم من فعله جل
اسمه أم من فعل غيره لأنه إنما خلقها لمنفعتها فلو حرمها العوض على ألمها لكان قد خلقها لمضرتها و الله يجل عن خلق شيء لمضرته
و إيلامه لغير نفع يوصله إليه لأن ذلك لا يقع إلا من سفيه ظالم و الله سبحانه عدل كريم حكيم عالم. فأما الاقتصاص منها فغير جائز
لأنها غير مكلفة و لا مأمورة و لا عالمة بقبح القبيح و القصاص ضرب من العقوبة و ليس بحكيم من عاقب غير مكلف و لا منته عن فعل
القبيح و لو جاز الاقتصاص من بعضها لبعض لجاز عقابها على جناياتها على بعض و لوجب ثوابها على إحسانها إلى ما أحسنت إليه من
بعض و ذلك كله محال و هذا مذهب كثير من أهل العدل و قد خالف فيه بعضهم و جماعة ممن سواهم
أوائل المقالات ص : 111
115-  القول في نعيم أهل الجنة أ هو تفضل أو ثواب
و أقول إن نعيم أهل الجنة على ضربين فضرب منه تفضل محض لا يتضمن شيئا من الثواب و الضرب الآخر تفضل من جهة و ثواب من
أخرى و ليس في نعيم أهل الجنة ثواب و ليس بتفضل على شيء من الوجوه فأما التفضل منه المحض فهو ما يتنعم به الأطفال و البله
و البهائم إذ ليس لهؤلاء أعمال كلفوها فوجب من الحكمة إثابتهم عليها و أما الضرب الآخر فهو تنعيم المكلفين و إنما كان تفضلا
عليهم لأنهم لو منعوها ما كانوا مظلومين إذ ما سلف لله تعالى عندهم من نعمه و فضله و إحسانه يوجب عليهم أداء شكره و طاعته و
ترك معصيته فلو لم يثبهم بعد العمل و لا ينعمهم لما كان لهم ظالما فلذلك كان ثوابه لهم تفضلا و أما كونه ثوابا فلان أعمالهم
أوجبت في وجود الله تعالى و كرمه تنعمهم و أعقبتهم الثواب و أثمرته لهم فصار ثوابا من هذه الجهة و إن كان تفضلا من جهة ما
ذكرناه و هذا مذهب كثير من أهل العدل من المعتزلة و الشيعة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و الجهمية و من اتبعهم من
المجبرة
أوائل المقالات ص : 112
116-  القول في ثواب الدنيا و عقابها و تعجيل المجازاة فيها
و أقول إن الله تعالى جل اسمه يثيب بعض خلقه على طاعتهم في الدنيا ببعض مستحقهم من الثواب و لا يصح أن يوفيهم أجورهم
فيها لما يجب من إدامة جزاء المطيعين و قد يعاقب بعض خلقه في الدنيا على معاصيهم فيها ببعض مستحقهم على خلافهم له و
بجميعه أيضا لأنه ليس كل معصية له يستحق عليها عذابا دائما كما ذكرنا في الطاعات و قد قال الله تعالى وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ
مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و قال فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَ
بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنّات وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً فوعدهم بضروب من الخيرات في الدنيا على الأعمال الصالحات و قال في بعض من
عصاه وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى و قال في آخرين منهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي
الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْ آخِرَةِ أَخْزى لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْ آخِرَةِ أَشَقُّ وَ ما لَهُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ واق
و جاء الخبر مستفيضا عن النبي ص أنه قال حمى يوم كفارة ذنوب سنة
و قال صلة الرحم منسئة في الأجل
و هذا مذهب جماعة من أهل العدل و تفصيله على ما ذكرت في تعجيل بعض الثواب و كل العقاب و بعضه مذهب جمهور الشيعة و كثير
من المرجئة
117-  القول في الاختيار للشيء و هل هو إرادة له
و أقول إن الإرادة للشيء هو اختياره و اختياره هو إرادته و إيثاره و قد
أوائل المقالات ص : 113
يعبر بهذه اللفظة عن المعنى الذي يكون قصدا لأحد الضدين و يعبر بها أيضا عن وقوع الفعل على علم به و غير حمل عليه و يعبر
بلفظ مختار عن القادر خاصة و يراد بذلك أنه متمكن من الفعل و ضده دون أن يراد به القصد و العزم و هذا مذهب جماعة من المعتزلة
البغداديين و كثير من الشيعة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و أهل الجبر كافة
118-  القول في الإرادة التي هي تقرب
و أقول إن الإرادة التي هي تقرب كغيرها من الإرادات المتقدمة للأفعال و ليس يصح مجامعتها للفعل لأنه لا يخرج إلى الوجود إلا و
هو تقرب و محال تعلق الإرادة بالموجود أو الإرادة له بأن يكون تقربا و قد حصل كذلك و أما كونها هي تقربا فلأن مرادها كذلك و حكم
الإرادة في الحسن و القبح و القرب و البعد حكم المراد و هذا مذهب أكثر أهل العدل و البصريين من المعتزلة يخالفونه و كذلك أهل
الإجبار
119-  القول في الإرادة هل هي مرادة بنفسها أم بإرادة غيرها أم ليس يحتاج إلى إرادة
و أقول إن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة لأنها لو احتاجت إلى ذلك لما خرجت إلى الوجود إلا بخروج ما لا أول له من الإرادات و هذا
محال بين الفساد و ليس يصح أن تراد بنفسها لأن من شأن الإرادة أن يتقدم مرادها فلو وجب أو جاز
أوائل المقالات ص : 114
أن تراد الإرادة بنفسها لوجب أو جاز وجود نفسها قبل نفسها و هذا عين المحال. و قد أطلق بعض أهل النظر من أصحابنا أن الإرادة
مرادة بنفسها و عنى به أفعال الله تعالى الواقعة من جهته و اختراعه و إيجاده لأنها هي نفس إرادته و إن لم يكن واقعة منه بإرادة
غيرها و لن يصح ذلك فيها و هذا مجاز و استعارة و القول في التحقيق ما ذكرناه و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و كثير من البغداديين
قبله و جماعة من الشيعة و يخالف فيه آخرون منهم و من البصريين و المجبرة كافة
120-  القول في الشهادة
و أقول إن الشهادة منزلة يستحقها من صبر على نصرة دين الله تعالى صبرا قاده إلى سفك دمه و خروج نفسه دون الوهن منه في
طاعته تعالى و هي التي يكون صاحبها يوم القيامة من شهداء الله و أمنائه و ممن ارتفع قدره عند الله و عظم محله حتى صار صديقا
عند الله مقبول القول لاحقا بشهادته الحجج من شهداء الله حاضرا مقام الشاهدين على أممهم من أنبياء الله ص قال الله عز و جل وَ
لِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ و قال أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فالرغبة
إلى الله تعالى في الشهادة إنما هي رغبة إليه في التوفيق للصبر المؤدي إلى ما ذكرناه و
أوائل المقالات ص : 115
ليست رغبة في فعل الكافرين من القتل بالمؤمنين لأن ذلك فسق و ضلال و الله تعالى يجل عن ترغيب عباده في أفعال الكافرين من
القتل و أعمال الظالمين. و إنما يطلق لفظ الرغبة في الشهادة على المتعارف من إطلاق لفظ الرغبة في الثواب و هو فعل الله تعالى
فيمن وجب له بأعماله الصالحات و قد يرغب أيضا الإنسان إلى الله تعالى في التوفيق لفعل بعض مقدوراته فتعلق الرغبة بذكر نفس
فعله دون التوفيق كما يقول الحاج اللهم ارزقني العود إلى بيتك الحرام و العود فعله و إنما يسأل التوفيق لذلك و المعونة عليه و
يقول اللهم ارزقني الجهاد و ارزقني صوم شهر رمضان و إنما مراده من ذلك المعونة على الجهاد و الصيام و هذا مذهب أهل العدل
كافة و إنما خالف فيه أهل القدر و الإجبار
121-  القول في النصر و الخذلان
و أقول إن النصر من الله تعالى يكون على ضربين أحدهما إقامة الحجة و إيضاح البرهان على قول المحق فذلك أوكد الألطاف في
الدعاء إلى اتباع المحق و هو النصر الحقيقي قال الله تعالى إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ
أوائل المقالات ص : 116
الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ و قال جل اسمه كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ فالغلبة هاهنا بالحجة خاصة و ما يكون
من الانتصار في العاقبة لوجود كثير من رسله قد قهرهم الظالمون و سفك دماءهم المبطلون و الضرب الثاني تثبيت نفوس المؤمنين
في الحروب و عند لقاء الخصوم و إنزال السكينة عليهم و توهين أمر أعدائهم و إلقاء الرعب في قلوبهم و إلزام الخوف و الجزع
أنفسهم و منه الإمداد بالملائكة و غيرهم من الناصرين بما يبعثهم إليه من ألطافه و أسباب توفيقاته على ما اقتضته العقول و دل عليه
الكتاب المسطور. و الخذلان أيضا على ضربين كل واحد منهما نقيض ضده من النصر و على خلافه في الحكمة و هذا مذهب أهل العدل
كافة من الشيعة و المعتزلة و المرجئة و الخوارج و الزيدية و المجبرة بأجمعهم على خلافه لأنهم يزعمون أن النصر هو قوة
المنصور و الخذلان هو استطاعة العاصي المخذول و إن كان لهم بعد ذلك فيها تفصيل
122-  القول في الطبع و الختم
و أقول إن الطبع من الله تعالى على القلوب و الختم بمعنى واحد و هو الشهادة عليها بأنها لا تعي الذكر مختارة و لا تعتمد على
الهدى مؤثرة لذلك غير مضطرة و ذلك معروف في اللسان أ لا ترى إلى قولهم ختمت على فلان
أوائل المقالات ص : 117
بأنه لا يفلح يريدون بذلك قطعت بذلك شهادة عليه و أخبرت به عنه و أن الطبع على الشيء إنما هو علامة للطابع عليه و إذا كانت
الشهادة من الله تعالى على شيء علامة لعباده جاز أن يسمى طبعا و ختما و هذا مستمر على أصول أهل العدل و مذاهب المجبرة
بخلافه
123-  القول في الولاية و العداوة
و أقول إن ولاية العبد لله بخلاف ولاية الله سبحانه له و عداوته له بخلاف عداوته إياه فأما ولاية العبد لله عز و جل فهي الانطواء
على طاعته و الاعتقاد بوجوب شكره و ترك معصيته و ذلك عندي لا يصح إلا بعد المعرفة به و أما ولاية الله تعالى لعبده فهو إيجابه
لثوابه و رضاه لفعله و أما عداوة العبد لله سبحانه فهي كفره به و جحده لنعمه و إحسانه و ارتكاب معاصيه على العباد لأمره و
الاستخفاف لنهيه و ليس يكون منه شيء من ذلك إلا مع الجهل به و أما عداوة الله تعالى للعبد فهي إيجاب دوام العقاب له و إسقاط
استحقاق الثواب على شيء من أفعاله و الحكم بلعنته و البراءة منه و من أفعاله.
أوائل المقالات ص : 118
و أقول مع هذا إن الولاية من الله تعالى للمؤمن قد تكون في حال إيمانه و العداوة منه للكافر تكون أيضا في حال كفره و ضلاله و
هذا مذهب يستقيم على أصول أهل العدل و الإرجاء و قد ذهب إلى بعضه المعتزلة خاصة و للمجبرة في بعضه وفاق و مجموعة لمن
جمع بين القولين بالعدل و مذهب أصحاب الموافاة من الراجئة فأما القول بأن الله سبحانه قد يعادي من تصح موالاته له من بعد و لا
يوالي من يصح أن يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة
124-  القول في التقية
و أقول إن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس و قد تجوز في حال دون حال للخوف على المال و لضروب من الاستصلاح و
أقول إنها قد تجب أحيانا و تكون فرضا و تجوز أحيانا من غير وجوب و تكون في وقت أفضل من تركها و يكون تركها أفضل و إن كان
فاعلها معذورا و معفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها. فصل و أقول إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة و ربما وجبت فيها
لضرب من اللطف و الاستصلاح و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين و لا فيما يعلم أو يغلب أنه استفساد في الدين و هذا مذهب
يخرج عن أصول
أوائل المقالات ص : 119
أهل العدل و أهل الإمامة خاصة دون المعتزلة و الزيدية و الخوارج و العامة المتسمية بأصحاب الحديث
125-  القول في الاسم و المسمى
و أقول إن الاسم غير المسمى كما تقدم من القول في الصفة و أنها في الحقيقة غير الموصوف و هذا مذهب يشترك فيه الشيعة و
المعتزلة جميعا و يخالفهم في معناه العامة و المجبرة من أهل التشبيه
126-  القول في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
و أقول إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لا علم لديه إلا
بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبة الظن بذلك فأما بسط اليد فيه فهو متعلق بالسلطان و إيجابه على من يندبه له و إذنه فيه
و لن يجوز تغيير هذا الشرط المذكور و هذا مذهب متفرع على القول بالعدل و الإمامة دون ما عداهما
127-  القول فيمن قضى فرضا بمال حرام هل يسقط بذلك عنه أم لا
و أقول إن فرائض الله تعالى غير مجزية لمن ارتكب نهيه في حدودها لأنها إنما تكون مؤداة بامتثال أمره فيها على الوجه الذي
يستحق الثواب
أوائل المقالات ص : 120
عليها فإذا خالف المكلف فيها الحد و تعدى الرسم و أوقع الفعل على الوجه الذي نهي عنه كان عاصيا آثما و للعقاب و اللوم مستحقا
و محال أن يكون فرائض الله سبحانه معاصي له و القرب إليه خلافا عليه و ما يستحق به الثواب هو الذي يجب به العقاب. فثبت أن
فرائض الله جل اسمه لا تؤدى إلا بالطاعات في حدودها و ترك الخلاف عليه في شروطها فأما ما كان مفعولا على وجه الطاعة سليما في
شروطه و حدوده و أركانه من خلاف الله تعالى فإنه يكون مجزيا و إن تعلق بالوجود بأفعال قبيحة لا تؤثر فيما ذكرناه من الحدود
للفرض و الأركان و هذا أصل يتميز بمعرفته ما يجزي من الأعمال مما لا يجزي منها من المشتبهات و هو مذهب جمهور الإمامية و كثير
من المعتزلة و جماعة من أصحاب الحديث
128-  القول في معاونة الظالمين و الأعمال من قبلهم و المتابعة لهم و الاكتساب منهم و الانتفاع بأموالهم
و أقول إن معاونة الظالمين على الحق و تناول الواجب لهم جائز و من أحوال واجب و أما معونتهم على الظلم و العدوان فمحظور لا
يجوز مع الاختيار. و أما التصرف معهم في الأعمال فإنه لا يجوز إلا لمن أذن له إمام الزمان و على ما يشترطه عليه في الفعال و ذلك
خاص لأهل الإمامة دون من سواهم لأسباب يطول بشرحها الكتاب و أما المتابعة لهم فلا بأس بها فيما لا يكون ظاهره تضرر أهل
الإيمان و استعماله على الأغلب في العصيان و أما الاكتساب
أوائل المقالات ص : 121
منهم فجائز على ما وصفناه و الانتفاع بأموالهم و إن كانت مشوبة حلال لمن سميناه من المؤمنين خاصة دون من عداهم من سائر
الأنام فأما ما في أيديهم من أموال أهل المعرفة على الخصوص إذا كانت معينة محصورة فإنه لا يحل لأحد تناول شيء منها على
الاختيار فإن اضطر إلى ذلك كما يضطر إلى الميتة و الدم جاز تناوله لإزالة الاضطرار دون الاستكثار منه على ما بيناه و هذا مذهب
مختص بأهل الإمامة خاصة و لست أعرف لهم فيه موافقا لأهل الخلاف
129-  القول في الإجماع
و أقول إن إجماع الأمة حجة لتضمنه قول الحجة و كذلك إجماع الشيعة حجة لمثل ذلك دون الإجماع و الأصل في هذا الباب ثبوت
الحق من جهته بقول الإمام القائم مقام النبي ص فلو قال وحده قولا لم يوافقه عليه أحد من الأنام لكان كافيا في الحجة و البرهان و
إنما جعلنا الإجماع حجة به و ذكرناه لاستحالة حصوله إلا و هو فيه إذ هو أعظم الأمة قدرا و هو المقدم على سائرها في الخيرات و
محاسن الأقوال و الأعمال و هذا مذهب أهل الإمامة خاصة و يخالفهم فيه المعتزلة و المرجئة و الخوارج و أصحاب الحديث من
القدرية و أهل الإجبار
أوائل المقالات ص : 122
130-  القول في أخبار الآحاد
و أقول إنه لا يجب العلم و لا العمل بشيء من أخبار الآحاد و لا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلا أن يقترن به ما يدل
على صدق راويه على البيان و هذا مذهب جمهور الشيعة و كثير من المعتزلة و المحكمة و طائفة من المرجئة و هو خلاف لما عليه
متفقهة العامة و أصحاب الرأي
131-  القول في الحكاية و المحكي
و أقول إن حكاية القرآن قد يطلق عليها اسم القرآن و إن كانت في المعنى غير المحكي على البيان و كذلك حكاية كل كلام يسمى به
على الإطلاق فيقال لمن حكى شعر النابغة فلان أنشد شعر النابغة و سمعنا من فلان شعر زهير كما يقال لمن امتثل أمر رسول الله ص
في الدين و عمل به فلان يدين بدين رسول الله ص فيطلقون هذا القول إطلاقا من دون تقييد و إن كان المعنى فيه مثل ما ذكرناه من
الحكاية على التحقيق و هذا مذهب جمهور المعتزلة و يخالف فيه أهل القدر من المجبرة
132-  القول في ناسخ القرآن و منسوخه
و أقول إن في القرآن ناسخا و منسوخا كما أن فيه محكما و متشابها بحسب ما علمه الله من مصالح العباد قال الله عز اسمه ما نَنْسَخْ
مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها و النسخ عندي في القرآن إنما هو نسخ متضمنة من الأحكام و ليس هو رفع أعيان المنزل
منه كما ذهب إليه كثير من
أوائل المقالات ص : 123
أهل الخلاف و من المنسوخ في القرآن قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ
إِخْراج و كانت العدة بالوفاة بحكم هذه الآية حولا ثم نسخها قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً و استقر هذا الحكم باستقرار شريعة الإسلام و كان الحكم الأول منسوخا و الآية به ثابتة غير منسوخة و هي
قائمة في التلاوة كناسخها بلا اختلاف و هذا مذهب الشيعة و جماعة من أصحاب الحديث و أكثر المحكمة و الزيدية و يخالف فيه
المعتزلة و جماعة من المجبرة و يزعمون أن النسخ قد وقع في أعيان الآي كما وقع في الأحكام و قد خالف الجماعة شذاذ انتموا إلى
الاعتزال و أنكروا نسخ ما في القرآن على كل حال و حكي عن قوم منهم أنهم نفوا النسخ في شريعة الإسلام على العموم و أنكروا
أن يكون الله نسخ منها شيئا على جميع الوجوه و الأسباب
133-  القول في نسخ القرآن بالسنة
و أقول إن القرآن ينسخ بعضه بعضا و لا ينسخ شيئا منه السنة بل تنسخ السنة به كما تنسخ السنة بمثلها من السنة قال الله عز و
جل ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلِها و ليس يصح أن يماثل كتاب الله تعالى غيره و لا يكون في كلام أحد من
خلقه خير منه و لا معنى لقول أهل الخلاف
أوائل المقالات ص : 124
نَأْتِ بِخَيْر مِنْها في المصلحة لأن الشيء لا يكون خيرا من صاحبه بكونه أصلح منه لغيره و لا يطلق ذلك في الشرع و لا تحقيق اللغة
و لو كان ذلك كذلك لكان العقاب خيرا من الثواب و إبليس خيرا من الملائكة و الأنبياء و هذا فاسد محال. و القول بأن السنة لا
تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة و جماعة من المتفقهة و أصحاب الحديث و يخالفه كثير من المتفقهة و المتكلمين
134-  القول في خلق الجنة و النار
و أقول إن الجنة و النار في هذا الوقت مخلوقتان و بذلك جاءت الأخبار و عليه إجماع أهل الشرع و الآثار و قد خالف في هذا القول
المعتزلة و الخوارج و طائفة من الزيدية فزعم أكثر من سميناه أن ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب و وقفوا في
الوارد به من الآثار و قال من بقي منهم بإحالة خلقهما. و اختلفوا في الاعتلال فقال أبو هاشم بن الجبائي إن ذلك محال لأنه لا بد من
فناء العالم قبل نشره و فناء بعض الأجسام فناء لسائرها و قد انعقد الإجماع على أن الله تعالى لا يفني الجنة و النار و قال الآخرون
و هم المتقدمون لأبي هاشم خلقهما في هذا الوقت عبث لا معنى له و الله تعالى لا يعبث في فعله و لا يقع منه الفساد
أوائل المقالات ص : 125
135-  القول في كلام الجوارح و نطقها و شهادتها
و أقول إن ما تضمنه القرآن من ذكر ذلك إنما هو على الاستعارة دون الحقيقة كما قال الله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ
فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و لم يكن منهما نطق على التحقيق و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و
جماعة من أهل العدل و يخالف فيه كثير من المعتزلة و سائر المشبهة و المجبرة
136-  القول في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه
و أقول إن هذا جور لا يجوز في عدل الله تعالى و حكمته و إنما الخبر فيه أن النبي ص مر بيهودي قد مات و أهله يبكون عليه فقال
إنهم يبكون عليه و إنه ليعذب و لم يقل إنه معذب من أجل بكائهم عليه و هذا مذهب أهل العدل كافة و يخالف فيه أهل القدر و
الإجبار
137-  القول في كلام عيسى ع في المهد
و أقول إن كلام عيسى ع كان على كمال عقل و ثبوت تكليف و بعد أداء واجب كان منه و نبوة حصلت له و ظاهر الذكر دليل على ذلك
في قوله تعالى قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا و هذا مذهب أهل الإمامة بأسرها و جماعة من أهل الشيعة غيرها و قد
ذهب إليه نفر من المعتزلة و كثير من أصحاب الحديث و خالف فيه الخوارج و بعض الزيدية و فرق من المعتزلة
أوائل المقالات ص : 126
138-  القول في كلام المجنون و الطفل و هل يكون فيه كذب أو صدق أم لا
و أقول إنه قد يكون ذلك فيما يتخصص في اللفظ باسم معين إذ هو معنى مخصوص كقول القائل رب العالمين واحد و خالق الخلق
بأسرهم اثنان أو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صادق أو موسى بن عمران المبعوث على بني إسرائيل كاذب و ما أشبه ذلك فأما
المبهم من الأخبار في الألفاظ و المعاني فإنه لا يحكم عليه بالصدق و الكذب حتى يعلم القصد من قائله و النية فيه و هذا مذهب
جماعة من أهل العدل منهم أبو القاسم البلخي و يذهب إليه قوم من الشيعة العدلية و طائفة من المرجئة و قد خالف فيه بعض
المعتزلة و جماعة من الخوارج و أصحاب الحديث
139-  القول في ماهية الكلام
و أقول إن الكلام هو تقطيع الأصوات و نظامها على وجه يفيد المعاني المعقولات و الأصوات عندي ضرب من الأعراض و ليس يصح
على الكلام البقاء من حيث يستحيل ذلك على الأعراض كلها و لأنه لو بقي الكلام لم يكن ما تقدم من حروف الكلمة أولى بالتأخر و لا
المتأخر أولى بالتقدم و كان ذلك يؤدي إلى إفساد الكلام و ارتفاع التفاهم به على كل حال و هذا مذهب جماعة من المعتزلة و خالف
فيه بعضهم و سائر المشبهة
أوائل المقالات ص : 127
140-  القول في التوبة من المتولد قبل وجوده أو بعده
و أقول إنه لا يصلح التوبة من شيء من الأفعال قبل وجودها سواء كانت مباشرة أو متولدة و إن من فعل سببا أوجب به مسببا ثم ندم
على فعل السبب قبل وجود المسبب فقد سقط عنه عقابه و عقاب المسبب و إن لم يكن نادما في الحقيقة على المسبب ليس لأنه مصر
عليه أو متهاون به لكن لأنه لا يصح له الندم مما لم يخرج إلى الوجود و التوبة مما لم يفعله بعد غير أنه متى خرج إلى الوجود و لم
يمنعه مانع من ذلك فإن التوبة منه واجبة إذا كان فاعله متمكنا و هذا مذهب جمهور أصحاب التولد و قد خالفهم فيه نفر من أهله و
زعموا أن التوبة من السبب توبة من المسبب و قال بعضهم إنه بفعله السبب يكون كالفاعل للمسبب و لذلك يجب عليه التوبة منه و
القولان جميعا باطلان لأن التوبة من الشيء لا يكون توبة من غيره و قد ثبت أن السبب غير المسبب و لأن السبب قد يوجد و لا
يخرج المسبب إلى الوجود بمانع يمنعه
141-  القول في الزيادات في اللطيف القول في الأجسام هل تدرك ذواتها أو أعراضها أو هما معا
و أقول إن الإدراك واقع بذوات الأجسام و أعيان الألوان و الأكوان و
أوائل المقالات ص : 128
ذلك لما يحصل للنفس من العلم بوجود الذاهب في الجهات حسا و ليس يصح على الأعراض الذهاب في الجهات كما أنه قد يدرك
الشيء على ما وصفناه فقد يدرك فيه ما يقبض البصر و يبسطه و يدرك ما يكون في مكانه و يخرج به عنه و لا فرق بين من زعم أن
الإدراك إنما هو للألوان و الأكوان دون الجواهر و الأجسام و بين من قلب القضية و زعم أن الإدراك إنما هو للأجسام دون ذلك بل
قول هذا الفريق أقرب لأن كثيرا من العقلاء قد شكوا في وجود الأعراض و لم يشك أحد منهم في وجود الأجسام و إن ادعى بعضهم
أنها مؤلفة من أعراض و هذا مذهب جمهور أهل النظر و قد خالف فيه فريق منهم
142-  القول في الأجسام هل يصح أن يتحرك جميعها بحركة بعضها
و أقول إنه لا يصح ذلك كما لا يصح أن يسود جميعها بسواد بعضها و لا يبيض و لا يجتمع و لا يتفرق و لأن المتحرك هو ما قطع
المكانين و محال أن يكون اللابث قاطعا و هذا مذهب جماعة كثيرة من أهل النظر و قد خالف فيه كثير أيضا منهم و هو مذهب أبي
القاسم البلخي و غيره من المتقدمين
أوائل المقالات ص : 129
143-  القول في الثقيل هل يصح وقوفه في الهواء الرقيق بغير علاقة و لا عماد
و أقول إن ذلك محال لا يصح و لا يثبت و القول به مؤد إلى اجتماع المضادات و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة من المعتزلة
و أكثر الأوائل و خالفهم فيه البصريون من المعتزلة و قد حكي أنه لم يخالف فيه أحد من المعتزلة إلا الجبائي و ابنه و أتباعهما
144-  القول في الجزء الواحد هل يصح أن توجد فيه حركتان في وقت واحد
و أقول إن ذلك محال لا يصح من قبل أن وجود الحركة الواحدة يوجب خروج الجسم من مكانه إلى ما يليه فلو وجدت فيه الحركتان
لم يخل القول في ذلك من أحد وجهين إما أن يقطع بهما مكانين في حالة واحدة و ذلك محال أو أن يقطع بإحداهما و لا يكون
للأخرى تأثير و ذلك أيضا فاسد محال و لا معنى لقول من قال إن تأثيرها سرعة قطعه للمكان لأن السرعة إنما تكون في توالي قطع
الأماكن دون القطع الواحد للمكان الواحد و هذا مذهب أبي القاسم و جماعة كثيرة من أهل النظر و قد خالف فيه فريق من المعتزلة و
جماعة من أصحاب الجهالات
أوائل المقالات ص : 130
145-  القول في الجسم هل يصح أن يتحرك بغير دافع
و أقول إنه لو صح ذلك بأن توجد فيه الحركة اختراعا كما يزعم المخالف لصح وقوف جبل أبي قبيس في الهواء بأن يخترع فيه
السكون من غير دعامة و لا علاقة و لو صح ذلك لصح أن يعتمد الحجر الصلب الثقيل على الزجاج الرقيق و هما بحالهما فلا ينكسر
الزجاج و تخلل النار أجزاء القطن و هما على حالهما فلا تحرقه و هذا كله تجاهل يؤدي إلى كل محال فاسد و إلى هذا القول كان
يذهب أبو القاسم و جماعة الأوائل و كثير من المعتزلة و إنما خالف فيه أبو علي الجبائي و أبو هاشم ابنه و من تبعهما
146-  القول في الحركات هل يكون بعضها أخف من بعض
و أقول إن ذلك محال لما قدمت من القول في استحالة وجود الحركتين في جزء واحد في حال واحد و إنما يصح القول في المتحرك
بأنه أخف من متحرك غيره و أسرع و لا يستحيل ذلك في الأجسام و هذا أيضا مذهب أبي القاسم و أكثر أهل النظر و قد خالف فيه
فريق من الدهرية و غيرهم
أوائل المقالات ص : 131
147-  القول في ترك الإنسان ما لم يخطر بباله
و أقول إن ذلك جائز كجواز إقدامه على ما لا يخطر بباله و لو كان لا يصح ترك شيء إلا بعد خطوره بالبال ما جاز فعله إلا بعد ذلك و
ليس للفعل تعلق بالعلم و لا بخطور البال من حيث كان فعلا و هذا مذهب جمهور أهل العدل و قد خالف فيه فريق منهم و جماعة أهل
الجبر
148-  القول في ترك الكون في المكان العاشر و الإنسان في المكان الأول
و أقول إن ذلك محال باستحالة كونه في العاشر و هو في الأول و لو صح أن يترك في الوقت ما لا يصح فعله فيه لصح أن يقدر في
الوقت على ما لا يصح قدرته على ضده فيه و هذا باطل بإجماع أهل العدل و ليس بين جمهور من سميناه خلاف فيما ذكرناه و إن خالف
فيه شذاذ منهم على ما وصفناه
149-  القول في العلم و الألم هل يصح حلولهما في الأموات أم لا
و أقول إن ذلك مستحيل غير جائز و العلم باستحالته يقرب من بداية العقول و لو جاز وجود ميت عالم آلم لجاز وجوده قادرا ملتذا
مختارا و لو
أوائل المقالات ص : 132
صح ذلك لم يوجد فرق بين الحي و الميت و لما استحال وجود متحرك ساكن و أبيض أسود و حي ميت و هذا كله محال ظاهر الفساد و
على هذا المذهب إجماع أهل النظر على اختلاف مذاهبهم و قد شذ عن القول به شاذون نسبوا بشذوذهم عنه إلى السفسطة و
التجاهل
150-  القول في العلم بالألوان هل يصح خلقه في قلب الأعمى أم لا
و أقول إن ذلك محال لا يصح كما يستحيل خلو العاقل من العلم بالجسم و هو موجود قد اتصل به شعاع بصره من غير مانع بينهما و
كما أنه لا يصح وجود العلم بالمستنبطات في قلب من لا يمكنه الاستنباط لعدم الدلائل و فقدها كذلك يستحيل وجود العلم بالألوان
لمن قد فقد ما يتوسط بين العاقل و بين معرفة الألوان من الحواس و هذا مذهب أبي القاسم و كثير من أهل التوحيد و قد خالفهم فيه
جماعة من المعتزلة و سائر أهل التشبيه
151-  القول فيمن نظر وراء العالم أو مد يده
و أقول إنه لا يصح خروج يد و لا غيرها وراء العالم إذ كان الخارج لا يكون خارجا إلا بحركة و المتحرك لا يصح تحركه إلا في مكان
و ليس وراء العالم
أوائل المقالات ص : 133
شيء موجود فيكون مكانا أو غير مكان و إذا لم تصح حركة شيء إلى خارج العالم لم يصح رؤية ما وراء العالم لأن الرؤية لا تقع إلا
على شيء موجود تصح رؤيته باتصال الشعاع به أو محله و ليس وراء العالم شيء موجود و لا معلوم فضلا عن موجود و هذا مذهب أبي
القاسم و سائر أهل النظر في أحد القسمين و هو الرؤية و مذهبه مذهب أكثر أهل التوحيد في الحركة و يخالفهم فيه نفر يسير
152-  القول في إبليس أ هو من الجن أم من الملائكة
و أقول إن إبليس من الجن خاصة و إنه ليس من الملائكة و لا كان منها قال الله تعالى إِلّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ و
جاءت الأخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد ع بذلك و هو مذهب الإمامية كلها و كثير من المعتزلة و أصحاب الحديث. تم كتاب
أوائل المقالات و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين
أوائل المقالات ص : 134
هذه الزيادة كان خرجها و سأل الشيخ المفيد أبا عبد الله محمد بن النعمان تغمده الله برحمته السيد الشريف الرضي ذو الحسبين
أبو الحسن محمد بن الشريف الأجل الطاهر الأوحد أبي أحمد الموسوي قدس الله روحه ليضاف إلى أوائل المقالات بسم الله
الرحمن الرحيم
153-  القول في العصمة ما هي
أقول إن العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنه امتنع به عن الوقوع فيما يكره و ليس هو جنسا من أجناس
الفعل و منه قولهم اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به و منه سميت العصم و هي وعول الجبال لامتناعها بها. و العصمة من الله تعالى
هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا
أوائل المقالات ص : 135
أتى بالطاعة و ذلك مثل إعطائنا رجلا غريقا حبلا ليتشبث به فيسلم فهو إذا أمسكه و اعتصم به سمي ذلك الشيء عصمة له لما تشبث
و سلم به من الغرق و لو لم يعتصم به لم يسم عصمة و كذلك سبيل اللطف إن الإنسان إذا أطاع سمي توفيقا و عصمة و إن لم يطع
لم يسم توفيقا و لا عصمة و قد بين الله ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً و حبل الله هو دينه أ لا ترى
أنهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه فصار تمسكهم بأمره اعتصاما و صار لطف الله لهم في الطاعة عصمة فجميع
المؤمنين من الملائكة و النبيين و الأئمة معصومون لأنهم متمسكون بطاعة الله تعالى. و هذه جملة من القول في العصمة ما أظن
أحدا يخالف في حقيقتها و إنما الخلاف في حكمها و كيف تجب و على أي وجه تقع و قد مضى ذكر ذلك في باب عصمة الأنبياء و عصمة
نبينا عليه و عليهم الصلاة و السلام و هي في صدر الكتاب و هذا الباب ينبغي أن يضاف إلى الكلام في الجليل إن شاء الله تعالى
154-  القول في أن النبي ص بعد أن خصه الله بنبوته كان كاملا يحسن الكتابة
إن الله تعالى لما جعل نبيه ص جامعا لخصال الكمال كلها و خلال المناقب بأسرها لم تنقصه منزلة بتمامها يصح له الكمال و يجتمع
فيه الفضل و الكتابة فضيلة من منحها فضل و من حرمها نقص و من الدليل على ذلك أن الله تعالى جعل النبي ص حاكما بين الخلق في
جميع ما اختلفوا فيه فلا بد أن
أوائل المقالات ص : 136
يعلمه الحكم في ذلك و قد ثبت أن أمور الخلق قد يتعلق أكثرها بالكتابة فتثبت بها الحقوق و تبرأ بها الذمم و تقوم بها البينات و
تحفظ بها الديون و تحاط به الأنساب و أنها فضل تشرف المتحلي به على العاطل منه و إذا صح أن الله جل اسمه قد جعل نبيه
بحيث وصفناه من الحكم و الفضل ثبت أنه كان عالما بالكتابة محسنا لها. و شيء آخر و هو أن النبي لو كان لا يحسن الكتابة و لا
يعرفها لكان محتاجا في فهم ما تضمنته الكتب من العقود و غير ذلك إلى بعض رعيته و لو جاز أن يحوجه الله في بعض ما كلفه الحكم
فيه إلى بعض رعيته لجاز أن يحوجه في جميع ما كلفه الحكم فيه إلى سواه و ذلك مناف لصفاته و مضاد لحكمة باعثه فثبت أنه ص كان
يحسن الكتابة. و شيء آخر و هو قول الله سبحانه هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ
يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين و محال أن يعلمهم الكتاب و هو لا يحسنه كما يستحيل أن
يعلمهم الحكمة و هو لا يعرفها و لا معنى لقول من قال إن الكتاب هو القرآن خاصة إذ اللفظ عام و العموم لا ينصرف عنه إلا بدليل لا
سيما على قول المعتزلة و أكثر أصحاب الحديث. و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَ
أوائل المقالات ص : 137
لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ فنفى عنه إحسان الكتابة و خطه قبل النبوة خاصة فأوجب بذلك إحسانه لها بعد النبوة و لو
لا أن ذلك كذلك لما كان لتخصيصه النفي معنى يعقل و لو كان حاله ص في فقد العلم بالكتابة بعد النبوة كحاله قبلها لوجب إذا أراد
نفي ذلك عنه أن ينفيه بلفظ يفيده لا يتضمن خلافه فيقول له و ما كنت تتلوا من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك إذ ذاك و لا في الحال
أو يقول لست تحسن الكتابة و لا تأتي بها على كل حال كما أنه لما أعدمه قول الشعر و منعه منه نفاه عنه بلفظ يعم الأوقات فقال الله
وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ و إذا كان الأمر على ما بيناه ثبت أنه ص كان يحسن الكتابة بعد أن نبأه الله تعالى على ما وصفناه و
هذا مذهب جماعة من الإمامية و يخالف فيه باقيهم و سائر أهل المذاهب و الفرق يدفعونه و ينكرونه
155-  و مما يضاف إلى الكلام في اللطيف القول في إحساس الحواس
و أقول إن الحس كله بمماسة ما يحس به المحسوس و اتصاله به أو بما
أوائل المقالات ص : 138
يتصل به أو بما ينفصل عنه أو بما يتصل بما ينفصل عنه و ذلك كالبصر فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل عنه أو
بما يتصل بما ينفصل عنه و لو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر و الحاجز و لا ضرت الظلمة و لكان وجود ذلك و عدمه في
وقوع العلم سواء. فإن قال قائل أ فيتصل شعاع البصر بالمشتري و زحل على بعدهما. قيل له لا و لكنه يتصل بالشعاع المنفصل
منهما فيصير كالشيء الواحد لتجانسهما و تشاكلهما و أما الصوت فإنه إذا حدث في أوائل الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة و
كذا فيما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع. و مما يدل على ذلك أن القصار
يضرب بالثوب على الحجر فيرى مماسة الثوب الحجر و يصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في الهواء هواء
بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ و أما الرائحة فإنه تنفصل من جسم ذي الرائحة أجزاء لطاف و تتفرق في الهواء
فما صار منها في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه و أما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة
اللسان و اللهوات و لذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه شيء كاليواقيت و الزجاج و نحوها و الطعم و الرائحة لا خلاف في أنهما لا
يكونان إلا بمماسة و اللمس في الحقيقة هو الطلب
أوائل المقالات ص : 139
للشيء ليشعر به و يحس و حقيقته الشعر و هذه جملة على اعتقادها أبو القاسم البلخي و جمهور أهل العدل و أبو هاشم الجبائي
يخالف في مواضع منها
156-  القول في الاجتهاد و القياس
أقول إن الاجتهاد و القياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد و لا للقائس و إن كل حادثة ترد فعليها نص من الصادقين ع يحكم به
فيها و لا يتعدى إلى غيرها بذلك جاءت الأخبار الصحيحة و الآثار الواضحة عنهم ص و هذا مذهب الإمامية خاصة و يخالف فيه جمهور
المتكلمين و فقهاء الأمصار و هذا آخر ما تكلم به السيد الشريف الرضي رضي الله عنه و أرضاه و صلى الله على محمد النبي الأمي و
على آله كثيرا طيبا