بعدی

 
أوائل المقالات ص : 33
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله على نعمته و أعتصم به من خلافه و معصيته و أعوذ به من سخطه و نقمته و صلى الله على صفوته
من بريته محمد نبيه و الأصفياء البررة من عترته و سلم كثيرا. أما بعد أطال الله بقاء سيدنا الشريف النقيب في عز طاعته و أدام
تمكينه و علو كلمته فإني بتوفيق الله و مشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة و المعتزلة و فصل ما بين
العدلية من الشيعة و من ذهب إلى العدل من المعتزلة و الفرق ما بينهم من بعد و بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من
الأصول و ذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أصول التوحيد و العدل و القول في اللطيف من الكلام و ما كان
وفاقا منه لبني نوبخت رحمهم الله و ما هو خلاف لآرائهم في المقال و ما
أوائل المقالات ص : 34
يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال و غيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد و بالله أستعين على تيسير
ذلك و هو بلطفه الموفق للصواب
1-  باب القول في الفرق بين الشيعة فيما نسبت به إلى التشيع و المعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال
التشيع في أصل اللغة هو الاتباع على وجه التدين و الولاء للمتبوع على الإخلاص قال الله عز و جل فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ
عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية و العداوة و جعل موجب التشيع لأحدهما هو
الولاء بصريح الذكر له في الكلام و قال الله تعالى وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ فقضى له بالسمة للاتباع منه لنوح ع على سبيل الولاء
و منه قولهم فلان تكلم في كذا و كذا فشيع فلان كلامه إذا صدقه فيه و اتبعه في معانيه و من هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر
لوداعه هو مشيع له غير أنه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة بالتشيع و لا يقع عليه إطلاق
اللفظ بأنه
أوائل المقالات ص : 35
من الشيعة و إن كان متبوعة محقا أو كان مبطلا إلا أن يسقط منه علامة التعريف التي هي الألف و اللام و يضاف بلفظ من التبعيض
فيقال هؤلاء من شيعة بني أمية أو من شيعة بني العباس أو من شيعة فلان أو فلان فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف فهو على
التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين ص على سبيل الولاء و الاعتقاد لإمامته بعد الرسول ص بلا فصل و نفي الإمامة عمن تقدمه
في مقام الخلافة و جعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء. و الذي يدل على صحة ذلك عرف الكافة و
معهودهم منه في الإطلاق و معرفة كل مخاطب منه مراد المخاطب في تعيين هذه الفرقة دون من سواها ممن يدعى استحقاقه من
مخالفيها بما شرحناه و كما يفهم العرف مراد المخاطب بذكر الإسلام على الإطلاق و ذكر الحنيفية و الإيمان و الصلاة و الزكاة و الحج
و الصيام و إن كانت هذه الأسماء في أصل اللسان غير مفيدة لما قررته الشريعة و قضى به العرف فيها على البيان و يزيد ذلك وضوحا
ما حصل عليه الاتفاق من تعري الخوارج عن هذه
أوائل المقالات ص : 36
السمة و خروجهم عن استحقاقها و جهل من أطلقها عليهم بذكر الألف و اللام و إن كانوا أتباعا لأبي بكر و عمر على سبيل الولاء كما
خرج عن استحقاقها أيضا أهل البصرة و أتباع معاوية و من قعد عن نصرة أمير المؤمنين ع و إن كانوا أتباعا لأئمة هدى عند أهل
الخلاف و مظهرين لترك عداوته مع الخذلان فيعلم بهذا الاعتبار أن السمة بالتشيع علم على الفريق الذي ذكرناه و إن كان أصلها في
اللسان ما وصفناه من الاتباع كما أن الإسلام علم على أمة محمد ص خاصة و إن كان في أصل اللغة اسما تستحقه اليهود لاستسلامها
لموسى ع و تستحقه النصارى بمثل ذلك و تستحقه المجوس لانقيادها لزرادشت و كل مستسلم لغيره يستحقه على معنى اللغة لكنهم
خرجوا عن استحقاقه لما صار علما على أمة محمد ص و تخصصت به دون من سواها للعرف و الاستعمال و هذه الجملة كافية فيما
أثبتناه و إن كان شرحها يتسع و يتناصر فيه البينات لكنا عدلنا عنه لما نؤمه من الغرض فيما سواه و قد أفردنا رسالة لها استقصينا
فيها الكلام.
أوائل المقالات ص : 37
و إذا ثبت ما بيناه بالسمة بالتشيع كما وصفناه وجبت للإمامية و الزيدية الجارودية من بين سائر فرق الأمة لانتظامهم بمعناها و
حصولهم على موجبها و لم يخرجوا عنها و إن ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء من المعتقدات و خرجت المعتزلة و البكرية
و الخوارج و الحشوية عنها لتعريهم عن معناها الذي وصفناه و لم يدخلهم فيها وفاق لمن وجبت له فيما سواه كائنا ما كان. و أما
المعتزلة و ما وسمت به من اسم الاعتزال فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين و ما أحدثه واصل بن عطاء من المذهب
في ذلك و نصب من الاحتجاج له فتابعه عمرو بن عبيد و وافقه على التدين به من قال بها و اتبعهما عليه إلى اعتزال الحسن البصري و
أصحابه و التحيز عن مجلسه فسماهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفردهم بما ذهبوا إليه من هذه
المسألة من جميع الأمة و سائر
أوائل المقالات ص : 38
العلماء و لم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال و لا كان علما على فريق من الناس فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين
المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة و إن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء و غلب عليه اسم الاعتزال و لم يخرجه عنه
دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال. كما يستحق اسم التشيع و يغلب عليه من دان بإمامة أمير المؤمنين ع على حسب ما
قدمناه و إن ضم إلى ذلك من الاعتقاد ما ينكره كثير من الشيعة و يأباه و كذلك ضرار بن عمرو كان معتزليا و إن دان بالمخلوق و
الماهية على خلاف جمهور أهل الاعتزال و كان هشام بن الحكم شيعيا و إن خالف الشيعة كافة في أسماء الله تعالى و ما ذهب إليه في
معاني الصفات
2-  باب الفرق بين الإمامية و غيرهم من الشيعة و سائر أصحاب المقالات
فأما السمة للمذهب بالإمامة و وصف الفريق من الشيعة بالإمامية فهو علم على من دان بوجوب الإمامة و وجودها في كل زمان و أوجب
النص الجلي و العصمة و الكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي ع و ساقها إلى الرضا علي بن موسى ع لأنه و إن
كان في الأصل علما على من دان من الأصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الأعيان بما وصفناه فإنه قد انتقل عن أصله
لاستحقاق فرق من معتقديه
أوائل المقالات ص : 39
ألقابا بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها فغلبت عليهم في الاستعمال دون الوصف بالإمامية و صار هذا الاسم في عرف المتكلمين و غيرهم
من الفقهاء و العامة علما على من ذكرناه. و أما الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و
زيد بن علي ع و بإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة و من أهل العلم و الشجاعة و كانت بيعته على تجريد السيف
للجهاد
3-  باب ما اتفقت الإمامية فيه على خلاف المعتزلة فيما اجتمعوا عليه من القول بالإمامة
اتفق أهل الإمامة على أنه لا بد في كل زمان من إمام موجود يحتج الله عز و جل به على عباده المكلفين و يكون بوجوده تمام
المصلحة في الدين و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و جواز خلو الأزمان الكثيرة من إمام موجود و شاركهم في هذا الرأي و خالف
الإمامية فيه الخوارج و الزيدية و المرجئة و العامة المنتسبون إلى الحديث. و اتفقت الإمامية على أن إمام الدين لا يكون إلا
معصوما من الخلاف لله تعالى عالما بجميع علوم الدين كاملا في الفضل بائنا من الكل بالفضل
أوائل المقالات ص : 40
عليهم في الأعمال التي يستحق بها النعيم المقيم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق الخارجة عن سمة الإمامية على خلاف ذلك
و جوزوا أن يكون الأئمة عصاة في الباطن و ممن يقارف الآثام و لا يجوز الفضل و لا يكمل علوم الدين. و اتفقت الإمامية على أن
الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه و التوقيف و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و
المتسمون بأصحاب الحديث على خلاف ذلك و أجازوا الإمامة في من لا معجز له و لا نص عليه و لا توقيف. و اتفقت الإمامية على أن
الإمامة بعد النبي ص في بني هاشم خاصة ثم في علي و الحسن و الحسين و من بعد في ولد الحسين ع دون ولد الحسن ع إلى آخر
العالم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق على خلاف ذلك و أجاز سائرهم إلا الزيدية خاصة الإمامة في غير بني هاشم و أجازتها
الزيدية في غير ولد الحسين ع. و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص استخلف أمير المؤمنين ع في حياته و نص عليه بالإمامة بعد
وفاته و إن من دفع ذلك فقد دفع فرضا من الدين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و المرجئة و البترية و الحشوية المنتسبون إلى
الحديث على خلاف ذلك و أنكروا نص النبي ص على أمير المؤمنين ع و دفعوا أن يكون الإمام بعده بلا فصل على المسلمين. و اتفقت
الإمامية على أن النبي ص نص على إمامة الحسن و الحسين بعد أمير المؤمنين ع و أن أمير المؤمنين ع أيضا نص عليهما كما
أوائل المقالات ص : 41
نص الرسول ص و أجمعت المعتزلة و من عددناه من الفرق سوى الزيدية الجارودية على خلاف ذلك و أنكروا أن يكون للحسن و
الحسين ع إمامة بالنص و التوقيف. و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص نص على علي بن الحسين و أن أباه و جده نصا عليه كما
نص عليه الرسول ص و أنه كان بذلك إماما للمؤمنين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و المنتمون إلى أصحاب
الحديث على خلاف ذلك و أنكروا بأجمعهم أن يكون علي بن الحسين ع إماما للأمة بما توجب به الإمامة لأحد من أئمة المسلمين. و
اتفقت الإمامية على أن الأئمة بعد الرسول ص اثنا عشر إماما و خالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة و حججهم في ذلك على
خلاف الجمهور ظاهرة من جهة القياس العقلي و السمع المرضي و البرهان الجلي الذي يفضي التمسك به إلى اليقين
4-  القول في المتقدمين على أمير المؤمنين ع
و اتفقت الإمامية و كثير من الزيدية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين
أوائل المقالات ص : 42
ع ضلال فاسقون و أنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين ع عن مقام رسول الله ص عصاة ظالمون و في النار بظلمهم مخلدون و أجمعت
المعتزلة و الخوارج و جماعة من الزيدية و المرجئة و الحشوية على خلاف ذلك و دانوا بولاية القوم و زعموا أنهم لم يدفعوا حقا
لأمير المؤمنين ع و أنهم من أهل النعيم إلا الخوارج و الجميعة من الزيدية فإنهم تبرءوا من عثمان خاصة و زعموا أنه مخلد في
الجحيم بإحداثه في الدين لا بتقدمه على أمير المؤمنين ع
5-  القول في محاربي أمير المؤمنين ع
و اتفقت الإمامية و الزيدية و الخوارج على أن الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم
أمير المؤمنين ع و أنهم بذلك في النار مخلدون و أجمعت المعتزلة سوى الغزال منهم و ابن باب
أوائل المقالات ص : 43
و المرجئة و الحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك فزعمت المعتزلة كافة إلا من سميناه و جماعة من المرجئة و طائفة من
أصحاب الحديث أنهم فساق ليسوا بكفار و قطعت المعتزلة من بينهم على أنهم لفسقهم في النار مخلدون. و قال باقي المرجئة و
أصحاب الحديث إنهم لا يستحقون اسم الكفر و الفسوق و قال بعض هذين الفريقين أنهم كانوا مجتهدين في حربهم أمير المؤمنين
ع و لله بذلك مطيعين و عليه مأجورين و قال البعض الآخر بل كانوا لله تعالى عاصين إلا أنهم ليسوا بفاسقين و لا يقطع على أنهم
للعذاب مستحقون و زعم واصل الغزال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافة المعتزلة أن طلحة و الزبير و عائشة و من كان في حيزهم
من علي بن أبي طالب ع و الحسن و الحسين ع و محمد و من كان في حيزهم كعمار بن ياسر و غيره من المهاجرين و وجوه الأنصار و
بقايا أهل بيعة الرضوان كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين و أن إحدى الطائفتين فساق ضلال مستحقون للخلود في النار إلا أنه لم يقم
عليها دليل. و اتفقت الإمامية و الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث على أن الخوارج على أمير المؤمنين ع المارقين عن الدين كفار
بخروجهم عليه و أنهم في النار بذلك مخلدون. و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و منعوا من إكفارهم و اقتصروا في تسميتهم على
التفسيق و أوجبوا عليهم التخليد في الجحيم. و زعمت المرجئة و باقي أصحاب الحديث أنهم فساق يخاف عليهم
أوائل المقالات ص : 44
العذاب و يرجى لهم العفو و الثواب و دخول جنات النعيم
6-  القول في تسمية جاحدي الإمامة و منكري ما أوجب الله تعالى للأئمة من فرض الطاعة
و اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد الأئمة و جحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار
و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و أنكروا كفر من ذكرناه و حكموا لبعضهم بالفسق خاصة و لبعضهم بما دون الفسق من العصيان
7-  القول في أن العقل لا ينفك عن سمع و أن التكليف لا يصح إلا بالرسل ع
و اتفقت الإمامية على أن العقل محتاج في علمه و نتائجه إلى السمع و أنه غير منفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال و
أنه لا بد في أول التكليف و ابتدائه في العالم من رسول و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية
على خلاف ذلك و زعموا أن العقول تعمل بمجردها من السمع و التوقيف إلا أن البغداديين من المعتزلة خاصة يوجبون
أوائل المقالات ص : 45
الرسالة في أول التكليف و يخالفون الإمامية في علتهم لذلك و يثبتون عللا يصححها الإمامية و يضيفونها إلى علتهم فيما وصفناه
8-  القول في الفرق بين الرسل و الأنبياء ع
و اتفقت الإمامية على أن كل رسول فهو نبي و ليس كل نبي فهو رسول و قد كان من أنبياء الله عز و جل حفظة لشرائع الرسل و
خلفائهم في المقام و إنما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوة دون أن يكون العقل مانعا من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل
لمن ذكرناه من الأنبياء ع و اتفقوا على جواز بعثة رسول يجدد شريعة من تقدمه و إن لم يستأنف شرعا و يؤكد نبوة من سلف و إن لم
يفرض غير ذلك فرضا و أجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين و مع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة و كافة أصحاب
الحديث
9-  القول في آباء رسول الله ص و أمه و عمه أبي طالب رحمة الله تعالى عليهم
و اتفقت الإمامية على أن آباء رسول الله ص من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عز و جل موحدون له و احتجوا
في ذلك بالقرآن و الأخبار قال الله عز و جل الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ
أوائل المقالات ص : 46
و قال رسول الله ص لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا
و أجمعوا على أن عمه أبا طالب رحمه الله مات مؤمنا و أن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد و أنها تحشر في جملة المؤمنين و
خالفهم على هذا القول جميع الفرق ممن سميناه بدءا
10-  القول في الرجعة و البداء و تأليف القرآن
و اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة و إن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف و اتفقوا
على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى و أن ذلك من جهة السمع دون القياس و اتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من
تأليف القرآن و عدلوا فيه عن موجب التنزيل و سنة النبي ص و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و أصحاب الحديث
على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه
11-  القول في الوعيد
و اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى و الإقرار
بفرائضه من أهل الصلاة و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة و أجمعت المعتزلة
على خلاف ذلك و زعموا أن الوعيد
أوائل المقالات ص : 47
بالخلود في النار عام في الكفار و جميع فساق أهل الصلاة و اتفقت الإمامية على أن من عذب بذنبه من أهل الإقرار و المعرفة و الصلاة
لم يخلد في العذاب و أخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام و وافقهم على ذلك من عددناه و أجمعت المعتزلة على خلاف
ذلك و زعموا أنه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب
12-  القول في الشفاعة
و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته و أن أمير المؤمنين ع يشفع في
أصحاب الذنوب من شيعته و أن أئمة آل محمد ع يشفعون كذلك و ينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين و وافقهم على شفاعة
الرسول ص المرجئة سوى ابن شبيب و جماعة من أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعمت أن شفاعة رسول الله
ص للمطيعين دون العاصين و أنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين
13-  القول في الأسماء و الأحكام
و اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج
أوائل المقالات ص : 48
بذلك عن الإسلام و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما فعله من الكبائر و الآثام و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة و أصحاب الحديث
قاطبة و نفر من الزيدية و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه
فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم و إن ضم إلى فسقه كل ما عد تركه من الطاعات
14-  القول في الإسلام و الإيمان
و اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان و أن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا و أن الفرق بين هذين المعنيين في
الدين كما كان في اللسان و وافقهم على هذا القول المرجئة و أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية
على خلاف ذلك و زعموا أن كل مسلم مؤمن و أنه لا فرق بين الإسلام و الإيمان في الدين
15-  القول في التوبة و قبولها
و اتفقت الإمامية على أن قبول التوبة تفضل من الله عز و جل و ليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب و لو
لا أن السمع ورد
أوائل المقالات ص : 49
بإسقاطها لجاز في العقول فعله في التائبين على شرط الاستحقاق و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلافهم
و زعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب
16-  القول في أصحاب البدع و ما يستحقون عليه من الأسماء و الأحكام
و اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار و أن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم و إقامة البينات عليهم
فإن تابوا عن بدعهم و صاروا إلى الصواب و إلا قتلهم لردتهم عن الإيمان و أن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار و
أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن كثيرا من أهل البدع فساق و ليسوا بكفار و أن فيهم من لا يفسق ببدعته و لا يخرج بها
عن الإسلام كالمرجئة من أصحاب ابن شبيب و البترية من الزيدية الموافقة لهم في الأصول و إن خالفوهم في صفات الإمام
17-  القول في المفاضلة بين الأنبياء و الملائكة ع
و اتفقت الإمامية على أن أنبياء الله تعالى عز و جل و رسله من البشر
أوائل المقالات ص : 50
أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل
من الأنبياء و الرسل و قال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر و كان اختلافهم في هذا الباب على ما
وصفناه و إجماعهم على خلاف القطع بفضل الأنبياء على الملائكة حسب ما شرحناه
أوائل المقالات ص : 51
باب وصف ما اجتبيته أنا من الأصول نظرا و وفاقا لما جاءت به الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد ص و ذكر من وافق ذلك
مذهبه من أصحاب المقالات
18-  القول في التوحيد
أقول إن الله عز و جل واحد في الإلهية و الأزلية لا يشبهه شيء و لا يجوز أن يماثله شيء و إنه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على
الوجوه كلها و الأسباب و على هذا إجماع أهل التوحيد إلا من شذ من أهل التشبيه فإنهم أطلقوا ألفاظه و خالفوا في معناه. و أحدث
رجل من أهل البصرة يعرف بالأشعري قولا خالف فيه
أوائل المقالات ص : 52
ألفاظ جميع الموحدين و معانيهم فيما وصفناه و زعم أن لله عز و جل صفات قديمة و أنه لم يزل بمعان لا هي هو و لا غيره من أجلها
كان مستحقا للوصف بأنه عالم حي قادر سميع بصير متكلم مريد و زعم أن لله عز و جل وجها قديما و سمعا قديما و بصرا قديما و
يدين قديمتين و أن هذه كلها أزلية قدماء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من منتحلي التوحيد فضلا عن أهل الإسلام
19-  القول في الصفات
و أقول إن الله عز و جل اسمه حي لنفسه لا بحياة و إنه قادر لنفسه و عالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب
الصفات و لا الأحوال المختلفات كما أبدعه أبو هاشم الجبائي و فارق به سائر أهل التوحيد و ارتكب أشنع من مقال أهل الصفات و
هذا مذهب الإمامية كافة و المعتزلة إلا من سميناه و أكثر المرجئة و جمهور الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث و المحكمة. و أقول
إن كلام الله تعالى محدث و بذلك جاءت الآثار عن آل محمد ع و عليه إجماع الإمامية و المعتزلة بأسرها و المرجئة إلا من شذ عنها
أوائل المقالات ص : 53
و جماعة من أصحاب الحديث و أكثر الزيدية و الخوارج. و أقول إن القرآن كلام الله و وحيه و إنه محدث كما وصفه الله تعالى و
امنع من إطلاق القول عليه بأنه مخلوق و بهذا جاءت الآثار عن الصادقين ع و عليه كافة الإمامية إلا من شذ منهم و هو قول جمهور
البغداديين من المعتزلة و كثير من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث. و أقول إن الله تعالى مريد من جهة السمع و الاتباع و
التسليم على حسب ما جاء في القرآن و لا أوجب ذلك من جهة العقول. و أقول إن إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله و إرادته
لأفعال خلقه أمره بالأفعال و بهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد ع و هو مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منها عن قرب و فارق
ما كان عليه الأسلاف و إليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة و أبو القاسم البلخي خاصة و جماعة من المرجئة و يخالف فيه من
المعتزلة البصريون و يوافقهم على الخلاف فيه المشبهة و أصحاب الصفات. و أقول إنه لا يجوز تسمية الباري تعالى إلا بما سمى
به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه ص أو سماه به حججه من خلفاء نبيه و كذلك أقول في الصفات و بهذا تطابقت الأخبار عن آل
محمد ع و هو مذهب جماعة الإمامية و كثير من الزيدية و البغداديين من المعتزلة كافة و جمهور
أوائل المقالات ص : 54
المرجئة و أصحاب الحديث إلا أن هؤلاء الفرق يجعلون بدل الإمام الحجة في ذلك الإجماع
20-  القول في وصف الباري تعالى بأنه سميع بصير و راء و مدرك
و أقول إن استحقاق القديم سبحانه لهذه الصفات كلها من جهة السمع دون القياس و دلائل العقول و إن المعنى في جميعها العلم
خاصة دون ما زاد عليه في المعنى إذ ما زاد عليه في معقولنا و معنى لغتنا هو الحس و ذلك مما يستحيل على القديم و قد يقال في معنى
مدرك أيضا إذا وصف به الله تعالى إنه لا يفوته شيء و لا يهرب منه شيء و لا يجوز أن يراد به معنى إدراك الأبصار و غيرها من حواسنا
لأنه الحس في الحقيقة على ما بيناه و لست أعلم من متكلمي الإمامية في هذا الباب خلافا و هو مذهب البغداديين من المعتزلة و
جماعة من المرجئة و نفر من الزيدية و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من أصحاب الصفات و البصريون من أهل الاعتزال
21-  القول في علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها
و أقول إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه و إنه لا حادث إلا و قد
أوائل المقالات ص : 55
علمه قبل حدوثه و لا معلوم و ممكن أن يكون معلوما إلا و هو عالم بحقيقته و إنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في
السماء و بهذا قضت دلائل العقول و الكتاب المسطور و الأخبار المتواترة عن آل الرسول ص و هو مذهب جميع الإمامية و لسنا نعرف
ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه و عندنا أنه تخرص منهم عليه و غلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه و لم نجد
له كتابا مصنفا و لا مجلسا ثابتا و كلامه في أصول الإمامة و مسائل الامتحان يدل على ضد ما حكاه الخصوم عنه و معنا فيما ذهبنا إليه
في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجبرة و هشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة فإنهما كانا
يزعمان أن العلم لا يتعلق بالمعدوم و لا يقع إلا على موجود و أن الله تعالى لو علم الأشياء قبل كونها لما حسن منه الامتحان
22-  القول في الصفات
و أقول إن الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص الموصوف و ما شاركه فيه و لا يكون ذلك كذلك حتى يكون قولا أو
كتابة
أوائل المقالات ص : 56
يدل على ما يدل النطق عليه و ينوب منابه فيه و هذا مذهب أهل التوحيد و قد خالف فيه جماعة من أهل التشبيه
23-  القول فيما انفرد به أبو هاشم من الأحوال
أقول إن وصف الباري تعالى بأنه حي قادر عالم يفيد معاني معقولات ليست الذات و لا أشياء تقوم بها كما يذهب إليه جميع أصحاب
الصفات و لا أحوال مختلفات على الذات كما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي و قد خالف فيه جميع الموحدين و قولي في المعنى المراد
به المعقول في الخطاب دون الأعيان الموجودات و هذا مذهب جميع الموحدين و خالف فيه المشبهة و أبو هاشم كما ذكرناه
24-  القول في وصف الباري تعالى بالقدرة على العدل و خلافه و ما علم كونه و ما علم أنه لا يكون
و أقول إن الله جل جلاله قادر على خلاف العدل كما أنه قادر على العدل إلا أنه لا يفعل جورا و لا ظلما و لا قبيحا و على هذا جماعة
الإمامية و المعتزلة كافة سوى النظام و جماعة من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث و المحكمة و يخالفنا فيه المجبرة بأسرها و
النظام و من وافقهم في خلاف العدل و التوحيد.
أوائل المقالات ص : 57
و أقول إنه سبحانه قادر على ما علم أنه لا يكون مما لا يستحيل كاجتماع الأضداد و نحو ذلك من المحال و على هذا إجماع أهل
التوحيد إلا النظام و شذاذ من أصحاب المخلوق
25-  القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار
و أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار و بذلك شهد العقل و نطق القرآن و تواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد ص و
عليه جمهور أهل الإمامة و عامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار و المعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة
في ذلك و جمهور المرجئة و كثير من الخوارج و الزيدية و طوائف من أصحاب الحديث و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من
أصحاب الصفات
26-  القول في العدل و الخلق
أقول إن الله عز و جل عدل كريم خلق الخلق لعبادته و أمرهم بطاعته و نهاهم عن معصيته و عمهم بهدايته بدأهم بالنعم و تفضل
عليهم بالإحسان لم يكلف أحدا إلا دون الطاقة و لم يأمره إلا بما جعل له عليه
أوائل المقالات ص : 58
الاستطاعة لا عبث في صنعه و لا تفاوت في خلقه و لا قبيح في فعله جل عن مشاركة عباده في الأفعال و تعالى عن اضطرارهم إلى
الأعمال لا يعذب أحدا إلا على ذنب فعله و لا يلوم عبدا إلا على قبيح صنعه لا يظلم مثقال ذرة فإن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه
أجرا عظيما. و على هذا القول جمهور أهل الإمامية و به تواترت الآثار عن آل محمد ص و إليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضرارا منها و
أتباعه و هو قول كثير من المرجئة و جماعة من الزيدية و المحكمة و نفر من أصحاب الحديث و خالف فيه جمهور العامة و بقايا ممن
عددناه و زعموا أن الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته و خص بعض عباده بعبادته و لم يعمهم بنعمته و كلف أكثرهم ما لا يطيقون من
طاعته و خلق أفعال جميع بريته و عذب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته و أمر بما لم يرد و نهى عما أراد و قضى بظلم العباد و
أحب الفساد و كره من أكثر عباده الرشاد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
27-  القول في كراهة إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد
و أقول إن الخلق يفعلون و يحدثون و يخترعون و يصنعون و يكتسبون و لا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون و لا أقول إنهم
خالقون و لا أتعدي ذكر ذلك فيما ذكر الله تعالى و لا أتجاوز به مواضعه من القرآن و على هذا القول
أوائل المقالات ص : 59
إجماع الإمامية و الزيدية و البغداديين من المعتزلة و أكثر المرجئة و أصحاب الحديث و خالف فيه البصريون من المعتزلة و أطلقوا
على العباد أنهم خالقون فخرجوا بذلك من إجماع المسلمين
28-  القول في اللطف و الأصلح
و أقول إن الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم في دينهم و دنياهم و إنه لا يدخرهم صلاحا و لا نفعا و إن
من أغناه فقد فعل به الأصلح في التدبير و كذلك من أفقره و من أصحه و من أمرضه فالقول فيه كذلك. و أقول إن ما أوجبه أصحاب
اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود و الكرم لا من حيث ظنوا أن العدل أوجبه و أنه لو لم يفعله لكان ظالما. و أقول إن من
علم الله تعالى أنه إذا خلقه و كلفه لم يؤمن و لا آمن أحد من الخلق لخلقه أو بقائه أو تكليفه أو فعل من أفعاله و لا انتفع به في دينه
منتفع لم يجز أن يخلقه و من علم أنه إن أبقاه تاب من معصيته لم يجز أن يخترمه و أن عدل الله جل اسمه و جوده و كرمه يوجب ما
وصفت و يقضي به و لا يجوز منه خلافه لاستحالة تعلق وصف العبث به أو البخل و الحاجة و هذا مذهب جمهور الإمامية و البغداديين
كافة من المعتزلة و كثير
أوائل المقالات ص : 60
من المرجئة و الزيدية و البصريون من المعتزلة على خلافه و المجبرة توافقهم في الخلاف عليه
29-  القول في ابتداء الخلق في الجنة
و أقول إنه لم يكن جائزا ابتداء الخلق في الجنة على وجه التنعيم من غير تكليف لأنه لو كان يكون اقتطاعا لمن علم الله تعالى منه
أنه إن كلفه أطاع على النعيم المستحق على الأعمال الذي هو أعلى و أجل و أسنى من التفضل بالتنعيم و الله سبحانه أكرم من أن
يقطع أحدا عن نفع حسن أو يقتصر به على فضل غيره أفضل منه له و أصلح في التدبير لأن ذلك لا يقع إلا من جاهل يحسن ذلك أو
محتاج إلى منعه أو بخيل و الله تعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا و هذا مذهب جمهور الإمامية و قد جاءت به آثار عن الأئمة ع و
البغداديون من المعتزلة يوافقون فيه و البصريون منهم يخالفون الجماعة عليه و يوافقهم في هذا الخلاف المجبرة و المشبهة
أوائل المقالات ص : 61
30-  القول في المعرفة
و أقول إن المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه ع و كل غائب و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه و
هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب
الحديث
31-  القول في أن الله لا يعذب إلا على ذنب أو على فعل قبيح
و أقول إن الله جل جلاله عدل كريم لا يعذب أحدا إلا على ذنب اكتسبه أو جرم اجترمه أو قبيح نهاه عنه فارتكبه و هذا مذهب سائر
أهل التوحيد سوى الجهم بن صفوان و عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي فأما الجهم بن صفوان فإنه كان يزعم أن الله
يعذب من اضطره إلى المعصية و لم يجعل له قدرة عليها و لا على تركها من الطاعة و أما عبد السلام الجبائي فإنه كان يزعم أن العبد
قد يخلو من فعل الخير و القبيح معا و يخرج عن الفعل و الترك جميعا فيعذبه الله سبحانه على أنه لم يفعل الواجب و إن لم يكن
بخروجه منهما فعل شيئا أو فعل به شيء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل التوحيد و هو في القبح كمذهب جهم و في بعض
الوجوه أعظم قبحا منه
أوائل المقالات ص : 62
32-  القول في عصمة الأنبياء ع
أقول إن جميع أنبياء الله ص معصومون من الكبائر قبل النبوة و بعدها و مما يستخف فاعله من الصغائر كلها و أما ما كان من صغير لا
يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة و على غير تعمد و ممتنع منهم بعدها على كل حال و هذا مذهب جمهور الإمامية و
المعتزلة بأسرها تخالف فيه
33-  القول في عصمة نبينا محمد ص
و أقول إن نبينا محمدا ص ممن لم يعص الله عز و جل منذ خلقه الله عز و جل إلى أن قبضه و لا تعمد له خلافا و لا أذنب ذنبا على
التعمد و لا النسيان و بذلك نطق القرآن و تواتر الخبر عن آل محمد ع و هو مذهب جمهور الإمامية و المعتزلة بأسرها على خلافه. و
أما ما يتعلق به أهل الخلاف من قول الله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و أشباه ذلك في القرآن و يعتمدونه في
الحجة على خلاف ما ذكرناه فإنه تأويل بضد ما توهموه و البرهان يعضده على البيان و قد نطق
أوائل المقالات ص : 63
الفرقان بما قد وصفناه فقال جل اسمه وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى فنفى بذلك عنه كل معصية و نسيان
34-  القول في جهة إعجاز القرآن
و أقول إن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة و اللسان عن المعارضة للنبي ص بمثله في النظام عند تحديه لهم و جعل
انصرافهم عن الإتيان بمثله و إن كان في مقدورهم دليلا على نبوته ص و اللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان و
هذا من أوضح برهان في الإعجاز و أعجب بيان و هو مذهب النظام و خالف فيه جمهور أهل الاعتزال
35-  القول في النبوة أ هي تفضل أو استحقاق
و أقول إن تعليق النبوة تفضل من الله تعالى على من اختصه بكرامته لعلمه بحميد عاقبته و اجتماع الخلال الموجبة في الحكمة
بنبوته في التفضيل على من سواه فأما التعظيم على القيام بالنبوة و التبجيل و فرض الطاعة
أوائل المقالات ص : 64
فذلك يستحق بعلمه الذي ذكرناه و هذا مذهب الجمهور من أهل الإمامة و جميع فقهائنا و أهل النقل منها و إنما خالف فيه أصحاب
التناسخ المعتزين إلى الإمامية و غيرهم و وافقهم على ذلك من متكلمي الإمامية بنو نوبخت و من اتبعهم بأسره من المنتمين إلى
الكلام و جمهور المعتزلة على القول بالتفضل فيها و أصحاب الحديث بأسرهم على مثل هذا المقال
36-  القول في الإمامة أ هي تفضل من الله عز و جل أم استحقاق
و أقول إن تكليف الإمامة في معنى التفضل به على الإمام كالنبوة على ما قدمت من المقال و التعظيم المفترض له و التبجيل و الطاعة
مستحق بعزمه على القيام بما كلفه من الأعمال و على أعماله الواقعة منه أيضا حالا بعد حال و هذا مذهب الجمهور من الإمامية على ما
ذكرت في النبوة و قد خالف فيه منهم من قدمت ذكره و معي فيه جمهور المعتزلة و سائر أصحاب الحديث
أوائل المقالات ص : 65
37-  القول في عصمة الأئمة ع
و أقول إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء ص في تنفيذ الأحكام و إقامة الحدود و حفظ الشرائع و تأديب الأنام معصومون كعصمة
الأنبياء و إنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء و إنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين و لا ينسون شيئا
من الأحكام و على هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم و تعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب و
المعتزلة بأسرها تخالف في ذلك و تجوز من الأئمة وقوع الكبائر و الردة عن الإسلام
38-  القول في ولاة الأئمة ع و عصمتهم و ارتفاعها و هل ولايتهم بالنص أو الاختيار
و أقول إنه ليس بواجب عصمة ولاة الأئمة ع و واجب علمهم بجميع ما يتولونه و فضلهم فيه على رعاياهم لاستحالة رئاسة المفضول
على الفاضل فيما هو رئيس عليه فيه و ليس بواجب في ولايتهم النص على أعيانهم و جائز أن يجعل الله اختيارهم إلى الأئمة
المعصومين ع و هذا
أوائل المقالات ص : 66
مذهب جمهور الإمامية و بنو نوبخت رحمهم الله يوجبون النص على أعيان ولاة الأئمة كما يوجبونه في الأئمة ع
39-  القول في أحكام الأئمة ع
و أقول إن للإمام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات و متى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك شهادة
من شهد عليه و حكم فيه بما أعلمه الله تعالى و قد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر و إن كانت على
خلاف الحقيقة عند الله تعالى و يجوز أن يدله الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود و بين الكاذبين فلا يغيب عنه حقيقة
الحال و الأمور في هذا الباب متعلقة بالألطاف و المصالح التي لا يعلمها على كل حال إلا الله عز و جل. و لأهل الإمامة في هذه المقالة
ثلاثة أقوال فمنهم من يزعم أن أحكام الأئمة ع على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال. و منهم من يزعم أن أحكامهم إنما هي
على البواطن دون الظواهر التي يجوز فيها الخلاف. و منهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال و لم أر لبني نوبخت رحمهم الله
فيه ما أقطع على إضافته إليهم على يقين بغير ارتياب
أوائل المقالات ص : 67
40-  القول في معرفة الأئمة ع بجميع الصنائع و سائر اللغات
و أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم و لا واجب من جهة العقل و القياس و قد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد ص قد
كانوا يعلمون ذلك فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات و لي في القطع به منها نظر و الله الموفق للصواب و على قولي هذا
جماعة من الإمامية و قد خالف فيه بنو نوبخت رحمهم الله و أوجبوا ذلك عقلا و قياسا و وافقهم فيه المفوضة كافة و سائر الغلاة
41-  القول في علم الأئمة ع بالضمائر و الكائنات و إطلاق القول عليهم بعلم الغيب و كون ذلك لهم في الصفات
و أقول إن الأئمة من آل محمد ص قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد و يعرفون ما يكون قبل كونه و ليس ذلك بواجب في صفاتهم و
لا شرطا في إمامتهم و إنما أكرمهم الله تعالى به و أعلمهم إياه للطف في طاعتهم و التمسك بإمامتهم و ليس ذلك بواجب عقلا و لكنه
وجب لهم من جهة السماع فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من
علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد و هذا لا يكون إلا الله عز و جل و على قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذ عنهم من المفوضة و
من انتمى إليهم من الغلاة
أوائل المقالات ص : 68
42-  القول في الإيحاء إلى الأئمة و ظهور الإعلام عليهم و المعجزات
و أقول إن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم و إن كانوا أئمة غير أنبياء فقد أوحى الله عز و جل إلى أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فعرفت صحة ذلك بالوحي و عملت عليه
و لم تكن نبيا و لا رسولا و لا إماما و لكنها كانت من عباد الله الصالحين و إنما منعت من نزول الوحي عليهم و الإيحاء بالأشياء إليهم
للإجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من يزعم أن أحدا بعد نبينا ص يوحى إليه فقد أخطأ و كفر و لحصول العلم بذلك من
دين النبي ص كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا ص و نسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء و إنما منع ذلك
الإجماع و العلم بأنه خلاف دين النبي ص من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار و الإمامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما
وصفت خلاف. فأما ظهور المعجزات عليهم و الإعلام فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا و لا ممتنع قياسا و قد جاءت بكونه منهم
ع الأخبار على التظاهر و الانتشار فقطعت عليه من جهة السمع و صحيح الآثار و معي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة و بنو نوبخت
تخالف فيه و تأباه و كثير من المنتمين
أوائل المقالات ص : 69
إلى الإمامية يوجبونه عقلا كما يوجبونه للأنبياء و المعتزلة بأسرها على خلافنا جميعا فيه سوى ابن الإخشيد و من اتبعه يذهبون فيه
إلى الجواز و أصحاب الحديث كافة تجوزه لكل صالح من أهل التقى و الإيمان
43-  القول في ظهور المعجزات على المنصوبين من الخاصة و السفراء و الأبواب
و أقول إن ذلك جائز لا يمنع منه عقل و لا سنة و لا كتاب و هو مذهب جماعة من مشايخ الإمامية و إليه يذهب ابن الإخشيد من
المعتزلة و أصحاب الحديث في الصالحين و الأبرار و بنو نوبخت من الإمامية يمنعون ذلك و يوافقون المعتزلة في الخلاف علينا فيه
و يجامعهم على ذلك الزيدية و الخوارج المارقة عن الإسلام
44-  القول في سماع الأئمة ع كلام الملائكة الكرام و إن كانوا لا يرون منهم الأشخاص
و أقول بجواز هذا من جهة العقل و أنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال و قد جاءت بصحته و كونه
للأئمة ع و من
أوائل المقالات ص : 70
سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة و البرهان و هو مذهب فقهاء الإمامية و أصحاب الآثار منهم و قد أباه بنو
نوبخت و جماعة من أهل الإمامة لا معرفة لهم بالأخبار و لم يمعنوا النظر و لا سلكوا طريق الصواب
45-  القول في صدق منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة ع و ارتفاع الشبهات عنهم و الأحلام
و أقول إن منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة ع صادقة لا تكذب و إن الله تعالى عصمهم عن الأحلام و بذلك جاءت الأخبار عنهم ع
على الظهور و الانتشار و على هذا القول جماعة فقهاء الإمامية و أصحاب النقل منهم و أما متكلموهم فلا أعرف لهم نفيا و لا إثباتا و لا
مسألة فيه و لا جوابا و المعتزلة بأسرها تخالفنا فيه
46-  القول في المفاضلة بين الأئمة و الأنبياء ع
قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة ع من آل محمد ص على سائر من تقدم من الرسل و الأنبياء سوى نبينا محمد ص و أوجب
فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم ع و أبى القولين فريق منهم آخر و قطعوا بفضل الأنبياء كلهم على
سائر الأئمة ع و
أوائل المقالات ص : 71
هذا باب ليس للعقول في إيجابه و المنع منه مجال و لا على أحد الأقوال فيه إجماع و قد جاءت آثار عن النبي ص في أمير المؤمنين ع
و ذريته من الأئمة و الأخبار عن الأئمة الصادقين أيضا من بعد و في القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا
المعنى و أنا ناظر فيه و بالله أعتصم من الضلال
47-  القول في تكليف الملائكة
و أقول إن الملائكة مكلفون و موعودون و متوعدون قال الله تبارك و تعالى وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ و أقول إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار و على هذا القول جمهور الإمامية و سائر المعتزلة و
أكثر المرجئة و جماعة من أصحاب الحديث و قد أنكر قوم من الإمامية أن تكون الملائكة مكلفين و زعموا أنهم إلى الأعمال مضطرون
و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث
48-  القول في المفاضلة بين الأئمة ع و الملائكة
أما الرسل من الملائكة و الأنبياء ع فقولي فيهم مع أئمة آل محمد ص كقولي في الأنبياء من البشر و الرسل ع و أما باقي الملائكة
فإنهم و إن بلغوا بالملكية فضلا فالأئمة من آل محمد ص أفضل منهم و أعظم ثوابا عند الله عز و جل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب
أوائل المقالات ص : 72
49-  القول في احتمال الرسل و الأنبياء و الأئمة الآلام و أحوالهم بعد الممات
و أقول إن رسل الله تعالى من البشر و أنبياءه و الأئمة من خلفائه محدثون مصنوعون تلحقهم الآلام و تحدث لهم اللذات و تنمي
أجسامهم بالأغذية و تنقص على مرور الزمان و يحل بهم الموت و يجوز عليهم الفناء و على هذا القول إجماع أهل التوحيد و قد
خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض و طبقات الغلاة و أما أحوالهم بعد الوفاة فإنهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم و
أرواحهم جنة الله تعالى فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم الممات يستبشرون بمن يلحق بهم من صالحي أممهم و شيعتهم و
يلقونه بالكرامات و ينتظرون من يرد عليهم من أمثال السابقين من ذوي الديانات و إن رسول الله ص و الأئمة من عترته خاصة لا
يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا بإعلام الله تعالى لهم ذلك حالا بعد حال و يسمعون كلام المناجي لهم في
مشاهدهم المكرمة العظام بلطيفة من لطائف الله تعالى بينهم بها من جمهور العباد و تبلغهم المناجاة من بعد كما جاءت به الرواية و
هذا مذهب فقهاء الإمامية كافة و حملة الآثار منهم و لست أعرف
أوائل المقالات ص : 73
فيه لمتكلميهم من قبل مقالا و بلغني عن بني نوبخت ره خلاف فيه و لقيت جماعة من المقصرين عن المعرفة ممن ينتمي إلى الإمامة
أيضا يأبونه و قد قال الله تعالى فيما يدل على الجملة وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و ما يتلو هذا من
الكلام و قال في قصة مؤمن آل فرعون قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.
و قال رسول الله ص من سلم علي عند قبري سمعته و من سلم علي من بعيد بلغته سلام الله عليه و رحمة الله و بركاته
ثم الأخبار في تفصيل ما ذكرناه من الجمل عن أئمة آل محمد ص بما وصفناه نصا و لفظا أكثر و ليس هذا الكتاب موضع ذكرها فكنت
أوردها على التفصيل و البيان
50-  القول في رؤية المحتضرين رسول الله ص و أمير المؤمنين ع عند الوفاة
هذا باب قد أجمع عليه أهل الإمامة و تواتر الخبر به عن الصادقين من
أوائل المقالات ص : 74
الأئمة ع و جاء عن أمير المؤمنين ع أنه قال للحارث الهمداني رحمه الله
يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه و أعرفه بعينه و اسمه و ما فعلا
في أبيات مشهورة و فيه يقول إسماعيل بن محمد السيد رحمه الله
و يراه المحضور حين تكون الروح بين اللهاة و الحلقوم
و متى ما يشاء أخرج للناس فتدمى وجوههم بالكلوم
غير أني أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما ع هو العلم بثمرة ولايتهما أو الشك فيهما و العداوة لهما أو التقصير في حقوقهما على
اليقين بعلامات يجدها في نفسه و أمارات و مشاهدة أحوال و معاينة مدركات لا يرتاب معها بما ذكرناه دون رؤية البصر لأعيانهما و
مشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع و قد قال الله عز و جل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ
و إنما أراد جل شأنه بالرؤية هاهنا معرفة ثمرة الأعمال على اليقين الذي لا يشوبه ارتياب و قال سبحانه مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللّهِ
فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لَ آت و لقاء الله تعالى هو لقاء جزائه على الأعمال و على هذا القول محققو النظر من الإمامية و قد خالفهم فيه جماعة من
حشويتهم و زعموا أن المحتضر يرى نبيه و وليه ببصره كما يشاهد المرئيات و أنهما يحضران مكانه و يجاورانه بأجسامهما في
المكان
أوائل المقالات ص : 75
51-  القول في رؤية المحتضر الملائكة
و القول عندي في ذلك كالقول في رؤيته لرسول الله و أمير المؤمنين ع و جائز أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه ما
يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة و لا يجوز مثل ذلك في رسول الله ص و أمير المؤمنين ع لاختلاف بين أجسامهما و أجسام
الملائكة في التركيبات و هذا مذهب جماعة من متكلمي الإمامية و من المعتزلة البلخي و جماعة من أهل بغداد
52-  القول في أحوال المكلفين من رعايا الأئمة ع بعد الوفاة
أقول إنهم أربع طبقات طبقة يحييهم الله و يسكنهم مع أوليائهم في الجنان و طبقة يحيون و يلحقون بأئمتهم في محل الهوان و
طبقة أقف فيهم و أجوز حياتهم و أجوز كونهم على حال الأموات و طبقة لا يحيون بعد الموت حتى النشور و الم آب. فأما الطبقة
المنعمة فهم المستبصرون في المعارف المتمحصون للطاعات و أما المعذبة فهم المعاندون للحق المسرفون في اقتراف السيئات و
أما المشكوك في حياتهم و بقائهم مع الأموات فهم الفاسقون من أهل المعرفة و الصلاة الذين اقترفوا الآثام على التحريم لها
للشهوة دون العناد و الاستحلال و سوفوا التوبة منها فاخترموا دون ذلك فهؤلاء جائز من الله عز و جل اسمه رفع الموت عنهم
لتعذيبهم في البرزخ على ما اكتسبوه من الأجرام و تطهيرهم بذلك منها قبل
أوائل المقالات ص : 76
الحشر ليردوا القيامة على الأمان من نار جهنم و يدخلوا بطاعتهم الجنان و جائز تأخير حياتهم إلى يوم الحساب لعقابهم هناك أو
العفو عنهم كما يشاء الله عز و جل و أمرهم في هذين القسمين مطوي عن العباد. و أما الطبقة الرابعة فهم المقصرون عن الغاية في
المعارف عن غير عناد و المستضعفون من سائر الناس و هذا القول على الشرح الذي أثبت هو مذهب نقلة الآثار من الإمامية و طريقة
السمع و صحيح الأخبار و ليس لمتكلميهم من قبل فيه مذهب مذكور
53-  القول في نزول الملكين على أصحاب القبور و مساءلتهما عن الاعتقاد
و أقول إن ذلك صحيح و عليه إجماع الشيعة و أصحاب الحديث و تفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت
ملكين اسمهما مبشر و بشير فيسألانه عن ربه جلت عظمته و عن نبيه و وليه فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده و
الصواب و يكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما يستحقه من النعيم فيجدانها منه في الجواب. و ينزل جل جلاله على من
يريد تعذيبه في البرزخ ملكين اسماهما ناكر و نكير فيوكلهما بعذابه و يكون الغرض من مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من
العذاب بما يظهر من جوابه من التلجلج عن الحق أو الخبر عن سوء
أوائل المقالات ص : 77
الاعتقاد أو إبلاسه و عجزه عن الجواب و ليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على من ذكرناه و لا يتوجه سؤالهما منهم إلا إلى
الأحياء بعد الموت لما وصفناه و هذا هو مذهب حملة الأخبار من الإمامية و لهم فيما سطرت منه آثار و ليس لمتكلميهم من قبل فيه
مقال عرفته فأحكيه على النظام
54-  القول في تنعيم أصحاب القبور و تعذيبهم و على أي شيء يكون الثواب لهم و العقاب و من أي وجه يصل إليهم ذلك و
كيف تكون صورهم في تلك الأحوال
و أقول إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها و يعذب كفارهم فيها و فساقهم فيها دون
أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق و تندرس و تبلى على مرور الأوقات و ينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور و هذا
يستمر على مذهبي في النفس و معنى الإنسان المكلف عندي هو الشيء المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر و الأعراض
و معي به روايات عن الصادقين من آل محمد ص و لست أعرف لمتكلم من الإمامية قبلي فيه مذهبا فأحكيه و لا أعلم بيني و بين فقهاء
الإمامية و أصحاب الحديث فيه اختلافا
55-  القول في الرجعة
و أقول إن الله تعالى يرد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي
أوائل المقالات ص : 78
كانوا عليها فيعز منهم فريقا و يذل فريقا و يديل المحقين من المبطلين و المظلومين منهم من الظالمين و ذلك عند قيام مهدي آل
محمد ع. و أقول إن الراجعين إلى الدنيا فريقان أحدهما من علت درجته في الإيمان و كثرت أعماله الصالحات و خرج من الدنيا على
اجتناب الكبائر الموبقات فيريه الله عز و جل دولة الحق و يعزه بها و يعطيه من الدنيا ما كان يتمناه و الآخر من بلغ الغاية في الفساد
و انتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات و كثر ظلمه لأولياء الله و اقترافه السيئات فينتصر الله تعالى لمن تعدى عليه قبل
الممات و يشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت و من بعده إلى النشور و ما يستحقونه
من دوام الثواب و العقاب و قد جاء القرآن بصحة ذلك و تظاهرت به الأخبار و الإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذا منهم تأولوا ما ورد فيه
مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه
56-  القول في الحساب و ولاته و الصراط و الميزان
و أقول إن الحساب هو موافقة العبد على ما أمر به في دار الدنيا و إنه يختص بأصحاب المعاصي من أهل الإيمان و أما الكفار
فحسابهم جزاؤهم
أوائل المقالات ص : 79
بالاستحقاق و المؤمنون الصالحون يوفون أجورهم بغير حساب. و أقول إن المتولي لحساب من ذكرت رسول الله ص و أمير
المؤمنين ع و الأئمة من ذريتهما ع بأمر الله تعالى لهم بذلك و جعله إليهم تكرمة لهم و إجلالا لمقاماتهم و تعظيما على سائر العباد و
بذلك جاءت الأخبار المستفيضة عن الصادقين ع عن الله تعالى و قد قال الله عز و جل وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ
الْمُؤْمِنُونَ يعني الأئمة ع على ما جاء في التفسير الذي لا شك في صحته و لا ارتياب. و أقول إن الصراط جسر بين الجنة و النار تثبت
عليه أقدام المؤمنين و تزل عنه أقدام الكفار إلى النار و بذلك جاءت أيضا الأخبار و أما الميزان فهو التعديل بين الأعمال و
المستحق عليها و المعدلون في الحكم إذ ذاك هم ولاة الحساب من أئمة آل محمد ص و على هذا القول إجماع نقلة الحديث من أهل
الإمامة و أما متكلموهم من قبل فلم أسمع لهم في شيء منه كلاما
57-  القول في الشفاعة
و أقول إن رسول الله ص يشفع يوم القيامة في مذنبي أمته من الشيعة خاصة فيشفعه الله عز و جل و يشفع أمير المؤمنين ع في
عصاة شيعته فيشفعه الله عز و جل و تشفع الأئمة ع في مثل ما ذكرناه من شيعتهم فيشفعهم و يشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن
المذنب فتنفعه شفاعته و يشفعه الله و على هذا القول إجماع الإمامية إلا من شذ منهم و قد نطق به القرآن و تظاهرت به
أوائل المقالات ص : 80
الأخبار قال الله تعالى في الكفار عند إخباره عن حسراتهم على الفائت لهم مما حصل لأهل الإيمان فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيق
حَمِيم
و قال رسول الله ص إني أشفع يوم القيامة فأشفع و يشفع علي ع فيشفع و إن أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه
58-  القول في البداء و المشية
و أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ و أمثاله من الإفقار بعد الإغناء و الإمراض بعد الإعفاء و الإماتة بعد
الإحياء و ما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال. فأما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت
إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد و بين الله عز و جل و لو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت إطلاقه كما أنه لو لم يرد
علي سمع بأن الله تعالى يغضب و يرضى و يحب و يعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه و لكنه لما جاء السمع به صرت إليه على
المعاني التي لا تأباها العقول و ليس بيني و بين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف و إنما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه و
قد أوضحت عن علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام و هذا مذهب الإمامية بأسرها و كل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من
الاسم دون المعنى و لا يرضاه
59-  القول في تأليف القرآن و ما ذكر قوم من الزيادة فيه و النقصان
أقول إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ص باختلاف القرآن و ما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف
أوائل المقالات ص : 81
و النقصان فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر و تأخير المتقدم و من عرف الناسخ و المنسوخ و المكي و
المدني لم يرتب بما ذكرناه. و أما النقصان فإن العقول لا تحيله و لا تمنع من وقوعه و قد امتحنت مقالة من ادعاه و كلمت عليه
المعتزلة و غيرهم طويلا فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها في فساده و قد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة و لا من آية و
لا من سورة و لكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين ع من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله و ذلك كان ثابتا منزلا و
إن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز و قد يسمى تأويل القرآن قرآنا قال الله تعالى وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فسمى تأويل القرآن قرآنا و هذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف. و عندي أن
هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل و إليه أميل و الله أسأل توفيقه للصواب. و
أما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه و يجوز صحتها من وجه فالوجه الذي أقطع على فساده أن يمكن لأحد من الخلق زيادة
مقدار سورة فيه على حد يلتبس به عند أحد من الفصحاء و أما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة و الكلمتان و الحرف و الحرفان
و ما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز و يكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن غير أنه لا بد متى وقع ذلك من أن
أوائل المقالات ص : 82
يدل الله عليه و يوضح لعباده عن الحق فيه و لست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه و سلامة القرآن عنه و معي بذلك حديث
عن الصادق جعفر بن محمد ع و هذا المذهب بخلاف ما سمعناه عن بني نوبخت رحمهم الله من الزيادة في القرآن و النقصان فيه و قد
ذهب إليه جماعة من متكلمي الإمامية و أهل الفقه منهم و الاعتبار
60-  القول في أبواب الوعيد
و أقول في الوعيد ما قد تقدم حكايته عن جماعة الإمامية و أقول بعد ذلك إن من عمل لله عملا و تقرب إلى الله بقربة أثابه على ذلك
بالنعيم المقيم في جنات الخلود و بنو نوبخت رحمهم الله يذهبون إلى أن كثيرا من المطيعين لله سبحانه و تعالى يثابون على
طاعتهم في دار الدنيا و ليس لهم في الآخرة من نصيب و معي على ما ذهبت إليه أكثر المرجئة و جماعة من الإمامية
61-  القول في تحابط الأعمال
و أقول إنه لا تحابط بين المعاصي و الطاعات و لا الثواب و لا العقاب و هو مذهب جماعة من الإمامية و المرجئة و بنو نوبخت
يذهبون إلى التحابط فيما ذكرناه و يوافقون في ذلك أهل الاعتزال
أوائل المقالات ص : 83
62-  القول في الكفار و هل فيهم من يعرف الله عز و جل و تقع منهم الطاعات
و أقول إنه ليس يكفر بالله عز و جل من هو به عارف و لا يطيعه من هو لنعمته جاحد و هذا مذهب جمهور الإمامية و أكثر المرجئة و بنو
نوبخت رحمهم الله يخالفون في هذا الباب و يزعمون أن كثيرا من الكفار بالله تعالى عارفون و لله تعالى في أفعال كثيرة مطيعون و
أنهم في الدنيا على ذلك يجازون و يثابون و معهم على بعض هذا القول المعتزلة و على البعض الآخر جماعة من المرجئة
63-  القول في الموافاة
و أقول إن من عرف الله تعالى وقتا من دهره و آمن به حالا من زمانه فإنه لا يموت إلا على الإيمان به و من مات على الكفر بالله تعالى
فإنه لم يؤمن به وقتا من الأوقات و معي بهذا القول أحاديث عن الصادقين ع و إليه ذهب كثير من فقهاء الإمامية و نقلة الأخبار و هو
مذهب كثير من المتكلمين في الإرجاء و بنو نوبخت رحمهم الله يخالفون فيه و يذهبون في خلافه مذاهب أهل الاعتزال
64-  القول في صغائر الذنوب
و أقول إنه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه و إنما يكون فيها
أوائل المقالات ص : 84
بالإضافة إلى غيره و هو مذهب أكثر أهل الإمامة و الإرجاء و بنو نوبخت رحمهم الله يخالفون فيه و يذهبون في خلافه إلى مذهب أهل
الوعيد و الاعتزال
65-  القول في العموم و الخصوص
و أقول إن لأخص الخصوص صورة في اللسان و ليس لأخص العموم و لا لأعمه صيغة في اللغة و إنما يعرف المراد منه بما يقترن إليه
من الأمارات و هذا مذهب جمهور الراجئة و كافة متكلمي الإمامية إلا من شذ عنها و وافق الراجئة أهل الاعتزال
66-  القول في الأسماء و الأحكام
و أقول إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار مؤمنون بإيمانهم بالله و برسوله و بما جاء من عنده و فاسقون بما معهم من
كبائر الآثام و لا أطلق لهم اسم الفسق و لا اسم الإيمان بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما و أمتنع من الوصف لهم
بهما من الإطلاق و أطلق عليهم اسم الإسلام بغير تقييد و على كل حال و هذا مذهب الإمامية إلا بني نوبخت فإنهم خالفوا فيه و
أطلقوا للفساق اسم الإيمان
أوائل المقالات ص : 85
67-  القول في التوبة
و أقول في التوبة بما قدمت ذكره عن جماعة الإمامية و من بعد ذلك إنها مقبولة من كل عاص ما لم ييأس من الحياة قال الله عز و جل وَ
لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْ آنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ و قوله
سبحانه حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ و لست أعلم بين أهل العلم كافة في هذا الباب اختلافا
68-  القول في حقيقة التوبة
أقول إن حقيقة التوبة هو الندم على ما فات على وجه التوبة إلى الله عز و جل و شرطها هو العزم على ترك المعاودة إلى مثل ذلك
الذنب في جميع حياته فمن لم يجمع في توبته من ذنبه ما ذكرناه فليس بتائب و إن ترك فعل أمثال ما سلف منه من معاصي الله عز و
جل و هذا مذهب جمهور أهل العدل و لست أعرف فيه لمتكلمي الإمامية شيئا أحكيه و عبد السلام الجبائي و من اتبعه يخالفون فيه
أوائل المقالات ص : 86
69-  القول في التوبة من القبيح مع الإقامة على مثله في القبح
أقول إن التوبة من ذلك تصح و إن اعتقد التائب قبح ما يقيم عليه إذا اختلفت الدواعي في المتروك و المعزوم عليه فأما إذا اتفقت
الدواعي فيه فلا تصح التوبة منه و هذا مذهب جميع أهل التوحيد سوى أبي هاشم الجبائي فإنه زعم أن التوبة لا تصح من قبيح مع
الإقامة على ما يعتقد قبحه و إن كان حسنا فضلا عن أن يكون قبيحا