موقف العامّة من الرجعة :
القول بالرجعة يعدُّ عند العامّة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدّون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها، وكان علماء الجرح والتعديل ولا يزالون إذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدثيهم ولم يجدوا مجالاً للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته ، نبذوه بأنّه يقول بالرجعة ، فكأنّهم يقولون يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً ، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تُنبز به الشيعة الاِمامية ويُشنّع به عليهم.
ولنأخذ مثالاً على ذلك جابر بن يزيد الجعفي ، فالثابت عند أغلب
[ 71 ]
أهل الجرح والتعديل من العامّة أنّ جابراً كان ثقة صدوقاً في الحديث .
قال سفيان : كان جابر ورعاً في الحديث ، ما رأيت أورع في الحديث منه [1].
وقال إسماعيل بن عُلية : سمعتُ شعبة يقول : جابر الجعفي صدوق في الحديث [2] .
وقال شعبة : لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذي يقعون في جابر الجعفي ، هل جاءكم عن أحدٍ بشيءٍ لم يقله [3].
وقال وكيع : مهما شككتم في شيءٍ ، فلا تشكّوا في أنَّ جابراً ثقة ، حدثنا عنه مسعر ، وسفيان ، وشعبة ، وحسن بن صالح [4].
وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم : سمعت الشافعي يقول : قال سفيان الثوري لشعبة : لئن تكلّمت في جابر الجعفي لاَتكلمنّ فيك [5].
وقال معلّى بن منصور الرازي : قال لي أبو معاوية : كان سفيان وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي ، وكنت أدخل عليه فأقول : من كان عندك ؟
[ 72 ]
فيقول : شعبة وسفيان [6].
وكان جابر أحد الذين أُخذ عنهم العلم ، فقد وصفه الذهبي بأنه أحد أوعية العلم [7].
وقال عبدالرحمن بن شريك : كان عند أبي عن جابر الجعفي عشرة آلاف مسألة [8].
وعن الجراح بن مليح ، قال : سمعتُ جابراً يقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر الباقر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تركوها كلّها [9].
وعن سلام بن أبي مطيع ، قال : سمعتُ جابراً الجعفي يقول : إنَّ عندي خمسين ألف حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حدّثت بها أحداً [10].
وروي نحو ذلك عن زهير بن معاوية [11].
إذن فلماذا ترك بعضهم حديث جابر ، واتهموه بالكذب في الحديث تارة ، وبالرفض أُخرى ، وضعفوه ، ونهوا عن كتابة حديثه [12]؟
والجواب كما تجده عند أقطابهم لا يعدو أكثر من نقطتين :
[ 73 ]
الاُولى : اعتقاده الجازم بأولوية أهل البيت عليهم السلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من جميع الخلق وكونهم أوصياءه وحملة علمه .
فلقد عابوا عليه أن يقول : حدثني وصيّ الاَوصياء [13]، يريد بذلك الاِمام محمد بن علي الباقر عليه السلام .
وذكر شهاب أنّه سمع ابن عيينة يقول : تركت جابراً الجعفي وما سمعتُ منه قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً فعلمه مما تعلم ، ثم دعا علي الحسن فعلمه مما تعلم ، ثم دعا الحسن الحسين فعلمه مما تعلم ، ثم دعا ولده... حتى بلغ جعفر بن محمد.
قال سفيان : فتركته لذلك [14].
وسمعه يقول أيضاً : انتقل العلم الذي كان في النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي ، ثم انتقل من علي إلى الحسن ، ثم لم يزل حتى بلغ جعفراً [15].
وكأنهم لم يسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا مدينة العلم ، وعليٌّ بابها" [16]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها " [17].
الثانية : قوله بالرجعة ، وعليه إجماعهم .
قال أبو أحمد بن عدي : عامّة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة [18].
[ 74 ]
وقال زائدة : أما جابر الجعفي فكان يؤمن بالرجعة [19].
وقال جرير بن عبدالحميد : لا استحلّ أن أروي عنه ، كان يؤمن بالرجعة [20] .
وعن ابن قتيبة وابن حبان قال : كان جابر يؤمن بالرجعة [21].
وروى العقيلي بالاسناد عن سفيان ، قال : كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر ، فلمّا أظهر ما أظهر اتّهمه الناس في حديثه ، وتركه بعض الناس . فقيل له : وما أظهر ؟ قال : الاِيمان بالرجعة [22].
وقال أبو أحمد الحاكم : جابر يؤمن بالرجعة [23].
إذن فقد اتضح أن جابراً كان يعتقد بالرجعة ، وأن معاصريه من أقطاب الحديث عند العامّة كانوا يعلمون عقيدته تلك جيداً ، كما هو مفاد التصريحات السابقة . فمن أين جاءه هذا الاعتقاد ، وما هو مصدر روايته ؟
مما لا ريب فيه أن جابراً الجعفي كان معاصراً لثلاثة من أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهم علي بن الحسين زين العابدين ، ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادق عليهم السلام ، وكان من خواص الاِمامين الباقر
[ 75 ]
والصادق عليهما السلام [24]، وروي أنّه خدم الاِمام الباقر عليه السلام 18 سنة [25]، وبقي ملازماً للاِمام الصادق عليه السلام حتى توفي في أيامه سنة 128 هـ[26].
والروايات عن أئمة الهدى عليهم السلام تدلّ على صدقه وأمانته وجلالته ، وأنّ عنده الكثير من أسرارهم عليهم السلام ، فقد روي في الصحيح بالاسناد عن الحسين بن أبي العلاء وزياد بن أبي الحلال ، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ، أنّه قال : رحم الله جابر الجعفي ، كان يصدق علينا [27].
وعن يونس بن عبدالرحمن : أن علم الاَئمة عليهم السلام انتهى إلى أربعة أحدهم جابر [28] .
وعن ذريح المحاربي ، قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن جابر الجعفي ، فقال لي عليه السلام : " يا ذريح دع ذكر جابر ، فإنّ السفلة إذا سمعوا بأحاديثه شنّعوا ـ أو قال ـ أذاعوا " [29].
إذن فالرجل من الثقات الاَجلاّء ، وقد شهد له بذلك أعلام الطائفة ، كابن قولويه ، وعلي بن إبراهيم ، والشيخ المفيد في رسالته العددية ، وابن الغضائري على ما حكاه العلامة عنه ، وقد مرّ ما يؤيد جلالته وثقته وكونه من أوعية العلم فيما تقدّم بمصادر العامّة .
[ 76 ]
ونخلص من كلِّ ما تقدم أنّ جابراً كان قد أخذ هذه العقيدة من عترة المصطفى عليهم السلام الذين أُمرنا بالتمسك بهم بدليل حديث الثقلين ، ولو كانت هذه العقيدة غير ثابتة عنهم عليهم السلام لوردَ ولو حديث واحد يدل على منع جابر من القول بالرجعة ، على أنّه قد أظهر القول بها في حياة الصادقين عليهما السلام ، لاَنّه مات في حياة الاِمام جعفر الصادق عليه السلام كما تقدم ، وقد كان خلال ذلك متوفّراً على خدمتهم والاَخذ عنهم عليهم السلام .
إذن فالطعن في جابر لقوله بالرجعة هو طعن في عقائد أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الاِسلام الاَصيل المتمثلة بالاِمامين محمد الباقر وابنه جعفر الصادق عليهما السلام .
قال السيد ابن طاووس في كتاب (الطرائف) : روى مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الاَول باسناده إلى الجراح بن مليح ، قال : سمعتُ جابراً يقول : عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تركوها كلها ، ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده إلى محمد بن عمر الرازي ، قال : سمعتُ حريزاً يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه لاَنّه كان يؤمن بالرجعة .
ثم قال : انظر رحمك الله كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم برواية أبي جعفر عليه السلام الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسك بهم ، ثم إنّ أكثر المسلمين أو كلّهم قد رووا إحياء الاَموات في الدنيا وحديث إحياء الله تعالى الاَموات في القبور للمساءلة ، ورواياتهم عن أصحاب الكهف ، وهذا كتابهم يتضمن { ألم ترَ إلى الَّذينَ خَرجُوا مِن ديارِهم وهُم ألوفٌ حَذَرَ الموتِ فقالَ لهُم اللهُ مُوتوا ثُمَّ
[ 77 ]
أحياهُم } [30] والسبعون الذين أصابتهم الصاعقة مع موسى عليه السلام ، وحديث العزير ، ومن أحياه عيسى بن مريم عليه السلام ، وحديث جريج الذي أجمع على صحته أيضاً . فأيّ فرق بين هؤلاء وبين ما رواه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الرجعة ، وأي ذنبٍ كان لجابر في ذلك حتى يسقط حديثه [31]؟
ولا ريب أنّ هذا من نوع التهويلات التي تتخذها الطوائف الاِسلامية ذريعة لطعن بعضها في بعض والدعاية ضده ، ولا نرى في الواقع ما يبرر هذا التهويل ضد أمرٍ لا يحيطون به علماً .
روى حماد عن زرارة ، أنّه قال : سألت أبا عبدالله الصادق عليه السلام عن هذه الاُمور العظام من الرجعةوأشباهها . فقال عليه السلام : " إنّ هذا الذي تسألون عنه لم يجيء أوانه ، وقد قال الله عزَّ وجل : { بَل كذّبُوا بِما لم يُحيطُوا بعلمِهِ ولمَا يأتِهِم تأويلُهُ } " [32].
يقول الشيخ محمد جواد مغنية : أما الاَخبار المروية في الرجعة عن أهل البيت عليهم السلام فهي كالاَحاديث في الدجال التي رواها مسلم في صحيحه القسم الثاني من 2 : 1316 طبعة سنة 1348 هـ ، ورواها أيضاً أبو داود في سننه 2 : 542 طبعة سنة 1952 ميلادية وكالاَحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أنَّ أعمال الاَحياء تعرض على أقاربهم الاَموات في كتاب مجمع الزوائد للهيثمي 1 : 228 طبعة سنة 1352 هجريةـ .
إنَّ هذه الاَحاديث التي رواها العامّة في الدجال وعرض أعمال الاَحياء
[ 78 ]
على الاَموات وما إلى ذلك تماماً كالاَخبار التي رواها الشيعة في الرجعة عن أهل البيت عليهم السلام [33]!
وفي هذا الصدد ينبغي الالتفات إلى أنَّ هناك بعض الخرافات التي تمتزج أحياناً في الحديث عن الرجعة فتشوّه وجهها في نظر البعض حتى من الشيعة الاِمامية ، يقول الحرّ العاملي قدس سره في مقدمة كتابه (الايقاظ من الهجعة) : قد جمع بعض السادات المعاصرين رسالة (اثبات الرجعة) [34] التي وعد الله بها المؤمنين والنبي والاَئمة الطاهرين عليهم السلام وفيها أشياء غريبة مستبعدة لم يعلم من أين نقلها ، ليظهر أنّها من الكتب المعتمدة ، فكان ذلك سبباً لتوقف بعض الشيعة عن قبولها حتى انتهى إلى إنكار أصل الرجعة وحاول إبطال برهانها ودليلها ، وربما مال إلى صرفها عن ظاهرها وتأويلها ، مع أنَّ الاَخبار بها متواترة ، والاَدلة العقلية والنقلية على إمكانها ووقوعها كثيرة متظاهرة [35].
إذن يجب أن نعوّل على الاَحاديث الصحيحة في هذا الشأن ، وأن نتجنب الاَحاديث المشكوكة أو المطعون فيها .
مناظرات واحتجاجات
ورد عن الاَئمة عليهم السلام وأعلام الطائفة عدّة مناظرات للدفاع عن عقيدة الرجعة ، أجابوا فيها عن شبهات المخالفين للقول بها ، أو مصححين بعض الآراء التي تعترض لاَصحابهم ، أو شارحين لهم بعض المفاهيم المتعلقة بها .
والدفاع عن هذه العقيدة لم يكن وليد الاَمس ، بل إنّه راسخ منذ عصر أمير المؤمنين علي عليه السلام وباقي الاَئمة عليهم السلام وأصحابهم ، فقد روي عن نجم ابن أعين أنّه كان مجاهداً في الرجعة [36]، وروى العلاّمة قدس سره في الخلاصة في ترجمة ميسّر بن عبدالعزيز عن العقيقي، قال: أثنى عليه آل محمد عليهم السلام ، وهو ممن يجاهد [37] في الرجعة [38].
قال المجلسي قدس سره : قيل : المعنى أنّه يرجع بعد موته مع القائم عليه السلام ويجاهد معه ، والاَظهر عندي أنَّ المعنى أنّه كان يجادل مع المخالفين ،
[ 80 ]
ويحتجّ عليهم في حقيّة الرجعة [39].
1. احتجاج أمير المؤمنين علي عليه السلام :
روى الحسن بن سليمان الحلي بالاسناد عن الاَصبغ بن نباتة ، قال : إنّ عبدالله بن الكواء اليشكري قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، إنَّ أبا المعتمر تكلّم آنفاً بكلام لا يحتمله قلبي .
فقال عليه السلام : " وما ذاك ؟
قال : يزعم أنك حدّثته أنّك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنّا قد رأينا أو سمعنا برجل أكبر سناً من أبيه ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : فهذا الذي كبر عليك ؟
قال : نعم ، فهل تؤمن أنت بهذا وتعرفه ؟
فقال عليه السلام : نعم ، ويلك يا ابن الكواء ، إفقه عني أُخبرك عن ذلك ، إنّ عزيراً خرج من أهله وامرأته في شهرها ،وله يومئذٍ خمسون سنة ، فلمّا ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بذنبه أماته مائة عام ثم بعثه ، فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة ،فاستقبله ابنه وهو ابن مائة سنة ، وردَّ الله عزيراً في السنَّ الذي كان به .فقال : أسألك ما نريد ؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : سل عمّا بدا لك .
فقال : نعم ، إنَّ أُناساً من أصحابك يزعمون أنّهم يردّون بعد الموت .
____________
(1) بحار الاَنوار 53 : 124 .
[ 81 ]
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : نعم ، تكلم بما سمعت ولا تزد في الكلام ، فما قلت لهم ؟
قال : قلت : لا أُؤمن بشيء ممّا قلتم .
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك إنَّ الله عزَّ وجلَّ ابتلى قوماً بما كان من ذنوبهم ، فأماتهم قبل آجالهم التي سمّيت لهم ثم ردَّهم إلى الدنيا ليستوفوا أرزاقهم ، ثمّ أماتهم بعد ذلك .
قال : فكبر على ابن الكواء ولم يهتد له ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك تعلم أنّ الله عزَّ وجلَّ قال في كتابه : {واختارَ موسى قومَهُ سَبعِينَ رجُلاً لِميقَاتِنَا } [40] فانطلق بهم معه ليشهدوا له إذا رجعوا عند الملاَ من بني إسرائيل إنَّ ربي قد كلمني ، فلو أنهم سلّموا ذلك له ، وصدّقوا به ، لكان خيراً لهم ، ولكنهم قالوا لموسى عليه السلام : { لن نُؤمِنَ لكَ حتى نرى الله جهرةً } قال الله عزَّ وجلَّ { فاخذتكُم الصَّاعِقَةُ } يعني الموت { وأنتم تنظُرون * ثُمَّ بعثناكُم من بعدِ موتكم لعَلكم تشكُرونَ } [41].
أفترى يا ابن الكواء أنَّ هؤلاء قد رجعوا إلى منازلهم بعدما ماتوا ؟
فقال ابن الكواء : وما ذاك ، ثمَّ أماتهم مكانهم ؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : ويلك ، أوليس قد أخبرك الله في كتابه حيث يقول : { وظَللنَا عليكُمُ الغَمامَ وأنزَلنا عليكُمُ المنَّ والسَّلوى } [42]فهذا بعد
[ 82 ]
الموت إذ بعثهم ، وأيضاً مثلهم يابن الكواء الملاَ من بني إسرائيل حيثُ يقول الله عزَّ وجل : { ألم ترَ إلى الَّذينَ خرجُوا مِن دِيارِهِم وهُم ألوفٌ حذَرَ الموتِ فقالَ لهُم اللهُ موتُوا ثُمَّ أحياهُم } [43].
وقوله أيضاً في عزير حيثُ أخبر الله عزَّ وجلَّ فقال : { أو كالَّذي مَرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها قالَ أنى يُحيي هذهِ اللهُ بعدَ موتِها فأماتَهُ اللهُ } وأخذه بذلك الذنب { مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعثَهُ } وردّه إلى الدنيا { قالَ كم لَبثتَ قالَ لبثتُ يوماً أو بعضَ يومٍ قالَ بل لبثتَ مائةَ عامٍ } [44] فلا تشكنَّ يا ابن الكواء في قدرة الله عزَّ وجل " [45].
2. احتجاج الشيخ أبي محمد الفضل بن شاذان : [46]
ذكر الشيخ ابن شاذان قدس سره في احتجاجه على هذه المسألة روايات عديدة في إحياء الموتى مروية بطرق العامّة ، وقد ذكرنا بعضاً منها مراعاة للاختصار :
قال في ذكر الرجعة من كتاب (الايضاح) :
ورأيناكم عبتم عليهم ـ أي على الاِمامية ـ شيئاً تروونه من وجوه كثيرة
[ 83 ]
عن علمائكم وتؤمنون به وتصدّقونه ، ونحن مفسّرون ذلك لكم من أحاديثكم بما لا يمكنكم دفعه ولا جحوده .
من ذلك ما رويتم عن إبراهيم بن موسى الفرّاء ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : جاء يزيد بن النّعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبدالرّحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير إلى أُم عبدالله بنت أبي هاشم ـ يعني إلى أُمه ـ بسم الله الرحمن الرحيم ، من النعمان بن بشير إلى أُم عبدالله بنت أبي هاشم ، سلامٌ عليكم ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لاإله إلاّ هو .
أما بعد ، فإنّي كتبت إليك بشأن زيد بن خارجة ، وأنّه كان من أمره أنّه أخذه وجعٌ في كتفه ، وهو يومئذٍ من أصحّ أهل المدينة حالاً في نفسه فمات ، فأتاني آتٍ وأنا أُسبّح بعد الغروب فقال لي : إنَّ زيداً تكلّم بعد وفاته .
ورويتم عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبدالملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، قال : كنّا أربع إخوة ، وكان الرّبيع أخونا أصومنا في اليوم الحار ، وأطولنا صلاة ، فخرجت فقيل لي : إنّه قد مات ، فاسترجعت، ثمَّ رجعت حتى دخلت عليه فإذا هو مسجّى عليه ، وإذا أهله عنده ، وهم يذكرون الحنوط ، فجلست فما أدري أجلوسي كان أسرع أم كشف الثوب عن وجهه ، ثمّ قال : السلام عليك ، فأخذني ما تقدّم وما تأخّر من الذّعر ، ثمَّ قلت : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، أبعد الموت ؟! قال : نعم ، إنّي لقيت ربي بعدكم فتلقاني بروحٍ وريحانٍ وربّ غير غضبان ، فكساني ثياب السندس والاِستبرق ، وإنَّ الاَمر أيسر ممّا في أنفسكم ولا تغترّوا ، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقسم عليّ أن لا يسبقني حتى أُدركه ، فاحملوني إلى
[ 84 ]
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فما شبّهت موته إلاّ بحصاةٍ رمى بها في ماءٍ ، ثم ذكرت ذلك لعائشة ، فقالت : ما سمعت بمثل حديث صاحبكم في هذه الاُمّة ، ولقد صدقكم .
وروى عدّة روايات عن إحياء الموتى بطرق العامّة ، إلى أن قال :
فهذه رواياتكم وروايات فقهائكم في الرجعة بعد الموت ، وأنتم تنحلون الشيعة ذلك جرأةً على الله وقلّة رعةٍ وقلّة حياءٍ لا تبالون ما قلتم.
وروى علي ابن أُخت يعلى الطنافسي ومحمّد بن الحسين بن المختار كلاهما عن محمد بن الفضيل ، عن إسماعيل ابن أبي خالد ، عن فراس ، عن الشعبي ، قال : أُغمي على رجل من جهينة في بدء الاِسلام ، كان اسمه المفضّل ، فبينا نحن كذلك عنده وقد حفر له ، إذ مرَّ بهم رجلٌ يقال له المفضّل ، فأفاق الرجل ، فكشف عن وجهه ، وقال : هل مرَّ بكم المفضّل ؟ قالوا : نعم ، مرَّ بنا الساعة ، فقال : ويحكم كاد أن يغلط بي ، أتاني حين رأيتموني أُغمي عليَّ آت ، فقال : لاُمّك الهبل ، أما ترى حفرتك تُنثل ، وقد كادت أُمّك أن تثكل ، أرأيت أن حوّلناها عنك بمحوّل، وجعلنا في حفرتك المفضّل، الذي مشى فاجتذل ، إنّه لم يؤدّ ولم يفعل ، ثمَّ ملاَنا عليه الجندل ، أتشكر لربك وتصلّ ، وتدع سبيل من أشرك وأضلَّ ؟
قال : قلت : أجل، قال : فأطلق عني ، فعاش هو ، ودفن المفضل مكانه .
فلم ترضوا بالرجعة حتى نسبتم ملك الموت إلى الغلط جرأةً منكم ، ثم لم ترضوا أن تحيوا الموتى من الناس برواياتكم حتى أحييتم البهائم من الحمر وغير ذلك .
[ 85 ]
من ذلك ما رواه عدّة من فقهائكم منهم محمد بن عبيد الطنافسي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر الشعبي :
أنَّ قوماً أقبلوا من الدّفينة متطوّعين ـ أو قال : مجاهدين ـ فنفق حمار رجل منهم ، فسألوه أن ينطلق معهم ولا يتخلّف ،فأبى فقام فتوضأ ثمَّ صلى ، ثم قال : اللهم إنك تعلم أني قد أقبلت من الدّفينة مجاهداً في سبيلك ابتغاء مرضاتك ، وإني أسألك أن لا تجعل لاَحدٍ عليَّ منّة ، وأن تبعث لي حماري ؛ ثمَّ قام فضربه برجله ، فقام الحمار ينفض أُذنيه ، فأسرجه وألجمه ، ثمَّ ركب حتى لحق أصحابه ، فقالوا له : ما شأنك ؟ قال : شأني أنّ الله بعث لي حماري .
قال محمد بن عبيد : قال إسماعيل بن أبي خالد : قال الشعبي : فأنا رأيت حماره بيع بالكناسة .
فهذا من عجائبكم ورواياتكم ، ولسنا ننكر لله قدرة أن يحيي الموتى ، ولكنّا نعجب أنكم إذا بلغكم عن الشيعة قولٌ عظّمتموه وشنّعتموه ، وأنتم تقولون بأكثر منه ، والشيعة لا تروي حديثاً واحداً عن آل محمد عليهم السلام أنّ ميّتاً رجع إلى الدنيا كما تروون أنتم عن علمائكم ، إنّما يروون عن آل محمد أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لاُمّته : " أنتم أشبه شيء ببني إسرائيل ، والله ليكونن فيكم ما كان فيهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه " .
وهذه الرواية أنتم تروونها أيضاً ، وقد علمتم أنّ بني إسرائيل قد كان فيهم من عاش بعد الموت ، ورجعوا إلى الدنيا، فأكلوا وشربوا ونكحوا النساء ، وولد لهم الاَولاد ، ولا ننكر لله قدرة أن يحيي الموتى ، فإن شاء أن يردّ من مات من هذه الاُمّة كما ردّ بني إسرائيل فعل ، وإن شاء لم يفعل .
[ 86 ]
فهذا قول الشيعة ، وأنتم تروون أن قوماً قد رجعوا بعد الموت ثمَّ ماتوا بعد ، ثم تنكرون أمراً أنتم تروونه وتقولون به ظلماً وبهتاناً [47].
3. احتجاج السيد الحميري قدس سره [48]:
روى الشيخ المفيد قدس سره عن الحارث بن عبيدالله الربعي ، أنه قال : كنت جالساً في مجلس المنصور ، وهوبالجسر الاَكبر ، وسِوار القاضي عنده والسيد الحميري ينشده :
إنَّ الاِله الذي لا شيء يشبهه * آتاكم الملك للدنيا وللدين حتى أتى على القصيدة والمنصور مسرور ، فقال سِوار : هذا والله ياأمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه ،والله إنّ القوم الذين يدين بحبّهم لغيركم ، وإنّه لينطوي في عداوتكم ، إلى أن قال : يا أميرالمؤمنين ، إنّه يقول بالرجعة ،ويتناول الشيخين بالسبّ والوقيعة فيهما .
فقال السيّد : أمّا قوله بأنّي أقول بالرجعة ، فإنّ قولي في ذلك على ما قال الله تعالى : { ويومَ نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فَوجاً مِمن يُكذِّبُ بآيَاتِنا فَهُم يُوزعُونَ} [49].
[ 87 ]
وقال : قال في موضع آخر : ( وحشرناهُم فَلَم نُغَادِر مِنهُم أحَداً ) [50] فعلمت أنّ هاهنا حشرين : أحدهما عامّ ،والآخر خاصّ .
وقال سبحانه : ( ربَّنا أمَتَّنا اثنَتَينِ وأحييتَنا اثنَتينِ فاعتَرفنا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُرُوجٍ مِن سَبيلٍ ) [51]، وقال الله تعالى : { فأماتَهُ اللهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } [52] وقال الله تعالى : { ألم ترَ إلى الَّذينَ خَرجُوا من دِيارِهِم وهُم ألُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحيَاهُم } [53]، فهذا كتاب الله عزَّ وجلَّ .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يحشر المتكبّرون في صور الذرّ يوم القيامة" . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : " لم يجرِ في بني إسرائيل شيء إلاّ ويكون في أُمّتي مثله حتى المسخ والخسف والقذف " . وقال حذيفة : والله ما أبعد أن يمسخ الله كثيراً من هذه الاُمّة قردة وخنازير .
فالرجعة التي أذهب إليها ، هي ما نطق به القرآن ، وجاءت به السُنّة ، وأنّي لاَعتقد أنّ الله تعالى يردّ هذا ـ يعني سِواراً ـ إلى الدنيا كلباً أو قرداً أو خنزيراً أو ذرّة ، فإنّه والله متكبّر متجبّر كافر .
فضحك المنصور وأنشأ السيد يقول :
جاثيت سوّاراً أبا شملة * عنـد الاِمـام الحـاكم العادلِ فقـال قـولاً خـطـأ كـلـّه * عند الورى الحافي والناعلِ
[ 88 ]
حتى أتى على القصيدة ، قال : فقال المنصور : كفّ عنه . فقال السيد : يا أمير المؤمنين ، البادىء أظلم ، يكفّ عني حتى أكفُّ عنه .
فقال المنصور لسِوار : تكلّم بكلام فيه نَصَفة ، كفّ عنه حتى لايهجوك[54] .
4. احتجاج الشيخ المفيد قدس سره : [55]
روى السيد المرتضى قدس سره عن الشيخ المفيد ، أنّه قال : سأل بعض المعتزلة شيخاً من أصحابنا الاِمامية وأنا حاضر في مجلس قد ضمَّ جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة ، فقال له : إذا كان من قولك إنّ الله يردَّ الاَموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند قيام القائم ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين ، وينتقم لهم منهم كما فعل ببني إسرائيل فيما ذكرتم حتى تتعلقون بقوله تعالى : { ثُمَّ رَدَدنَا لَكُمُ الكَرةَ عَلَيهِم وأمدَدنَاكُم بأموالٍ وبَنِينَ وجَعلنَاكُم أكثَرَ نَفيراً } [56] فخبّرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبدالرحمن بن ملجم ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم ، ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الاِمام ، فيجب عليك ولايتهم والقطع بالثواب لهم ، وهذا نقض مذهب الشيعة ؟
[ 89 ]
فقال الشيخ المسؤول : القول بالرجعة إنّما قبلته من طريق التوقيف ، وليس للنظر فيه مجال ، وأنا لا أُجيب عن هذا السؤال لاَنّه لا نصَّ عندي فيه ، وليس يجوز أن أتكلّف من غير جهة النصّ الجواب ، فشنّع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع .
فقال الشيخ المفيد قدس سره : فأقول أنا : إنَّ على هذا السؤال جوابين :
أحدهما : إنَّ العقل لا يمنع من وقوع الاِيمان ممّن ذكره السائل ، لاَنّه يكون إذ ذاك قادراً عليه ومتمكناً منه ، لكن السمع الوارد عن أئمة الهدى عليهم السلام بالقطع عليهم بالخلود في النار والتدين بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان ، منع من الشكّ في حالهم ، وأوجب القطع على سوء اختيارهم ، فجروا في هذا الباب مجرى فرعون وهامان وقارون ، ومجرى من قطع الله عزَّ اسمه على خلوده في النار ، ودلَّ بالقطع على أنهم لا يختارون أبداً الاِيمان ، وأنهم ممّن قال الله تعالى في جملتهم : { ولو أننا نَزَّلنَا إليهُمُ الملائكَةَ وكَلَمهُم الموتى وحَشرنا عَليهِم كُلَّ شَيءٍ قُبُلاً ما كانُوا ليُؤمِنُوا إلاّ أن يَشاءَ اللهُ } [57] يريد إلاّ أن يلجئهم الله ، والذين قال الله تعالى فيهم {إنَّ شَرَّ الدوابِ عِندَ اللهِ الصُمُ البُكمُ الَّذينَ لا يعقلُونَ * ولو عَلِمَ اللهُ فِيهِم خَيراً لاَسمَعَهُم ولو أسمَعَهُم لتَولَوا وهُم مُعرِضُونَ } [58].
ثم قال جلَّ من قائل في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس : {لاَملاَنَّ جَهنَّم مِنكَ ومِمن تَبِعَكَ مِنهُم أجمَعينَ } [59] وقوله : { وإنَّ عَليكَ لَعنَتي
[ 90 ]
إلى يَومِ الَّدِينِ } [60] وقال : { ولَو ردُّوا لَعادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ } [61]وقال : { تَبَّت يَدا أبي لهبٍ وَتَبَّ * ما أغنى عنهُ مالُهُ وما كَسَبَ * سَيَصلَى ناراً ذَاتَ لَهبٍ } [62] فقطع عليه بالنار ، وأمن من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب ، وإذا كان الاَمر على ما وصفناه بطل ما توهّموه على هذا الجواب .
والجواب الآخر : أنّ الله سبحانه إذا ردّ الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة ، وجروا في ذلك مجرى فرعون لمّا أدركه الغرق { قالَ آمنتُ أنّهُ لا إلهَ إلاّ الَّذي آمنَت بهِ بَنُوا إسرائِيلَ وأنا مِنَ المُسلمِينَ } ، وقال الله سبحانه :{ ءَالآنَ وقد عَصيتَ قَبلُ وكُنتَ مِنَ المُفسِدِينَ } [63] فرد الله عليه إيمانه ، ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه ، وكأهل الآخرة الذين لا تقبل لهم توبة ولا ينفعهم ندم ، لاَنّهم كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل ، ولاَنَّ الحكمة تمنع من قبول التوبة أبداً، وتوجب اختصاص بعض الاَوقات بقبولها دون بعض .
وهذا هو الجواب الصحيح على مذهب أهل الاِمامة ، وقد جاءت به آثار متظاهرة عن آل محمد عليهم السلام حتى روي عنهم في قوله سبحانه : { يَومَ يَأتِي بَعضُ آياتِ رَبِكَ لا يَنفَعُ نَفسَاً إيمانُها لَم تَكُن آمنَت مِن قبلُ أو كَسَبتْ في إيمانِها خَيرَاً قُلِ انتَظرُوا إنّا مُنتظِرُونَ } [64] فقالوا : إنَّ هذه الآية هو القائم عليه السلام ، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف ، وهذا يسقط ما اعتمده السائل .
[ 91 ]
سؤال : فإن قالوا في هذا الجواب : ما أنكرتم أن يكون الله سبحانه على ما أصّلتموه قد أغرى عباده بالعصيان ، وأباحهم الهرج والمرج والطغيان ، لاَنّهم إذا كانوا يقدرون على الكفر وأنواع الضلال ، وقد يئسوا من قبل التوبة ، لم يدعهم داعٍ إلى الكفّ عمّا في طباعهم ، ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلى النفع العاجل ، ومن وصف الله سبحانه بإغراء خلقه بالمعاصي وإباحتهم الذنوب ، فقد أعظم الفرية عليه ؟
جواب : قيل لهم : ليس الاَمر على ما ظننتموه ، وذلك أنَّ الدواعي لهم إلى المعاصي ترتفع إذ ذاك ، ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجهٍ من الوجوه ولا سببٍ من الاَسباب ، لاَنّهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب إلى وقت الرجعة على خلاف أئمتهم عليهم السلام ، ويعلمون في الحال أنهم معذّبون على ما سبق لهم من العصيان ، وأنّهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب ، ولا يكون لهم عند ذلك طبع يدعوهم إلى ما يتزايد عليهم به العذاب ، بل تتوفّر لهم دواعي الطباع والخواطر كلّها إلى إظهار الطاعة والانتقال عن العصيان ، وإن لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الاِسلام مثله في أهل الآخرة وحالهم في إبطال توبتهم ، وكون توبتهم غير مقبولة منهم ، فمهما أجاب به الموحدون لمن ألزمهم ذلك ، فهو جوابنا بعينه .
سؤال آخر : وإن سألوا على المذهب الاَول والجواب المتقدم فقالوا : كيف يتوهّم من القوم الاِقامة على العناد والاصرار على الخلاف ، وقد عاينوا فيما يزعمون عقاب القبور ، وحلّ بهم عند الرجعة العذاب على مايعلمون ممّا زعمتم أنّهم مقيمون عليه ، وكيف يصحّ أن تدعوهم الدواعي إلى ذلك ، ويخطر لهم في فعله الخواطر ، وما أنكرتم أن تكونوا
[ 92 ]
في هذه الدعوى مكابرين ؟
الجواب : قيل لهم : يصحّ ذلك على مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا بأن نقول : إنَّ جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان الخلاف ، لاَنَّ القوم يظنون أنّهم إنّما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم وليلوا الدنيا كما كانوا ، ويظنون أنَّ ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطاً منهم ، وإذا حلَّ بهم العقاب ثانيةً توهّموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أنّ ذلك ليس من طريق الاستحقاق ، وأنّه من الله تعالى ، لكنّه كما تكون الدول ، وكما حلّ بالاَنبياء .
ولاَصحاب هذا الجواب أن يقولوا : ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من كفر قوم موسى وعبادتهم العجل ، وقد شاهدوا منه الآيات ، وعاينوا ما حلَّ بفرعون وملئه على الخلاف ، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به القرآن ، ويشهدون معجزاته وآياته عليه وآله السلام ، ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى : { سَيهُزَمُ الجَمعُ ويُولّونَ الدُبُرَ } [65] وقوله : {لَتدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرامَ إن شاءَ اللهُ آمِنِينَ } [66].
وقوله : { ألم * غُلِبَتِ الرُومُ * في أدنى الاَرضِ وهُم مِن بَعدِ غَلَبِهِم سَيغلِبُونَ } [67] وماحلَّ بهم من العقاب بسيفه عليه وآله السلام ، وهلاك كلّ من توعّده بالهلاك ، هذا وفيمن أظهر الاِيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى أهل الشرك والضلال .
[ 93 ]
على أنَّ هذا السؤال لا يسوغ لاَصحاب المعارف من المعتزلة ، لاَنّهم يزعمون أنّ أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد ، وأنَّ جمهور المظهرين للجهل بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ، ولكنّهم في الخلاف على اللجاجة والعناد ، فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف الذي حكيناه ، وقد قال الله تعالى : { ولَو تَرى إذ وُقِفُوا على النَارِ فقَالُوا يَاليتَنا نُردُّ ولا نُكذّبَ بآياتِ ربّنا ونَكُونَ مِن المؤمِنينَ * بَل بَدا لَهُم ما كَانُوا يُخفُونَ مِن قَبلُ ولَو رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهوا عَنهُ وإنّهُم لكَاذِبُونَ } [68]. فأخبر سبحانه أنَّ أهل العقاب لو ردّهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الاَهوال وما ذاقوا من أليم العذاب [69].
5. احتجاج السيد محسن الاَمين العاملي : [70]
في معرض ردوده على أحمد أمين في افتراءاته على الشيعة الاِمامية التي أوردها في كتابه (ضحى الاِسلام) وتراجع عن بعضها في أواخر حياته .
يقول أحمد أمين : وأمّا الرجعة ، فقد بدأ قوله ـ أي ابن سبأ ـ بأنّ محمداً يرجع ، ثم تحول إلى القول بأنّ عليّاً يرجع ، وفكرة الرجعة أخذها ابن سبأ من اليهودية ، فعندهم أنّ النبي إلياس صعد إلى السماء ، وسيعود
[ 94 ]
فيعيد الدين والقانون ، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضاً في عصورها الاُولى [71].
يقول السيد محسن الاَمين قدس سره في مقام الاحتجاج والاِلزام : فكرة الرجعة أول من قال بها عمر بن الخطاب ، روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن ابن عباس ، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً " ، قال عمر : من لفلانة وفلانة ـ مدائن الروم ـ إنَّ رسول الله ليس بميت حتى نفتحها ، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى .
وقال الطبري وابن سعد وغيرهما : لمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عمر : إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فليقطعنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم زعموا أنّه قد مات[72].
[1] تهذيب الكمال 4 : 467 . وتاريخ الاِسلام ، للذهبي (وفيات سنة 121 ـ 140 هـ) : 59 . وميزان الاعتدال 1 : 379 . وتهذيب التهذيب 2 : 47 .
[2] الجرح والتعديل 1 : 136 . والمصدر السابق .
[3] الجرح والتعديل 1 : 136 .
[4] تهذيب الكمال 4 : 467 . وتاريخ الاِسلام ، للذهبي (وفيات سنة 121 ـ 140 هـ) : 59 . وميزان الاعتدال 1 : 379 . وتهذيب التهذيب 2 : 47 .
[5] المصدر السابق .
[6] تهذيب الكمال 4 : 468 . وتهذيب التهذيب 2 : 47 .
[7] تاريخ الاِسلام ، للذهبي (وفيات سنة 121 ـ 140 هـ) : 59 .
[8] ميزان الاعتدال 1 : 380 .
[9] صحيح مسلم ـ المقدمة : 25 . وميزان الاعتدال 1 : 383 .
[10] ميزان الاعتدال 1 : 380 . وتهذيب التهذيب 2 : 48 .
[11] ميزان الاعتدال 1 : 379 .
[12] راجع تهذيب الكمال 4 : 469 . وتاريخ الاِسلام (وفيات سنة 121 ـ 140 هـ) : 60 . وميزان الاعتدال 1 : 380 . وضعفاء العقيلي 1 : 192 ـ 196 .وتهذيب التهذيب 2 : 47 ـ 49 .
[13] ضعفاء العقيلي 1 : 194 . وميزان الاعتدال 1 : 383 . وتهذيب التهذيب 3 : 49 .
[14] ميزان الاعتدال 1 : 381 .
[15] المصدر السابق .
[16] المستدرك على الصحيحين ، للحاكم 3 : 126 و 127 . وجامع الاُصول 9 : 473 .
[17] سنن الترمذي 5 : 637 . ومصابيح السُنّة 4 : 174 .
[18] تهذيب الكمال 4 : 469 . وتهذيب التهذيب 2 : 48 .
[19] تهذيب الكمال 4 : 468 . وتهذيب التهذيب 2 : 48 . ونحوه في ضعفاء العقيلي 1 : 193 . وميزان الاعتدال 1 : 380 .
[20] ميزان الاعتدال 1 : 380 . وتهذيب التهذيب 2 : 49 . ضعفاء العقيلي 1 : 192 نحوه .
[21] تهذيب الكمال 4 : 470 الهامش . وتهذيب التهذيب 2 : 50 . وميزان الاعتدال 1 : 383 .
[22] ضعفاء العقيلي 1 : 194 .
[23] تهذيب التهذيب 2 : 50 .
[24] رجال الشيخ : 111 | 6 و 163 | 30 . ومستدركات علم الرجال 2 : 106 عن المناقب لابن شهر آشوب .
[25] مستدركات علم الرجال 2 : 105 و 107 عن أمالي الشيخ الطوسي .
[26] رجال النجاشي : 128 | 332 .
[27] رجال الكشي : 191 | 336 . ومنتهى المقال 2 : 214 .
[28] رجال الكشي : 485 | 917 .
[29] قاموس الرجال 2 : 534 .
[30] سورة البقرة 2 : 243 .
[31] بحار الاَنوار 53 : 140 . وحق اليقين ، لعبدالله شبر 2 : 35 .
[32] بحار الاَنوار 53 : 40 | 4 والآية من سورة يونس 10 : 39 .
[33] الشيعة والتشيع ، لمحمد جواد مغنية : 56 .
[34] وهي للسيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي النجفي معاصر الشيخ الحر العاملي . راجع الذريعة ، للشيخ آقا بزرك 1 : 94 .
[35] الايقاظ من الهجعة ، للعاملي : 3 .
[36] رجال ابن داود : 195 .
[37] هكذا في نسخة البحار ، وفي الخلاصة : يجاهر .
[38] الخلاصة ، للعلاّمة الحلي : 279 .
[39] بحار الاَنوار 53 : 124 .
[40] سورة الاعراف 7 : 155 .
[41] سورة البقرة 2 : 55 ـ 56 .
[42] سورة البقرة 2 : 57 .
[43] سورة البقرة 2 : 243 .
[44] سورة البقرة 2 : 259 .
[45] مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 22 . وبحار الاَنوار 53 : 72 | 72 . والايقاظ من الهجعة : 185 | 42 . والرجعة ، للاسترآبادي : 49 |23 .
[46] وهو أبو محمد الفضل بن شاذان الاَزدي النيسابوري ، روى عن أبي جعفر الثاني والهادي والعسكري عليهم السلام ، وقيل : روى عن الاِمام الرضا عليه السلام ، وكان ثقة جليلاً ، وفقيهاً ومتكلماً ، ذُكر أنّه صنّف 180 كتاباً ، وترحّم عليه الاِمام أبو محمد العسكري عليه السلام مرتين وقيل : ثلاثاً ، وتوفي سنة260 هـ . رجال النجاشي : 306 | 840 . والخلاصة : 132 | 2 .
[47] الايضاح ، لابن شاذان : 189 ـ 195 .
[48] هو إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري ، أبو هاشم ، شاعر إمامي متقدم ، أكثر شعره في مدح آل البيت عليهم السلام ، كان ثقة جليل القدر ، عظيم المنزلة، لقي الاِمام الصادق عليه السلام ، وعدّه أبو عبيدة من أشعر المحدثين ، وجعله أبو الفرج ثالث ثلاثة هم أكثر الناس شعراً في الجاهلية والاِسلام . ولد في نعمان سنة 105 هـ ومات ببغداد سنة 173 هـ .
[49] سورة النمل 27 : 83 .
[50] سورة الكهف 18 : 47 .
[51] سورة غافر 40 : 11 .
[52] سورة البقرة 2 : 259 .
[53] سورة البقرة 2 : 243 .
[54] الفصول المختارة ، للسيد المرتضى : 93 ـ 95 .
[55] هو الاِمام أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان ، المعروف بالشيخ المفيد ، وابن المعلم ، انتهت رئاسة الاِمامية في وقته إليه ، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم ، وكان؛ ، خاشعاً متعبداً متألهاً كثير الصلاة والصوم والصدقات ، توفي في بغداد سنة 413 هـ .
[56] سورة الاِسراء 17 : 6 .
[57] سورة الانعام 6 : 111 .
[58] سورة الانفال 8 : 22 ـ 23 .
[59] سورة ص 38 : 85 .
[60] سورة ص 38 : 78 .
[61] سورة الانعام 6 : 28 .
[62] سورة المسد 111 : 1 ـ 3 .
[63] سورة يونس 10 : 90 ـ 91 .
[64] سورة الانعام 6 : 158 .
[65] سورة القمر 54 : 45 .
[66] سورة الفتح 48 : 27 .
[67] سورة الروم 30 : 1 ـ 3 .
[68] الانعام 6 : 27 ـ 28 .
[69] الفصول المختارة ، للمرتضى : 153 ـ 157 .
[70] هو العالم الكبير السيد محسن بن عبدالكريم الاَمين الحسيني العاملي ، من أشهر علماء عصره ، ولد في شقراء بلبنان نحو سنة 1284 هجريةـ ، وتوفي في بيروت 1371 هـ ، له كتاب أعيان الشيعة ، والرحيق المختوم «شعر» ، والحصون المنيعة ، والمجالس السنية ، وغيرها .
[71] ضحى الاِسلام 1 : 356 .
[72] أعيان الشيعة 1 : 53 . وراجع السيرة النبوية ، لابن هشام 4 : 305 . والطبقات الكبرى ، لابن سعد 2 : 266 .