الفصل الثالث

أحكام في الرجعة

الرجعة خاصة :

    الرجعة خاصة بدلالة قوله تعالى : { ويومَ نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمةٍ فوجاً } [1] وقوله تعالى : { وحرامٌ على قريةٍ أهلكنَاها أنهُم لا يرجِعُونَ } [2] وقد تقدم القول فيهما آنفاً ، ويستفاد من مجموع الاَخبار المستفيضة من طرق الاِمامية أنَّ الراجعين صنفان من المؤمنين والكافرين ، فقد روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال : " إنَّ الرجعة ليست بعامة ،وهي خاصة ، لا يرجع إلاّ من محض الاِيمان محضاً أو محض الشرك محضاً " [3] أما سوى هذين الصنفين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب .

من هم الراجعون ؟

من حصيلة مجموع الروايات الواردة في هذا الباب نلاحظ أنّها تنصّ

[ 54 ]

على رجعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام [4] والاِمام الحسين عليه السلام [5]وكذلك باقي الاَئمة والاَنبياء عليهم السلام [6].

وتنصّ كذلك على رجعة عدد من أنصار الاِمام المهدي عليه السلام ووزرائه ، وبعض أصحاب الاَئمة وشيعتهم [7]،ورجعة الشهداء والمؤمنين [8]، ومن جانب آخر تنصّ على رجعة الظالمين وأعداء الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام [9]، وخصوم الاَنبياء والمؤمنين ، ومحاربي الحق والمنافقين [10]، وجميع هؤلاء لا يخرجون من الصنفين المذكورين في الحديث المتقدم .

[ 55 ]

هل ثمة رجعة بعد عصر الظهور ؟

استفاضت الاَخبار من عدة طرق بحديث الرجعة في عصر الاِمام المهدي عليه السلام وعدّها الشيخ المفيد قدس سره من علامات الظهور ، حيثُ قال في باب ذكر علامات القائم عليه السلام من كتاب (الارشاد) : قد جاءت الاَخبار بذكرعلامات لزمان قيام القائم المهدي عليه السلام وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات ، فمنها خروج السفياني.. إلىأن قال : وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.. إلى أن قال : فيعرفون عندذلك ظهوره بمكة ، فيتوجهون نحوه لنصرته [11].

وقد روي عن الاِمام الباقر عليه السلام أنّه قال : " أيام الله ثلاثة : يوم يقوم القائم، ويوم الكرة ، ويوم القيامة "[12]. وهو يدلُّ على أنَّ هناك كرة بعد عصر الاِمام صاحب الزمان عليه السلام ، ويستفاد من روايات الرجعة أنّ لاَميرالمؤمنين علي عليه السلام كرات عدة [13]، وأنّ الاِمام الحسين عليه السلام يكرُّ بعد عصر الظهور [14] .

وفي هذا السياق يقول السيد عبدالله شبر : يجب الاِيمان بأصل الرجعة إجمالاً ، وأنَّ بعض المؤمنين وبعض الكفّاريرجعون إلى الدنيا ، وإيكال تفاصيلها إليهم عليهم السلام والاَحاديث في رجعة أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام متواترة معنىً ، وفي باقي الاَئمة قريبة من التواتر ، وكيفية رجوعهم هل هو

[ 56 ]

على الترتيب أو غيره ، فكل علمه إلى الله سبحانه وإلى أوليائه [15].

حكم الرجعة :

    هل الرجعة من أصول الدين ؟ وهل الاِسلام منوط بالاعتقاد بها ؟

وما هي الاَحكام التي أصدرها علماء الاِمامية بشأن متأولي الرجعة ؟ هذه الاَسئلة سنحاول الاِجابة عليها في هذا البحث .

الرجعة وأُصول الاِسلام :

تعتقد الشيعة الاِمامية بالرجعة من بين الفرق الاِسلامية طبقاً لما ورد وصح من الاَحاديث المروية عن أهل بيت الرسالة عليهم السلام ، وليس هذا بمعنى أنّ عقيدة الرجعة تعدُّ واحدة من أُصول الدين ، ولا هي في مرتبة الاعتقاد بالله وتوحيده أو بدرجة النبوة والمعاد ، بل هي من ضروريات المذهب كما تقدم .

ولا يترتب على الاعتقاد بالرجعة إنكار لاَي حكم ضروري من أحكام الاِسلام ، وليس ثمة تضاد بين هذا الاعتقاد وبين أُصول الاِسلام .

يقول الشيخ المظفر : إنّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد، ولا في عقيدة النبوة ، بل يؤكد صحة العقيدتين ، إنّ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشور ، وهي من الاُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته عليهم السلام ، وهي عيناً معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح عليه السلام بل أبلغ هنا لاَنّها بعد أن يصبح الاَموات رميماً { قالَ مَن يُحيي العِظامَ وَهي رَميمٌ * قُلْ يُحييها الَّذي

[ 57 ]

أنشأها أولَ مرةٍ وهو بكُلِّ خلقٍ عَليمٌ } [16].

    ويقول أيضاً : والرجعة ليست من الاُصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها، وإنّما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت عليهم السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وهي من الاُمور الغيبية التي أخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها [17].

الاختلاف في معنى الرجعة :

رغم أنّ الاَخبار قد تضافرت عن أهل بيت العصمة عليهم السلام بوقوع الرجعة إلى الدنيا بعد الموت ، والاِمامية بأجمعها على ذلك أخذاً بالروايات الصريحة الواردة في هذا الباب ، لكن البعض من المتقدمين تأول ما ورد في الرجعة بأنَّ معناها رجوع الدولة والاَمر والنهي إلى آل البيت عليهم السلام بظهور الاِمام المنتظر عليه السلام من دون رجوع أعيان الاَشخاص وإحياء الموتى ، وإلى هؤلاء المتأوّلين يشير الشيخ المفيد قدس سره بقوله : اتفقت الاِمامية على رجعة كثير من الاَموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف [18].

وأشار إلى هذا الاختلاف العلاّمة الطبرسي في تفسيره الآية 83 من سورة النمل حيث قال : استدلّ بهذه الآية علىصحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الاِمامية [19].

[ 58 ]

وقد ذكر هذا الاختلاف الشيخ أبو زهرة حيثُ قال : ويظهر أنّ فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمراً متّفقاً عليه عند إخواننا الاثنى عشرية، بل فريق لم يعتقده [20].

إذن هناك متأولون للرجعة من بين الشيعة الاِمامية ، فهؤلاء ينكرون الرجعة بالمعنى الذي ذهبت إليه أكثر الشيعة الاِمامية أخذاً بالاَخبار والروايات الواردة فيها ، ولم يصرّح أحد بكفر هؤلاء أو خروجهم من الاِسلام ، لاَنّهم لم ينكروا أصل الاعتقاد بالرجعة والروايات المتكاثرة الواردة فيها .

على أنَّ المحققين من أعلام الطائفة قد أجابوا هؤلاء عن قولهم بما لامزيد عليه ، قال السيد المرتضى علم الهدى مجيباً على سؤال بهذا الخصوص ، وهو من جملة المسائل التي وردت عليه من الري : فأمّا من تأول الرجعة من أصحابنا على أنّ معناها رجوع الدولة من دون رجوع الاَشخاص وإحياء الاَموات ، فانّ قوماً من الشيعة لمّا عجزوا عن نصرة الرجعة وبيان جوازها وأنها تنافي التكليف [21]عوّلوا على هذا التأويل للاَخبار الواردة بالرجعة ، وهو منهم غير صحيح ، لاَنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الاَخبار المنقولة فتتطرق التأويلات عليها ، وكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم ، وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الاِمامية على معناها ، بأنَّ الله يحيي أمواتاً عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه على ما بيناه ، فكيف يتطرق التأويل

[ 59 ]

على ماهو معلوم ، فالمعنى غير محتمل [22].

حكم متأولي الرجعة :

على ضوء ما تقدّم ، تبين لنا أن الرجعة من ضروريات المذهب عند الشيعة الاِمامية الاثني عشرية ، وان كان هناك في السابقين منهم قول بتأويل رواياتها ، لكن القائل بالتأويل لا ينكرها ، لالتفاته إلى أنَّ الانكار مع العلم بالروايات وتواترها تكذيبٌ لاَهل العصمة المخبرين بها ، والعياذ بالله .

وبالجملة : فإنَّ حال الاعتقاد بالرجعة حال سائر الاُمور الضرورية في المذهب ، فإنَّه ـ بعد ثبوت كونه من الضروريات ـ يجب الاعتقاد به ، لكن الاعتقاد بالتفاصيل والجزئيات غير واجب .

وأمّا تفاصيل الاَحكام المترتبة على انكار الضروري من المذهب أو الدين ، فليرجع فيها إلى الكتب الاعتقادية والفقهية .

الهدف من الرجعة :

إنَّ أحداث آخر الزمان لا تزال في ظهر الغيب ، إلاّ أننا نستطيع أن نقرأ الحكم عليها أيضاً ، لاَنّ العدل الاِلهي مطلق لا يحدّه زمان ولا مكان ، والحكم بالعدل أصيل على أحداث الماضي والحاضر والمستقبل ، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يأتي بالخير المخبوء المتمثّل بمهدي آخر الزمان عليه السلام ورجاله ليجتثَّ مؤسسات الباطل وأجهزة الظلم والجور ويملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً

[ 60 ]

وجوراً قال تعالى : { ويقولونَ متى هذا الفتحُ إن كُنتُم صادقِينَ * قُلْ يَومَ الفتحِ لا ينفعُ الَّذينَ كَفُروا إيمانُهُم ولا هُم يُنظرونَ } [23].

روى الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمد بن أبي عمير ، قال : كان الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول :" لكلِّ أُناسٍ دولةٌ يرقبونها * ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ " [24].

إنَّ تطبيق العدالة السماوية في الاَرض قبل يوم المحشر وقيام الناس للحساب الاَكبر يشمل ثلّة من الماضين كما يشمل الذين هم في زمان ظهور الاِمام عليه السلام ، والماضون هم أُولئك الذين حكم عليهم بالعودة إلى الحياة مرة أُخرى ، ويشكّلون لفيفاً متميزاً من المؤمنين والظالمين ، يعودون لينال المجرمون الذين محضوا الكفر محضاً جزاء ما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والفساد ومحاربة أولياء الله وعباده المخلصين ، وما يستحقونه من حدود الله تعالى التي عطّلوها وأسقطوها من حسابهم ، واستبدلوها بالكفر والطغيان ، ليذوقوا العذاب في دار الدنيا ولعذاب الآخرة أشدَّ وأخزى .

وعودة المؤمنين تعني انتصار أولياء الله الذين محضوا الاِيمان محضاً بعد أن ذاقوا الويل والعذاب لدهور طويلة من قبل أولئك المتسلطين والمتجبرين ، وهذا المعنى يمكن أن نستشعره في قوله تعالى : { وحرامٌ على قريةٍ أهلكنَاها أنهُم لا يرجعُونَ } [25]فهو يعني أنَّ الذين ذاقوا العذاب

[ 61 ]

في هذه الدنيا على كفرهم وطغيانهم لا يرجعون إليها ، وإنما يرجعون في القيامة ليذوقوا العذاب في نارها ، والعودة إلى الدنيا إنَّما تختصُّ بغيرهم من الكافرين والظالمين المفسدين في الاَرض الذين لم يذوقوا ألم القصاص فيها ، ولا يصحّ أن يكون المراد بالآية أنّهم لا يرجعون في القيامة لوضوح بطلانه .

ويمكن من خلال دراسة الاَحاديث الواردة في هذا المجال وأقوال الاَعلام تحديد ثلاثة أهداف ينطوي عليها هذا الاَمرالخارق :

                    1.                    القتال على الدين ، فقد روي عن الاِمام الباقر عليه السلام أنّه قال : " كنت مريضاً بمنى وأبي عليه السلام عندي ، فجاءه الغلام فقال : هاهنا رهط من العراقيين يسألون الاَذن عليك . فقال أبي عليه السلام : أدخلهم الفسطاط ، وقام إليهم ودخل عليهم ، فما لبثت أن سمعتُ ضحك أبي عليه السلام قد ارتفع ، فأنكرت ذلك ووجدت في نفسي من ضحكه وأنا في تلك الحال .

ثم عاد إليَّ فقال : يا أبا جعفر ، عساك وجدت في نفسك من ضحكي ؟ فقلتُ : وما الذي غلبك منه الضحك ، جعلت فداك ؟ فقال : إنَّ هؤلاء العراقيين سألوني عن أمرٍ كان مَن مضى مِن آبائك وسلفك يؤمنون به ويقرون ، فغلبني الضحك سروراً أنَّ في الخلق من يؤمن به ويقرُّ .

فقلت : وما هو ، جعلت فداك ؟

قال: سألوني عن الاَموات متى يبعثون فيقاتلون الاَحياء على الدين "[26]

[ 62 ]

                    2.                    مقاتلة أعداء الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام ، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال : " العجب كلّ العجب بين جمادى ورجب " فقام رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟ فقال : " وأيّ عجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدو لله ولرسوله ولاَهل بيته ، وذلك تأويل هذه الآية{ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لاتتولَوا قَوماً غضبَ اللهُ عليهِم قد يَئسُوا مِنَ الآخرةِ كما يئسَ الكُفّارُ مِن أصحابِ القُبُورِ}"[27].

                    3.                    إقامة القصاص والعدل ، فقد روي عن الاِمام موسى بن جعفر عليه السلام أنّه قال : " لترجعنَّ نفوس ذهبت ، وليقتصنَّ يوم يقوم [28]، ومن عُذّب يقتصّ بعذابه ومن أُغيظ أغاظ بغيظه ، ومن قُتِل اقتصّ بقتله ، ويردّ لهم أعداؤهم معهم حتى يأخذوا بثأرهم ، ثم يعمّرون بعدهم ثلاثين شهراً ، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم ، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوّهم إلى أشد النار عذاباً، ثم يوقفون بين يدي الجبّار عزَّ وجل فيؤخذ لهم بحقوقهم " [29].

وفي هذا المجال يقول الشيخ المفيد : إنَّ الله تعالى يردّ قوماً من الاَموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ،فيعزُّ منهم فريقاً ، ويذلُّ فريقاً ، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه السلام ، وإنَّ الراجعين إلى الدنيا فريقان : أحدهما من علت درجته في الاِيمان ، وكثرت أعماله الصالحات وخرج

[ 63 ]

من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات ، فيريه الله عزَّ وجلَّ دولة الحق ويعزّه بها ، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه ،والآخر من بلغ الغاية في الفساد ، وانتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات ، وكثر ظلمه لاَولياء الله ، واقترافه السيئات ، فينتصر الله تعالى لمن تعدى عليه قبل الممات ، ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت ، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب ، وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظاهرت به الاَخبار ، والامامية بأجمعها عليه إلاّ شذاذاً منهم تأوّلوا ما ورد فيه على وجه يخالف ما وصفناه [30].

[ 64 ]                                 

[ 65 ]

الفصل الرابع

الرجعة عند العامّة

إحياء الموتى :

ليس للرجعة في كتب العامّة أثر يذكر سيّما بالمعنى الذي جاء في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام ، إلاّ على سبيل بيان آراء الشيعة أو التشنيع عليهم ، ولكنهم نقلوا روايات في رجوع الاَموات إلى الحياة الدنيا [31]ولم يستنكروها بل عدوها من المعاجز أو الكرامات .

وقد ألف ابن أبي الدنيا أبو بكر عبدالله بن محمد بن عبيد بن سفيان الاَموي القرشي المتوفى سنة (281 هـ)[32]كتاباً في ذلك عنوانه (من عاش بعد الموت) وصدر هذا الكتاب محققاً عن دار الكتب العلمية في بيروت سنة 1987 م.

وأفرد أبو نعيم الاَصفهاني في «الدلائل» ، والسيوطي في «الخصائص»

[ 66 ]

باباً في معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الموتى [33]، وروى الماوردي والقاضي عياض بعض معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الموتى [34]، وذكر السيوطي كرامات في إحياء الموتى لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

ورووا أنَّ زيد بن حارثة[35] والربيع بن خراش[36] ورجلاً من الاَنصار[37] قد تكلموا بعد الموت ، وأنَّ ربعي بن حراش الغطفاني تبسّم بعد الموت[38]، وأن أبا القاسم الطلحي إسماعيل بن محمد الحافظ قد ستر سوأته بعد موته [39] ، وأن شيبان النخعي ـ وقيل : نباتة بن يزيد ـ أحيا حماره [40]، وأنَّ أبا المعالي سراج الدين الرفاعي المتوفى سنة (885هـ) أحيا شاةً ، وأمات رجلاً [41]، وأنَّ الماجشون مات وحيي [42].

وغيرها مما يفوق حدّ

[ 67 ]

الاحصاء .

ونقل محيي الدين عبدالقادر بن شيخ العيدروسي في النور السافر حوادث سنة (914 هـ) كرامات كثيرة للشيخ أبي بكر بن عبدالله باعلوي المتوفى سنة 914 هجريةـ ، منها أنّه لمّا رجع من الحجّ دخل زيلع ، وكان الحاكم بها يومئذٍ محمد بن عتيق ، فاتّفق أنّه ماتت أُمّ ولد للحاكم المذكور ، وكان مشغوفاً بها ، فكاد عقله يذهب لموتها ، قال : فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدة الجزع ، ليعزيه ويأمره بالصبر والرضا بالقضاء ، وهي مسجّاة بين يدي الحاكم بثوب ، فعزّاه وصبّره ، فلم يفد فيه ذلك ، وأكبّ على قدم سيدي الشيخ يقبّلها ، وقال : يا سيدي ، إن لم يحيي الله هذه متُّ أنا أيضاً ، ولم تبق لي عقيدة في أحد !

فكشف سيدي وجهها ، وناداها باسمها فأجابته : لبيك ، وردَّ الله روحها، وخرج الحاضرون ، ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة ، وعاشت مدّة طويلة [43].

ومن يروي مثل هذه الروايات مخبتاً إليها دون أي غمزٍ فيها ، لماذا يستحيل القول بالرجعة ، وهل الرجعة إلاّ رجوع الحياة للميت بعد زهوق نفسه ، والاَخبار التي ذكرناها ما هي إلاّ من مصاديقها وتدلّ على جوهرية إمكانها وجوازها عقلاً .

[ 68 ]

السيوطي والصبّان :

وفي هذا السياق يقول الاستاذ مروان خليفات : وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي بالرجعة ، لكن بمعنى مختلف عن الذي تقول به الاِمامية، فقد ادعى إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة ، وألّف رسالة في ذلك هي (إمكان رؤية النبي والملك في اليقظة) وادعى السيوطي رؤيته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بضعاً وسبعين مرة كلها في اليقظة .

واعتقاد السيوطي هذا شبيه باعتقاد الشيعة بالرجعة ، وقوله برجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة لا يختلف عن قول الشيعة برجوع بعض الاَموات إلى الحياة ، فلماذا يشنّع على الشيعة لاعتقادهم الرجعة ، ولا يشنع على السيوطي ؟! بل إنّه ما زال محل احترام وتقدير من جميع المذاهب ، فكلَّ من يطعن بعقيدة الشيعة في الرجعة ، فهو طاعن بالسيوطي الملقب بشيخ الاِسلام .

وحين تكلم محمد بن علي الصبّان في «اسعاف الراغبين ص161» ـ وهو من العامّة ـ عن طرق معرفة عيسى الاَحكام الاِسلامية بعد نزوله، قال: ومنها ـ أي الطرق ـ أنّ عيسى إذا نزل يجتمع به صلى الله عليه وآله وسلم فلامانع من أن يأخذ عنه ما يحتاج إليه من أحكام شريعته [44]، واعتقاد الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني رجوعه إلى الدنيا في زمان الظهور .

أشراط الساعة :

ونضيف إلى ما تقدم أنّ من تمعّن في أحاديث وأخبار أشراط الساعة

[ 69 ]

وعلامات الظهور يجد مزيداً من الاَحاديث والاَخبار تشير إلى أنّ الاِمام المهدي عليه السلام والممهدين له يقاتلون بني أُمية وآل أبي سفيان وبني العباس وغيرهم من الاُسر والبيوتات الغابرة [45]، فلعلّ ذلك يوحي إلى عودتهم إلى الحياة الدنيا ، للاقتصاص منهم .

ويشير إلى هذا المعنى ما نقله ابن أبي الحديد ، وفقاً لرأي الشيعة الاِمامية ، عند شرحه لقول أمير المؤمنين عليه السلام في إخباره عن ظهور الاِمام صاحب الزمان عليه السلام قال : « يُغريه الله ببني أُمية حتى يجعلهم حطاماً ورفاتاً».

قال ابن أبي الحديد : فإن قيل ممّن يكون من بني أُمية في ذلك الوقت موجوداً حتى يقول عليه السلام في أمرهم ما قال من انتقام الرجل منهم ، حتى يودّوا لو أنّ عليّاً عليه السلام كان المتولي لاَمرهم عوضاً عنه ؟

قيل : أما الاِمامية فيقولون بالرجعة ، ويزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أُمية وغيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر ، وأنّه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم ، ويسمل عيون بعضهم ، ويصلب قوماً آخرين ، وينتقم من أعداء آل محمد عليهم السلام المتقدمين والمتأخرين [46].

ومما يدلّ على الرجعة من أحاديث أشراط الساعة عند العامّة ما رواه الشيخ يوسف بن يحيى الشافعي عن الثعلبي في تفسيره ، قال : إنَّ المهدي يسلّم على أهل الكهف ، فيحييهم الله عزَّ وجلَّ [47].

[ 70 ]

وممّا يدلّ على ذلك أيضاً ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه لخطبة أمير المؤمنين عليه السلام : " حتى يظنَّ الظانّ أنّ الدنيا معقولة على بني أُمية " قال : وهذه الخطبة طويلة، وقد حذف الرضي قدس سره منها كثيراً ، ومن جملتها :"والله والله ، لا ترون الذي تنتظرون حتى لا تدعُون الله إلاّ إشارة بأيديكم وإيماضاً بحواجبكم ، وحتى لا تملكون من الاَرض إلاّ مواضع أقدامكم ، وحتى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم ، فيومئذٍ لا ينصرني إلاّ الله بملائكته ، ومن كتب على قلبه الاِيمان ، والذي نفس عليٍّ بيده لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقاً ، أو تدفع عنّا ضيماً ، إلاّ صرعتهم البليّة ، حتى تقوم عصابةٌ شهدت مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدراً " [48].

وهو واضح الدلالة على رجعة أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحياة الدنيا وقتاله الظالمين مع عصابة من الملائكة .

 

 



[1] سورة النمل 27 : 83 .

[2] سورة الاَنبياء 21 : 95 .

[3] مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 34 . وبحار الاَنوار 53 : 39 | 1 .

[4] تفسير القمي 2 : 147 . وغيبة النعماني : 234 | 22 . والخرائج والجرائح ، للقطب الراوندي 2 : 848 . ومختصر بصائر الدرجات : 17 و 24 و 26و 28 و 29 . وبحار الاَنوار 53 : 39 | 2 و 42 | 10 ، 12 و 46 | 19 و 56 | 33 و 91 | 96 .

[5] الكافي ، للكليني 8 : 206 | 250 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 24 و28 و29 . وبحار الاَنوار 53 : 39 | 1 و 43 | 14 و 89 |90 .

[6] تفسير القمي 1 : 25 و 106 ، 2 : 147 . وتفسير العياشي 1 : 181 | 76 . ومختصر بصائر الدرجات : 26 و 28 . وبحار الاَنوار 53 : 41 | 9 و45 | 18 و 54 | 32 و 56 | 38 و 61 | 50 .

[7] رجال الكشي : 217 | 391 . والكافي ، للكليني 8 : 50 | 14 . وتفسير العياشي 2 : 32 | 90 و 259 | 28 . ودلائل الاِمامة، للطبري : 247 و248 .

وروضة الواعظين، للفتال : 266 . والزهد ، للحسين بن سعيد : 82 . وبحار الاَنوار 53 : 40 | 7 و 70 | 67 و 76 | 81 و 76 | 82 و 92 | 102 .

[8] تفسير العياشي 1 : 181 | 77 و 2 : 112 | 139 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 19 . والخرائج والجرائح ، للقطب الراوندي 3 :1166 | 64 . وبحار الاَنوار 53 : 65| 58 و 70 | 67 .

[9] كتاب زيد النرسي ، الاصول الستة عشر : 43 ـ 44 . وبحار الاَنوار 53 : 54 | 32 .

[10] دلائل الاِمامة ، للطبري : 247 . وتفسير القمي 1 : 385 . ومختصر بصائر الدرجات : 194 .

[11] الارشاد 2 : 368 ـ 370 .

[12] الخصال ، للصدوق : 108 | 75 . ومعاني الاَخبار ، للصدوق : 365 | 1 .

[13] مختصر بصائر الدرجات : 29 . وبحار الاَنوار 53 : 74 | 75 و98 | 114 و 101 | 123 .

[14] تفسير العياشي 2 : 326 | 24 . ومختصر بصائر الدرجات : 48 . والاختصاص ، للمفيد : 257 .

[15] حق اليقين ، للسيد عبدالله شبر 2 : 35 .

[16] عقائد الاِمامية : 109 . والآيتان من سورة يس 36 : 78 ـ 79 .

[17] عقائد الاِمامية : 113 .

[18] أوائل المقالات : 46 .

[19] مجمع البيان 7 : 366 .

[20] الامام الصادق ، للشيخ محمد أبو زهرة : 240 .

[21] وسيأتي الجواب تاماً عن هذه المسألة في الفصل السادس .

[22] رسائل الشريف المرتضى 1 : 126 .

[23] سورة السجدة : 28 ـ 29 .

[24] أمالي الصدوق : 578 | 791 .

[25] سورة الاَنبياء 21 : 95 .

[26] مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 20 و 24 . وبحار الاَنوار 53 : 67 | 62 .

[27] بحار الاَنوار 53 : 60 | 48 والآية من سورة الممتحنة 60 : 13 .

[28] أي القائم عليه السلام .

[29] مختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 28 . وبحار الاَنوار 53 : 44 | 16 .

[30] أوائل المقالات : 77 . والتأويل المشار إليه هو أن البعض تأوّل الاَخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة في زمان ظهور الاِمام المهدي عليه السلام لارجوع أعيان الاَشخاص كما تقدم آنفاً .

[31] تجد بعض نصوصها في احتجاج الفضل بن شاذان الفصل الخامس .

[32] ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد 10 : 89 .

[33] دلائل النبوة ، لاَبي نعيم : 223 . والخصائص الكبرى ، للسيوطي 2 : 110 ـ 114 .

[34] أعلام النبوة ، للماوردي : 141 . والشفا 1 : 614 .

[35] الغدير ، للاَميني 11 : 103 عن الاستيعاب 1 : 192 . والبداية والنهاية 6 : 156 و 158 . والروض الاُنف 2 : 37 . والاصابة 1 : 565 و 2 : 24 .وتهذيب التهذيب 3 : 410 . والخصائص الكبرى 2 : 85 . وشرح الشفا للخفاجي 3 : 105 و 108 .

[36] الغدير ، للاَميني 11 : 113 عن البداية والنهاية 6 : 158 . والروض الاُنف 2 : 370 . وصفة الصفوة 3 : 19 .

[37] الغدير ، للاَميني 11 : 105 عن البداية والنهاية 6 : 158 .

[38] الغدير ، للاَميني 11 : 119 عن صفة الصفوة 2 : 19 . وطبقات الشعراني 1 : 37 . وتاريخ ابن عساكر 5 : 298 .

[39] الغدير ، للاَميني 11 : 167 عن المنتظم 10 : 90 . والبداية والنهاية 12 : 217 .

[40] الغدير 11 : 106 عن البداية والنهاية 6 : 153 و 292 . والاصابة 2 : 169 .

[41] الغدير 11 : 187 عن روضة الناظرين ، للاِمام ضياء الدين الوتري : 112 .

[42] الغدير 11 : 135 عن وفيات الاَعيان 2 : 461 . ومرآة الجنان 1 : 351 . وتهذيب التهذيب 11 : 389 . وشذرات الذهب 1 : 259 .

[43] النور السافر عن أخبار القرن العاشر : 84 . وراجع الغدير 11 : 190 . وشذرات الذهب 8 : 63 .

[44] وركبت السفينة : 644 .

[45] راجع عقد الدرر ، للمقدسي الشافعي : 76 و 80 و 110 دار النصايح ـ قم .

[46] شرح بن أبي الحديد 7 : 58 ـ 59 .

[47] عقد الدرر ، للمقدسي الشافعي : 192 .

[48] شرح ابن أبي الحديد 6 : 382 .