إحياء عزير أو أرميا :
قال تعالى : { أو كالَّذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عُرُوشِهَا قال أنَّى يُحيي هذهِ اللهُ بعدَ موتِها فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بعثهُ قال كم لَبِثتَ قال لَبِثتُ يوماً أو بعضَ يومٍ قال بل لَبِثتَ مائةَ عامٍ فانظُر إلى طعامِكَ وشرابِكَ لم يتسنَّه وانظُر إلى حمارِكَ ولنجعَلَكَ آيةً للنَّاسِ وانظُر إلى العِظَام كيفَ نُنشِزُها ثُمَّ نكسُوها لَحمَاً فلمّا تَبينَ لهُ قال أعلمُ أنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ } [1].
[21]
لقد اختلفت الروايات والتفاسير في تحديد هذا الذي مرَّ على قرية ، لكنها متّفقة على أنّه مات مائة سنة ورجع إلى الدنيا وبقي فيها ، ثم مات بأجله ، فهذه رجعة إلى الحياة الدنيا .
قال الطبرسي : الذي مرَّ على قرية هو عزير ، وهو المروي عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) وقيل : هو أرميا ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام [2].
وروى العياشي بالإسناد عن إبراهيم بن محمد ، قال : ذكر جماعة من أهل العلم أنَّ ابن الكواء الخارجي قال لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين ، ما ولد أكبر من أبيه من أهل الدنيا ؟ قال ( عليه السلام ) : " نعم ، أُولئك ولد عزير ، حيث مرَّ على قرية خربة ، وقد جاء من ضيعة له ، تحته حمار ، ومعه شنّة فيها تين ، وكوز فيه عصير ، فمرَّ على قريةٍ خربةٍ ، فقال : { أنَّى يُحيي هذهِ اللهُ بعدَ موتِها فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ } فتوالد ولده وتناسلوا ، ثمَّ بعث الله إليه فأحياه في المولد الذي أماته فيه ، فأُولئك وُلده أكبر من أبيهم " [3].
إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى ( عليه السلام ) : قال تعالى : { وإذ قُلتُم يا مُوسى لَنْ نُؤمنَ لكَ حتى نرى اللهَ جَهرَةً فأخَذَتكُم الصَّاعِقَةَ وأنتُم تنظُرُونَ * ثُمَّ بعثناكُم مِنْ بَعدِ موتِكُم لَعَلَكُم تَشكُرُونَ } [4].
[22]
هاتان الآيتان تتحدثان عن قصة المختارين من قوم موسى ( عليه السلام ) لميقات ربه ، وذلك أنّهم لمّا سمعوا كلام الله تعالى قالوا : لا نصدّق به حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا ، فقال موسى ( عليه السلام ) : " يا ربِّ ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم " فأحياهم الله له ، فرجعوا إلى الدنيا ، فأكلوا وشربوا ، ونكحوا النساء ، وولد لهم الأولاد ، ثم ماتوا بآجالهم [5].
فهذه رجعة أُخرى إلى الحياة الدنيا بعد الموت لسبعين رجلاً من بني إسرائيل ، قال تعالى : { واختارَ موسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنَا فَلَمَّا أخَذَتهُم الرَجفةُ قالَ ربِّ لو شِئتَ أهلَكتَهُم مِنْ قَبلُ وإيَّاي أتُهلِكُنا بِما فَعلَ السُّفَهآءُ مِنَّا } [6] .
المسيح ( عليه السلام ) يحيي الموتى : ذكر في القرآن الكريم في غير مورد إحياء المسيح للموتى ، قال تعالى لعيسى ( عليه السلام ) : { وإذ تُخرِجُ الموتى بإذني } [7]، وقال تعالى حاكياً عنه : { وأُحيي الموتى بإذنِ اللهِ } [8].
فكان بعض الموتى الذين أحياهم عيسى ( عليه السلام ) بإذن الله تعالى قد رجعوا إلى الدنيا وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم [9].
[23]
هؤلاء كانوا فتية آمنوا بالله تعالى ، وكانوا يكتمون إيمانهم خوفاً من ملكهم الذي كان يعبد الأصنام ويدعو إليها ويقتل من يخالفه ، ثم اتّفق أنّهم اجتمعوا وأظهروا أمرهم لبعضهم ، ولجأوا إلى الكهف { وَلَبِثُوا في كَهفِهِم ثَلاثَ مائةٍ سِنينَ وازدادُوا تِسعاً }[10]، ثم بعثهم الله فرجعوا إلى الدنيا ليتساءلوا بينهم وقصتهم معروفة .
فإن قال قائل : إنَّ الله عزَّ وجلَّ قال : { وتَحسَبُهُم أيقاظاً وهُم رُقُودٌ } [11] وليسوا موتى . قيل له : رقود يعني موتى ، قال تعالى : { ونُفِخَ في الصُّورِ فإذا هُم مِّنَ الاَجداثِ إلى رَبِّهم يَنسِلُونَ * قالُوا يا وَيلنا من بَعَثَنا مِن مَّرقَدِنا هَذا ماوَعدَ الرَّحمنُ وصَدَقَ المرسَلونَ } [12] ، ومثل هذا كثير [13].
وروى يوسف بن يحيى المقدسي الشافعي في " عقد الدرر " عن الثعلبي في تفسيره في قصة أصحاب الكهف ، قال :
" وأخذوا مضاجعهم ، فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي عليه السلام ، يقال : إنَّ المهدي يسلّم عليهم فيحييهم الله عزَّ وجلَّ } [14] ، وهو يدلُّ على رجعتهم في آخر الزمان .
[24]
روى المفسرون أنَّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له غنياً ليرثه وأخفى قتله له ، فرغب اليهود في معرفة قاتله ، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض القتيل ببعض البقرة ، ليحيا ويخبر عن قاتله ، وبعد جدال ونزاع قاموا بذبح البقرة ، ثم ضربوا بعض القتيل بها ، فقام حياً وأوداجه تشخب دماً وأخبر عن قاتله ، قال تعالى : { فَقُلنا اضرِبُوهُ بِبَعضِهَا كَذلِكَ يُحيي اللهُ الموتى ويُريكُم آياتِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ } [15].
إحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام بإذن الله :
ذكر المفسرون أنّ إبراهيم عليه السلام رأى جيفة تمزّقها السباع ، فيأكل منها سباع البرّ وسباع البحر ، فسأل الله سبحانه قائلاً : " يا ربِّ ، قد علمت أنّك تجمعها في بطون السباع والطير ودواب البحر ، فأرني كيف تحييها لاُعاين ذلك ؟ " قال سبحانه : {وإذ قالَ إبراهيمُ ربِّ أرِني كيفَ تُحيي المَوتى قالَ أوَلَمْ تُؤمِنْ قالَ بلى ولكِن لِيطمئنَ قَلبي قَالَ فَخُذ أربعةً مِنَ الطيرِ فَصُرهُنَّ إليكَ ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبلٍ مِنهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادعهُنَّ يأتِينَكَ سعياً واعلم أنَّ اللهَ عزيزٌ حَكيمٌ } [16] .
فأخذ طيوراً مختلفة الأجناس ، قيل : إنّها الطاووس والديك والحمام والغراب ، فقطعها وخلط ريشها بدمها ، ثم فرقها على عشرة جبال ، ثم أخذ بمناقيرها ودعاها باسمه سبحانه فأتته سعياً ، فكانت تجتمع ويأتلف
[25]
لحم كل واحدٍ وعظمه إلى رأسه ، حتى قامت أحياء بين يديه [17].
اختلف في ذي القرنين فقيل : إنّه نبي مبعوث فتح الله على يديه الاَرض ، عن مجاهد وعبد الله بن عمر . وقيل : إنّه كان ملكاً عادلاً .
وروي بالاِسناد عن أبي الطفيل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " إنّه كان عبداً صالحاً أحبَّ الله فأحبّه وناصح الله فناصحه ، قد أمر قومه بتقوى الله ، فضربوه على قرنه فمات ، فأحياه الله ، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات ، فسميَّ ذا القرنين " . قال عليه السلام : "وفيكم مثله" [18] يعني نفسه عليه السلام [19].
وفي رواية علي بن إبراهيم عن الاِمام الصادق عليه السلام : " إنَّ ذا القرنين بعثه الله إلى قومه ، فضربوه على قرنه الاَيمن ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إليهم بعد ذلك ، فضربوه على قرنه الاَيسر ، فأماته الله خمسمائة عام ثم بعثه إليهم بعد ذلك ، فملّكه مشارق الاَرض ومغاربها من حيث تطلع الشمس إلى حيثُ تغرب " [20] .
إحياء أهل أيوب عليه السلام :
قال تعالى : { وآتيناهُ أهلَهُ وَمِثلَهُم مَعَهُم } قال ابن عباس وابن مسعود : ردَّ الله سبحانه عليه أهله ومواشيه وأعطاه مثلها معها . وبه قال الحسن
[26]
وقتادة وكعب ، وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام [21].
هذه الحالات جميعاً تشير إلى الرجوع للحياة بعد الموت في الاُمم السابقة ، وقد وقعت في أدوار وأمكنة مختلفة ، ولاَغراض مختلفة ، ولاَشخاص تجد فيهم الاَنبياء والاَوصياء والرعية ، وهي دليل لا يُنازع فيه على نفي استحالة عودة الاَموات إلى الحياة الدنيا بعد الموت .
وهنا من حقنا أن نتساءل : ما المانع من حدوث ذلك في المستقبل لغرض لعلّه أسمى من جميع الاَغراض التي حدثت لاَجلها الرجعات السابقة ؟ ألا وهو تحقيق مواعيد النبوات وأهداف الرسالات في نشر مبادىء العدالة وتطبيق موازين الحق على أرض دنّستها يد الجناة والظلمة، وأشبعتها ظلماً وجوراً حتى عادت لا تطاق { وَلَقَد كَتَبنا في الزَّبُورِمِنْ بَعدِ الذِكرِ أنَّ الاَرضَ يَرِثُها عِباديَ الصالِحُونَ } [22] وقال تعالى : {فتَربَّصُوا حتى يَأتيَ اللهُ بأمرِهِ } .
ويعزّز الدليل على حدوث الرجعة في المستقبل كما حدثت في الاُمم الغابرة ما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لتتبعنَّ سنن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جُحر ضبّ لسلكتموه " قالوا :اليهود والنصارى ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : " فمن " [23].
[ 27 ]
ثانياً : الآيات الدالة على وقوعها قبل القيامة :
أولاً : قوله تعالى : { وإذا وقعَ القولُ عَليهم أخرَجنا لَـهُم دابَّةً مِنَ الاَرضِ تُكَلِّمُهُم أنَّ الناسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ *ويومَ نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فوجاً ممن يُكذِّبُ بآياتِنا فَهُم يُوزعُونَ * حتَّى إذا جاءُوا قال أكذّبتُم بآياتي ولم تُحيطُوا بها عِلماً أمَّاذا كُنتُم تَعملُونَ } [24]إلى قوله تعالى : { ويومَ يُنفخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ من في السَّماواتِ ومن في الاَرضِ إلاّ من شاءَ اللهُ وكلٌّ أتوهُ داخرينَ } [25].
من أمعن النظر في سياق الآيات المباركة وما قيل حولها من تفسير ، يلاحظ أنّ هناك ثلاثة أحداث مهمة تدلُّ عليها ، وهي بمجموعها تدلُّ على علامات تقع بين يدي الساعة وهي :
1. إخراج دابة من الاَرض : { أخرَجَنا لَـهُم دابَّةً من الاَرضِ } .
2. الحشر الخاص : { ويومَ نَحشُرُ من كُلِّ أُمّةٍ فَوجاً } .
3. نفخة النشور ثم القيامة : { ويومَ يُنفخُ في الصُّورِ... وكُلٌّ أتوهُ داخِرينَ} ، وسوف نتحدث عمّا في تلك الآيات من دلالة واضحة على الاعتقاد بالرجعة وعلى النحو الآتي :
فالآية الاُولى تتعلق بالوقائع التي تحدث قبل يوم القيامة باتّفاق المفسرين ، ويدلُّ عليه أيضاً ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ بين يدي الساعة الدجال والدابة ويأجوج
[ 28 ]
ومأجوج والدخان وطلوع الشمس من مغربها » [26].
وروى البغوي عن طريق مسلم ، عن عبدالله بن عمرو ، قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :" إنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة ضحىً " [27].
ماهي دابة الاَرض ؟
الدابة تطلق في اللغة على كلِّ ما يدبُّ ويتحرك على وجه الاَرض من الاِنسان والحيوان وغيره ، قال تعالى : { وَمَا مِن دابَّةٍ في الاَرضِ إلاّ على اللهِ رِزقُها }[28]، وقال تعالى : { ولو يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلمِهِم مَّا تَرَكَ عَليها مِن دَابّةٍ } [29] .
وخُصصت في بعض آي القرآن بالاِنسان ، كقوله تعالى : { إنَّ شرَّ الدّوابِّ عندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ } [30]، وفي بعض آخر بغير الاِنسان ، كقوله تعالى : { والدّوابُّ وكثيرٌ مِن النَّاسِ } [31]، وقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ والدّوابِّ } [32].
وقد ذكرت الدابة التي في قوله تعالى : { دابةٌ مِنَ الاَرضِ } بشكل
[ 29 ]
مجمل ، والوصف القرآني الوحيد المذكور لها بأنّها تكلّم الناس ، أما سائر أحوالها وخصوصياتها وكيفية ومكان خروجها ، فإنّها مبهمة في ظهر الغيب ولا يفصح عنها إلاّ المستقبل .
والروايات الواردة بشأن تفسير هذه الآية كثيرة ، ولا دلالة من الكتاب الكريم على شيءٍ منها ، فإن صحّ الخبر فيها عن الرسول الاَكرم وآله عليهم السلام قبلت، وإلاّ لم يلتفت إليها ، ويمكن تلخيص مضمون هذه الروايات في نقطتين :
1. إنَّ طائفة منها تدل على أنَّ هذه الدابة كائن حي غير معروف ومن غير جنس الاِنسان ، ولها شكل مخيف ، فهي ذات وبر وريش ومؤلفة من كل لون ، ولها أربع قوائم ، ولها عنق مشرف يبلغ السحاب ، ويراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب ، تخرج في آخر الزمان من الصفا ليلة منى، وقيل : من جبل جياد في أيام التشريق ، لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب ، وتحدّث الناس عن الاِيمان والكفر ، وتسم المؤمن بين عينيه ويكتب بين عينيه مؤمن ، وتسم الكافر بين عينيه ويكتب بين عينيه كافر .
2. والطائفة الثانية تدل على أنّ وجهها كوجه إنسان وجسمها كجسم الطير ، وأنّها تصرخ بأعلى صوتها بلسان عربي مبين : { إنَّ النَّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ } وأن معها عصا موسى وخاتم سليمان ، وتميّز بهما بين المؤمنين والكافرين ، فتنكت وجه المؤمن بالخاتم فتكون في وجهه نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة حتى يضيء لها وجهه ، وتنكت أنف الكافر بالعصا فتكون في وجهه نكتة سوداء فتفشو تلك النكتة حتى يسودّ لها
[ 30 ]
وجهه [33] .
وفي بعض الروايات ما يدل على أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو مصداق لهذه الآية ، فقد روي بالاسناد عن سفيان بن عيينة ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، أنّه قال : دابة الاَرض عليّ قدس سره [34].
وروى الشيخ الكليني بالاِسناد عن الاِمام الباقر عليه السلام قال : " قال أمير المؤمنين عليه السلام : وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول، وإنّي لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس " [35].
وروى الشيخ علي بن إبراهيم بالاِسناد عن الاِمام الصادق عليه السلام ، أنّه قال : "قال رجل لعمار بن ياسر ، يا أبا اليقظان ، آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني . قال عمار : أيّة آية هي ؟ قال : { وإذا وقعَ القولُ عليهِم أخرجنَا لهُم دابَّةً مِنَ الاَرضِ تُكلّمُهُم أنَّ النَّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقنُونَ } فأيّة دابة هذه ؟
قال عمار : والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أُريكها ، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمراً وزبداً ، فقال : يا أبا اليقظان، هلمّ ، فجلس عمار ، وأقبل يأكل معه ، فتعجّب الرجل منه ، فلمّا قام قال له الرجل : سبحان الله يا أبا اليقظان ، حلفت أنّك لا تأكل ولا تشرب
[ 31 ]
ولا تجلس حتى ترينيها . قال عمار : قد أريتكها ، إن كنت تعقل " [36].
وروي أيضاً عن الاِمام الصادق عليه السلام قال : " انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد ، وقد جمع رملاً ووضع رأسه عليه ، فحركه ثم قال له : قم يا دابة الاَرض .
فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ، أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الاسم ؟ فقال : لا والله ، ما هو إلاّ له خاصة ، وهو الدابة التي ذكرها الله تعالى في كتابه: { وإذا وقعَ القولُ عليهِم أخرجنَا لهُم دابَّةً مِنَ الاَرضِ } " [37].
وروي عن الاَصبغ بن نباتة ، قال : دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل خبزاً وخلاً وزيتاً ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال الله عز وجل : { وإذا وقعَ القولُ عليهِم أخرجنَا لهُم دابَّةً مِنَ الاَرضِ تُكلّمُهُم } الآية ، فما هذه الدابة؟ قال عليه السلام : " هي دابة تأكل خبزاً وخلاً وزيتاً " [38].
ويقول أبو الفتوح الرازي في تفسيره : طبقاً للاَخبار التي جاءتنا عن طريق الاَصحاب ، فإنَّ دابة الاَرض كناية عن المهدي صاحب الزمان عليه السلام [39].
ومع الاَخذ بنظر الاعتبار لهذا الحديث والاَحاديث المتقدمة ، يمكن
[ 32 ]
أن يستفاد من دابة الاَرض مفهوم واسع ينطبق على أي إمام عظيم يرجع في آخر الزمان ، ويميّز الحق عن الباطل والمؤمن من الكافر ، وهو آية من آيات عظمة الخالق .
والتعبير الوارد في الروايات المتقدمة بأنّ معه عصا موسى التي ترمز إلى القوة والاعجاز ، وخاتم سليمان الذي يرمز إلى الحكومة الاِلهية ، قرينة على كون الدابة إنساناً مسدّداً بالقدرة الاِلهية العظيمة بحيث يكون آية للناس ، إضافة إلى ذلك فإنّ قوله تعالى : { تُكلّمهم } يساعد على هذا المعنى .
الحشر الخاص ، قوله تعالى : { وَيَومَ نَحشُر من كُلِّ أُمّةٍ فَوجاً } .
سبق أن بيّنا أنَّ الآية الاُولى { أخرَجنَا لَهُم دابَّةً مِنَ الاَرضِ } تتعلق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة ، وذلك باتّفاق المفسرين ، وعليه تكون آية الحشر الخاص { ويومَ نَحشرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فوجاً } مكملة لها ومرتبطة بها من حيث التسلسل الزمني للاَحداث فضلاً عن سياق الآيات وترتيبها ، فقد وقعت آية الحشر الخاص بين علامتين من العلامات التي تقع قبيل الساعة وهي الدابة والنفخة { ويومَ يُنفَخُ في الصُورِ } ممّا يدلُّ على أنّ الحشر الخاص يقع قبل القيامة وأنّه من علاماتها ، وعبّر تعالى عن الحشر العام بعد نفخة النشور بقوله : { فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ وَمَن في الاَرضِ...وكُلٌّ أتوهُ داخِرينَ } ، إذن فهناك حشران حشر يجمع فيه من كلِّ أمة فوجاً وهو الرجعة ، وحشر يشمل الناس جميعاً وهو يوم القيامة ، وبما أنّه ليس ثمة حشر بعد القيامة إجماعاً فيتعين وقوع هذا الحشر بين يدي القيامة .
[ 33 ]
وبعبارة أُخرى أنّ ما يدلُّ على منافاة الحشر الخاص ليوم القيامة ، هو أنّ هذه الآية تدلُّ على حشر فوج من كلِّ أُمّة من أُمم البشرية ممّن كان يكذّب بآيات الله ، و ( من ) في قوله تعالى { مِن كلِّ أُمّة } تفيد التبعيض ، وهذا يعني الاستثناء ، وقد دلنا الكتاب الكريم في آيات عديدة على أنّ حشر القيامة لا يختصّ بقوم دون آخرين ، ولا بجماعة دون أُخرى، بل يشمل الجميع دون استثناء { ويومَ يَحشُرُهُم جميعاً } [40]، فطالما حصل الاستثناء فإنَّ ذلك لا يتعلق بأحداث يوم القيامة الذي ينهي الحياة برمّتها على وجه الاَرض ، ومن خلال ما تقدم اتضح الكلام عن دلالة الآية الثانية التي ذكرناها كعلامة بين يدي الساعة .
إذن فالآية تأكيد لحدوث الرجعة التي تعتقد بها الشيعة الاِمامية في حق جماعة خاصة ممّن محضوا الكفر أو الاِيمان ، وتعني عودة هذه الجماعة للحياة قبل يوم القيامة ، أما خصوصيات هذه العودة وكيفيتها وطبيعتها وما يجري فيها ، فلم يتحدث عنها القرآن الكريم ، بل جاء تفصيلها في السُنّة المباركة ، فإنّ صحت الاَخبار بها توجّب قبولها والاعتقاد بها ، وإلاّ وجب طرحها [41].
استدلال الاَئمة عليهم السلام :
لقد استدل أئمة الهدى من آل البيت عليهم السلام بهذه الآية على صحة الاعتقاد بالرجعة ، فقد روي عن أبي بصير ، أنّه قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : " ينكر أهل العراق الرجعة ؟ " قلتُ : نعم ، قال : " أما يقرأون القرآن { ويومَ
[ 34 ]
نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فوجاً } ؟ " [42].
وروى علي بن إبراهيم في تفسيره بالاسناد عن حماد ، عن الصادق عليه السلام ، قال : " ما يقول الناس في هذه الآية { ويومَ نَحشُرُ مِن كُلِّ أُمّةٍ فوجاً } ؟ " . قلتُ : يقولون إنّها في القيامة .
قال عليه السلام : " ليس كما يقولون ، إنّ ذلك في الرجعة ، أيحشر الله في القيامة من كلِّ أُمّة فوجاً ويدع الباقين ؟ إنّما آية القيامة قوله : { وَحَشَرناهُم فَلَم نُغادِر مِنهُم أحداً } " [43].
[1] سورة البقرة ( 2 ) : 259 .
[2]مجمع البيان ، للطبرسي 2 : 639 دار المعرفة ـ بيروت .
[3] تفسير العياشي 1 : 141 | 468 المكتبة العلمية ـ طهران .
[4] سورة البقرة ( 2 ) : 55 ـ 56 .
[5] الاعتقادات ، للصدوق : 61 .
[6] سورة الأعراف ( 7 ) : 155 .
[7] سورة المائدة ( 5 ) : 110 .
[8] سورة آل عمران ( 3 ) : 49 .
[9] الكافي 8 : 337 | 532 . وتفسير العياشي 1 : 174 | 51 .
[10] سورة الكهف 18 : 25 .
[11] سورة الكهف 18 : 18 .
[12] سورة يس 36 : 51 ـ 52 .
[13] راجع الاعتقادات ، للصدوق : 62 .
[14] عقد الدرر : 192 نشر دار النصايح ـ قم .
[15] سورة البقرة 2 : 73 . وراجع قصص الأنبياء ، للثعلبي : 204 ـ 207 المكتبة الثقافية / بيروت .
[16] سورة البقرة 2 : 260 .
[17] راجع تفسير القمي 1 : 91 . وتفسير العياشي 1 : 142 | 469 .
[18] تفسير الطبري 16 : 8 دار المعرفة ـ بيروت .
[19] تفسير الطبرسي 6 : 756 دار المعرفة ـ بيروت .
[20] تفسير القمي 2 : 40 .
[21] تفسير الطبرسي 7 : 94 . وتفسير الطبري 17 : 58 . وقصص الاَنبياء ، للثعلبي : 144 . والآية من سورة الاَنبياء 21 : 84 .
[22] سورة الاَنبياء 21 : 105 .
[23] كنز العمال ، للمتقي الهندي 11 : 133 | 30923 . وروى نحوه الشيخ الصدوق في كمال الدين: 576 جماعة المدرسين ـ قم .
[24] سورة النمل 27 : 82 ـ 84 .
[25] سورة النمل 27 : 87 .
[26] الدر المنثور ، للسيوطي 6 : 380 .
[27] مسند أحمد 2 : 201 دار الفكر . ونظم الدرر ، للبقاعي 5 : 451 دار الكتب العلميّة.
[28] سورة هود 11 : 6 .
[29] سورة النحل 16 : 61 .
[30] سورة الانفال 8 : 22 .
[31] سورة الحج 22 : 18 .
[32] سورة فاطر 35 : 28 .
[33] مجمع البيان ، للطبرسي 7 : 366 . وتفسير القرطبي 13 : 237 . والدر المنثور 6 : 378 . وروح المعاني ، للآلوسي 20 : 21 . وتفسير الرازي 24 :217 . وتفسير ابن كثير 3 : 387 . والآية من سورة النمل 27 : 82 .
[34] ميزان الاعتدال ، للذهبي 1 : 384 دار المعرفة .
[35] الكافي 1 : 198 | 3 باب أنّ الاَئمة عليهم السلام هم أركان الاَرض .
[36] تفسير القمي 2 : 131 . ومجمع البيان 7 : 366 .
[37] تفسير القمي 2 : 130 . وتفسير البرهان ، للبحراني 4 : 228 | 8043 تحقيق مؤسسة البعثة.
[38] تأويل الآيات ، للسيد شرف الدين 1 : 404 | 109 . والرجعة ، للاسترآبادي : 166 | 95 دار الاعتصام .
[39] تفسير الاَمثل ، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي12 : 129 مؤسسة البعثة ـ بيروت . عن تفسير أبي الفتوح 8 : 423 .
[40] سورة الانعام 6 : 128 .
[41] راجع نقض الوشيعة ، للسيد محسن الاَمين : 473 طبعة 1951 م .
[42] مختصر بصائر الدرجات : 25 . وبحار الاَنوار، للمجلسي 53 : 40 | 6 . والايقاظ من الهجعة : 278 | 91 . والرجعة ، للاسترآبادي : 55 | 30 .
[43] تفسير القمي 1 : 24 . ومختصر بصائر الدرجات ، للحسن بن سليمان : 41 . وبحار الاَنوار 53 : 60 | 49 . والرجعة ، للاسترآبادي : 77 | 48 .