{ 80 }
الفصل التاسع
أحاديث في الترغيب في حضور القلب
في ذكر قليل من أحاديث أهل البيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم في الترغيب في حضور القلب ، ونحن نكتفي هنا بذكر بعضها :
فعن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله : " اعبد الله كأنك تراه ، وان لم تكن تراه فإنه يراك"، يستفاد من هذا الحديث مرتبتان من مراتب حضور القلب ، الأولى : أن السالك يكون مشاهدا جمال الجميل في تجليات حضرة المحبوب على نحو تكون جميع مسامع قلبه مسدودة عن سائر الموجودات ، وتكون بصيرته مفتوحة لجمال ذي الجلال الطاهر ولا يشاهد غيره ، وبالجملة يكون مشغولا بالحاضر وغافلا عن المحضر والحضور . والمرتبة الثانية التي هي دون تلك المرتبة أن يرى السالك نفسه حاضرا في محضرة ويلاحظ أدب الحضور والمحضر. فالرسول الاكرم كأنه يقول ان كنت تستطيع أن تكون من أهل المقام الأول وتأتي بعبادة الله على ذلك النحو فافعل والا فلا تغفل عن أنك في المحضر الربوبي . ولمحضر الحق تعالى أدب تكون الغفلة عنه لا محالة بعدا عن مقام العبودية ، وإلى هذا أشير في???الحديث الذي رواه أبو حمزة الثمالي ( الثمالي هو أبو حمزة ثابت بن دينار الثقة الجليل صاحب الدعاء المعروف في اسحار شهر رمضان . كان من زهّاد أهل الكوفة ومشايخها وكان عربيّا أزديّا ، روى عن الفضل بن شاذان قال : سمعت الثقة يقول : سمعت الرضا عليه السلام يقول : أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان الفارسي وذلك أنه خدم أربعة منّا علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمّد وبرهة من عصر موسى بن جعفر عليهم السلام . انتهى . ( كش ) عن علي بن ابي حمزة في خبر قال : قال الصادق عليه السلام لابي بصير : اذا رجعت إلى ابي حمزة الثمالي فأقرئه منّى السلام وأعلمه انه يموت في شهر كذا في يوم كذا . قال أبو بصير : جعلت فداك والله لقد كان فيه أنس ، وكان لكم شيعة . قال : صدقت ما عندنا خير لكم . قلت : شيعتكم معكم ؟ قال : ان هو خاف الله وراقب نبيّه وتوقى الذنوب فاذا هو فعل كان معنا في درجتنا . قال علّي : فرجعنا تلك السنة فلما لبث أبو حمزة الاّ يسيرا حتّى توفّي رحمه الله . مات في سنة خمسين ومئة ( قن ) ) رضي الله عنه ، قال : " رأيت علّي
{ 81 }
بن الحسين عليه السلام يصلي فسقط رداؤه عن منكبه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته ، قال : فسألته عن ذلك ، فقال : ويحك أتدري بين يديّ من كنت ؟ " .
وفي حديث أيضاً عن الرسول صلى الله عليه وآله " إنّ الرجلين من أمتي يقومان إلى الصلاة وركوهعما وسجودهما واحد وان ما بين صلاتهما مابين السماء والأرض " وقال النبي صلى الله عليه وآله : " اما يخاف الذي يحول وجهة في الصلاة أن يحول الله وجهه إلى حمار ". وقال صلى الله عليه وآله : " من صلّى ركعتين لم يحدّث فيهما نفسه بشيء من الدنيا غفر الله له ذنوبه " وعنه صلى الله عليه وآله " ان من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر وان منها لما تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها " وان " مالك في صلاتك الا ما أقبلت عليه بقلبك ". وعن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " اذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله اليه ، أو قال أقبل الله عليه حتى ينصرف وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء والملائكة تحفّه من حوله إلى أفق السماء ووكل الله به ملكا قائما على رأسه يقول أيها المصلّي لو تعلم من ينظر اليك ومن تناجي ما التقتّ ولا زلت من موضعك أبدا ".
وقال الصادق عليه السلام : " لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلا وجبت له الجنة فإذا صلّيت فأقبل بقلبك إلى الله عزّ وجلّ فإنه ليس من عبد يقبل بقلبه على الله عزّوجلّ في صلاته ودعائه إلا أقبل الله عليه بقلوب المؤمنين وأيّده مع مودّتهم إيّاه بالجنة ". وعن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام أنهما قالا : " إن مالك في صلاتك إلا ما أقبلت عليه فيهما فإن أوهمها كلها أو غفل عن آدابها لفت فضرب بها وجه صاحبها ". وعن أبي
{ 82 }
جعفر عليه السلام قال : " ان العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها فما يرفع منها له إلا ما أقبل عليه منها بقلبه وإنما أمرنا بالنافلة ليتمّ لهم بها ما نقصوا من الفريضة ".
وعن الصادق عليه السلام " اذا أحرمت في الصلاة فأقبل اليها لأنك ان أقبلت أقبل الله إليك وإن أعرضت أعرض الله عنك فربّما لا يرفع من الصلاة الا ثلثها أو ربعها أو سدسها بقدر ما أقبل المصلّي إليها وان الله لا يعطي الغافل شيئا ".( أقول : نقلت الحديث الصادقي عن الترجمة للاستاذ دام ظله .)
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : " يا أبا ذر ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه ( لاه ) " والاحاديث في هذا الباب كثيرة وهذا المقدار كاف لارباب القلوب اليقظة وأصحاب الاعتبار . ( قال المحدث الجليل الفيض الكاشاني .. إن قيل : المستفاد من هذه الآيات والاخبار أن الصلاة من يغفل عما يقول فيها ويفعل ، ليست مقبولة إلا بقدر ما أقبل عليه منها . والفقهاء لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير والتوجّه عنده. فكيف التوفيق ، وأيضا فإن المصلّي في صلاته ودعائه مناج ربّه كما هو معلوم . وقد ورد في الخبر أيضا ، ولا شكّ أن الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ، والكلام إعراب عما في الضمير ولا يصحّ الاعراب عمّا في الضمير الا بحضور القلب فأي سؤال في قوله اهدنا الصراط المستقيم اذا كان القلب غافلا ولا شك ان المقصود من القراءة والاذكار ، الحمد والثناء والتضرع والدّعاء . والمخاطب هو الله تعالى وقلب العبد بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة . فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرّعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله ورسوخ عقد الايمان بها هذا حكم القراءة والذكر ، وأما الركوع والسجود فالمقصود التعظيم بهما قطعا . والتعظيم كيف يجتمع مع الغفلة ؟ واذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق الا مجرّد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به ثم يجعل عماد الدين والفاصل بين الكفر والاسلام ويقدّم على ساير العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص .
فاعلم أن بين القبول والاجزاء فرقا ، فإن القبول من العبادة ما يترتب عليه الثواب في الآخرة وتقرّب إلى الله زلفى ، والأجزاء ما يسقط التكليف عن العبد وان يثب عليه ، والناس مختلفون في تحمّل التكلف ، فالتكليف انما هو بقدر حوصلة الخلق وقابليتهم في سعتهم وقصورهم ، فلا يمكن أن يشترط عليهم جميعا إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز عنه كل البشر الا الأقلين ، وغذا لم يكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مردّ له إلا ان يشترط منه ما يطلق الاسم ولو في اللحظة الواحدة وأولي الخطاب به لحظة التكبير والتوجّه فاقتصر على التكليف بذلك ، ونحن مع ذلك نرجو ان لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا وأحضر للقلب لحظة ، وكيف لا والذي صلى مع الحديث ناسيا ، صلاته باطلة عند الله ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر تصوّره وعذره، وقد ذكرنا في باب العقائد في الفرق بين العلم الباطن والظاهر ان قصور الخلق أحد الاسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع .
وحاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة وان أقل ما يبقى به الروح الحضور عند التكبير ، فالنقصان منه هلاك وبقدر الزيادة عليه يبسط الروح في أجزاء الصلاة ، وكم من حيّ لا حراك به قريب من الميت . فصلاة الغافل في جميعها إلاّ عند التكبير حيّ لا حراك به.
وقال أيضا : اعلم أن المعاني الباطنة التي بها يتم حياة الصلاة بجمعها ست جمل وهي : حضور القلب والتفهّم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء . فالأول حضور القلب ، ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به ، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر جاريا في غيرهما ، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عنه فقد حصل حضور القلب ثم التفهّم لمعنى الكلام وهو أمر وراء حضور القلب ، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردنا بالتفهّم ، وهذا مقام يتفاوت فيه الناس إذ ليس يشترك الناس في تفهّم المعاني للقرآن والتسبيحات ، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه قبل ذلك ، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر فإنها تفهم أمورا ، تلك الأمور من الفحشاء والمنكر لا محالة .
ثم التعظيم وهو أمر وراء حضور القلب والفهم ، اذ الرجل ، ربما يخاطب غيره بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظما له .
ثم الهيبة : وهي زائدة على التعظيم ، اذ هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم لان من لا يخاف لا يسمى مهابة ، بل الهيبة خوف مصدره الاجلال .
ثم الرجاء : فالعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله .
ثم الحياء : ومبدؤه استشعار تقصير وتوهّم ذنب ، ولنذكر أسباب هذه المعاني الستة :
فاعلم أن حضور القلب سببه الهمّه ، فان قلبك تابع لهمّك فلا يحضر الا فيما يهمّك ، ومهما أهمّك أمر حضر القلب شاء أم أبى فهو مجبول عليه ومسخّر فيه ، والقلب اذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل كان حاضرا فيما الهمّة مصروفة اليه من أمور الدنيا ، فلا حيلة ولا علاج لاحضار القلب الاّ بصرف الهمة إلى الصلاة ، والهمّة لا ينصرف اليها ما لم يتبيّن أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الايمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وان الصلاة وسيلة اليه ، فاذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهانتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة .
وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى ، وعلاجه ما هو إحضار القلب مع الاقبال على الفكر والتشمّر لرفع الخواطر الشاغلة ، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تتحدث الخواطر إليها ، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر ، فمن أحب شيئا أكثر ذكره فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة ، ولذلك ترى من أحب غير الله لا تصفو صلاته عن الخواطر .
وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد بين معرفتين ، إحدهما معرفة جلالة الله وعظمته وهي من أصول الايمان ، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه .
الثانية : معرفة حقارة النفس وخسّتها وكونها عبدا مسخّرا مربوبا حتى يتولد من المعرفتين : الاستكانة والانكسار والخشوع لله ، فيعبر عنه بالتعظيم ، وما لم يمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الربّ لا ينتظم حالة التعظيم والخشوع ، فإن المستغني عن غيره ، الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الاخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجيها لم تقترن بها .
وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس يتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وانه لو أهلك الاولين والآخرين لم تنقص من ملكه ذرة ، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع .
وبالجملة ، كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة .
وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله وكرمه وعميم انعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة ، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعها الرجاء لا محالة . وأما الحياء فباستشعار التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث داخلها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعاله مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله ، والعلم بأنه مطّلع على السريرة وخطرات القلب ، وان دقّت وخفيت ، وهذه المعارف إذا حصلت يقينا أنبعث منها بالضرورة تسمّى الحياء . ( انتهى كلامه رفع مقامه ) )
{ 88 }
الفصل العاشر
في طريق تحصيل حضور القلب
اذا عرفت الآن فضيلة حضور القلب وخواصّه عقلا ونقلا وفهمت الاضرار الكبيرة في تركه فلا يكفي العلم وحده بل يجعل الحجة عليك أتمّ ، فشمّر عن ذيل الهمّة وكن في صدد تحصيل ما علمته وأخرج علمك إلى مرحلة العمل كي تستفيد منه وتربح فتفكر قليلا في أن قبول الصلاة شرط لقبول سائر الاعمال بحسب أحاديث أهل بيت العصمة عليهم السلام الذين هم معادن الوحي وإنّ أقوالهم وعلومهم من الوحي الالهي والكشف المحمّدي صلى الله عليه وآله وسلم وان الصلاة إذا لم تكن مقبولة فلا ينظر إلى سائر الاعمال أصلا وإن قبول الصلاة بإقبال القلب فلو لم تكن الصلاة مشتملة عليه فهي ساقطة من درجة الاعتبار ولا تليق بمحضر الحق تعالى ولا تقبل كما علم ذلك من الاحاديث السابقة فمفتاح خزينة الأعمال وباب أبواب جميع السعادات حضور القلب فيه يفتح باب السعادة للإنسان ومن دونه تسقط جميع العبادات من درجة الاعتبار . فالآن تفكّر قليلا بنظر الاعتبار وانظر بعين البصيرة أهمية المقام وعظمة الموقف وقم بالامر بجدّ تامّ فإن مفتاح باب السعادة وأبواب الجنة ومفتاح باب الشقاوة جهنم لفي جيبك في هذه الدنيا فتستطيع أن تفتح أبواب الجنة والسعادة لنفسك وتستطيع أن تكون على خلاف ذلك فزمام الأمر بيدك ولله الحجة البالغة قد
{ 89 }
هدى سبيل السعادة والشقاوة وأعطى التوفيقات الظاهرية والباطنية فما منه تعالى ومن أوليائه فقد تمّ وانمّا الآن فرصتنا في الإقدام فإنهم الهادون إلى الطريق ونحن السائرون فيه إنهم قضوا ما عليهم على الوجه الاحسن ولم يتركوا لنا عذرا ولم يقصّروا ولو لمحة فانتبه أنت أيضاً من نومك واطْوِ طريق السعادة واستفد من عمرك وقوّتك فإن الوقت إذا انقضى وفاتك العمر الحاضر و الشباب الموجود وفقدت كنز القدرة والقوة فلا ينجبر أبدا فإن كنت الآن في عهد الشباب فلا تؤخر أمرك إلى الشيب فإن للشيب مصائب لا يعلمها إلا الشيب وأنت في غفلة عنها ، ان الاصلاح في حال الشيب والضعف لمن الامور الصعبة جدا ، وان كنت شايبا فلا تدع بقية العمر تفوت منك فإنك مادمت في هذا العالم فلك طريق إلى السعادة ولك منها باب مفتوح فلا سمح الله إذا أغلق هذا الباب وانسدّ هذا الطريق فيخرج زمام الاختيار من يدك ولا يبقى لك نصيب سوى الحسرة والندامة والأسف على ما مضى من أمرك .
فأنت أيها العزيز ان كنت تؤمن بما ذكر بما أنه قول الأنبياء عليهم السلام وهيّأت نفسك لتحصيل السعادة وسفر الآخرة وعلمت بلزوم حضور القلب الذي هو مفتاح كنز السعادة فطريق تحصيله أن ترفع أولا موانع حضور القلب وتنحّي الاشواك عن طريق السلوك بجذورها وبعد رفع الموانع تقدم على تحصيل حضور القلب .
أما موانع حضور القلب في العبادات فهي تشتّت الخواطر وكثرة الواردات القلبية وهذه ربما تحصل من الامور الخارجية ومن طرق الحواس الظاهرية مثل أن يسمع في حال العبادة شيئا يتعلق الضمير به ويكون مبدأ للتخيلات والتفكرات الباطنية وتتصرف فيه الواهمة والمتصرفة فيطير الخيال من غصن إلى غصن .
{ 90 }
أو أن عين الانسان ترى شيئا ويكون منشأ تشتّت الخاطر وتصرُّف المتصرفة أو أن سائر حواس الانسان تدرك شيئا فتحصل منه انتقالات خيالية . وطريق علاج هذه الامور ، وان كان العلماء ذكروا أن العلاج هو رفع هذه الاسباب مثل أن يصلي الانسان في غرفة مظلمة أو مكان خال ويغضّ عينه ولا يصلي في المواضع التي تجلب النظر كما نقله الشهيد السعيد ( هو الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الجبعي أمره في الثقة والجلالة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجميع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر . ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصر وُلِد الشيخ زين الدين ثالث عشر شوال سنة 911 ( ظيا ) وختم القرآن وعمره تسع سنين وقرأ على والده العربية وتوفي والده سنة 925 ( ظكه ) وعمره اذ ذاك اربع عشرة سنة وارتحل إلى ميس وهو أول رحلته فقرأ على الشيخ الجليل علي بن عبد العالي الميسي الشرايع والارشاد وأكثر القواعد . وله قدّس سرّه رحلات إلى كرك و إلى جبع و إلى دمشق ثم الرجوع إلى جبع والرحلة منها إلى دمشق يريد مصر فسافر إلى مصر يوم الأحد منتصف ربيع الأول سنة 942 واتفق له في الطريق ألطاف خفية وكرامات جليّة ذكرها تلميذه ابن العودي . ودخل مصر بعد شهر من خروجه واشتغل على جماعة منهم الشيخ ابو الحسن البكري صاحب كتاب الأنوار في مولد النبي صلى الله عليه وآله ، ثم ارتحل إلى الحجاز في شوال 923 ، ولما قضي مناسكه زار النبي صلى الله عليه وآله وقد وعده بالخير في المنام بمصر ثم ارتحل إلى بلده جبع في صفر سنة 944 واقام بها إلى سنة 946 وتوشح ببرد الاجتهاد الا أنه بالغ في كتمان أمره إلى أن أقام ببعلبك بعد رحلات سنة 953 يدرس في المذاهب الخمسة واشتهر أمره وصار مرجع الانام ومفتي كل فرقة بما يوافق مذهبها وصار أهل البلد كلّهم في انقياده ورجعت إليه الفضلاء من أقاصي البلاد ثم انتقل بعد خمس سنين إلى بلده ، بنيّة المفارقة وأقام في بلده مشتغلا بالتدريس والتصنيف . ومصنفاته كثيرة مشهورة أولها الروض وآخرها الروضة . ألّفها في ستة أشهر وستة أيام وكان غالب الايام يكتب كراسا ومن عجيب أمره انه كان يكتب بغمسة واحدة في الدواة عشرين أو ثلاثين سطرا وخلّف ألفَي كتاب منها مئتا كتاب كانت بخطه الشريف من مؤلفاته وغيرها مع أنه قال تلميذه الشيخ محمد بن علي بن الحسن العودي الجزيني في رسالة ( بغية المريد في أحوال شيخه الشهيد ) : ولقد شاهدت منه سنة وردي إلى خدمته انه كان ينقل الحطب في الليل لعياله ويصلّي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر . وذكر أنه ( ره ) كان يتعلطى جميع مهمّاته بقلبه وبدنه مضافا إلى مهمّات الواردين ومصالح الضيوف المتردّدين اليه مع أنه كان غالب الزمان في الخوف الموجب لاتلاف النفس والتستّر والاخفاء الذي لا يسع الانسان أن يفكّر معه في مسألة من الضروريات البديهية . ولمّا كان في سنة 965 وهو في سن اربع وخمسين ترافع اليه رجلان فحكم لاحدهما على الاخر فذهب المحكوم عليه إلى قاضي صيدا واسمه معروف وكان الشيخ مشغولا بتأليف شرح اللمعة فأرسل القاضي إلى جبع من يطلبه وكان مقيما في كرم له مدة منفردا عن البلدة متفرّغا للتأليف، فقال بعض اهل البلد قد سافر عنا منذ مدّة فخطر ببال الشيخ ان يسافر إلى الحج . وكان قد حج مرارا لكنه قصد الاختفاء فسافر في محمل مغطّى وكتب القاضي إلى السلطان انه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع خارج عن المذاهب الاربعة فأرسل السلطان في طلب الشيخ فقبض عليه ، وروي أنه كان في المسجد الحرام بعد فراغه من صلاة العصر وأخرجوه إلى بعض دور مكة وبقي هناك محبوسا شهرا وعشرة أيام ثم ساروا به على طريق البحر إلى قسطنطنّية وقتلوه بها وبقي مطروحا ثلاثة أيام ثم ألقوا جسده الشريف في البحر .
وفي رواية ابن العودي قتلوه في مكان من ساحل البحر وكان هناك جماعة من التركمان ، فرأوا في تلك الليلة أنوار تنزل من السماء وتصعد فدفنوه هناك وبنوا عليه قبة وحُمل رأسه إلى السلطان وسعى السيد عبد الرحيم العباسي في قتل فقتله السلطان .
وحكي عن شيخنا البهائي ( ره ) قال أخبرني والدي أنه دخل في صبيحة بعض الأيام على شيخنا الشهيد المعظّم فوجده متفكّرا فسأله عن سبب تفكره فقال يا أخي أظن أن أكون ثاني الشهيدين لأني رأيت البارحة في المنام ان السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه عمل ضيافة جمع فيها العلماء الامامية بأجمعهم في بيت فلمّا دخلت عليهم قام السيد المرتضي ورحّب بي وقال لي يا فلان اجلس بجنب الشيخ الشهيد فجلست بجنبه فلما استوى بنا المجلس انتبهت . ومنامي هذا دليل ظاهر على أني أكون تالياً له في الشهادة .
( انتهى ) .
قيل في تاريخ وفاته :
تاريخ وفاة ذلك الأوّاه الجنة مستقرة والله )
رضوان الله عليه حيث قال : " كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته بقدر ما يمكن الصلاة فيه ليكون أجمع للهمّ " ولكن من المعلوم أن هذا لا يرفع المانع ولا يقلع المادة لان العمدة هي تصرّف الخيال فإن الخيال يعمل عمله بحصول منشأ جزئي له بل ربما يكون تصرف الخيال والواهمة في البيت المظلم والصغير وفي حال الوحدة أكثر ، ويتمسكان لاجل الدعابة واللهو بمبادئ اخرى فيتوقف حينئذ قلع المادة بالكلية على اصلاح الخيال والوهم ونحن نشير بعد ذلك إليه . نعم هذا النحو من العلاج ربما لا يكون في بعض النفوس بلا تأثير وخاليا من الاعانة ولكننا بصدد العلاج القطعي ونتطلب السبب الحقيقي للقلع وهو لا يحصل بما ذكر.
وربما يكون تشتت الخاطر والمانع عن حضور القلب من الامور الباطنية وعمدة المنشأ له على نحو كلّي أمران اليهما ترجع عمدة الامور الأخر .
الأول : ان طائر الخيال هو بنفسه فرّار يتعلق دائما كطائر من غصن إلى غصن ويطير من افريز إلى افريز وهذا ليس مرتبطا بحب الدنيا والتوجه بأمور دنيّة ومال دنيوي بل كون الخيال فرّارا مصيبة يبتلي بها الناس حتى التاركين للدنيا . وتحصيل سكون الخاطر وطمأنينة النفس وتوقف
{ 91 }
الخيال من الامور المهمة التي بإصلاحها يحصل العلاج القطعي ، ونحن نشير إليه بعد ذلك .
الامر الثاني الموجب لتشتّت الخاطر هو حب الدنيا وتعلق الخاطر بالحيثيات الدنيوية التي هي رأس الخطايا وام الامراض الباطنية ، وهذا التعلّق هو شوك طريق أهل السلوك ومنبع المصيبات ، وما دام القلب متعلقا به ، ومنغمرا في حب الدنيا فالطريق لاصلاح القلوب مسدود، وباب جميع السعادات في وجه الانسان مغلق ونحن نشير إلى رفع هذين المنشأين العظيمين والمانعين القويين ضمن فصلين ان شاء الله .
{ 95 }
الفصل الحادي عشر
في بيان الدواء النافع في علاج كون الخيال فرار
الذي يحصل منه حضور القلب ايضا
فاعلم أن كلا من القوى الظاهرية والباطنية من النفس قابل للتربية والتعليم بارتباض مخصوص ، فعين الانسان مثلا لا تقدر أن تنظر إلى نقطة معيّنة أو إلى نور شديد كنور عين الشمس مدة طويلة من دون أن تغمض ولكن اذا ربّاها كبعض أصحاب الرياضات الباطلة لمقاصدهم فيمكن أن تنظر إلى عين الشمس ساعات مديدة من دون أن تغمض عينه أو يجد فيها تعبا ، وكذلك يمكن له أن ينظر إلى نقطة معيّنة ساعات من دون أي حركة وكذلك سائر القوى حتى حبس النفس فإن في أصحاب الرياضات الباطلة أفرادا يحبسون أنفاسهم مدة زائدة عما هو متعارف عليه :
ومن القوى التي تقبل التربية قوة الخيال وقوة الواهمة فإنهما قبل التربية كطائر فرار ومتحرك بلا نهاية يطير من غصن إلى غصن ويتحرك من شيء إلى شيء آخر بحيث أن الإنسان اذا حاسبها دقيقة واحدة يرى أنها انتقلت مسلسلة إلى اشياء بمناسبات ضعيفة جدا وارتباطات غير متناسبة حتى ظنّ كثير من العلماء أن حفظ طائر الخيال طائعا من الامور الخارجة عن حيّز الامكان وملحق بالمحالات العادية ، ولكن الامر ليس كذلك ويمكن
{ 95 }
تطويعه بالرياضة والتربية وصرف الوقت بحيث يكون طائر الخيال في قبضته لا يتحرك إلا بإرادته واختياره فيحبسه متى أراد في أي مقصد أو أي مطلب بحيث يكون في ذلك المقصد ساعات .
والطريق العمدة لهذا التطويع هو العمل على الخلاف وطريقه ان الانسان حينما يريد ان يصلي يهىء نفسه بأن يحفظ خياله في الصلاة ويحبسه في العمل وبمجرد أن الخيال يريد أن يفّر من يد الإنسان يسترجعه فورا ويلتفت إلى حاله في جميع حركات الصلاة وسكناتها وأذكارها وأعمالها ويفتش عن حاله ولا يدعه بحاله ، وهذا في أول الأمر ربما يبدو أمرا صعباً ، ولكنه بعدما عمل فيه مدة بدقة وعلاج يصير طائعا حتما ويرتاض على الاطاعة ، فأنت لا تتوقع أن تتمكن في أول الأمر من حفظ طائر الخيال في جميع الصلاة فإن هذا أمر غير ممكن ومحال البتة ولعل الذين ادّعوا استحالة هذا الأمر كانوا يتوقّعون ذلك ولكن هذا الأمر لابد أن يكون بكمال التدريج والتأنّي والصبر والتأمل فيمكن أن يحبس الخيال في أول ألامر في عشر من الصلاة ويحصل حضور القلب في عشر منها وبالتدريج إذا كان الانسان بصدده ويرى نفسه محتاجا إليه فيصل إلى نتيجة أكثر . وشيئا فشيئا يتغلّب على شيطان الوهم وطائر الخيال بحيث يكون في أكثر حال الصلاة زمام الاختيار بيده ، ولا بد للإنسان ألاّ ييأس فإن اليأس هو المنبع للوهن والضعف كله ونور الرجاء في القلب يوصل الانسان إلى كمال سعادته ، ولكن العمدة في هذا الباب هو حسّ الاحتياج الذي هو فينا قليل وان قلوبنا لم تؤمن بأن رأس المال في سعادة العالم الاخر ووسيلة العيش في الايام غير المتناهية هو الصلاة ، نحن نحسب ان الصلاة أمر مفروض علينا ونراها تكليفا وتحميلا .
{ 97 }
إن حبّ الشيء يحصل من إدراك نتائجه فنحن نحب الدنيا فقد أدركنا نتيجتها وآمنت قلوبنا بها ولهذا لا نحتاج في اكتساب الدنيا إلى الدعوة والوعظ والاتعاظ .
وانّ الذين يظنّون ان الدعوة النبي الخاتم والرسول الهاشميّ صلى الله عليه وآله جهتين دنيوية وأخروية ، ويحسبون هذا فخرا لصاحب الشريعة وكمالا لنبوّته ، فهؤلاء ليس عندهم معرفة عن الدين وهم عن مقصد النبوّة ودعوتها غافلون .
ان الدعوة إلى الدنيا خارجة عن مقصد الانبياء العظام بالكلّية ويكفي في الدعوة إلى الدنيا حسّ الشهوة والغضب والشيطان الباطن والظاهر ولا تحتاج إلى بعث الرسل . إن إدارة الشهوة والغضب لا تحتاج إلى القرآن والنبي ، وإنما الانبياء بعثوا لينهوا الناس عن التوجّه إلى الدنيا وانهم ليقيّدون إطلاق الشهوة والغضب ويحدّدون موارد المنافع . والغافل يظن أنهم يدعون إلى الدنيا ، ان الانبياء يقولون إن المال لا يجوز تحصيله كيفما كان . ونار الشهوة لا يجوز إطفاؤها بأيّ نحو بل لا بدّ من إطفائها عن طريق النكاح ، وهكذا تحصيل فلا بدّ يكون عن طريق التجارة والصناعة والزراعة مع أن في أصل الشهوة والغضب إطلاقا ، فالانبياء يصدّون طريق إطلاقهما لا إنهم يدعون إلى الدنيا ، فروح الدعوة إلى التجارة هو التقييد والنهي عن الأكل بالباطل ، وروح الدعوة إلى النكاح هي تحديد الطبيعة والنهي عن الفجور وعن إطلاق قوة الشهوة .
نعم انهم عليهم السلام ليسوا مخالفين على الاطلاق ، فإن المخالفة على الاطلاق مخالفة للنظام الأتمّ .
وبالجملة نحن لما أحسسنا الاحتياج إلى الدنيا وجدناها رأس مال
{ 98 }
للحياة ومنبعا للّذات نتوجّه اليها ونسعى في تحصيلها فاذا آمنّا بالحياة الاخرة وأحسسنا أنا محتاجون إلى العيش هناك والعبادات كلها والصلاة على الخصوص رأس مال للعيش في ذلك العالم ومنبع لسعادات تلك النشأة فلا محالة نسعى في تحصيله ولا نجد لانفسنا في هذا السعي والاجتهاد أي تعب أو مشقة أو تكلّف ، بل نكون في صدد تحصيله مع الاشتياق والشوق الكامل ونحصّل شرائط حصوله و قبوله بإقبال من أرواحنا وقلوبنا ، فهذه البرودة التي فينا إنما هي من برودة أشعة الايمان وهذا الوهن الذي نجده انما هو من وهن أساس الايمان ولو كانت أخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام وبراهين الحكماء والعرفاء عليهم الرضوان أوجدت في أنفسنا مجرد الاحتمال بالصدق لكان اللازم علينا أن نقوم بالامر ونجتهد في تحصله بأحسن مما نحن فيه ولكن مع الآلاف من الاسف فإن الشيطان قد تسلّط على باطننا وتصرّف بمجامع قلوبنا ومسامع باطننا وهو لا يدع كلام الحق وأنبيائه وكلمات العلماء ومواعظ الكتاب الالهي تصل إلى سمعنا ، فسمعنا الان إنما هو السمع الحيواني الدنيوي ومواعظ الحق تعالى لا تتجاوز الحد الظاهر ، ولا تصل إلى الباطن ، وذلك لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد.
ومن الوظائف المهمة للسالك إلى الله والمجاهد في سبيل الله ان يرفع اليد بالكلية في خلال مجاهدته وسلوكه عن الاعتماد على نفسه ويكون بجبلته متوجها إلى مسبّب الاسباب وبفطرته متعلقا بمبدأ المبادئ ويتطلب من ذاته المقدسة العصمة والحفظ ويعتمد على تأييد ذاته الاقدس ويتضرع في خلواته إلى حضرته ويطلب إصلاح حاله مع كمال الجد في الطلب منه تعالى فانه لا ملجأ دون ذاته المقدسة والحمد لله .
{ 99 }
الفصل الثاني عشر
في الاشارة إلى أن حب الدنيا منشأ لتشتت الخيال ومانع من
حضور القلب وفي بيان علاجه بالمقدار الميسور
فليعلم ان القلب بحسب فطرته إذا تعلّق بشيء وأحبه يكون ذاك المحبوب قبلة لتوجّهه وان شغله أمر ومنعه عن التفكر في حال المحبوب وجمال المطلوب فبمجرّد أن يخفّ الاشتغال ويرتفع ذلك المانع يطير القلب شطر محبوبة فورا ويتعلق بذيله ، فأهل المعارف وأرباب الجذبة الالهية إذا كانت قلوبهم قوية وصاروا متمكنين في الجذبة والحب فيشاهدون في كل مرآة جمال المحبوب وفي كل موجود كمال المطلوب ويقولون : " ما رأيت شيئا الا ورأيت الله فيه ومعه " .
وان سيدهم ان قال " لَيُغان على قلبي واني لاستغفر الله في كل يوم سبعين مرة " إنما ذلك لاجل أنّ مشاهدة جمال المحبوب في المرآة خصوصا المرائي الكدرة ، كمرآة ابي جهل هي بنفسها موجبة للكدورة في قلوب الكمّل و إذا كانت قلوبهم غير قوّية ويكون الاشتغال بالكثرات مانعا عن الحضور ، فبمجرد أن الاشتغال تطير قلوبهم إلى وكر القدس وتتعلق بجمال الجميل. والطالبون لغير الحق أيضا الذين هم عند أهل المعرفة كلهم طالبون للدنيا فما يكون مطلوبا لهم فهم يتوجهون إليه ويتعلّقون به فهؤلاء ان
{ 100 }
كانوا مفرطين في حب محبوبهم ويكون حب الدنيا آخذا بمجامع قلوبهم فلا ينسلبون عن التوجه اليه في وقت ويعيشون مع جمال محبوبهم على كل حال ومع كل شيء وامّا إذا كان حبّهم للحق قليلاً فقلوبهم في وقت الفراغ ترجع إلى محبوبها وأما الذين يكون في قلوبهم حب المال والرياسة والشرف فأولئك يشاهدون مطلوبهم في المنام ايضا ويتفكرون في محبوبهم في يقظتهم ، وما داموا يشتغلون بالدنيا فهم يعتنقون محبوبهم فاذا حان وقت الصلاة وحصل للقلب فراغ فانه يتعلق بمحبوبه فورا فكأنما تكبيرة الإحرام هي مفتاح دكان أو رافعة للحجاب بينه وبين محبوبه فيتنبّه وقد سلم في صلاته وما توجّه اليها أصلا وهو في جميع الصلاة كان معتنقا فكر الدنيا ، فلهذا نرى أن الصلاة في مدى أربعين أو خمسين سنة ما أثرت في قلوبنا غير الظلمة والكدورة وما هو معراج قرب جناب الحق ووسيلة الانس بذلك المقام المقدس قد صرنا مهجورين به من ساحة القرب وأبعدنا عن مقام الانس بفراسخ ، ولو كان في صلاتنا رائحة العبودية لكانت ثمرتها المتربة والتواضع لا العجب والكبر والافتخار التى يصلح كل واحد منها سببا مستقلا وموجبا منفردا لهلاك الانسان وشقاوته .
وبالجملة فإن قلوبنا لما كانت مختلطة بحب الدنيا وليس لها مقصد ولا مقصود غير تعميرها فلا محالة أن هذا الحب مانع من فراغ القلب وحضوره في ذلك المحضر القدسيّ ، وعلاج هذا المرض المهلك والفساد المبيد هو العلم والعمل النافعان .
أما العلم النافع لهذا المرض فهو التفكر في ثمراته ونتائجه والمقايسة بينها وبين مضاره ومهالكه الحاصلة منه . وكاتب هذه الاوراق قد كتب في شرح الاربعين شرحا في هذا الباب وفسّر الموضوع فيه بالمقدار الميسور ،
{ 101 }
وهنا في هذا المجال ايضا نكتفي بشرح بعض أحاديث أهل بيت العصمة .
في الكافي عن أبي عبدالله عليه السلام قال : " رأس كل خطيئة حب الدنيا " . والروايات بهذا المضمون كثيرة مع اختلاف في التعبير ويكفي للانسان اليقضان هذا الحديث الشريف ، ويكفي لهذه الخطيئة العظيمة المهلكة أنها منبع لجميع الخطايا وأساس جميع المفاسد ، فبقليل من التأمل يعلم أن جميع المفاسد الخلقية والعملية على التقريب من ثمرات هذه الشجرة الخبيثة فما أسّس في العالم دين كاذب ولا مذهب باطل وما اتفق في الدنيا فساد الا بواسطة هذه الموبقة العظيمة . وإنّ القتل والنهب والظلم والتعدي هي نتائج هذه الخطيئة . وان الفجور والفحشاء والسرقة وسائر الفجائع وليدة هذه الجرثومة للفساد ، والانسان الذي وقر فيه هذا الحب مجانب لجميع الفضائل المعنوية ، وان الشجاعة والعفّة والسخاء والعدالة التي هي مبدأ جميع الفضائل النفسانية لا تجتمع مع حب الدنيا ، وان المعارف الالهية والتوحيد في الاسماء والصفات والافعال والذات وتطلب الحق ورؤية الحق متضادة مع حب الدنيا وان طمأنينة النفس وسكون الخاطر واستراحة القلب التي هي روح السعادة في الدنيا لا تجتمع مع حب الدنيا وان غنى القلب والكرامة وعزّة النفس والحرية كلها من لوازم عدم الاعتناء بالدنيا ، كما أن الفقر والذلّة والطمع والحرص والرقّيّة والتملّق من لوازم حب الدنيا ، وان العطف والرحمة والمواصلة والمودة والمحبة متعارضة مع حب الدنيا ، وان البغض والحقد والجور وقطع الرحم والنفاق وسائر الاخلاق الفاسدة وليدة أم الامراض هذه .
وفي مصباح الشريعة قال الصادق علية السلام " الدنيا بمنزلة صورة رأسها الكبر وعينها الحرص وأذنها الطمع ولسانها الرياء ويدها الشهوة ورجلها
{ 102 }
العجب وقلبها الغفلة وكونها الفناء وحاصلها الزوال فمن أحبها أورثته الكبر ومن استحسنها أورثته الحرص ومن طلبها أوردته إلى الطمع ومن مدحها ألبسته الرياء ومن أرادها مكّنته من العجب ومن اطمأنّ إليها أولته الغفلة ومن أعجبته متاعها أفنته ومن جمعها وبخل بها ردّته إلى مستقرها وهي النار " .
وروي الديلمي ( هو أبو محمد الحسن بن ابي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه صاحب كتاب إرشاد القلوب المعروف الذي قال في مدحه السيد عليخان كما في ( ضا ) :
هذا كتاب في معانيه حسن للديلمي ابي محمد الحسن
اشهى إلى المضنى العليل من الشفا وألذّ في العينين من غمض الوسن
وله أيضا في مدحه :
اذا ضلت قلوب عن هداها فلم تدر العقاب من الثواب
فأرشدها جزاك الله خيرا بإرشاد القلوب إلى الصواب
وله كتاب غرر الاخبار ودرر الآثار ، وأعلام الدين في صفات المؤمنين . و الظاهر أنه كان في عصر الشهيد الأول وينقل عنه الشيخ ابن فهد في عدّة الداعي بعنوان الحسن بن ابي الحسن الديلمي قيل إن حديث الكساء المشهور الذي يعدّ من منفردات منتخب الطريحي موجود في غرر هذا الشيخ .) في إرشاد القلوب عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في ليلة المعراج ممّا خاطب الله به نبيه " يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض وصام صيام أهل السماء والأرض وطوى من الطعام مثل الملائكة ولبس لباس العابدين ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرة أو سمعتها أو رياستها أو حيلتها أو زينتها لا يجاورني في داري ولأنزعنّ من قلبه محبّتي ولأظلمنّ قلبه حتى ينساني ولا اذيقه حلاوة محبّتي " . ( أقول : ما بين القوسين لم يكن في النسخة المطبوعة وانما نقلته من ترجمة الاستاذ دام ظلّه .)
والاحاديث في هذا الباب أكثر من أن تسعها هذه الأوراق ، فاذا علم أن حبّ الدنيا هو مبدأ ومنشأ جميع المفاسد فعلى الانسان العاقل المعتني بسعادته أن يخلع هذه الشجرة بجذورها عن القلب .
وأما طريق العلاج العلمي فهي أن يعامله بالضدّ فاذا كان تعلقه بمال ومنال فانه يقطع جذورها عن القلب ببسط اليد والصدقات الواجبة والمستحبة ، وان من اسرار الصدقات تقليل العلاقة بالدنيا ، ولهذا يستحبّ للانسان أن يتصدّق بالشيء الذي يحبّه ويتعلق قلبه به ، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم : " لن تنالوا البّر حتى تنفقوا مما تحبّون " . ( آل عمران 92 .)
وان كانت علاقته بفخر وتقدّم ورياسة واستطالة فليعمل ضدّها ويرغم النفس حتى تصير إلى الصلاح ، وليعلم الانسان أن الدنيا بمثابة أنه كلّما اتبعها أكثر وكان في صدد تحصيلها أكثر تكون علاقته بها أكثر ويكون
{ 103 }
أسفه على فقدانها أزيد ، فكأنّ الانسان دائما طالبك لشيء لا يناله فهو يظن أنه طالب للحد الفلاني من الدنيا فما دام فاقدا لذلك الحد فإنه يطلبه ويتحمل في سبيل تحصيله المشاق ويلقي بنفسه إلى المهالك ، وبمجرد أن ينال ذلك الحد من الدنيا يغدو في نظره أمرا عاديا . ويرتبط عشقه وعلاقته بشيء آخر فوق ذلك الحد فيتعب نفسه له ولا تطفأ نار عشقه أبداً بل تزداد اتّقادا يوما فيوما ويشتدّ تعبه ومشقّته أكثر وليس لهذه الفطرة والجبلة توقف أبدا ، وأهل المعرفة قد أثبتوا بهذه الفطرة كثيراً من المعارف بيانها خارج عن مجال هذه الأرواق ، وقد أشير إلى بعض هذه المطالب في الاحاديث الشريفة كما في الكافي الشريف عن باقر العلوم عليه السلام :
" مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّّ كلما ازدادت من القزّ على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غماّ " . وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال : " مثل الدنيا كماء البحر كلما شربه انسان عطشان يزيد عطشه حتى يقتله " .
فأنت يا طالب الحق والسالك إلى الله إذا طوّعت طائر الخيال وقيّدت شيطان الواهمة وخلعت نعليَ حبّ النساء والأولاد وسائر الشؤون واستأنست بجذوة نار العشق لفطرة الله وقلت اني آنست نارا ووجدت نفسك خاليا من موانع السير وهيّأت أسباب السفر فقم من مكانك واهجر هذا البيت المظلم للطبيعة والمعبر الضيق المظلم للدنيا واقطع سلاسل الزمان وقيوده وانج بنفسك من هذا السجن وأطر طائر القدس إلى محفل الانس .
توراز كنكره عرش ميزنند صفير ندانمت كه دراين دامكه جه افتاده . ( البيت للشاعر العارف الحافظ الشيرازي يقول :
تنادى من العرش العظيم ولا أدري لماذا مقيم أنت في ذلك الفخ )
فقو عزمك وأحكم إرادتك فان أول شرط للسلوك هو العزم وبدونه لا
{ 104 }
يمكن أن يسلك طريق ولا ينال كمال ، والشيخ الأجلّ شاه آبادي ، روحي فداه كان يعبّر عنه بلبّ الانسانية بل يمكن أن يقال أن ، من احدى الجهات المهمة للتقوى والتجنّب عن المشتهيات النفسانية وترك أهوائها والرياضات الشرعية والعبادات والمناسك الالهية تقوية العزم وانقهار القوى الملكية تحت ملكوت النفس كما ذكر من قبل ، ونحن نختم الآن هذه المقالة بالتحميد والتسبيح للذات المقدسة الكبريائية جلّ وعلا وبالثناء على السيد المصطفى والنبي المجتبى وآله الاطهار عليم السلام ، ونستمدّ لهذا السفر الروحاني والمعراج الايماني من تلك الذوات المقدسة.
{ 107 }
المقالة الثانية _____________________________________________
في مقدمات الصلاة
وفيها
خمسة أبواب
{ 109 }
الباب الأول
في التطهيرات والوضوء وآدابهما
وفيه سبعة فصول
{ 110 }
الفصل الأول
في التطهيرات الثلاثة
كما أشرنا سابقا أن للصلاة غير هذه الصورة لحقيقة ، وغير هذا الظاهر لباطنا ، فكما أن لظاهرها آدابا وشروطا صورية وكذلك لباطنها أيضا آدابك وشروطك ولا بد للسالك من مراعاتها فللطهارة الصورية آداب وشروط صورية خارج بيانها عن وظيفة هذه الأوراق ، وفقهاء الجعفرية أعلى الله كلمتهم ورفع الله درجتهم قد بيّنوها . وأما الآداب الباطنية والطهور الباطني فنحن نبيّنها على نحو الاجمال .
فليعلم أنه طالما كانت حقيقة الصلاة هي العروج إلى مقام القرب والوصول إلى مقام حضور الحق جلّ وعلا فللوصول إلى المقصد الاعلى والغاية القصوى يلزم طهارات غير هذه الطهارات ، وأشواك هذا الطريق وموانع هذا العروج هي قذارات لا يتمكن السالك مع اتصافه باحدى تلك القذارات من الصعود إلى هذه المرقاة والعروج بهذا المعراج وما يكون من قبيل تلك القذارت فهو موانع الصلاة ورجس الشيطان وما يكون معينا للسالك في السير ، ومن آداب الحضور فهو من شروط هذه الحقيقة ويلزم للسالك إلى الله في بداية الامر رفع الموانع أولا كي يتّصف بالطهارة ويتيسّر له الطهور
{ 111 }
الذي هو من عالم النور ، وما دام السالك لم يتطهّر من جميع القذارات الظاهرية والباطنية والعلنيّة والسرية لا يكون له أي حظ من المحضر والحضور .
فأول مرتبة من مراتب القذارات هي تلوّث الالات والقوى الظاهرية للنفس بلوث المعاصي وتقذرها بقذارة المعصية لوليّ النعم ، وهذه هي الشبكة الصورية لابليس ، وما دام الانسان مبتلى بهذه الشبكة فهو عن فيض المحضر وحصول القرب الالهي محروم ولا يظنّن أحد أنه يمكن أن يرقى إلى مقام حقيقة الانسانية من دون تطهير ظاهر مملكة الانسانية ، أو انه يستطيع ان يطهّر باطن قلبه من دون تطهير ظاهره ، وهذا الظّن غرور من الشيطان ومن مكائده العظيمة وذلك لان الكدورات والظلمات القلبية تزداد بالمعاصي التي هي غلبة الطبيعة على الروحانية ، وما دام السالك ما افتتح المملكة الظاهرية فهو محروم بالكلية من الفتوحات الباطنية التي هي المقصد الاعلى ولا ينفتح له طريق إلى السعادة ، فأحد الموانع الكبيرة لهذا السلوك هو قذارات المعاصي التي لابدّ أن تطهّر بماء التوبة النصوح الطاهر الطهور ، وليعلم ان جميع القوى الظاهرية والباطنية التي أعطانا الله إياها وأنزلها من عالم الغيب هي أمانات إلهية كانت طاهرة عن جميع القذارات وكانت طاهرة مطهّرة بل كانت متنورة بنور الفطرة الالهية وبعيدة عن ظلمة تصرّف ابليس وكدورته ، فلما نزلت إلى ظلمات عالم الطبيعة وامتدت يد تصرّف شيطان الواهمة ويد الخيانة الابليسية اليها خرجت عن الطهارة الاصلية والفطرة الاولية وتلوّثت بأنواع القذارات والارجاس الشيطانية . فالسالك إلى الله إذا تمسك بذيل عناية ولّي الله وأبعدها عن أن تتناولها يد الشيطان وطهّر المملكة الظاهرية وردّ الامانات الالهية كما أخذها فهو ما خان الامانة حينئذ وان
{ 112 }
صدرت منه خيانة فهو مورد للغفران والستارية فيستريح خاطره من ناحية الظاهر ويقوم بتخلية الباطن من أرجاس الاخلاق الفاسدة وهذه هي المرتبة الثانية من القذارات التي فسادها أكثر وعلاجها أصعب ، وعند أصحاب الارتياض أهم لانه ما دام الخلق الباطني للنفس فاسدا والقذارات المعنوية محيطة بها لا تليق بمقام القدس وخلوة الانس بل مبدأ فساد المملكة الظاهرية للنفس هو الاخلاق الفاسدة والملكات الخبيثة لها وما دام السالك لم يبدّل بالملكات السيئة الملكات الحسنة فليس مأمونا عن شرور الاعمال . واذا وُفّق للتوبة والاستقامة عليها التي هي من المهمات لا تتيسّر له . فتطهير الظاهر ايضا متوقف على تطهير الباطن مضافا إلى أن القذارات الباطنية موجبة للحرمان من السعادة ومنشأ لجهنم الاخلاق التي هي كما يقول " أهل المعرفة " أشدّ حرّاً من جهنم الاعمال ، وقد أشير كثيراً إلى هذا المعنى في أخبار أحاديث أهل بيت العصمة . فيلزم السالك إلى الله هذه الطهارة ايضا .
وبعد أن غُسل عن روح النفس التلوث بالاخلاق الفاسدة بماء العلم النافع الطاهر الطهور وبارتياض شرعي صالخ يشتغل حينئذ بتطهير القلب الذي هو أم القرى وبصلاحه تصلح المملكة وبفساده تفسد كلها . وقذارات عالم القلب مبدأ القذارات كلها وهي عبارة عن تعلّقه بغير الحق وتوجّهه إلى نفسه إلى العالم ، ومنشؤها جميعا حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة وحبّ النفس الذي هو أمّ الامراض . وما دامت جذور هذه المحبة في قلب السالك لا يحصل فيها أثر من محبة الله ولا يهتدي طريقا إلى منزل المقصد والمقصود ، ومادام للسالك في قلبه بقايا من هذه المحبة لم يكن سيره إلى الله بل يكون سيره إلى النفس و إلى الدنيا و إلى الشيطان، فالتطهير
{ 113 }
عن حب النفس والدنيا هو أول مرتبة تطهير السلوك إلى الله في الحقيقة لانه قبل هذا التطهير ليس السلوك سلوكا وانما يطلق السلوك والسالك على سبيل المسامحة ( وقال بعض علماء الاخرة في المقام بعد ذكر بعض الآيات والروايات فتفطّن ذوو البصائر بهذه الظواهر ، إن أهم الامور تطهير السرائر اذ يبعد ان يكون المراد بقوله صلى الله عليه وآله : " الطهور نصف الايمان " عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإنقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحونا بالاخباث والقذارات هيهات هيهات .. ثم قال : والطهارة لها أربع مراتب . المرتبة الاولى : تطهير الظاهر عن الاحداث وعن الاخباث والفضلات . المرتبة الثانية : تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام . المرتبة الثالثة : تطهير القلب عن الاخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة . المرتبة الرابعة : تطهير السرّ عما سوى الله تعالى وهي طهارة الانبياء صلوات الله عليهم والصدّيقين . والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي هو فيها فان الغاية القصوى من عمل السرّ أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ولن تحلّ معرفة الله تعالى بالحقيقة في السرّ ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه . ولذلك قال الله تعالى : " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " ( الانعام 91 ) .. لانهما لا يجتمعان في قلب واحد . " وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " ( الاحزاب 4 ) وأما عمل القلب والغاية القصوى فيه عمارته بالاخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ، ولن يتّصف بها ما لم ينظّف من نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة ، فتطهيره أحد الشطرين ، وهو الشطر الاول الذي هو شرط في الثاني فكان الطهور شطر الايمان بهذا المعنى ، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الاول الذي هو شرط في الثاني ، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الاول وعمارتها بالطاعات الشطر الثاني .
فهذه مقامات الايمان ولكل مقام طبقة ولن ينال العبد الطبقة العالية الا أن يجاوز الطبقة السافلة فلا يصل إلى طهارة السر من الصفات المذمومة وعمارته بالخلق المحمود ، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ من طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات وكلما عزّ المطلوب وشرف ، صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته . فلا تظن ان هذا الامر يدرك وينال بالهوينى .
انتهى موضع الحاجة من كلامه أقول :
ومن طلب العلى سهر الليالى ) ومن وراء هذا المنزل منازل البلاد السبعة لعشق العطار يظهر النموذج منها للسالك وذاك القائل رأى نفسه في أول منعطف من زقاقها ( اشارة إلى الشعر المعروف للعارفي الرومي يقول فيه :
هفت شعر عشق را عطّار كَشت ماهنوزاندرخم يك كوجه ايم
يعنى أن عطّار النيشابوري ( العارف المعروف ) سار ودار في المدن السبعة التي هي مدن العشق وبلاده ولكنّا مع الاسف إلى الان لم نتجاوز من منعطف زقاق واحد لتلك المدن .) ونحن وراء الاسوار والحجب الضخمة ونحسب تلك البلاد وحكامها من الاساطير .
أنا لست أركز على الشيخ العطار (هو فريد الدين محمد بن ابراهيم النيسابوري المعروف بالشيخ العطّار صاحب الاشعار والمصنّفات في التوحيد والحقايق والمعارف وله اشعار في مدح مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وفي ذمّ الدذيا . توفي سنة 427 ( خكز ) بعد عمر طويل وقيل أنّه قُتل في فتنة التتر وقبره خارج نيسابور معروف . وميثم التمّار الصحابي المعروف .) أو على ميثم التمّار ولكن لا أنكر المقامات من أصلها وأتطلب صاحبها بالقلب والروح وأرجو الفرج لهذه المحبة وأنت كن كما شئت واتصل مع من شئت :
مدّعي خواست كه آيد بتماشاكه راز
دست غيب آمد وبرسينه نا محرم زد ( البيت للعارف الحافظ الشيرازي يقول :
أراد المدّعي أن يدخل منتزه السرّ فظهرت اليد الغيبية وضربت في صدر المدعي وردّه عن الورود لأنه ما كان محرماً للسرّ . فبيّن أن من شروط الدخول في حرم سرّ الله رفض الدعوى وترك الأنانية .)
ولكن لم أكن خائنا للاحباء العرفانيين في الاخوة الايمانية ولا أضيق بالنصيحة لهم التي هي من حقوق المؤمنين .
فإن أعظم القذارات المعنوية التي لا يمكن تطهيرها بسبعة أبحر وأعجزت الانبياء العظام هي قذارة الجهل المركب الذي هو منشأ الداء العضال الا وهو انكار مقامات أهل الله وأرباب المعرفة ومبدأ سوء الظنّ لاصحاب القلوب ، وما دام الانسان ملوّثا بهذه القذارة لا يتقدّم خطوة إلى المعارف بل ربما تطفىء هذه الكدورة نور الفطرة الذي هو مصباح طريق الهداية وينطفئ بها نار العشق التي هي براق العروج إلى المقامات ويخلّد الانسان في أرض الطبيعة ، فاللازم على الانسان أن يغسل هذه القذارات عن باطن القلب بالتفكر في حال الانبياء والاولياء الكمل صلوات الله عليهم
{ 114 }
وتذكر مقاماتهم و الاّ يقنع بالحدّ الذي هو فيه فإن الوقوف على الحدود والقناعة في المعارف ، من التلبيسات العظيمة لابليس والنفس الامّارة نعوذ بالله منها ، وحيث أن هذه الرسالة كتبت على وفق ذوق العامة فقد أمسكنا عن التطهيرات الثلاثة للاولياء والحمد لله . ( بالاستئذان من حضرة الاستاذ أشير إلى التطهيرات الثلاثة للاولياء وأن كان لا يخلو عن التجاسر وسوء الادب عند أرباب المعنى .
فأقول : المرتبة الاولى من التطهيرات الثلاثة للاولياء تطهير الاعضاء والجوارح من الاعمال والافعال البشرية ، وهذا التطهير هو نتيجة قرب النوافل كما في الحديث المتفق عليه " لا يزال يتقرّب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت أنا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها " .
فالسالك الكامل الواصل اذا خرج من بيت النفس المظلم وطوى عالم النفس بالكلية واندك جبل إنّيّته وأنانيته بتجلي الانوار الربوبية وخرق الحجب النورانية والظلمانية يتجلى الحق تعالى في وجوده فيسمع بالحق ولا يسمع غير الحق ويبصر بالحق ولا يبصر سوى الحق ويبطش بالحق ولا يصدر منه الا الحق وينطق بالحق ولا ينطق الا الحق .
فإذا تمكن في هذا المقام وتقرّب إلى الله سبحانه بقدر استعداده فتحصل له المرتبة الثانية من التطهير وهو التطهير من الصفات الخلقية فالجذبات الالهية الرحمانية تجذبه ويأنس بنار العشق من جانب طور تجلّي الاسماء فتقربه من بساط الانس ، فإن جذبه من جذبات الرحمان توازن عمل الثقلين كما في الحديث ويكون كالحديدة المحماة كما في الحديث أيضاً ، فكلما يتكمن من القرب يتأدّب بالاداب الربوبية المستفادة من قوله صلى الله عليه وآله " أدّبني ربي فأحسن تأديبي " . فتكمل فيه الصفات والملكات الخلقية وتصل جوهرة العبودية إلى كنها وتختفي العبودية وتظهر الربوبية وتتحقق بحقيقة " وتخلّقوا بأخلاق الله " . ثم في منتهى قرب النوافل يصل إلى المرتبة الثالثة من التطهير وهي تطهير الذات وكشف سبحات الجلال ويحصل الفناء الكلّي والصعق التام والاضمحلال المطلق والتلاشي التام ويصير القلب الهيا ولاهوتيا وتتجلى حضرة اللاهوت في مراتب الباطن والظاهر فيصل على معدن العظمة ويصير روحه معلقا بعزّ القدس كما أشار عليه السلام في المناجاة الشعبانية : " الهي هب لي كمال الانقطاع اليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرنا اليك حتى تخرق ابصار القلوب حجب النور وتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك " . فعند ذلك يكون وجوده حقانيا ، والحق تعالى يشاهد الموجودات في مرآة وجوده ، واذا كان انسانا كاملا فيوافق المشيئة المطلقة ، كما ورد في زيارة الاولياء الكمّل " ارادة الربّ في مقادير أموره تهبط اليكم وتصدر من بيوتكم " وتكون روحانية عين مقام الظهور الفعلي للحق تعالى كما قال علي عليه السلام : " نحن صنائع الله والخلق بعد صنائعنا " فيه يبصر الحق تعالى وبه يسمع وبه يبطش كما في زيارة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : " السلام على عين الله الناظرة وأذنه الواعية ويده الباسطة السلام على جنب الله الرضي ووجهه المضيء " وربما تستفاد هذه اللطيفة الربانية من حديث قرب النوافل : " كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به .. إلى آخره .. " فليتدبّر .. وفي دعاء رجب : " لا فرق بينك وبينها الا أنهم عبادك وخلقك " .
وليعلم أنه يمكن تطهير الفطرة بعد تلوثها . وما دام الانسان في هذه النشأة فالخروج من تصرّف الشيطان له مقدور وميسور ، والورود في حزب ملائكة الله التي هي جنود رحمانية الهية له ميسّر . وحقيقة جهاد أعداء الدين كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الخروج من تصرف جنود ابليس والورود تحت تصرّف جنود الله ، فأول مرتبة الطهارة هي التسنّن بالسنن الالهية والائتمار بأوامر الحق .
والمرتبة الثانية هي التحلي بفضائل الاخلاق وفواضل الملكات . والمرتبة الثالثة هي الطهور القلبي وهو عبارة عن تسليم القلب إلى الحق تعالى ، وبعد هذا التسليم يصير القلب نورانيا بل يكون القلب نفسه من عالم النور ومن درجات النور الالهي ، ويسري نور القلب إلى سائر الاعضاء والجوارح والقوى الباطنية وتكون المملكة كلها نورا ونورا على نور وينتهي الامر إلى حد يكون القلب الهيا ولاهوتيا ، وتتجلى حضرة اللاهوت في جميع مراتب الباطن والظاهر، وفي هذه الحال تفنى العبودية كل الفناء وتختفي ، فتظهر الربوبية وتبين . ويحصل لقلب السالك في هذه الحال الطمأنينة والانس ويصير جميع العوامل محبوبا له وتحصل له الجذبات الالهية وتغفر له الخطايا والزلاّت وتستتر في ظلّ التجلّيات الحبّيّة وتحصل له بدايات الولاية ويليق بالورود على محضر الانس ، وللسالك بعد هذا منازل لا يناسب هذه الاوراق ذكرها .)
{ 120 }
الفصل الثاني
في الاشارة إلى مراتب الطهور
اعلم أن الانسان مادام في عالم الطبيعة ومنزل مادة الهيولانية فهو تحت تصرفات جنود الهية وجنود ابليسية . والجنود الالهية هي جنود الرحمة والسلامة والسعادة والنور والطهارة والكمال ، وجنود ابليس مقابلاتها ، وحيث أن الجهات الربوبية غالبة على الجهات الابليسية فللانسان في مبدأ الفطرة نور وسلامة وسعادة فطرية الهية كما صرّح بذلك في الاحاديث الشريفة وأشير اليه في الكتاب الشريف الالهي ، وما دام الانسان في هذا العالم فهو بقدر الاختيار يستطيع أن يجعل نفسه تحت تصرّف أحد هذين الجندين ، فاذا لم يكن لابليس من أول فطرة الانسان إلى آخرها تصرّف في فطرته فهو انسان الهي لاهوتي ، وهو من قرنه إلى قدمه نور وطهارة وسعادة فقلبه نور الحق ولا يتوجّه لغير الحق وقواه الباطنية والظاهرية نورانية وطاهرة ولا يتصرف فيها سوى الحق وليس لابليس فيها حظ ولا لجنوده فيها تصرّف. ومثل هذا الموجود الشريف طاهر مطلقا ونور خالص وما تقدم من ذنبه وما تأخّر فهو مغفور له ، وهو صاحب الفتح المطلق وواجد لمقام العصمة الكبرى بالاصالة وبقية المعصومين واجدون لذاك المقام تبعا لتلك الذات المقدسة
{ 121 }
وهو صاحب مقام الخاتمية الذي هو الكمال على الاطلاق ، وحيث أن أوصياءه مشتقون من طينته ومتصلون بفطرته فهم أصحاب العصمة المطلقة بتبعه ولهم التبعية الكاملة . وأما بعض المعصومين من الانبياء والالياء عليهم السلام فليسوا أصحاب العصمة المطلقة ولم يكونوا خالين من تصرّف الشيطان ، كما أن توجّه آدم عليه السلام إلى الشجرة كان من تصرفات ابليس الكبير ابليس الابالسة مع أن تلك الشجرة الجنة الالهية ومع ذلك كانت له الكثرة الاسمائية التي تنافي مقام الادمية الكاملة ، وهذا أحد معاني الشجرة المنهي عنها أو أحد مراتبها و إذا تلوّث نور الفطرة بالقذارات الصورية والمعنوية فبمقدار التلوّث يبعد عن بساط القرب ويهجر من حضرة الانس حتى يصل إلى مقام ينطفئ فيه نور الفطرة بالكلّية وتصير المملكة شيطانية كلها ويكون ظاهرها وباطنها وسرّها وعلنها في تصرّف الشيطان فيكون الشيطان قلبه وسمعه وبصره ويده ورجله وتكون جميع أعماله شيطانية ، واذا وصل أحد - والعياذ بالله - إلى هذا المقام فهو الشقّي المطلق ولا يرى وجه السعادة أبدا ، وبين هاتين المرتبتين مقامات ومراتب لا يحصيها الا الله وكل من يكون إلى أفق النبوة أقرب فهو من أصحاب اليمين وكل من كان إلى أفق الشيطان أقرب فهو من أصحاب الشمال .
{ 122 }
الفصل الثالث
في الآداب القلبية للسالك حينما يتوجه إلى الماء للطهارة
ونذكر في المقام الحديث الشريف لمصباح الشريعة كي يحصل للقلوب الصافية لاهل الايمان منه نورانية .
ففي مصباح الشريعة قال الامام الصادق عليه السلام : " اذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودليلاً على بساط خدمته ، وكما أن رحمة الله تطهّر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لاغير"، قال الله تعالى : " وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته وأنزلنا من السماء مـاء طهورا " ( الفرقان 48 ). وقال الله تعالى : " وجعلنا من الماء كل شيء حيّ أفلا يؤمنون " ( الأنبياء 30) . فكما يحيي به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب الطاعات. وتفكر في صفاء الماء ورقّته وطهارته وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الاعضاء التي أمرك الله بتطهيرها ، وات بآدابها في فرائضه وسننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة ، فاذا استعملها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالاشياء يؤدي كل شيء حقّه ولا يتغير معناه
{ 123 }
معتبرا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله مثل المؤمن المخلص الخالص كمثل الماء ، ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسمّاه طهورا وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء " .
وفي هذا الحديث لطائف ودقائق وإشارات وحقائق تحيي قلوب أهل المعرفة وتعطي الارواح الصافية لاصحاب القلوب حياة جديدة . ففي هذا الحديث شبه الماء بل أوله إلى رحمة الحق فمن نكات هذا التشبيه أو التأويل أن الماء أحد المظاهر العظيمة لرحمة الحق التي أنزلها في عالم الطبيعة وجعلها سببا لحياة الموجودات بل أهل المعرفة يعبّرون بالماء عن الرحمة الواسعة الالهية التي نزلت من السماء رفيعة الدرجات لحضرة الاسماء والصفات فأحيا بها أراضي التعيّنات للاعيان . وحيث أن تجلّي الرحمة الواسعة الاهية في الماء الملكي الظاهري أكثر من سائر الموجودات الدنيوية جعله الله تعالى لتطهير القذارات الصورية بل ماء الرحمة للحق تعالى اذا نزل وظهر في كل نشأة من نشآت الوجود وفي كل مشهد من مشاهد الغيب والشهود يطهّر ذنوب عباد الله وفقا لتلك النشأة وبما يناسب ذلك العالم .
فماء الرحمة النازل من سماء الاحدية تطهر ذنوب غيبة تعينات الاعيان ، وبماء الرحمة الواسعة النازلة من سماء الواحدية تطهر ذنوب عدمية الماهيات الخارجية في كل مرتبة من مراتب الوجود طبقا لتلك المرتبة ، وفي مراتب نشآت الانسانية ايضا لماء الرحمة ظهورات مختلفة كما أنه بالماء النازل من حضرة الذات بالتعينات الجمعية البرزخية تطهر ذنوب سر الوجود " وجودك ذنب لا يقاس به ذنب " وبالماء النازل من حضرات الاسماء والصفات وحضرة التجلي الفعلي تطهر رؤية الصفة والفعل وبالماء النازل من سماء الحضرة الحكم العدل تطهر القذارات الخلقية الباطنية ، وبالماء النازل من
{ 124 }
سماء الحضرة الحكم العدل تطهر القذارات الخلقية الباطنية ، وبالماء النازل من سماء الغفارية تطهر ذنوب العباد ، وبالماء النازل من سماء الملكوت تطهر القذارات الصورية ، فعلم أن الحق تعالى جعل الماء مفتاح قربه ودليل بساط رحمته ثم يعين عليه السلام في الحديث الشريف وظيفة أخرى ويفتح طريقا آخر لاهل السلوك والمراقبة .
يقول عليه السلام : " تفكَّرْ في صفاء الماء ورقته وطهره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء واستعمله في تطهير الاعظاء التي أمرك الله بتطهيرها وائت بآدابها في فرائضه وسننه فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة فاذا استعملتها بالحرمة انفجرت لـك عيون فوائـده عن قريب ".
اشار عليه السلام في هذا الحديث الشريف إلى مراتب الطهارة بالطريق الكلية وبيّن أربع مراتب كليّة احدها ما ذكر في الحديث الشريف إلى حد الذي ذكرناه وهو تطهير الاعضاء ، وأشار عليه السلام إلى أنّ أهل المراقبة والسلوك إلى الله يلزم الاّ يتوقّفوا عند صور الاشياء وظواهرها بل لابدّ أن يجعلوا الظاهر مرآة للباطن ويستكشفوا من الصور الحقائق ولا يقنعوا بالتطهير الصوري فإن القناعة بالتطهير الصوري فخّ ابليس فينتقلوا من صفاء الماء إلى تصفية الاعضاء ويصفونها بأداء الفرائض والسنن الالهية ويرققون الاعضاء برقة الفرائض والسنن ويخرجونها من غلظة التعصي ويسرون الطهور والبركة في جميع الاعضاء ويدركون من لطف امتزاج الماء بالاشياء كيفية امتزاج القوى الملكوتية الالهية بعالم الطبيعة ولا يدعون القذارات الطبيعية تؤثّر فيها فاذا تلبست أعضاؤهم بالسنن والفرائض الالهية وآدابها تظهر فوائدها الباطنية بالتدريج وتنفجر عيون الاسرار الالهية وتنكشف لهم لمحة من أسرار العبادة والطهارة .
{ 125 }
ولما فرغ عليه السلام من بيان المرتبة الاولى من الطهارة وكيفية تحصيلها شرع في بيان الوظيفة الثانية وقال : ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالاشياء يؤدي كل شيء حقه ولا يتغّير عن معناه معتبرا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله " مثل المؤمن المخلص ( الخالص ) كمثل الماء " فبيّن عليه السلام في الحكم الاول ما يربط بتعامل الانسان السالك مع قواه الداخلية وأعضائه ، والحكم الثاني الذي هو في هذه الفقرة من الحديث الشريف يرتبط بتعامل الانسان مع خلق الله وهذا هو حكم جامع يبيّن كيفية معاشرة السالك للمخلوق ويستفاد منه ضمنا حقيقة الخلوة وهي أن السالك إلى الله في نفس الحال الذي يعاشر كل طائفة من الناس بالمعروف ويرد الحقوق الخلقية ويراود كل أحد ويعامله بطور يناسب حاله فهو في الوقت نفسه لا يتجاوز عن الحقوق الالهية ولا يترك المعنى من نفسه وهو العبادة والعبودية والتوجّه إلى الحق وفي نفس الحال التي يكون فيها في الكثرة يكون في الخلوة وقلبه الذي هو منزل المحبوب خاليا من الاغيار وفارغا من كل صورة ومثال . ( أقول : وقد أشير إلى هذا المعنى في كثير من الاحاديث ، ففي نهج البلاغة لعلي عليه السلام في خطبته المعروفة التي يصف فيها المتقين قال ( ع ) : " ان كان من الغافلين كتب الذاكرين وان كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين " وفي الكافي الشريف روايات متقاربة المضمون : ان الله سبحانه أوحى لموسى بن عمران : " يابن عمران لاتدع ذكري على كل حال" . وقال الصادق عليه السلام : قال الله تعالى " يابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي " . إلى أن قال " اذكرني في ملأ أذكرك في ملأ خير من ملئك " . وقال " ما من عبد يذكر الله في ملأ من الناس الا ذكره الله في ملأ من الملائكة " وأيضا في الكافي الشريف عن الصادق عليه السلام قال : " الذاكر لله عز وجل في الغافلين كالمقاتل في المحاربين الغازين".)
ثم ذكر عليه السلام الحكم الثالث وهو كيفية تعامل السالك مع الحق تعالى ، يقول : " ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعتك كصفوة الماء حين أنزله من السناء وسمّاه طهورا " يعني يلزم للسالك إلى الله أن يكون خالصا من تصرف الطبيعة ولا يكون لكدورتها وظلمتها طريق إلى قلبه ، وتكون جميع عباداته خالية عن جميع الشرك الظاهري والباطني ، وكما أن الماء في وقت نزوله من السماء طاهر وطهور وما امتدّت اليه يد تصرف القذارات كذلك قلب السالك الذي نزل من سماء عالم غيب الملكوت
{ 126 }
طاهراً ومنزّهاً لا يتركه يقع تحت تصرّف الشيطان والطبيعة ويتلوث بالقذارات .
وبعد هذا بين عليه السلام الحكم الاخير وهو وظيفة لأهل الرياضة والسلوك ويقول : " وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند تطهير جوارحك بالماء " وفي هذا إشارة إلى مقامين شامخين لأهل المعرفة . الأول : التقوى وكماله ترك غير الحق . والثاني : اليقين وكماله مشاهدة حضور المحبوب .
{ 128 }
الفصل الرابع
في الطهور وهو اما الماء وهو الاصل في هذا الباب واما الارض
(قال العارف السعيد القاضي سعيد القمّي ((*- هو محمد بن مفيد القُمّي العالم الفاضل الحكيم المتشرع العارف الربّاني والمحقّق الصمداني من أعاظم علماء الحكمة والادب والحديث . انتهى اليه منصب القضاء في بلده قم .
كان من تلامذة المحقق الفيض الكاشاني والمولى عبد اللازّاق الاهيجي له مصنفات فائقة منها شرحه على كتاب توحيد الصدوق في مجلّدات والاربعينيّات وغير ذلك . وأشهر مصنفاته شرحه على التوحيد وهو مشتمل على الفوائد الكثيرة فلنذكر فائدة مختصرة منها :
روى الصدوق عن أبي عبدالله عليه السلام قال لمّا امر الله عز وجل ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ببنيان البيت وتمّ بناؤه أمره ان يصعد ركنا ينادي في الناس الا هلمّ الحجّ فلو نادى هلمّوا إلى الحج لم يحجّ إلا من كان يومئذ انسيّا مخلوقا ولكن نادى هلمّ الحجّ فلبّى الناس في أصلاب الرجال لبيك داعي الله لبيك داعي الله فمن لبىّ عشرا حجّ عشرا ومن لبّى خمسا حج خمسا ومن لبّى اكثر فبعدد ذلك ومن لبى واحدا حجّ واحدا ومن لم يلبّ لم يحج .
قال القاضي سعيد في معنى الخبر : عندي ان الوجه فيه ان استعمال هلم لمجرّد الامر وطلب الحضور مع تجريد من خصوصية المخاطب بالافراد والتذكير والتأنيث ، والمعنى ليكن اتيان بالحجّ وليصدر قصد إلى البيت ممّن يأتي منه هذا القصد من أفراد البشر وهذا إنّما يصحّح في صيغة المفرد حيث لم يكن فيه علامة الزيادة لاجل التأنيث والتثنية والجمع بخلاف صيغة الجمع فان الزيادة فيه مانعة عن ذلك كما لا يخفى على المتدرّب في العلوم ( انتهى ) .)) وهو ( أي الطهور ) امّا الماء الذي هو سرّ الحياة التي هي العلم ومشاهدة الحيّ القيّوم ، قال الله تعالى : " وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به " ( الفرقان 48 و 49 ) . وقال جل وعلا : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " ( الانفال 11 ) وأما التراب الذي هو أصل نشأة الانسان قال عزّ من قائل " منها خلقناكم " ( طه 55 ) . وقال جلّ جلاله : " فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبا " ( النساء 43 ) وذلك لتتفكر في ذاتك لتعرف من أوجدك ومم أوجدك ولم أوجدك ، فتخضع له وترفع التكبّر من رأسك لان التراب هو الاصيل في الذلّة والمسكنة .
ثم اعلم ان ماء الغيث لطيف في غاية الصفا وله مزاج واحدا ولا يمازجه شيء في الخارج فهو في الباطن العلم اللدني الذي له طعم واحد اذ الانبياء والاولياء كلهم على قول متحد وان اختلفت المشارب والمناهل فليكن معتمدك في طهورك الظاهري والباطني هذا الماء ، وأما ماء العيون والآبار فهو مختلف الطعم بحسب تلك البقعة والأرض التي خرج منها وامتزج بتربتها فهو العلم المستفاد من الافكار الصحيحة التي لاتخلو من شائبة التغيّر بحسب مزاج المتفكر لانه ينظر في مواد محسوسة تقوم عليها البراهين ، فاختر لنفسك أي الماءين يقرب من ذوقك ويناسب مشربك .. ( انتهى ) .
وكأنّ الامام أطال الله بقاه ينظر إلى كلام هذا العارف في هذا المبحث ولكن شتّان ما بين الكلامين ، فتأمّل تعرف .)
إعلم أن للانسان السالك في الوصول إلى المقصد الأعلى ومقام القرب الربوبي طريقين على نحو كلي أحدهما وله مقام الكلّية والأصالة وهو السير إلى الله بالتوجّه إلى مقام الرحمة المطلقة وخصوصا الرحمة الرحيمية وهي رحمة توصل كل موجود إلى كماله اللائق به ، ومن شعب الرحمة الرحيمية ومظاهرها بعث الانبياء والرسل صلوات الله عليهم الذين هم هداة السبل والمساعدون للمتأخرين عن السير ، بل ان دار التحقق في نظر أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي صورة الرحمة الالهية ، والخلائق دائما مستغرقون في بحار رحمة الحق تعالى ولكنهم لا يستفيدون منها .
فهذا الكتاب العظيم الإلهي الذي نزل من عالم الغيب الإلهي والقرب الربوبي ، ولأجل استفادتنا نحن المهجورين وخلاصنا نحن المسجونين في سجن الطبيعة والمغلولين في سلاسل أهواء النفس والآمال وقد صار في صورة اللفظ والكلام هو أحد مظاهر العظيمة للرحمة المطلقة الإلهية ، وما استفدنا نحن الصم العمي منه بشيء ولا نستفيد . وان الرسول الخاتم والوليّ المطلق الأكرم الذي شرّفنا وقد من محضر القدس ومحفل القرب والانس
{ 129 }
الإلهي إلى هذا المنزل منزل الغربة والوحشة وابتلي بمعاشرة أمثال أبي جهل وشرّ منه مراودته وان أنين ليغان على قلبي منه صلى الله عليه وآله قد أحرق قلوب أهل المعرفة والولاية ويحرقها الان أيضا هو الرحمة الواسعة والكرامة المطلقة الالهية التي كان قدومها في هذه الدويرة للرحمة على الموجودات وعلى سكنة العالم الاسفل الادنى واخراجهم من هذه الدار دار الغربة والوحشة ، فهو صلى الله عليه وآله كالحمامة المطوقة التي تلقي نفسها إلى الفخ لتنجي رفقاءها منه .
فلابد للسالك إلى الله أن يرى التطهير بماء الرحمة صورة لاستفادته من الرحمة الالهية النازلة ، وما دامت الاستفادة له ميسورة ، لابد أن يقوم بأمرها واذا قصرت يده عنها بسبب القصور الذاتي أو تقصيره وبسبب فقد ماء الرحمة لم يكن له بدّ من التوجّه بذلّه ومسكنته وفقره وفاقته ، فاذا جعل ذلّة عبوديته نصب عينيه وتوجّه باضطراره الذاتي وفقره الذاتي وإمكانه الذاتي وخرج من التعزز والغرور وحب النفس ينفتح له باب آخر من الرحمة وتبدل بأرض الطبيعة أرض الرحمة البيضاء ويصير التراب أحد الطهورين ويصير موردا لترحم الحق تعالى وتلطفه ، وكلما قوي هذا النظر في الانسان أي النظر إلى ذلّة نفسه يكون موردا للرحمة أكثر . وأما اذا أراد الانسان أن يسلك هذا الطريق بقدم الاعتماد على النفس وعلى عمله فهو هالك لامحالة لانه من الممكن الا يؤخذ بيده فمثله كالطفل الذي يتجاسر على المشي ويغتر بقدمه ، ويعتمد على قوته ، فمثل هذا الطفل لا يكون موردا لعناية أبيه ويكله الاب إلى نفسه وأما إذا عرض اضطراره وعجزه على جناب الأب الشفيق وخرج عن الاعتماد على نفسه وعلى قوّته بالكلّية فيصير حينئذ موردا لعناية الاب ويأخذ الاب بيده بل يأخذه في حضنه ويمشي به بقدمه فالاحرى بالسالك إلى الله ان يكسر رجل سلوكه وان يستدعي البراءة من الاعتماد على
{ 130 }
نفسه وارتياضه وعمله بالكلّية وينفى عن نفسه وقدرته وقوّته ، ويجعل فناءه واضطراره دائما نصب عينيه حتى يقع دائما موردا للعناية ، فربما يسلك حينئذ طريقا يطول سيره مئة سنة في ليلة واحدة بالجذبة الربوبية , وحينما يفنى عن نفسه وقوته وقدرته ويقول في محضر القدس الربوبي بلسان باطنه وحاله بالعجز والافتقار : " أمّن يجيب المضّطر اذا دعـاه ويكشف السوء ". ( النمل - 61 )