الاتصاف

الاتصاف أو علاقة الصفة بالذات من المسائل الكلامية التي تثار منهجياً في موضوع الصفات الثبوتية.

فيتساءل:

ما معنى اتصاف الذات بالصفة؟

هل هناك شيئان: ذات وصفة؟!.. أو شيء واحد؟!.

وعلى تقدير أنهما شيء واحد: ما معنى وحدتهما؟!.

ومثار هذا التساؤل: هو اذا كانت الذات بسيطة بكل معنى البساطة، وواحدة بكل معنى الوحدة، فما معنى أن يقال: إتصاف الذات بالصفة؟.. أو (اللّه عالم) و (اللّه قادر) .. والخ.

[191]

وأهم الأقوال في المسألة قولان، هما:

أ- قول الحكماء والمتكلمين غير الاشاعرة:

وفحواه: ان الصفة والذات متحدتان في الحقيقة والخارج، ومتغايرتان في الاعتبار والذهن.

وبتعبير آخر:

متحدتان مصداقاً، متغيرتان مفهوماً.

ومن هنا قالوا: الصفة عين الذات، والذات عين الصفة، ويعنون بهذا وحدتهما في المصداق.

فهو تعالى: عالم لذاته، قادر لذاته.. والخ.

وما يتصور من التغاير بين الذات والصفة، أو زيادة الصفة على الذات في مثل قولنا: (اللّه عالم) فانه في الاعتبار والذهن، لا في الحقيقة والخارج.

واستدلوا لذلك:

1 - انه تعالى واجب الوجود - كما تقدم - .

ووجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كل شيء.

فلا يفتقر في كونه عالماً الى صفة العلم، وكونه قادراً الى صفة القدرة، لان هذه المعاني (العلم) و(القدرة) و(الخ) مغايرة لذاته قطعاً.

ومن البديهي: أن كل محتاج الى غيره ممكن... هذا خلف.

2 - ان صفاته تعالى صفات كمال.

فلو قلنا: هو عالم بعلم، وقادر بقدرة - كما يقول الاشعري - لزم ان يكون ناقصاً لذاته لاحتياجه الى العلم والقدرة، مستكملاً بغيره، وهو باطل بالاتفاق.

3 - ان اللّه تعالى قديم، وصفة القديم لا بد أن تكون قديمة، لانه متى لم تكن

[192]

قديمة يلزم منه صيرورة القديم محلاً للحوادث.

واذا ثبت قدمها، لزم منه تعدد القدماء، وهو محال، لانه يتنافى والوحدانية.

وفي توحيد الصدوق(1): «عن الحسين بن خالد: قال: سمعت الرضا علي بن موسى (ع) يقول: لم يزل اللّه تبارك وتعالى عليماً قادراً حياً سميعاً بصيراً.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه إن قوماً يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالماً بعلم وقادراً بقدرة وحياً بحياة وقديماً بقدم وسميعاً بسمع وبصيراً ببصر.

فقال(ع): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع اللّه آلهة اخرى، وليس من ولايتنا على شيء.

ثم قال(ع): لم يزل اللّه عز وجل عليماً قادراً حياً قديماً سميعاً بصيراً» لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً».

والامام الرضا(ع) يشير بقوله: (ليس من ولايتنا على شيء) الى ما أشير اليه في حديث أبان بن عثمان الأحمر: «قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (ع) أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بصيراً عليماً قادراً؟

قال: نعم.

فقلت له: ان رجلاً ينتحل موالاتكم اهل البيت يقول: ان اللّه تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بسمع وبصيراً ببصر وعليماً بعلم وقادراً بقدرة.

فغضب (ع)، ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك، وليس من ولايتنا على شيء، ان اللّه تبارك وتعالى ذات علامة سميعة بصيرة قادرة»(2).

وعرف قولهم هذا بانه قول المعتزلة.

______________________

(1) ص 140 .

(2) . م ن 144 .

[193]

واليه ذهب أيضاً كل من الامامية والزيدية والاباضية.

ب - قول الاشاعرة:

وهو : ان صفاته تعالى معان أزلية قائمة بذات اللّه تعالى.

قال أبو الحسن الاشعري: «الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة.... وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى»(1).

وقالوا:

لا يقال: هي هو .

ولا: هي غيره.

ولا: لا هو.

ولا: لا غيره.

بمعنى انه لا يصح أن يقال:

الصفة هي الذات، ولا لا هي الذات.

ولا هي غير الذات، ولا لا هي غير الذات.

واستدلوا لذلك:

1 - ان مفهوم كونه عالماً هو عين ذاته - كما يقول الآخرون - يلزم منه حمل الشيء على نفسه، وهو باطل.

واذا بطل كون الصفة عين الذات ثبت انها معنى زائد على الذات.

2 - لو كان العلم عين الذات، والقدرة عين الذات - كما يقول الآخرون - يلزم

_________________________

(1) الملل والنحل 1 / 95 .

[194]

منه ان يكون مفهوم العلم ومفهوم القدرة واحداً، وهو ضروري البطلان.

وبثبوت بطلانه تثبت صحة رأينا.

والموازنة بين القولين تسلمنا الى التالي:

1 - تقدير الاشاعرة بان الصفة ليست هي الذات ولا هي غير الذات أمر لا يعقل ولا يتصور ذهنياً.

وما لايتصور لا يمكن الحكم عليه، لأنه لا بد من أن يُسبق التصديق بالتصور.

2 - ان دليل الاشاعرة الأول لا يفيد - كما يقول الايجي(1) - إلا زيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات.

وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا. نعم. لو تُصورا بحقيقتهما وأمكن حمل أحدهما دون الآخر حصل المطلوب.

ولكن انّى ذلك؟.

3 - ان الدليل الثاني للاشعرية ينسق على دليلهم الأول تقريراً وايراداً.

4 - رد الايجي دليل الحكماء الأول بقوله : «ان العالمية عندنا ليست أمراً وراء قيام العلم به، فيحكم عليه بانها واجبة»(2)

وهو - كما ترى - لم يزد فيه إلا ترديد المدّعي.

5 - ورد الايجي دليل الحكماء الثاني بقوله : «ان اردتم باستكماله بالغير ثبوت صفة الكمال فهو جائز عندنا، وهو المتنازع فيه، وان اردتم غيره فصوروه وبينوا لزومه»(3).

_________________________

(1) انظر : المواقف 280.

(2) المواقف 280.

(3) م. ن.

[195]

وهو كسابقه لا يعدو كونه ترديداً للمدّعي.

6 - وأورد السيد الطباطبائي على قول الاشاعرة بما قرره من «أن هذه الصفات - وهي على ما عدّوها : الحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والارادة والكلام - إما أن تكون معلولة أو غير معلولة لشيء.

فان لم تكن معلولة لشيء، وكانت موجودة في نفسها واجبة في ذاتها، كانت هناك واجبات ثمان، وهي الذات والصفات السبع.

وأدلة وحدانية الواجب تبطله.

وان كانت معلولة، فاما ان تكون معلولة لغير الذات المتصفة بها، أو معلولة لها.

وعلى الأول : كانت واجبة بالغير، وينتهي وجوبها بالغير الى واجب بالذات غير الواجب بالذات الموصوف بها.

وأدلة وحدانية الواجب تبطله كالشق السابق. على أن فيه حاجة الواجب الوجود لذاته في اتصافه بصفات كماله الى غيره، وهو محال.

وعلى الثاني : يلزم كون الذات المفيضة لها متقدمة عليها بالعلية، وهي فاقدة لما تعطيه من الكمال، وهو محال.

على أن فيه فقدان الواجب في ذاته صفات الكمال، وقد تقدم أنه صرف الوجود الذي لا يشذ عنه وجود ولا كمال وجودي.. هذا خلف»(1)

ويحاول الشهرستاني أن يربط بين قول الاشاعرة وما قاله نسطور الحكيم من «أن اللّه تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة : الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو»(1).

والخلاصة :

_________________________

(1) بداية الحكمة 226.

(2) الملل والنحل 1 / 224.

[196]

اننا لا بد لنا بعد هذا من القول بان الصفات عين الذات، لئلا نقع فيما يتنافى وأصل التوحيد.

ونعني بعينية الصفة نفي الاثنينية بمعنى أنه لا يوجد في عالم الماصدق موصوف وصفة، وانما الموجود ذاته فقط.

كما نعني بها نفي الغيرية بمعنى أن الصفة ليست غير الموصوف لأن الغيرية تستلزم الاثنينية، تعالى اللّه عن ذلك وتقدس.

والمعنى المذكور مستفاد من قول الامام امير المؤمنين (ع) : «أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله».

وعن محمد بن عرفة قال : قلت للرضا (ع) : خلق اللّه الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة ؟

فقال : لا يجوز ان يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك اذا قلت : خلق الأشياء بالقدرة، فكأنك قد جعلت القدرة شيئاً غيره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء، وهذا شرك.

واذا قلت : خلق الأشياء بقدرة، فإنما تصفه أنه جعلها باقتدار عليها وقدرة.

ولكن ليس هو بضعيف ولا عاجز ولا محتاج الى غيره، بل هو قادر بذاته لا بالقدرة»(1).

وعلق عليه الشيخ الصدوق بقوله : «اذا قلنا : ان اللّه لم يزل قادراً، فانما نريد بذلك نفي العجز عنه، ولا نريد اثبات شيء معه، لأنه عز وجل لم يزل واحداً لا شيء معه»(2).

_________________________

(1) توحيد الصدوق 130.

(2) م. ن.

[197]

وقد لا نستطيع أن نعبر عن المعنى الذي ينبغي أن يقال هنا بوضوح تام، وذلك لضيق نطاق الألفاظ الموضوعة سواء في اللغة أو في الاصطلاح عن استيعاب وأداء المعنى المراد.

وما أروع ما جاء في هذا عن الامام أمير المؤمنين (ع)، قال : «الحمد للّه الواحد الأحد الصمد، المتفرد، الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان، قدرة بان بها عن الأشياء، وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولا حدّ يضرب له الأمثال، كلَّ دون صفاته تعبير اللغات، وضل هناك تصاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير»(1).

________________________

(1)   توحيد الصدوق 41 - 42.

[199]

الصفات السلبية

ويبحث فيها عن :

1 - نفي التجسيم.

2 - نفي الاتحاد.

3 - نفي الحلول.

4 - نفي الرؤية.

وهناك سُلوب اخرى تندرج في العناوين المذكورة، ولذا أعرضت عن أن أعنونها بعنوان مستقل.

[201]

نفي التجسيم

يراد بالتجسيم هنا :

1 - التشبيه : وهو الاعتقاد بان اللّه تعالى صورة تشبه صورة الانسان.

2 - التجسيم : وهو الاعتقاد بان اللّه جسم.

3 - التحيز : وهو الاعتقاد بان اللّه متحيز، أي في مكان.

ومنشأ هذه الأقوال وأمثالها هو الموقف الفكري والعقائدي مما يعرف ب«المتشابه» الوارد في القرآن والحديث.

فقد جاء منه آيات وروايات يترآى من ظاهرها التجسيم، أمثال :

أ - من القرآن :

(قال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) - ص 75 -.

(والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) - الزمر 67 -

(وجاء ربك والملك صفاً صفاً) - الفجر 22 -.

(وكلم اللّه موسى تكليماً) - النساء 164 - .

(وأن اللّه سميع بصير) - الحج 61 - .

(كل شيء هالك الا وجهه) - القصص 88 - .

[202]

(الرحمن على العرش استوى) - طه 5 - .

(اليه يصعد الكلم الطيب) - فاطر 10 - .

ب - من الحديث :

(خلق اللّه آدم على صورته).

(لا تملأ النار حتى يضع اللّه رجله فيها).

(ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير، ويقول : من يدعوني فاستجيب له).

(خَمَّرَ طينة آدم بيده اربعين صباحاً).

(لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله).

وكان الموقف الفكري المشار اليه من هذه النصوص وأمثالها علمياً وعقائدياً يتلخص في التالي :

1 - الأخذ بظواهرها من غير تأويل.

وهو ما نهجه المجسمة.

2 - تأويلها بحمل ألفاظها التي يظهر منها التجسيم على معنى مجازي يلتقي وطبيعة سياق النص وقرائنه، وبشكل يتمشى وأصل التوحيد وهو ما نهجه الامامية والمعتزلة ومن اليهما.

3 - التوقف عن الأخذ بالظاهر وعن التأويل.

وهو ما التزمه اهل الحديث.

ويبرر الشهرستاني الموقف الأخير بقوله : «إعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين، ونَصَرَهم جماعة من امراء بني أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس على

[203]

قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن، تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات الكتاب الحكيم واخبار النبي الأمين (ص).

فأما احمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني، وجماعة من أئمة السلف، فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من اصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان.

وسلكوا طريق السلامة، فقالوا : نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة، ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن اللّه عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات، وان كل ما تمثل في الوهم فانه خالقه ومقدره.

وقالوا : انما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين :

أحدهما : المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى : (فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الالباب) - آل عمران 7 - فنحن نتحرر من الزيغ.

والثاني : أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز، فربما أوّلنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ، بل نقول كما قال الراسخون في العلم (كل من عند ربنا)، آمنا بظاهره وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه الى اللّه تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك، إذ ليس ذلك من شرائط الايمان وأركانه»(1).

وناقشهم السيد الطباطبائي بقوله : «للناس في معنى العرش بل في معنى قوله : (ثم استوى على العرش) والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة.

فاكثر السلف على انها وما يشاكلها من الآيات هي من المتشابهات التي يجب أن يُرجع علمها الى اللّه سبحانه.

________________________

(1) الملل والنحل 1 / 103 - 104.

[204]

وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينية والتطلع الى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة.

والعقل يخطئهم في ذلك، والكتاب والسنة لا يصدقانهم، فآيات الكتاب تحرض كل التحريض على التدبر في آيات اللّه، وبذل الجهد في تكميل معرفة اللّه ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها، والاحتجاج بالحجج العقلية، ومتفرقات السنة المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدمة والنهي عن النتيجة.

وهؤلاء هم الذين كانوا يحرمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة حتى البحث الكلامي الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامي ثم الدفاع عنها بما تيسر من المقدمات المشهورة والمسلمة عند أهل الدين - ويعدونها بدعة»(1)

ويبرر القائلون بالحمل على الظاهر، لزوم الحمل على الظاهر بعدم وجود مجاز في كلام العرب أو في القرآن والسنة على الأقل.

« وشبهتهم - كما يقول السيوطي - :

1 - ان المجاز اخو الكذب، والقرآن منزه عنه.

2 - وان المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على اللّه تعالى»(2).

ثم يردهم (اعني السيوطي) بقوله :

«وهذه شبهة باطلة، إذ لو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على ان المجاز أبلغ من الحقيقة. ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتشبيه القصص وغيرها»(3).

_____________________

(1) الميزان 8 / 153.

(2) الاتقان 2 / 36.

(3) م. ن.

[205]

واستدل السيوطي في (المزهر)(1) على وقوع المجاز في لغة العرب بقوله : «وعمدتنا في ذلك النقل المتواتر عن العرب، لانهم يقولون : (استوى فلان على متن الطريق) ولا متن لها، و(فلان على جناح السفر) ولا جناح للسفر، و(شابت لمة الليل) و(قامت الحرب على ساق)، وهذه كلها مجازات.

ومنكر المجاز في اللغة جاحد للضرورة، ومبطل محاسن لغة العرب».

أما القائلون بالتأويل فذهبوا الى أن الآية الكريمة (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولو الالباب)، تفيد تقسيم آيات القرآن الكريم الى قسمين : المحكمات والمتشابهات.

وهي (اعني الآية المذكورة) من المحكمات.

وليس فيها ما ينص أو يظهر منه المنع من تأويل المتشابه على نحو الاطلاق الذي يشمل من كان في قلبه زيغ ومن ليس في قلبه زيغ.

نعم، هي تمنع من تأويل المتشابه لمن كان في قلبه زيغ لانه يقصد من تأويله على طريقته - أي من غير الرجوع به الى المحكم - اثارة الفتنة واثارة تأويله للتأويل وبغية الجدل.

أما تأويله للفهم والافهام لا منع فيها له.

وعليه فتأويل المتشابه جائز.

ولكن يجب أن يكون بارجاعه الى المحكم، ويدل على هذا ما ورد في (عيون أخبار الرضا) من قوله (ع) : (مَنْ رَدَّ متشابه القرآن الى محكمه هُدي الى صراط مستقيم).

______________________________

(1) 1 / 364.

[206]

يقول السيد الطباطبائي : «المراد بالمتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يُرجع الى محكمات الكتاب فتعيّن هي معناها وتبينها بياناً فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها.

كما في قوله (الرحمن على العرش استوى) - طه 5 - يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فاذا رجع الى مثل قوله تعالى (ليس كمثله شيء) - الشورى 11 - استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والاحاطة على الخلق، دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسيم المستحيل على اللّه سبحانه»(1).

هذا مضافاً الى ما استدلوا به من بطلان التشبيه، قال الصدوق : «الدليل على أن اللّه سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه من جهة من الجهات انه لا جهة لشيء من افعاله الا محدثة، ولا جهة محدثة الا وهي تدل على حدوث من هي له، فلو كان اللّه جل ثناؤه يشبه شيئاً منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له إذ المتماثلان في العقول يقتضيان حكماً واحداً من حيث الجهة التي تماثلا منها، وقد قام الدليل على ان اللّه عز وجل قديم ومحال أن يكون قديماً من جهة وحادثاً من جهة اخرى»(2).

ومن هنا نجدهم يتأولون كل ما ورد من المتشابه مما ظاهره التجسيم. ومن امثلة هذا : تأويلات القاضي المعتزلي، قال :

« مسألة : فان قال : فقد قال اللّه تعالى ما يدل على انه جسم، فقال :

(الرحمن على العرش استوى) - طه 5 - .

(وهو اللّه في السموات وفي الأرض) - الأنعام 3 - .

و(إليه يصعد الكلم الطيب) - فاطر 10 - .

(وقال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) - ص 75 -.

_________________________

(1) الميزان 3 / 21.

(2) التوحيد 80 - 81.

[207]

الى غير ذلك من الآيات التي فيها ذكر الجنب والساق والعين والوجه.

قيل له : ان اول ما ينبغي أن تعلمه أنه لاحق بعد أن تتقدم للانسان معرفة اللّه تعالى، ويعلم انه لا يشبه الاجسام ولا يفعل القبائح، فالاحتجاج به في نصرة الجسمية لا يجوز.

يبين هذا أنه لو كان جسماً فالحاجة تجوز عليه، ومن هذا حاله لا يعلم أن قوله حق، فكيف يحتج بكلامه !.

على أنه قد ثبت بالقرآن والاجماع أنه (ليس كمثله شيء). ولا يقول أحد إنّا نقول هذا القول على جهة المجاز، فيجب أن نتأول ما ذكر من الآية :

فتأويل قوله تعالى : (استوى على العرش) - الرعد 2 - انه استولى واقتدر وملك.

ولم يرد تعالى بذلك انه تمكن على العرش جالساً، وهذا كما يقال في اللغة (استوى البلد للأمير) و(استوت هذه المملكة لفلان)، وقال الشاعر :

قد استوى بِشْرُ على العراق*** من غير سيف ودم مهراق

فلم يرد جلوسه، وان اراد استيلاءه واستعلاءه.

ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن ذلك تمدحاً عظيماً، لأن كلاً يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه.

وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه به على أنه على غيره أشد اقتداراً، كما قال: (رب العرش العظيم) - التوبة 129 -، ونبه بذلك على أنه أن يكون رباً لغيره أولى.

وتأويل قوله تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) الملك 16 - ان في السماء نقماته وضروب عقابه، لأن عادته أن ينزلها من هناك، ولهذا قال : (أن يخسف بكم الأرض) فنبه به على ذلك.

[208]

وتأويل قوله : (وهو اللّه في السموات وفي الأرض) أنه عالم بهما، حافظ عليهما عن التغير والزوال، مدبر لهما، ولهذا قال : (يعلم سركم وجهركم).

وتأويل قوله : (اليه يصعد الكلم الطيب) أنه يرتفع الى حيث لا حاكم سواه، كما يقال في الحادثة (ارتفع امرها الى الأمير) اذا صار لا يحكم فيها سواه.

وتأويل قوله : (خلقته بيدي) خلقته أنا، فأكد ذلك بذكر اليدين، كما يقال للملوم : (هذا ما جنته يداك)، وكما قال : (ذلك بما قدمت ايديكم) - الأنفال 51 - و(بشراً بين يدي رحمته) - الأعراف 57 -.

وقيل : ان فائدة ذلك أنه تعالى خلقه ابتداء، لا تدريجاً، على حسب ما خلق ذريته من نطفة ثم درجه حالاً بعد حال.

وتأويل قوله تعالى (يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللّه) - في ذات اللّه وفي طاعة اللّه، كما يقال : (ملك فلان في جنب فلان مالاً فاكتسب جاهاً).

وتأويل قوله : (يوم يكشف عن ساق) - القلم 42 - يعني شدة أهوال يوم القيامة، كما يقال: (كشفت الحرب لنا عن ساقها).

وتأويل قوله : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) يعني نفسه، وهو كقوله : (كل شيء هالك الا وجهه) - القصص 88 - وقد عبر عن نفسه بذكر الوجه، يقال : (هذا وجه الرأي) و(وجه الأمر) و(وجه الطريق)، وهذا ظاهر.

وتأويل قوله تعالى : (كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) - المطففين 15 - أي لممنوعون من رحمته، لأن الحجاب منع، ولهذا يقال لمن يمنع الوصول الى الأمير إنه حاجب، وقال اصحاب الفرائض : إن الولد يحجب الأم عن الثلث الى السدس.

وتأويل قوله تعالى : (وجاء ربك) - الفجر 23 - يعني أمر ربك كما يقال عند الاختلاف في مسألة نحو : (هذا سيبويه قد جاءنا) يعني كتابه ودلائله.

وتأويل قوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) - المائدة 64 - نعمتاه، كما يقال : (لفلان عندي يد) و(يدان) و(أياد)، وأراد اللّه تعالى بذلك نعم الدنيا والدين،

[209]

إبطالاً لقول اليهود : ان يده مغلولة، لأنهم أرادوا أنه بخيل يقتر الأرزاق على خلقه، ويبين ذلك قوله تعالى : (لا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)، أراد أن انفق قصداً، لا إسرافاً ولا إقتاراً.

وتأويل قوله تعالى : (تجري بأعيننا) - القمر 14 - انها تجري ونحن بحالها عالمون، فكنّى بالأعين عن علمه بأحوالها، كما يقال : (هذا بمرأى من فلان ومسمع)، ويقال : (لفلان عين) اذا تجسس الخبر ليعرف، ويقال : (لا تفعل ذلك الا بعيني) أي بعلمي. إلى غير ذلك. وحمله على ظاهره يمتنع لأنه يوجب أن للّه عيوناً كثيرة، لا عينين - كما يزعمون.

ويقال لهم : إن جازت الأعضاء على اللّه تعالى، على ما تعلقتم به، فيجب ان يكون بمنزلة الواحد منا، وأن يكون ذكراً أو أنثى، وأن يكون محتاجاً، تعالى عن ذلك علواً كبيراً»(1).

وبعد فان عمدة ما دار حوله الخلاف وجرى فيه النزاع هو الاستواء على العرش واننا في ضوء ما تقدم لنستطيع أن نفسر الفعل (استوى) بالاستقرار، وذلك لما يأتي :

1 - ان اقتران الفعل (استوى) من قوله (استوى على العرش) في آية سورة يونس 3 وفي آية سورة الرعد 2 بقوله (يدبر الأمر) دليل على أن الاستواء هنا بمعنى (الاستيلاء) و(السلطة) لأنه المناسب لتدبير الأمر، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وتقرن آيه الأخرى.

2 - كما أن تفسير (استوى) في آية سورة البقرة 29 (ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات) ب«عمد وقصَدَ الى السماء ليسويها سبع سماوات) - كما هو

____________________

(1) المختصر في اصول الدين 332 - 335.

[210]

ظاهرها - يؤيد تفسيره هنا بالاستيلاء فيكون معنى الآية : «قصد الى العرش ملكاً يدبر الأمر».

3 - ان التعليل الوارد في قوله تعالى : (وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم أحسن عملاً) - هود - 7 - دليل آخر وقرينة اخرى على أن الاستواء على العرش يدبر أمر خلقه كان لاجل اختبارهم ايهم أحسن عملاً.

وهذا يتم - من غير شبهة يثيرها - في تفسير الاستواء باظهار سلطانه وسلطته تعالى.

وهذا التفسير للاستواء بالاستيلاء في ضوء القرائن القرآنية ليس تفسيراً بالمجاز ولا بالتأويل.

بل هو تفسير بمعنى لغوى أفيد من استعمالات القرآن الكريم اللغوية.

يقول ابو حامد الغزالي : «العلم بانه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده اللّه تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق اليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء الى السماء حيث قال في القرآن (ثم استوى الى السماء وهي دخان) وليس ذلك الا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر :

قد استوى بشر على العراقِ*** من غير سيف ودم مهراق

واضطر أهل الحق الى التأويل، كما اضطر أهل الباطل الى تأويل قوله تعالى (وهو معكم اينما كنتم)، إذ حمل ذلك بالاتفاق على الاحاطة والعلم، وحمل قوله (ص) : «قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن» على القدرة والقهر، وحمل قوله (ص) : (الحجر الأسود يمين اللّه في أرضه) على التشريف والإِكرام.

لانه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال.

فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً

[211]

مماساً للعرض، إمّا مثله أو اكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي الى المحال فهو محال»(1).

وجاء في وصية الامام أبي حنيفة (رض) لاصحابه ما نصه : «نقر بأن اللّه سبحانه وتعالى على العرش استوى أي استولى من غير أن يكون جارحة واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجاً لما قدر على ايجاد العالم وتدبيره، ولو كان محتاجاً الى الجلوس والقرار لكان قبل خلق العرش، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً»(2).

ويرجع ابو الفتح الشهرستاني جذور وعوامل فكرة التجسيم عند المسلمين الى الفكر اليهودي، قال : «التشبيه والنزول والاستواء والرؤية يهودية»(3).

وقال ايضاً : «وقد اجمعت اليهود عن آخرهم على أن اللّه تعالى لما فرغ من خلق السموات والارض استوى على عرشه مستلقياً على قفاه واضعاً احدى رجليه على الأخرى»(4).

ويؤكد ما ذكره الشهرستاني من أن التجسيم فكرة يهودية ما جاء في العهد القديم (التوراة) :

جاء في سفر التكوين، الاصحاح الاول: «وقال اللّه: نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا... فخلق اللّه الانسان على صورته، على صورة اللّه خلقه، ذكراً وانثى خلقهم».

ونحن اذا رجعنا الى حديث ابي هريرة (خلق اللّه آدم على صورته)، نراه -

__________________________

(1) قواعد العقائد 167 - 168.

(2) الطبقات السنية 1/157 .

(3) الملل والنحل 1/212 .

(4) الملل والنحل 1/219 .

[212]

وبوضوح - صدى للنص المذكور.

وجاء في سفر التكوين، الاصحاح الثالث: «وسمعنا صوت الرب الاله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت».

والنص واضح في دلالته على أن اللّه تعالى جسم له لوازم الجسم الانساني من المشي والصوت.

وأيضاً في سفر التكوين، الاصحاح الحادي عشر: «وقالوا: هلم نبنِ لانفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لانفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر الى المدينة والبرج اللذين بنو آدم يبنونهما).

ومثله في سفر الخروج ، الاصحاح التاسع عشر: «لانه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء... وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار».

وهنا أيضاً رجعنا الى حديث ابي هريرة (ان اللّه ينزل كل ليلة) وتمثيل ابن تيمية نزول الباري تعالى بنزوله من أعلى درج المنبر الى ما دونها نجد قول الاول وفعل الثاني صدىً بيّناً لهذين النصين.

وفي سفر الخروج، الاصحاح الثالث عشر: «وقال لموسى: اصعد الى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل. واسجدوا من بعيد، ويقترب موسى وحده الى الرب، وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه، ... ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل ورأوا إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده الى اشراف بني اسرائيل فرأوا اللّه وأكلوا وشربوا».

وفي السفر نفسه، الاصحاح الثالث والثلاثون: «فقال: أرني مجدك... وقال:

[213]

لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الانسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى اجاز مجدي ان اضعك في نقرة من الصخرة وأَسْتُرُكَ بيدي حتى أَجتازُ، ثم ارفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يُرى».

وهما - كما ترى - ناطقان بالرؤية وبوضوح.

ويرجع تاريخ الوقوف في وجه هؤلاء المشبهة والاشارة الى تأثرهم بالفكر اليهودي الى عهد مبكر من تاريخ الفكر الاسلامي.

فقد جاء في خطبة للامام الحسين (ع): «ايها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبّهون الله بانفسهم، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو اللّه ليس كمثله شيء، وهو السميع الخبير، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير»(1).

نفي الاتحاد

الاتحاد: هو أن يصير شيئان أو أكثر شيئاً واحداً من غير زيادة ولا نقصان. هذا علمياً.

واعتقاداً: هو الايمان باتحاد ولي من أولياء اللّه نبياً كان أو إماماً أو غيرهما باللّه تعالى.

و ممن قال به من المسلمين:

1 - النُّصيرية:

قالوا: إن اللّه اتحد بعلي(2).

واستدلوا على ذلك بأن «ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل.

________________

(1) تحف العقول 175 .

(2) النافع يوم الحشر 36 .

[214]

أما في جانب الخير فكظهور جبرئيل (ع) ببعض الاشخاص والتصور بصورة اعرابي، والتمثل بصورة البشر.

وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة انسان حتى يعمل الشر بصورته، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلم بلسانه.

فكذلك نقول: ان اللّه تعالى ظهر بصورة اشخاص.

ولما لم يكن بعد رسول اللّه (ص) شخص أفضل من علي (ع) وبعده أولاده المخصوصون، وهم خير البرية، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم وأخذ بايديهم.

فعن هذا أطلقنا اسم الالهية عليهم.

وإنما اثبتنا هذا الاختصاص لعلي (ع) دون غيره، لانه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند اللّه تعالى فيما يتعلق بباطن الاسرار، قال النبي (ص): «أنا أحكم بالظاهر واللّه يتولى السرائر».

وعن هذا كان قتال المشركين الى النبي (ص) وقتال المنافقين الى علي (ع).

وعن هذا شبهه بعيسى بن مريم (ع) فقال النبي (ص): «لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم (ع) لقلت فيك مقالاً»(1).

2 - الصوفية:

قالوا: إن اللّه اتحد بالعارفين(2).

والاتحاد عندهم يعني وصول العارف الى مرحلة الفناء التي يريدون بها فناء العارف في اللّه وفناءه عما سوى اللّه.

وهذه المرحلة أعلى مقامات النفس عندهم.

وعرّفه العارف السهروردي بقوله: «الفناء المطلق: هو ما يستولي من أمر الحق

____________________

(1) الملل والنحل 1/188.

(2) النافع يوم الحشر 36 .

[215]

سبحانه وتعالى على العبد فيغلب كون الحق سبحانه وتعالى على كون العبد»(1).

ويقصد السهرودي بتعريفه هذا ما عناه بعضهم بتعريفه (الاتصال) من أنه «أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه»(2).

ونلمس انعكاس هذه الفكرة ليس على سلوكهم فقط، وانما حتى في ادبهم الشعري، ومنه:

- قول الحلاج:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا*** نحن روحان حللنا بدنا

فاذا أبصرتني أبصرته*** واذا أبصرته أبصرتنا

- قول ابن الغارض:

من لي باتلاف روحي في هوى رشأ*** حلو الشمائل بالارواح ممتزجِ

لم أدرِ ما غربة الاوطان وهو معي*** وخاطري أين كنا غير منزعجِ

فالدار داري وحبي حاضر ومتى*** بدا فمنعرج الجرعاء منعرجي

- قول الآخر:

قد تحققتُكَ في السر فناجاك لساني

فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعاني

ان يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني

فلقد صيّرك الوجد من الاحشاء داني

والاتحاد غير معقول، أي أنه مستحيل في نفسه.

ولانه مستحيل في نفسه يستحيل اثباته لغيره.

والدليل على استحالته في نفسه: ان الشيئين المتحدين - بعد فرض اتحادهما - إن بقيا موجودين فلا اتحاد بينهما، لانهما - والحالة هذه - إثنان متمايزان لا واحد.

__________________

(1) عوارف المعارف 363 .

(2) م . ن 359 .

[216]

وان لم يبقيا موجودين بأن انعدما معاً، ووجد شيء ثالث غيرهما أيضاً لا اتحاد هنا لان المعدوم لا يتحد بالمعدوم.

وإن انعدم أحدهما وبقي الآخر، فلا اتحاد بينهما أيضاً لان المعدوم لا يتحد بالموجود.

أما الدليل على استحالة اثباته لغيره فكما يقرره الشيخ المفيد بقوله: «ان الواجب لو اتحد بغيره لكان ذلك الغير إما واجباً أو ممكناً:

فان كان واجباً لزم تعدد الواجب، وهو محال.

وان كان ممكناً فالحاصل بعد الاتحاد ان كان واجباً صار الممكن واجباً، وان كان ممكناً صار الواجب ممكناً، وكلاهما خلاف المفروض، وباطل.

فثبت بطلان اتحاد الباري بغيره»(1).

ولاننا نعلم أن للتصوف لغته الخاصة التي تسمى ب(الاشارات) تدور في محاورات الصوفية شفهياً وتحريرياً.

وفحوى هذه اللغة: انهم لا يريدون بالالفاظ الخاصة التي يستعملونها مداليلها اللغوية أو ظواهرها الاستعمالية، وانما يرمزون بها الى معان خاصة ذات مدلولات خاصة قد تعارفوا وتواضعوا عليها.

لا نقوى على اتهامهم بالقول بالاتحاد الباطل الا اذا لمسناه واضحاً في لغتهم وببيانهم.

وممن احتاط في المسألة الفاضل المقداد، قال: «فان عنوا غير ما ذكرناه فلا بد من تصوره أولاً ثم يحكم عليهم، وان عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعاً»(2).

والذي يظهر من تصريحات بعضهم: انهم لا يعنون بالفناء الاتحاد المحال.

____________________

(1) النكت الاعتقادية 396 .

(2) النافع ليوم الحشر 36 .

[217]

جاء في عوارف المعارف(1): «وقال ابراهيم بن شيبان: علم الفناء والبقاء يدور على اخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة».

وعليه لا بد من تحليل عباراتهم في هدي اشاراتهم ثم الحكم لهم أو عليهم.

ومع هذا قد نجد في عبارات بعضهم - وهم الغلاة منهم - ما يشطح الى الاتحاد كما سيأتي.

وأما الاتحاد بمعنى التجلي أو ظهور الروحاني بالجسماني لها ما يشبهها عند بعض النصارى، فربما كان في البين تأثر.

فمن النصارى - كما يقول الشهرستاني - «من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الجواهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو.

وهذا كما يقال: (ظهر المَلَكُ بصورة انسان) أو (ظهر الشيطان بصورة حيوان)...»(2).

كما أنه من المؤسف أن نجد في الصوفية أمثال الحلاج الذي «قال بوجود روح ناطقة غير مخلوقة تتحد بروح الزاهد المخلوقة، فيصبح الولي الدليل الذاتي الحي على اللّه (هوهو).

ومن ثم يقول الحلاج: أنا الحق»(3).

ومثله ما نقل عن أبي يزيد البسطامي: أنه كان يقول: (لا إله الا أنا فاعبدوني) و (سبحاني ما اعظم شاني)(4).

_________________

(1) ص 362.

(2)الملل والنحل 1/226.

(3) الموسوعة العربية الميسرة: مادة حلاج.

(4) م . ن: مادة بسطامي.

[218]

والفكرة الحلاجية هذه - كما ترى - متأثرة ومن غير ريب بفكرة الاتحاد المسيحي التي قال بها اكثر اليعاقبة، فقد «زعم اكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد، الا أنه من جوهرين.

وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين.

فجوهر الإِله القديم، وجوهر الانسان المحدث، تركبا تركيباً كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهراً واحداً، أقنوماً واحداً، وهو انسان كله وإله كله.

فيقال: الانسان صار إلهاً، ولا ينعكس، فلا يقال: الإِله صار إنساناً.

كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة ناراً، ولا يقال: صارت النار فحمة.

وهي في الحقيقة لا نار مطلقة ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة»(1).

وهذه هي الفكرة التي شجبها القرآن الكريم وكفّر من قالوا بها، قال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا: ان اللّه هو المسيح ابن مريم) - المائدة 72 - .

______________________

(1) الملل والنحل 1/226 .