الاختيار :

وهو مذهب الامامية، وسمّوه (الأمر بين الأمرين) افادة من الكلمة المأثورة عن الامام الصادق (ع) : (لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين)(1).

وسماه الامام الهادي (ع) في رسالته في (الرد على أهل الجبر والتفويض) المذكورة في كتاب (تحف العقول) ب(العدل) و(المنزلة بين المنزلتين).

ويريدون به :

أن أفعال الانسان الارادية تصدر عن الانسان باختياره من غير جبر ولا إكراه، فان شاء فعل، وان لم يرد لم يفعل.

وفي الوقت نفسه يباشرها الانسان بالقوة والقدرة التي خلقها اللّه فيه.

فاذا اسندت الى قوة الانسان وقدرته المباشرة للفعل كانت من اللّه تعالى، لأن اللّه قادر على أن يسلب الانسان القوة التي أقدره بها على الفعل فلا يستطيع الاتيان به، وقادر على أن يخلي له السبيل الى الفعل فيفعله.

وان اسندت الى ارادة الانسان واختياره كانت من الانسان لأنه ان أراد واختار وقع الفعل، وان لم يرد ولم يختر لم يقع الفعل.

فاللّه تعالى لم يسلب الانسان ارادته فيكون الانسان مجبوراً على الفعل أو الترك، بحيث تتحول أفعاله الارادية في واقعها الى أفعال غير إرادية، لا دخل للانسان في

______________________

(1) التوحيد للصدوق 362.

[161]

وجودها وحدوثها.

كما انه تعالى لم يترك الانسان بحيث لا تدخل له في فعله حتى بارادة التشريع، فتكون أفعاله بخيرها وشرها لا علاقة لها باللّه اطلاقاً.

وببيان آخر :

ان أفعال الانسان غير الارادية كنشأته ونموه وسيره في مختلف مراحل تكوينه، ووجوده من مني يمنى ثم تطوراته جنيناً فرضيعاً فناشئاً فيافعاً فشاباً فكهلاً فشيخاً، الى ان يموت، وما بعد الموت، خاضعة لارادة اللّه التكوينية وأمره التكويني (كن فيكون).

وأفعاله الارادية على اختلاف انماطها السلوكية خاضعة لارادة اللّه التشريعية وأوامره ونواهيه الشرعية.

والفرق بين الارادتين في التأثير وتحقق الفعل :

ان الارادة التكوينية علة تامة لوقوع الفعل، فعند تعلقها بالفعل مع توافر شروط التأثير والايجاد لا يتخلف الفعل عن الوقوع والحدوث بحال من الأحوال.

أما الارادة التشريعية فليست علة تامة لوقوع الفعل، وانما هي جزء من اجزاء العلة لوقوع الفعل، وليست هي الجزء الأخير الذي به تتم العلة فيصدر عنها الفعل، وانما الجزء الأخير الذي تتم به العلة فيصدر عنه الفعل هو ارادة الانسان، فان اراد الانسان الفعل تمت العلة ووقع الفعل، وان لم يرده لا يقع.

وبتعبير آخر :

ان اللّه أراد وقوع الفعل المأمور به شرعاً وأراد عدم وقوع الفعل المنهي عنه شرعاً، لكن ارادته تعالى هنا ارادة شرعية لا كونية، وترك تمامية العلة لاختيار الانسان.

وذلك ليصح التكليف ويحسن الحساب وما يترتب عليه من ثواب أو عقاب.

ومن هنا سميته ب(الاختيار) للزوم وجود عنصر الاختيار في تحقق الفعل الارادي من الانسان.

[162]

واستدلوا على ذلك :

1 - بأن هناك فرقاً واضحاً وضوحاً بديهياً بين الفعل الارادي للانسان والفعل اللاارادي.

ذلك أن الفعل الارادي تابع للقصد والداعي فيستطاع فعله وتركه بخلاف الفعل غير الارادي.

2 - بالآيات القرآنية الظاهرة في اسناد الفعل الى الانسان امثال :

( فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم) - البقرة 79 -

(حتى يغيروا ما بانفسهم) - الانفال 53 -

( من يعمل سوءاً يجز به) - النساء 123 -

3 - بالاحاديث المروية عن أهل البيت (ع) الدالة على الاختيار أو الأمر بين الأمرين، أمثال:

ما عن الامام الصادق : (ان اللّه عز وجل خلق الخلق فعلم ما هم سائرون اليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل الى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شيء فقد جعل لهم السبيل الى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذن اللّه)(1).

ما عنه أيضاً : (قال رسول اللّه (ص) : من زعم أن اللّه تبارك وتعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللّه، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة اللّه فقد كذب على اللّه)(2).

ما عن محمد بن عجلان : قال : قلت لأبي عبد اللّه (ع) : فوّض اللّه الأمر الى العباد ؟

_________________________________

(1) التوحيد 359.

(2) م. ن.

[163]

فقال : اللّه اكرم من أن يفوّض اليهم.

قلت : فأجبر اللّه العباد على أفعالهم ؟

فقال : (اللّه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثم يعذبه عليه)(1).

ما عن الحسن بن علي الوشاء عن ابي الحسن الرضا (ع) : قال : سألته، فقلت له : اللّه فوّض الأمر الى العباد ؟

قال : اللّه أعزّ من ذلك.

قلت : فأجبرهم على المعاصي ؟ !

قال : اللّه أعدل وأحكم من ذلك.

ثم قال : قال اللّه عز وجل : يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني.

(عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك)(2).

الاكتساب (الكسب) :

وهو عقيدة أهل السنة جميعاً أشعرية وماتريدية وسلفية، ففي كتاب (العقيدة الواسطية) لابن تيمية ما نصه : «للعبد قدرة وارادة وفعل وهبها اللّه له، لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازاً.

«فهي من العبد كسباً ومن اللّه خلقاً»(3).

وفي وصية الامام ابي حنيفة (رض) لأصحابه : «نقر بأن العبد مع أعماله واقراره ومعرفته مخلوق.

________________________

(1) م. ن 361.

(2) م. ن 362 - 363.

(3) ص 63.

[164]

فلما كان الفاعل مخلوقاً فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة»(1).

وفي كتاب (الابانة) لابي الحسن الأشعري : «إن أعمال العبد مخلوقة للّه مقدورة كما قال : خلقكم وما تعملون»(2).

وقال الشهرستاني : «قال الأشعري : العبد قادر على أفعاله إذ الانسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة وبين حركات الاختيار والارادة.

والتفرقة راجعة الى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة متوقفة على اختيار القادر.

فعن هذا قال : المكتسب هو المقدور بالقدرة الحاصلة، والحاصل تحت القدرة الحادثة»(3).

وفي كتاب (مقالات الاسلاميين) للاشعري : «واختلف الناس في معنى القول إن اللّه خالق :

فقال قائلون : معنى ان اللّه خالق : ان الفعل وقع منه بقدرة قديمة، فانه لا يفعل بقدرة قديمة إلا خالق.

ومعنى الكسب : ان يكون الفعل بقدرة محدثة. فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق. ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب.

وهذا قول أهل الحق«(4).

فمعنى الاكتساب أو الكسب أو كسب العبد : هو «أن العبد اذا صمّم العزم فاللّه يخلق الفعل فيه»(5).

_____________________

(1) انظر : الطبقات السنية في تراجم الحنفية 1 / 63.

(2) ص 9.

(3) الملل والنحل 1 / 96 - 97.

(4) ص 538 - 539.

(5) ايثار الحق على الخلق 317.

[165]

واريد بهذا : «الجمع بنسبة ما يسمى خلقاً الى اللّه تعالى، ونسبة ما يسمى كسباً وطاعة ومعصية الى العباد.

ولم يريدوا بكون الأفعال خلق اللّه تعالى نفي كونها أفعال العباد، كما لم يريدوا بكونها كسباً للعباد نفي أنها خلق اللّه.

وبالجملة : فلم يريدوا نسبتها الى اللّه تعالى وحده من كل جهة، إذ لم تكن كسباً ولا طاعة ولا معصية، فان الطاعة والمعصية من اللّه تعالى وحده محالان.

ولا أرادوا نسبتها الى العباد وحدهم، لاعتقادهم أنها تسمى مخلوقة، وان الخلق من العباد محال»(1).

وفي كتاب (كشف المراد) : «وقال ضرار بن عمرو والنجار وحفص الفرد وابو الحسن الأشعري : إن اللّه تعالى هو المحدث لها، والعبد مكتسب، ولم يجعل لقدرة العبد أثراً في الفعل، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة اللّه تعالى، وهذا الاقتران هو الكسب.

وفسر القاضي الكسب بان ذات الفعل واقعة بقدرة اللّه تعالى، وكونه طاعة أو معصية صفتان واقعتان بقدرة العبد»(2).

وخلاصته :

أن العبد عندما يختار الفعل (طاعة كان أو معصية) وتتعلق ارادته به يخلق اللّه الفعل في العبد بقدرته تعالى التي يحدثها فيه مقارنة للاختيار.

وبمقارنته بالأمر بين الأمرين ننتهي الى الفارق التالي :

ان الامامية يذهبون الى ان الانسان هو الذي يختار الفعل ويخلقه، ولكن بالقوة والقدرة الانسانية التي منحها اللّه اياه.

__________________________

(1) م. ن 315 - 316.

(2) ص 239 - 240.

[166]

ان أهل السنة يذهبون الى أن الانسان هو الذي يختار الفعل أيضاً.

إلا ان اللّه تعالى هو الذي يخلقه عن طريق خلق القدرة الحادثة فيه المقارنة للاختيار.

وبمقارنته مع الجبريين ننتهي الى الفارق التالي :

أن كلاً من الجبريين والكسبيين يذهب الى أن الفعل من خلق اللّه تعالى.

الا أن المجبرة يقولون هو بقدرة اللّه القديمة.

والكسبيين يرون أنه بالقدرة الحادثة التي يخلقها اللّه في العبد عند اختياره للفعل.

ومن هنا رأينا غير واحد من المؤلفين الكلاميين اعتد القائلين بالكسب من المجبرة.

ويشيع هذا بشكل بارز في مؤلفات الامامية الكلامية بنصهم على أن الاشاعرة جبريون.

واستدلوا على ذلك :

1 - بان فعل العبد ممكن، وكل ممكن مقدور للّه تعالى. ولا شيء مما هو مقدور للّه واقع بقدرة العبد، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على مقدور واحد(1).

2 - بالآيات الدالة على أن كل شيء هو مخلوق للّه أمثال :

(ان اللّه خالق كل شيء) - الانعام 102 -

(وخلق كل شيء ) - الفرقان 2 -

(واللّه خلقكم وما تعملون) - الصافات 96 -

(هل من خالق غير اللّه) فاطر 3 -

(لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون) - الفرقان 25 -

_____________________

(1) المواقف 312.

[167]

الاستسلام :

الاستسلام أو الاستسلام للّه، تعبير أطلقه الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه (التفكير الفلسفي في الاسلام) على موقف السلف (الصحابة) من مشكلة القدر.

قال : «ورأي الصحابة - رضوان اللّه عليهم - أن اللّه قد صرح بأنه أكمل دينه، وأتم نعمته على المسلمين، فأخذوا أنفسهم بالتزام ما أتى به على الوجه الذي أتى به.

وقد أثبت القرآن وجود اللّه، وأثبت دليله، فهم يؤمنون بوجود اللّه، وتطمئن نفوسهم الى دليل القرآن على وجوده، وكذلك الأمر في وحدانية اللّه وقدرته وبقية صفاته.

وقد استفاض القرآن في الاستدلال على رسالة الرسول، فهم يثبتونها ويستدلون بما استدل به القرآن.

وقد أثبت القرآن البعث وأقام عليه الدليل، فهم يثبتونه، ويقيمون عليه دليل القرآن.

يقتصر السلف اذن في الاستدلال على معرفة اللّه ووحدانيته وصدق الرسول (ص) وعلى اليوم الآخر على ما ورد في الكتاب الكريم»(1).

ثم قال : «ذلك هو منهج السلف ومنهج من سار على طريقتهم، بيد أنه عرض لهم بعض المشاكل، منها مشكلة القدر، ومشكلة الصفات.

أما مشكلة القدر فانه قد ورد في القرآن آيات ربما تشعر بالجبر مثل :

(وما تشاؤون الا أن يشاء اللّه).

(ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم - ان كان اللّه يريد أن يغويكم - هو ربكم واليه ترجعون).

_________________

(1) ص 115.

[168]

(من يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للاسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء).

وفيه آيات ربما تشعر بالاختيار :

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

(وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون).

(لا يؤاخذكم اللّه باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).

ولكن اذا تتبعنا الاحاديث، وتتبعنا منزع كبار الصحابة، رأينا أن الاتجاه كان ينحو نحو الاعتقاد بانه لا تطرف في العالم طرفة عين ولا تهب فيه نسمة هواء ولا يحدث فيه حادث صغر أو كبر الا بارادة وتقدير من اللّه سبحانه وتعالى.

ولقد ملأت فكرة الالوهية قلوبهم وسيطرت على نفوسهم، فاستسلموا للّه خاضعين مؤمنين بان ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن»(1).

ثم قال : «هذا الموقف هو موقف الاستسلام للّه.

واذا اردنا الدقة قلنا : إنه ليس موقف الجبر، وليس موقف الاختيار، وليس موقف الكسب، إنه موقف الاستسلام للّه.

ويتمثل هذا الموقف فيما يروى عن علي - رضي اللّه عنه - قال : «كنا في جنازة ببقيع الغرقد، فأتى رسول اللّه (ص) فقعد وقعدنا حوله، وبيده مخصرة، فجعل ينكث بها الأرض، ثم قال : ما منكم من أحد الا وقد كُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة» فقالوا : يا رسول اللّه، أفلا نتكل على كتابنا ؟

فقال : اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيصير الى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير الى عمل الشقاء.

ثم قرأ : (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى). واذا انعمنا

_____________________________

(1) ص 122 - 123.

[169]

النظر في هذا الحديث وجدنا فيه نوعاً من الغرابة، أو نوعاً من الطرافة.

وطرافته أو غرابته آتية من أنه مُرْبِك للجبريين، ومربك للاختياريين، ومربك للكسبيين.

فصدره يتجه للجبر، وفيما يتلو يأمر بالعمل، وينتهي الحديث بآية قرآنية ترشد الى أن تيسير اللّه الصراط المستقيم للانسان انما هو مترتب على الاحسان والتقوى والتصديق بالحسنى.

ولكن الحديث في جملته لا يرشد الا الى الاستسلام للّه»(1).

الموازنة :

يرجع الخلاف في المسألة الى مفارقات وقعت في منهج البحث، تمثلت في التالي :

1 - ما يبدو ظاهراً من تناف بين دلالات الآيات القرآنية الواردة في موضوع فعل الانسان.

فقد رأينا أن المجبرة استدلوا بالآية الكريمة : (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند اللّه) - النساء 78 -.

وفي مقابلها يستدل نفاة الجبر بالآية التي تليها وهي : (ما أصابك من حسنة فمن اللّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك) - النساء 79 -.

والمفارقة المنهجية هنا هي : أن يستدل بهاتين الآيتين على فعل الانسان وهما لا علاقة لهما به.

وذلك ان الحسنة والسيئة لم تستعملا بما لهما من مصطلح ترسخ مدلوله العلمي بعد عصر النزول وهو الطاعة والمعصية.

وانما استعملتا بما لهما من معنى لغوي آخر، ومن المعلوم أن اللفظ اذا كان له اكثر من معنى لغوي يرجع في تعيين المقصود منه الى القرائن المحتفة به سياقاً أو غيره.

والحسنة والسيئة كما تطلقان في اللغة على الطاعة والمعصية تستعملان أيضاً في

______________________________

(1) ص 123 - 124.

[170]

النعمة والبلية، وهما هنا بمعنى النعمة والبلية بقرينة مناسبة النزول والسياق كما سيأتي.

جاء في (لسان العرب) : «وقوله تعالى (ربنا آتنا في الدنيا حسنة أي نعمة، ويقال : حظوظاً حسنة، وقوله تعالى (وان تصبهم حسنة) أي نعمة، وقوله (ان تمسسكم حسنة تسؤهم) أي غنيمة وخصب (وان تصبكم سيئة) أي مَحْل»(1).

وفي معناهما اللغوي هذا «قال ابن عباس وقتادة : الحسنة والسيئة : السراء والضراء والبؤس والرخاء، والنعيم والمصيبة، والخصب والجدب.

وقال الحسن وأبو زيد : هو القتل والهزيمة، والظفر والغنيمة»(2) وفي مناسبة نزولها يقول الطبرسي : «اختلف في من حكي عنهم هذه المقالة :

فقيل : هم اليهود، قالوا : ما زلنا نعرف النقص في أثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل . عن الزجاج والفراء.

فعلى هذا يكون معناه : وان اصابهم خصب ومطر قالوا : هذا من عند اللّه، وان اصابهم قحط وجدب، قالوا : هذا من شؤم محمد، كما حكى عن قوم موسى : وان تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه، ذكره البلخي والجبائي، وهو المروي عن الحسن وابي زيد.

وقيل : هم المنافقون : عبد اللّه بن أبيّ واصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا : الذين قتلوا في الجهاد لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فعلى هذا يكون معناه : ان يصبهم ظفر وغنيمة قالوا : هذا من عند اللّه، وان يصبهم مكروه وهزيمة قالوا : هذه من عندك يا محمد بسوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة.

وقيل : هو عام في اليهود والمنافقين، وهو الأصح.

________________________

(1) انظر : مادة : حسن.

(2) مجمع البيان 5 / 166 - 167.

[171]

وقيل : هو حكاية عمن سبق ذكره قبل الآية وهم الذين يقولون ربنا لم كتبت علينا.

وتقديره : وان تصب هؤلاء حسنة يقولوا : هذه من عند اللّه»(1) أما قرينة السياق فهي اسناد فعل الاصابة الى الحسنة والسيئة، ومعناه : ان الحسنة والسيئة هما اللتان وقعتا على الانسان وأصابتاه، فلو كانتا بمعنى الطاعة والمعصية لأسند فعل الاصابة الى الانسان وأوقع على الحسنة والسيئة، فيقال : اصاب الانسان حسنة، واصاب الانسان سيئة لان الانسان هو الذي يفعل الطاعة والمعصية.

وهذا هو اسلوب القرآن الكريم في استعمال الفعل المذكور، قال تعالى : (ولئن اصابكم فضل من اللّه) - النساء 73 -، وقال تعالى : (وان تصبك مصيبة) - التوبة 50 -.

فالفضل بمعنى الحسنة مفهوماً واستعمالاً، والمصيبة بمعنى السيئة مفهوماً واستعمالاً أيضاً.

وعليه : لا تنافي بين الآيتين، كما أنهما ليستا من شواهد الجبر والاختيار، فالاستدلال غير ناهض بالاثبات.

ويرجع سبب الاستدلال بهما هنا الى توهم ان المراد بالحسنة والسيئة في الآيتين : الطاعة والمعصية، وهذا من الخطأ في المنهج، كما أشرت.

2 - فصل الآية عن قرينة السياق التي تتدخل تدخلاً مباشراً وأساسياً في بيان وتحديد المعنى المقصود منها.

وهذا كما في الآية : (واللّه خلقكم وما تعلمون) - الصافات 96 -. فان الآية وردت في قصة النبي ابراهيم (ع) مع أصنام قومه، وفي السياق التالي : (فراغ الى آلهتهم فقال ألا تأكلون. ما لكم لا تنطقون. فراغ عليهم ضرباً باليمين. فأقبلوا اليه يزفّون. قال : أتعبدون ما تنحتون واللّه خلقكم وما تعملون).

________________________

(1) م. ن 166.

[172]

فان اقتران الآية موضوع البحث بالآية التي قبلها دليل على أن المراد بقوله تعالى (وما تعملون) الأصنام التي ينحتونها ويعبدونها.

والمقصود بخلق اللّه تعالى للأصنام هو خلق المادة التي تُصنع منها كالحجر وأمثاله.

أما تجسيم المادة على شكل صنم فهو من صنع الانسان من غير شك، ويدل عليه قوله (ما تنحتون) حيث أسند النحت وهو خلق الصنم اليهم أي الى الانسان.

وهو من اسلوب القرآن الكريم في مثله، ومنه : (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات) - سبأ 13 - (واصنع الفلك) - هود 13 -

(أن اعمل سابغات) - سبأ 11 -

فان مادة هذه الأشياء المذكورة في الآيات الكريمات هي من خلق اللّه تعالى، وتجسيمها على شكل محاريب وتماثيل وجفان وقدور وفلك ودروع هي من خلق الانسان وعمله وصنعه.

وعليه لا دلالة فيها على أن اللّه تعالى خالق لفعل الانسان.

وكما في قوله تعالى : (فلم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً ان اللّه سميع عليم) - الانفال 17 -.

ذلك أن الآية الكريمة نزلت في مناسبة وقعة بدر، تلك الوقعة التي لم تكن فيها القوى الحربية متكافئة بين المسلمين والمشركين :

فعدد المسلمين 313 وعدد المشركين 950

وافراس المسلمين 3 وافراس المشركين 100

وإبل المسلمين 70 وإبل المشركين 700

فالمسلمون قلة في العدد والعدة والمشركون كثرة في العَدد والعُدد وهكذا حالةُ

[173]

حربية لا يتوقع النصر فيها للقلة بحسب ظواهر مجريات الامور.

لولا دعاء الرسول (ص) واستغاثة المسلمين باللّه تعالى واستجابته لهم، كما أخبر القرآن الكريم بقوله : (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله اللّه الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند ان اللّه عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) - الانفال 9 - 10 - 11 - 12 -

فالاستجابة من اللّه تعالى تمثلت كما أخبر به القرآن الكريم في التالي :

1 - الإِمداد بألف مقاتل من الملائكة متتابعين.

2 - البشرى بالنصر لتطمئن قلوب المسلمين.

3 - إلقاء النعاس على المسلمين أمناً منه تعالى ليرفع به خوفهم الذي دخل نفوسهم بسبب قلتهم وكثرة عدوهم.

4 - إنزال المطر لتطهير أبدان المسلمين من الحدث ولاذهاب رجز الشيطان من نفوسهم، والربط على قلوبهم بالوثوق بلطف اللّه بهم، وتثبيت أقدامهم لئلا تسوخ في الرمل.

5 - الإِيحاء الى الملائكة بتثبيت قلوب المسلمين باعانتهم في القتال.

6 - إلقاء الرعب في قلوب المشركين.

يضاف اليه ظهور المعجز على يدي رسول اللّه (ص) بتناوله حفنة من الحصى والتراب ورميها في وجوه المشركين فشاهت بها ذلاً.

والمعجز لا يكون الا بفعل اللّه تعالى.

فاذا قارنا هذه الأفعال من اللّه تعالى التي أدت الى انتصار المسلمين وكسبهم المعركة، وأفعال المسلمين رأيناها أبعد تأثيراً وأقوى مفعولاً.

[174]

والى هذا قصد قوله تعالى (ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلة) - آل عمران 119 -.

فعندما تقول الآية : (لم تقتلوهم ولكن اللّه قتلهم)، تقول : إن فعلكم القتل اذا قورن بقتل اللّه لهم بواسطة الملائكة والتأييد بالنصر يكون فعلكم كأنه لا فعل بمقايسته بفعل اللّه تعالى.

فاذن هناك قتل من اللّه وقتل من المسلمين، وليس نفياً لقتل المسلمين ونسبته للّه تعالى، وإنما هي مقارنة بين الفعلين.

أما الرمي بالحصى من قبل الرسول فانه من المعجز الذي جرى على يد الرسول.

والمعجز لا يكون الا من اللّه تعالى.

فالمراد به أن الرمي الحاصل من الرسول لم يكن بتأثير فعل الرسول وان هو بتأثير فعل اللّه تعالى لانه على نحو الاعجاز.

فلم يكن هناك فعلان نفي احدهما وأثبت الآخر، وإنما هو فعل واحد، وهو فعل اللّه تعالى، ولانه معجزة للرسول اجراه اللّه تعالى على يديه.

فليس في الآية نفي لفعل الانسان ونسبته الى اللّه تعالى.

ومن هنا ينبغي أن يعلم «أن النصوص القرآنية لا تدرك حق ادراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب.

إنما تدرك اولاً وقبل كل شيء بالحياة في جوها التاريخي والحركي وفي واقعيتها الايجابية وتعاملها مع الواقع الحي.

وهي - وان كانت أبعد مدى وأبقى اثراً من الواقع التاريخي الذي جاءت تواجهه - لا تنكشف عن هذا المدى البعيد الا في ضوء ذلك الواقع التاريخي»(1).

3 - اعتماد العموم في آيات الخلق، مثل قوله تعالى :

___________________________

(1) في ظلال القرآن.

[175]

- (وخلق كل شيء).

- (خالق كل شيء).

من دون الرجوع الى مخصصاته العقلية والشرعية، التي تتمثل في أن العقل لا يجوّز، بل ينفي نسبة الظلم الى اللّه تعالى لمنافاة ذلك لعدله وكماله المطلق.

وكذلك القرآن الكريم في أمثال الآيات التاليات :

- (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) - هود 101 -

- (وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - النحل 118 -

- (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) - الزخرف 76 -

- (وما ظلمهم اللّه ولكن انفسهم يظلمون) - آل عمران 117 -

- (وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - النحل 33 -

- (ان اللّه لا يظلم مثقال ذرة) - النساء 40 -

- (ان اللّه لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس انفسهم يظلمون) - يونس 44 -

- (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) - الكهف 49 -

- (وما كان اللّه ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) - التوبة 70 -

- (وما اللّه يريد ظلماً للعالمين) - آل عمران 108 -

- (وما اللّه يريد ظلماً للعباد) - غافر 31 -

- (وأن اللّه ليس بظلام للعبيد) - آل عمران 182 -

- (وما ربك بظلام للعبيد) - فصلت 46 -

- (وما انا بظلام للعبيد) - ق 29 -

والى جانب هذه الآيات هناك آيات اخرى تنفي نسبة الشر الى اللّه تعالى، وثالثة

[176]

تنسب فعل الشر الى الانسان والى الشيطان. وهذه كسابقتها في نفي الظلم عنه تعالى، وهي أمثال :

- (واللّه لا يحب الفساد) - البقرة 205 -

- (ان اللّه لا يأمر بالفحشاء) - الاعراف 27 -

- (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل 90 -

- (انما تعبدون من دون اللّه أوثاناً وتخلقون إفكاً) - العنكبوت 17 -

- (قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين) - القصص 15 -

- (ومن يشرك باللّه فقد ضل ضلالاً بعيداً) - النساء 116 -

- (ومن يكفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) - النساء 136 -

- (ومن يعصِ اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) - الاحزاب 26 -

- (وأضل فرعون قومه وما هدى) - طه 79 -

- (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس) - فصلت 29 -

- (وما أضلّنا الا المجرمون) - الشعراء 99 -

- (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني).. الفرقان 29 -

- (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) - الاحزاب 67 -

فاذن لا بد من التخصيص هنا باستثناء واخراج ما هو ظلم وشر وقبيح من أفعال الانسان عن عموم (كل شيء) بهذا المخصص العقلي الشرعي.

وعليه تكون أفعال الانسان المشمولة بعنوان الظلم مستثناة من هذا العموم.

ولاستثناء واخراج أفعال الانسان الأخرى، وهي الأفعال التي ليست بظلم يُرجع

[177]

الى المخصص العقلي القائل بان نسبة خلق أفعال الانسان الاختيارية الى اللّه تعالى يلزم منه بطلان الأمر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب وبعث الرسل وانزال الكتب.

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له*** إياك إياك أن تبتل بالماء

فتعلق الاوامر والنواهي الشرعية بافعال الانسان دليل على أن أفعاله مخلوقة له.

ونخلص من هذ الى أن أفعال الانسان مستثناة من العموم بالتخصيص المذكور.

على أننا نستطيع أن نذهب الى أن سلوك الانسان الاختياري بما أنه خاضع تشريعياً الى الأوامر والنواهي الشرعية لا ينفك في وجوده عن تحققه في مجالين متلازمين هما :

1 - المجال الواقعي.

2 - المجال الاعتباري.

والفعل في المجال الواقعي هو من اللّه تعالى لانه لا يتحقق في الواقع الخارجي الا عن طريق القوة التي أودعه اللّه تعالى في الانسان وبتغريز دوافعه الفطرية لايجاده في النفس الانسانية، وهو ما تسميه الآية الكريمة بالالهام (ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها).

وفي المجال الاعتباري هو من الانسان وحده وهو ما تشير اليه الآية الكريمة : (إنّا هديناه السبيل إما شاكراً واما كفوراً)، وهو الذي يقال له طاعة ومعصية، وعليه يترتب الثواب والعقاب.

فالفعل - خيراً كان أو شراً - وقع باختيار الانسان وبقدرته الانسانية.

ومن المعلوم أن قدرة الانسان مخلوقة للّه تعالى، ومعلولة لقدرة اللّه سبحانه.

وبهذا التسلسل الطولي في العلل والمعلولات - الفعل معلول ومخلوق لقدرة الانسان مباشرة - وقدرة الانسان مخلوقة ومعلولة للقدرة الالهية يكون الفعل بهذا التسلسل العلّي مخلوقاً للّه تعالى.

[178]

ولا جبر في ذلك ولا قهر لتخلل عنصر الاختيار شرطاً في صدور الفعل عن القدرة الانسانية.

ولنضرب لهذا مثالاً ابتغاء توضيحه : (الاتصال الجنسي) : ان الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة بمعنى مباشرة الفعل أمر واقعي، وكونه نكاحاً أو سفاحاً أمر اعتباري.

واعتداده طاعة أو معصية، واعتداد تعلق الثواب أو العقاب به لا بلحاظ أنه إتصال جنسي، وانما بلحاظ كونه نكاحاً أو سفاحاً.

فباعتباره اتصالاً جنسياً صادراً عن قدرة الانسان وهي مخلوقة للّه تعالى يدخل في عموم خلق اللّه لكل شيء عن طريق هذا التسلسل العللي.

وباعتبار اختياره طاعة أو معصية يخرج من العموم بالمخصص المذكور.

ويبدو أن القائلين بأن فعل الانسان مخلوق للّه وبقدرته القديمة وحدها وهم الجبرية، والقائلين بأن فعل الانسان مخلوق للّه بقدرته القديمة ومكسوب للانسان بقدرته الحادثة وهم السنة، لم يقولوا بانه مخلوق للانسان في الوقت الذي هو مخلوق للّه، للزومه توارد علتين على معلول واحد.

ولكن عندما ندرك أن هناك فرقاً بين توارد العلتين على المعلول الواحد توارداً طولياً بمعنى أن يكون المعلول صادراً عن علة، وتلك العلة معلولة لعلة اخرى، بحيث يكون المعلول الاول معلولاً لعلته المباشرة، ومعلولاً لعلتها بواسطتها، فيكون على هذا معلولاً لعلتين تواردتا عليه ولكن في تسلسل طولي، وهذا غير محال.. وبين توارد العلتين على المعلول الواحد توارداً عَرْضياً بمعنى أن كلاً من العلتين علة مباشرة للمعلول، والمعلول صادر عن كل منهما مباشرة، وهذا هو المحال، وليس منه مسألتنا، بل هي من التوارد العللي الطولي.

كما أنه يجب أن يفرق في العلل الطولية بين الفاعل بمعنى ما منه الوجود، والفاعل بمعنى ما به الوجود.

فالعلة المباشرة هي ما به الوجود فيصح نسبة الفعل اليها على هذا الاساس.

[179]

والعلة الاولى في سلسلة العلل هي ما منه الوجود، وأيضاً يصح نسبة الفعل اليها على أساس أن الوجود منها.

وعليه ان اريد من قولهم : إن اللّه خالق كل شيء، يعم خلقه لأفعال الانسان، بمعنى أن قدرة اللّه تعالى في طول قدرة الانسان التي هي الخالق المباشر للفعل، لا خلاف في ذلك.

وان أرادوا أن اللّه الخالقُ المباشرُ لفعل الانسان، والانسان ليس له الا الاختيار فقط.

فبالاضافة الى أنه لا دليل عليه هو عين الجبر المتنازع فيه والمرفوض بداهةً، لاستلزامه الجبر على العقاب، وهو الظلم الذي أكد القرآن الحكيم والعقل السليم نفيه وتنزيه اللّه عنه.

4 - تناول الآيات التي تنسب في ظاهرها الاضلال الى اللّه تعالى من دون مقارنتها بما مرَّ من آيات نفي الظلم عن ساحته تعالى وتنزيهه عن الاضلال ونحوه.

ومن هذه الآي :

- (أتريدون أن تهدوا من أضل اللّه) - النساء 88 -

- (فمن يهدي من أضل اللّه) - الروم 29 -

- (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله اللّه على علم) - الجاثية 23 -

- (إن هي الا فتنك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء) - الاعراف 155 -

- (ومن يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) - الاعراف 185 -

- (طبع اللّه على قلوبهم وسمعهم وابصارهم) - النحل 108 -

- (ونبلوكم بالخير والشر فتنة والينا ترجعون) - الانبياء 36 -

- (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) - آل عمران 8 -

[180]

- (من يهد اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً) - الكهف 17 -.

ذلك أن هذه الآيات متى قورنت مع تلك لا بد من التماس وجه آخر في تفسيرها غير ما يترآى من ظاهرها من معنى للاضلال الذي هو ضد الهداية لأن حملها على هذا المعنى يتنافى وما ثبت بالبرهان القاطع من أن اللّه تعالى لا يظلم أبداً، ولا يأمر بغير الخير ولا يدل الا على هدى.

وقد وُجهت بان المراد بها : ان الاضلال هنا بمعنى سلب عنايته تعالى وتوفيقه ممن يراه غير مستحق لهما فيقطع افاضة الخير عليه والهداية اليه.

يقول الشيخ البلاغي : «المراد من الاضلال في هذه الموارد هو قطع العناية عن المتمرد في جذبه الى الايمان والصلاح، وذلك لأجل خروجه بتمرده عن كونه أهلاً للعناية والتوفيق»(1).

وقد ورد في غير دعاء من الأدعية المأثورة طلب العبد أن يشمله اللّه تعالى بعنايته الدائمة، كما في هذا الدعاء : (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، لا تكلني الى نفسي طرفة عين، وأصلح شأني كله).

واذا رجعنا الى معجمات اللغة نتعرف معنى الاضلال لنرى ما يناسب الموضوع، وجدناها تذكر من معانيه ما يلي :

1 - أضله : وجده ضالاً، تقول : (أضللت الشيء) اذا وجدته ضالاً، كما تقول : (أحمدتُه وأبخلتُه) اذا وجدته محموداً وبخيلاً. ومنه الحديث : (ان النبي (ص) أتى قومه فأضلهم) أي وجدهم ضلالاً غير مهتدين الى الحق(2).

2 - أضله : جعله ضالاً.

فالآي التي ورد فيها الاضلال بصيغة الفعل الماضي (أضل) يمكن حملها على معنى

_____________________

(1) الرحلة المدرسية 377.

(2) انظر : اللسان : مادة ضلل.

[181]

الوجدان ومن غير عناء تأويل أو تكلف، بتفسير أن من وجده اللّه تعالى ضالاً فلا يهديه الا هو سبحانه (انك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء) بشموله له بعنايته وتوفيقه، ذلك أن من لا تشمله العناية الالهية لا يستطيع أحد هدايته، وهو واضح.

ويمكن حملها على معنى الجعل كما هي في صيغة المضارع (تُضل) و(يضلل) وفي الالفاظ الاخرى (طبع) و(لا تزغ).

وهنا نقول : قد يراد بالجعل هنا الجعل التكويني، وقد يراد به الجعل التشريعي .

فالجعل التشريعي على نمط الدعاء القائل: (اللهم أغنني بحلالك عن حرامك) أي ما جعلته حراماً شرعاً.

فتكون (أضل) و (يضل) بمعنى جعل و يجعل تشريع الضلال .

والجعل التكويني هو جعل القوة التي يقتدر بها الانسان على فعل الضلال في تكوينه ( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها).

فمتى فعل الانسان الضلال كان ضلاله معلولاً لقدرته المعلولة لقدرة اللّه تعالى الواردة في طولها، ويصح - كما تقدم - نسبة الفعل الى كل علة من علله التسلسلية.

وننتهي من هذا الى أن هذه الآي وأمثالها لا دلالة فيها على الجبر.

5 - تفسير الآية وفق المعنى المشهور لمفرداتها من دون مقارنته بالمعاني الاخرى للمفردة وتعيين المناسب للمعنى الجملي للأية.

وجاء هذا في مثل الآية الكريمة (واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) - الاسراء 16 - .

ان تفسير (أمرنا) هنا بالأمر الانشائي (الطلب من العالي الى الداني) وتقدير أن المأمور به هو الفسق بقرينة (ففسقوا) لتتم دلالتها على الجبر يتنافى وما قدمنا من أن اللّه تعالى عادل حكيم يأمر بالعدل والاحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وقد وُجّه تفسيرها بان الأمر فيها مطلق، وتقييده بالفسق غير جائز لما تقدم.

[182]

وعليه لا بد من تقييده بما يتناسب وعدل اللّه تعالى وحكمته، وهو أن يكون «المراد: أمرنا المترفين بأوامر الصلاح والعدل والاحسان فخالفوا أوامر الحق وفسقوا(1).

وكما قلت، فاننا اذ رحنا نلملم معاني (أمَرَ) من مظانه في كتب اللغة والأدب سنجد أن من معاني (أَمَرَ): (كَثَّرَ) من التكثير والكثرة.

قال ابو علي القالي في أماليه : «وأنشدنا أبو زيد:

أُمُ جَوَارٍ ضَنْئُوها غيُر أَمِرْ

ضنئوها: نسلها.

وأَمِرَ المالُ وغيره يَأْمرُ أَمَرَةً وأمَراً اذا كثر، قال الشاعر:

والأثم من شر ما يصال به*** والبركات لغيث نبتُهُ أَمِرُ

ويقال في مَثَلِ: (في وجه مالك تعرف أَمْرَتَه) وأَمَرَتَه، أي نماءه، وقال اللّه تعالى (واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها) أي كثّرنا، وقال ابو عبيدة: يقال: خير المال نخلة(2) مأبورة أو مهرة مأمورة: فالمأمورة: الكثيرة الولد، من آمرها اللّه. أي كثّرها»(3).

وفي مجاز القرآن لابي عبيدة: «واذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها: أي اكثرنا مترفيها، وهي من قولهم: قد أَمرَ بنو فلان، أي كثروا، فخرج على تقدير قولهم: علم فلان وأعلمته أنا ذلك، قال لبيد:

كل بني حرةٍ قُصارهُم*** قُلُّ وان اكثرتْ من العددِ

إن يغبطواً يهبطوا وأن أَمِروا*** يوماً يصيروا للهُلْك والنفد»(4).

_________________________

(1) الرحلة المدرسية 381 .

(2) في الأمالي (سكة) وتصويبها من مجاز القرآن 1/ 373 .

(3) الامالي 1 / 103 .

(4) مجاز القرآن 1/ 371 - 373 ، وانظر: لسان العرب - مادة: أمر .

[183]

فالمناسب أن تفسير عبارة (أمرنا) ب(كثّرنا)، و ذلك أن الترف من لوازم الغنى، والغنى اذا فشا وانتشر نتج عنه الطغيان (كلا إن الانسان ليطغى . أن رآه استغنى) - العلق 6 ، 7 - ، والطغيان من بطر المعيشة الموجبة للاهلاك (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) - القصص 58 - .

وفي ضوئه: ليس في الآية موضوع البحث ما يدل على جبر أو قهر.

6 - دراسة الموضوع من الموضوعات القرآنية بالاقتصار على جانب منه من غير الرجوع الى الجوانب الاخرى للموضوع، وذلك مثل دراسة موضوع تعليق القران مشيئة الانسان على مشيئة اللّه تعالى. كما في الآي التالية:

- (لا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غداً الا أن يشاء اللّه) - الكهف 23 - .

- (وما تشاؤون الا أن يشاء اللّه) - الانسان 29 - .

- (وما يذكرون الا أن يشاء اللّه) - المدثر 56 - .

- (وما كانوا ليؤمنوا الا أن يشاء اللّه) - الانعام 111 - .

فان التعليق الظاهر من هذه الآي الكريمة نجده أيضاً في آيات الاذن وآيات التوكل، مثل:

- (وما كان لنا ان نأنيكم بسلطان الا باذن اللّه وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) - ابراهيم 11 -

- (وليس بضارهم شيئاً الا باذن اللّه وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون) - المجادلة 10 -

- ( واذا عزمت فتوكل على اللّه ان اللّه يحب المتوكلين) - آل عمران 159 -

- (وما كان لنفس أن تؤمن الا باذن اللّه) - يونس 10 -

- (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع باذن اللّه) - النساء 64 -

- (وما هم بضارين من أحد الا باذن اللّه ) - البقرة 102 -

[184]

فان آي المشيئة اذا نظرت في اطار أمثالها من آي الإذن وآي التوكل يبين المقصود منها بوضوح لأن القران يفسر بعضه بعضاً، وتعضد آية الأخرى.

وهى - كما تعرب عن ذلك ظواهرها - ترمي الى أن تلفت نظر الانسان الى فعله الذي يوقعه بقدرته غير مستقل عن قدرة اللّه تعالى.

فكما أن قدرته معلولة لقدرة اللّه تعالى في أصل وجودها هي أيضاً مفتقرة في استدامة وجودها واستمرار بقائها الى مدد فيضه تعالى. فلا حول ولا قوة للانسان الا من حول اللّه وبقوته.

ذلك أن الانسان لا يستطيع أن يفعل الفعل اذا تعلقت ارادة اللّه بخلافه، أو سلبته قدرة اللّه تعالى قدرته على الاتيان بالفعل.

فكل فعل يعزم الانسان على الاتيان به ينبغي له أن يضع نصب عينيه انه لا يقوى على الاتيان به الا اذا كان معه مدد الفيض الالهي واستمرارية القوة القادرة على الفعل التي خلقها اللّه تعالى فيه.

فهذا اللون من الاستثناء (الا أن يشاء اللّه)، (إلا باذن اللّه)، وكذلك الترغيب في التوكل والأمر به يشير الى أن العلل والاسباب الواردة في طول القدرة الالهية، كما هي مفتقرة اليها في أصل وجودها، هي أيضاً مفتقرة اليها في استدامة وجودها، واستمرارية بقائها.

ويقول الشيخ البلاغي توضيحاً لمعنى الآية (لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً الا أن يشاء الله): «لم يقيّد القرآن ارادة الانسان ولم يعلّق فعله بانواعه على مشيئة الله، بل لم يعلق الا الفعل الذي يجزم الانسان بغروره أنه سيفعله بقدرته في المستقبل مع غفلته عن كونه عرضة للموت والمرض والعوائق وتغيّر الامور .

فالقرآن يوبخ الانسان على اغتراره بما عنده في وقته من القدرة فيتوهم بغروره بقاءه في المستقبل ويجزم بانه يفعل غداً.

كأنه ليس له إله يغيّر الأمور و يقدّر عليه الموت والمرض والعوائق .

[185]

ويستلفته بتعليمه الراقي الى دوام الاعتراف بعجزه وأن بقاء قدرته ومتعلقات ارادته ومواضيع فعله انما هو بقدرة الإِله العظيم المتصرف في العالم وبمشيئته»(1).

وننتهي من هذا كله - وقد ضم نماذج مختلفة من الآيات الكريمة المرتبطة بموضوع ارادة الانسان - الى أنه ليس في القرآن الكريم ما يدل على الجبر، كما أنه ليس فيه ما يدل على التفويض.

أما فكرة الكسب فهي الأخرى لا دليل عليها من القرآن الكريم لان نسبة خلق فعل الانسان الى قدرة اللّه القديمة هي عين الجبر ولا دليل عليه من القرآن الكريم كما رأينا.

ونسبة الفعل عند الاختيار الى قدرة الانسان الحادثة التي يخلقها اللّه فيه عند الاختيار لا دليل عليه من القرآن إذ لم يمر علينا شيء مما قد يشير اليه - ولو من بعيد - من النصوص القرآنية، كما أنه لا دليل عليه من العقل.

ومنه يتضح أن ما ذهب اليه الامامية تبعاً لأئمة أهل البيت من أن فعل الانسان أمر بين الجبر والتفويض، أو منزلة بينهما مأخوذ من القرآن بنظرة شمولية اعتمدت المقارنة والموازنة الى ما تضمنته مختلف الآيات في الموضوع.

أما مذهب الاستسلام فهو مذهب التوقف عن اعطاء الرأي في المسألة، وقد مر بنا بيان هذا عند الكلام على المنهج النقلي.

ولا أرى مبرراً لاتخاذ موقف الصحابة دليلاً.

وذلك لأن توقف الصحابة عن الخوض في المسائل المشكلة من قضايا العقيدة لا يرجع الى سبب ديني كما أفاده الشيخ محمود وأمثاله، وإنما الى سبب اجتماعي تاريخي وهو ان الحضارة الاسلامية كانت في ايام الرسول وعهود الخلفاء الثلاثة من الراشدين في دور التلقي.

________________

(1) الرحلة المدرسية 381

[186]

ذلك ان الحضارة الاسلامية مرت منذ انبثاقها في عصر الرسالة حتى نضج الفكر الاسلامي العلمي التقنيني في العصر العباسي بثلاث مراحل أو ثلاثة أدوار:

1 - مرحلة التلقي:

وكانت في عصر الرسول والخلفاء الثلاثة من الراشدين، فقد كانت الظاهرة العامة لعلاقة المسلمين في هذه المرحلة بالحضارة الاسلامية وتفاعلهم معها صلة تلق وحفظ وتطبيق.

ومن طبيعة التلقي الذي يستلزم التطبيق أن لا يكون فيه التقنين العلمي في تأصيله وتفريعه وتحليلاته وتأويلاته لئلا تطول المسافة بين التعلم والتطبيق.

مضافاً الى انشغال الصحابة في هذه المرحلة بالغزوات والسرايا والفتوح لنشر الاسلام.

كما أن من العوامل الاخرى التي ساعدت على عدم الخوض في مثل هذه المسائل من قبل الصحابة في هذه المرحلة افتقادهم عنصر التحدي والاثارة، ففي هذه المرحلة لم يكن هناك تفاعل وصراع بين الحضارة الاسلامية والحضارات الاخرى بما يمثل ظاهرة واضحة وعامة.

2 - مرحلة التأسيس العلمي:

وبدأت في عهد حكم الامام امير المؤمنين (ع) فكان - على سبيل المثال - ابن عباس يبذر بذور التفسير الاسلامي، وكان ابو الاسود الدؤلي بتوجيه من الامام يضع بدايات علم النحو العربي، وكان الامام في خطبه وأجوبته يرسخ قواعد العقيدة الاسلامية وينشر افكارها بلغة واسلوب عاملين بدورهما على تكوين علم التوحيد.

وكان هنا وهناك آخرون من الصحابة والتابعين يقومون بمثل هذه الاعمال التي تقوم بوظيفة وضع الاسس لاشادة بناء العلوم الاسلامية.

وفي هذه المرحلة كان الصحابة يثيرون. ويبحثون مشكلة القدر، وفي طليعتهم الامام امير المؤمنين (ع) ولانه من اهل البيت وصحابي أيضاً يأتي عطاؤه قولاً وفعلاً في

[187]

القدر المتيقن من الحجية .

3 - مرحلة البناء العلمي:

وكانت هذه في العصر العباسي.

على ان الصحابة انفسهم لم يكونوا على مستوى واحد من حيث الوثاقة والمعرفة.

والوثيقة التي خلفها لنا الامام امير المؤمنين في الاعتماد على نقلة الحديث من الصحابة، ورسم فيها المنهج الذي ينبغي أن يتبع في الأخذ عنهم هي خير ما يعتمد عليه ويستند اليه ويلتزم به.

وهي:

« قال له سليم بن قيس: إني سمعت سلمان وأبا ذر والمقداد يتحدثون باشياء من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول اللّه (ص)، ثم سمعتُ منك تصديق ذلك ورأيتُ في ايدي الناس اشياء كثيرة من تفسير القرآن والاحاديث والروايات عن رسول اللّه (ص) يخالفونها فيكذب الناس متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم.

فقال امير المؤمنين (ع): قد سألتَ فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، وقد كذب على رسول اللّه (ص) في حياته كذباً كثيراً حتى قام خطيباً فقال: (أيها الناس قد كثر عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوء مقعده من النار)، وكذلك كذب عليه بعده.

إنما أتاك بالحديث أربعة ليس لهم خامس:

1 - رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام لايتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول اللّه (ص) متعمداً.

ولو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا: قد صحب رسول اللّه (ص) ورآه وسمع منه، فأخذوا منه وهم لا يعرفون حاله.

[188]

وقد أخبر اللّه جل وعز عن المنافقين بما أخبر ووصفهم بأحسن الهيئة فقال: (اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم).

ثم تفرقوا من بعده وبقوا واختلفوا وتقرّبوا الى أئمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والكذب فولوهم الأعمال والأحكام والقضاء، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا.

وقد علمت ان الناس مع الملوك اتباع الدنيا، وهي غايتهم التي يطلبون الا من عصم اللّه.

فهذا أحد الاربعة.

والثاني: رجل سمع من رسول اللّه (ص) شيئاً ووهم فيه ولم يحفظه على وجهه ولم يتعمد كذباً، فهو في يده يعمل به ويقول: أنا سمعته من رسول اللّه (ص).

ولو علم الناس أنه وهم لم يقبلوه.

ولو علم هو انه وَهِم لرفضه ولم يعمل به.

فهذا الثاني.

والثالث: رجل سمع من رسول اللّه (ص) أشياء أمر بها ثم نهى عنها وهو لم يعلم النهي، أو نهى عن شيء ثم أمر به ولم يعلم الأمر، حفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ.

فلو علم الناس (وهو) أنه منسوخ لرفضه الناس ورفضه هو.

فهذا الرجل الثالث.

والرابع: رجل لم يكذب على اللّه وعلى رسوله، يبغض الكذب خوفاً من اللّه وتعظيماً لرسوله (ص)، ولم يتوهم، ولم ينسَ، بل حفظ ما سمع فجاء به على وجهه لم يزد فيه ولم ينقص، حفظ الناسخ وعمل به والمنسوخ ورفضه.

فان أمر الرسول (ص) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، يكون من رسول اللّه (ص) الأمر له وجهان، عام وكلام خاص مثل القرآن، وقد قال اللّه جل

[189]

وعز: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

فكان يسمع قوله من لم يعرفه ومن لم يعلم ما عنى اللّه به ورسوله (ص) ويحفظ ولم يفهم.

وليس كل اصحاب رسول الله (ص) كان يسأله عن الشيء ويستفهمه، كان منهم من يسأل ولا يستفهم حتى لقد كانوا يحبون أن يجيء الاعرابي أو الطاري أو الذمي فيسأل حتى يسمعوا ويفهموا.

ولقد كنتُ أنا أدخل كل يوم دخلة فيخليني معه أدور فيها معه حيثما دار، علم ذلك اصحابه أنه لم يصنع ذلك بأحد غيري، ولربما أتاني في بيتي، واذا دخلتُ عليه منازله أخلاني وأقام نساءه، فلا يبقى أحد عنده غيري.

كنتُ اذا سألتُ اجابني، واذا سكتُّ وفنيتْ مسائلي ابتدأني.

وما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنيا ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة، الا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بيدي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، وأين نزلت وفيم نزلت الى يوم القيامة»(1).

على أننا يجب علينا أن لا ننسى هنا قيمة العقل وقدسية التفكير في الاسلام وتأكيد القرآن الكريم على ذلك بشكل عادت معه هذه الظاهرة من سماته البارزة وشاراته الواضحة.

وهكذا دعوة تتنافى وما استنتجه الشيخ محمود من وجوب الاستسلام والتوقف.

لاننا اذا التزمنا منهج الاستسلام أسلمنا الى مخالفة القرآن الكريم في دعوته الى استعمال العقل، والى التفكر والتدبر.

والعقلانية ليست وليدة الفلسفة ولا علم الكلام وانما هي طبيعة البشر التي أقرها

_____________________

(1) تحف العقول 136 - 138 .

[190]

القران الكريم، وطبقها في استدلاله على وجود اللّه ووحدانيته وكماله المطلق وعظمته المتفردة.

ومن الطريف ان ينقل الشيخ محمود بعض آي القرآن ذات المنهج العقلي في الاستدلال ولا يلتفت الى ذلك(1).

وعلى هذا النهج القرآني سار أهل البيت (ع)، وما أعظم ما قاله الامام أمير المؤمنين (ع) يثني على أهل البيت في التزامهم هذا المنهج القرآني القويم، قال: «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية ، فان رواة العلم كثير ورعاته قليل».

وما جاء من أحاديث منسوبة الى الرسول أو الصحابة تنهى عن الخوض في مثل هذه المشكلات فهي إما موضوعة ومكذوبة عليهم، أو أنها جاءت وفق متطلبات المرحلة.

_________________________

(1) ينظر: كتابه (التفكير الفلسفي في الاسلام) تحت عنوان: (مذهب السلف).