[124]

خلق القرآن :

ترتبط هذه المسألة بالمسألة التي قبلها ارتباطاً وثيقاً وعريقاً، فمن قال بأزلية كلام اللّه تعالى قال هنا بقدم القرآن وإنه غير مخلوق، ومن قال بحدوث كلام اللّه تعالى قال بحدوث القرآن وخلقه.

والأقوال في المسألة مع خلاصات أدلتها هي :

1 - الحنابلة (السلفية) :

قالوا : القرآن هو هذه الألفاظ المقروءة بالالسنة والمحفوظة في الصدور والمكتوبة في الصحف والمطبوعة على الورق والمسجلة على الأشرطة.

فالذي نقرأه هو كلام اللّه تعالى الأزلي القديم القائم بذاته تعالى، إلا أن قراءتنا تكون له بأصواتنا.

وقراءتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام اللّه الذي تكلم به بحروفه ومعانيه، ليست الألفاظ دون المعاني، ولا المعاني دون الألفاظ(2).

ودليلهم على هذا :

اجماع السلف على أن القرآن الكريم أزلي غير مخلوق، وأنه هو هذا الذي بين أظهرنا نبصره ونسمعه ونقرأه ونكتبه.

وقالوا : «ونحن لا نزيد من أنفسنا شيئاً، ولا نتدارك بعقولنا أمراً لم يتعرض له السلف.

قال السلف : ما بين الدفتين كلام اللّه.

قلنا : هو كذلك.

_____________________

(1) انظر : العقيدة الواسطية لابن تيمية، تقديم مصطفى العالم 51.

[125]

واستشهدوا بقوله تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه).

إذ من المعلوم أنه لم يسمع الا هذا الذي نقرأه(1).

وتعقبهم الفخر الرازي بالرد، فقال : «أطبق العقلاء على أن الذي قالوه جحد للضروريات، ثم الذي يدل على بطلانه وجهان :

الوجه الأول أنه إما ان يقال إنه تكلم بهذه الحروف دفعة واحدة أو على التعاقب.

فان كان الأول لم يحصل منها هذه الكلمات التي نسمعها ، لأن التي نسمعها حروف متعاقبة، فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديماً.

وان كان الثاني فالاول لما انقضى كان محدثاً لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثاً.

والوجه الثاني : ان هذه الحروف والأصوات قائمة بألسنتنا وحلوقنا، فلو كانت هذه الحروف والأصوات نفس صفة اللّه تعالى لزم أن تكون صفة اللّه وكلمته حالّة في ذات كل أحد من الناس.

واحتجوا على قولهم بان كلام اللّه تعالى مسموع بدليل قوله تعالى (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه)، وهذا يدل على أن كلام اللّه مسموع.

فلما دل الدليل على أن كلام اللّه قديم وجب أن تكون هذه الحروف المسموعة قديمة.

والجواب :

ان المسموع هو هذه الحروف المتعاقبة، وكونها متعاقبة يقتضي أنها حدثت بعد

_________________________

(1) انظر : الملل والنحل 1 / 106 - 107.

[126]

انقضاء غيرها.

ومتى كان الأمر كذلك كان العلم الضروري حاصلاً بامتناع كونها قديمة»(1).

وخلاصة ما قرره الرازي : ان قول السلفية بقدم القرآن (وهو الذي بين الدفتين) يلزمه امران ممتنعان على الذات الالهية هما :

أ - ان يكون القديم محلاً للحوادث.

ب - ان يحل القديم في الحادث.

2 - الأشاعرة :

قالوا : «القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، غير حالّ فيها»(2).

ومعنى غير حالّ فيها : ان الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه، لأنهم - كما تقدم - يذهبون الى أن «العبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة الى الأنبياء (ع) دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي.

والفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، فالذكر محدث والمذكور قديم»(3).

وخلاصة ما استدلوا به على ذلك ما يلي :

أ - من العقل :

1 - «ان الكلام من صفات الكمال، فلو كان محدثاً لكانت (الذات الالهية) خالية عن صفات الكمال قبل حدوثه.

_______________________

(1) معالم أصول الدين 67 - 68.

(2) العقائد النسفية 29.

(3) الملل والنحل 1 / 96.

[127]

والخالي عن الكمال ناقص.

وذلك على اللّه محال».

2 - «ان الكلام لو كان حادثاً لكان :

إما أن يقوم بذات اللّه

أو بغيره.

أو لا يقوم بمحل.

فلو قام بذات اللّه تعالى لزم كونه محلاً للحوادث، وهو محال. وان قام بغيره فهو أيضاً محال، لأنه لو جاز ان يكون متكلماً بكلام قائم بغيره لجاز ان يكون متحركاً بحركة قائمة بغيره، وساكناً بسكون قائم بغيره، وهو محال.

وان وجد ذلك الكلام لا في محل فهو باطل بالاتفاق»(1).

ب - من القرآن :

1 - قوله تعالى : (وللّه الأمر من قبل ومن بعدُ) - الروم 4 -. قال ابو الحسن الأشعري : «يعني من قبل أن يخلق الخلق، ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق»(2).

وقال الفخر الرازي : «فأثبت الأمر للّه من قبل جميع الأشياء، فلو كان أمر اللّه مخلوقاً لزم حصول الأمر قبل نفسه، وهو محال»(3).

2 - قوله تعالى : (ألا له الخلق والأمر) - الاعراف 54 - بتقرير أن اللّه تعالى «ميّز بين الخلق وبين الأمر، فوجب أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق»(4)

_____________________

(1) معالم أصول الدين 66.

(2) الابانة 20.

(3) معالم اصول الدين 66.

(4) م. ن.

[128]

أو كما أفاد الأشعري بانه تعالى «لما قال : (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال (والأمر) ذكر أمراً غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر اللّه غير مخلوق»(1)

3 - قوله تعالى : (إنما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) - النحل 40 -.

قال الأشعري : «ومما يدل من كتاب اللّه على أن كلامه غير مخلوق قوله عز وجل : (انما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون)، فلو كان القرآن مخلوقاً لوجب ان يكون مقولاً له : كن فيكون.

ولو كان اللّه عز وجل قائلاً للقول : كن، كان للقول قول.

وهذا يوجب أحد أمرين :

1 - إمّا أن يؤول الأمر الى أن قول اللّه غير مخلوق.

2 - أو يكون كل قول واقعاً بقول لا الى غاية (نهاية). وذلك محال.

واذا استحال ذلك صح وثبت أن للّه عز وجل قولاً غير مخلوق»(2).

ويُرد استدلالهم بما حاصله :

1 - ان الصفة هي التكلم لا الكلام، والكل متفقون على أن التكلم أزلي.

أما القرآن الكريم أو كلام اللّه عامة فهو أثر تلك الصفة لا هو نفسه الصفة.

وعلى هذا فما يقال في الأثر من الحدوث وأمثاله من الأحكام، لا يقال في الصفة وذلك للفرق بينهما.

فانه مما لا شك فيه ان الانسان مخلوق للّه تعالى.

ومما لا شك فيه أيضاً أن هناك فرقاً بينه وبين صفة الخلْق لانه أثرها.

________________________

(1) الابانة 19.

(2) الابانة 20.

 

[129]

وفي ضوئه : تقول : فكما يصح أن نحكم على الانسان بانه حادث وعلى صفة الخلق بانها قديمة.. يصح هنا أن نحكم على الكلام بانه حادث، وعلى صفة التكلم بانها قديمة.

2 - ان القائلين بحدوث القرآن عندما يقولون : إن اللّه تعالى أحدثه وخلقه قائماً بغيره، ينفون اتصافه تعالى بالحركة والسكون عندما يحدثه لأنه سبحانه لم يحدثه بجارحة، تعالى عن ذلك.

فالقياس بنا في إحداثنا للكلام قياس مع الفارق.

والى هذا أشار امير المؤمنين (ع) بقوله : «ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلّم موسى تكليماً، وأراه من آياته عظيماً، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات».

3 - ان كلمتي (قبل) و(بعد) من الأسماء الملازمة للاضافة، وهذا متفق عليه في علم العربية والاستعمال لهما قديماً وحديثاً.

ويُحدَّد ويُعيَّن ما تضافان اليه في ضوء ما تقترنان به من قرائن.

والآية الكريمة وردت في السياق التالي : (ألم. غُلبت الروم. في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين للّه الأمر من قبلُ ومن بعدُ).

فقرينة السياق هنا تنهي الى أن المضاف اليه هو (الغلب) أي (للّه الأمر من قبل غلب الروم ومن بعد غلبهم).

وبهذا فسرت الآية، وتفسر.

فتقدير المضاف اليه (من قبل ان يخلق الخلق ومن بعد ذلك) كما يقول الاشعري، أو (من قبل جميع الاشياء) كما يقول الرازي، يتطلب لأجل ان يتم الاستدلال به ويصح، أمرين :

أ - إبطال قرينة السياق.

[130]

ب - اقامة الدليل على أن المضاف اليه هو ما ذكراه. وهما لم يقوما بشيء من هذا، وانما أفتيا فتيا لم يذكرا دليلها.

ثم إن (الامر) في الآية الكريمة، اريد به (التصرف والقدرة)، وبه فسرت الكلمة وتفسر.

فلم يُرد به القول أو الكلام.

وقرينة السياق تدل على ذلك.

فالمعنى : «له الامر حين غُلبوا وحين يغلبون، ليس شيء منهما الا بقضائه» كما يقول البيضاوي(1).

وهنا نقول ايضاً لا يتم الاستدلال ويصح الا اذا ثبت بالدليل القاطع أن المراد بالامر القول والكلام.

ولا أقل من احتمال أن المضاف اليه ما ذكرنا، وأن الأمر هنا بمعنى القدرة.

ومتى تطرق الاحتمال بطل الاستدلال.

4 - قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) هو من الآية الكريمة (ان ربكم اللّه الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين).

وسياق الآية الكريمة يدل على أن قوله (والأمر) مراد به نفس المراد من قوله (بأمره).

ومعنى (بأمره) كما تدل عليه قرينته السياقية (التصريف والتدبير)، أي أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بتصريفه وتدبيره.

يقول الشيخ الجمل : «قوله : ألا له الخلق والأمر... الخلق بمعنى المخلوقات،

_____________________

(1) تفسير البيضاوي 531 (مواهب الجليل من تفسير البيضاوي).

[131]

والأمر معناه التصرف في الكائنات.

وفي هذه الآية رد على من يقول ان للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم»(1).

ويقول الزمخشري : «بأمره: بمشيئته وتصريفه... سمي ذلك أمراً على التشبيه، كأنهن مأمورات بذلك.

(ألا له الخلق والأمر) : أي وهو الذي خلق الاشياء كلها، وهو الذي صرّفها على حسب ارادته»(3).

أما مسألة الفصل بين كلمتي (الخلق) و(الأمر) التي هي موضع الشاهد، وبها الاستشهاد، فيقول فيها الشيخ الطوسي: «انما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما مختلفة، لان (له الخلق) يفيد أن له الاختراع، و(له الأمر) معناه : له أن يأمر فيه بما أحب، فأفاد الثاني ما لم يفده الاول.

فمن استدل بذلك على أن كلام اللّه قديم، فقد تجاهل ما بينّا»(3) فالآية الكريمة ليس فيها دلالة على ما ذهبوا اليه لأن الأمر في الآية بمعنى التصريف والتدبير، كما يفيده السياق.

5 - لأهمية ما قيل في قوله تعالى : (كن فيكون)، وما يترتب من آثار على ما يفسر به النص، لا بد هنا من عرض يوفي به الموضوع توفية كافية.

وقد رأيت فيما بين يدي من تفاسير أن أفضل من وفّى الموضوع هذا وأوفاه بما لا يحتاج بعده الى مزيد بيان أو تبسيط عرض. هو تفسير (الميزان) فكان من المناسب ان اقتصر على ان انقل منه ما يرتبط بالاحتجاج بالآية الكريمة والرد عليه :

قال مؤلفه السيد الطباطبائي : «قوله تعالى : (إنما أمره اذا أراد شيئاً أن يقول

_____________________

(1) الفتوحات الالهية 2 / 168.

(2) الكشاف 2 / 82 - 83.

(3) التبيان 4 / 453 - 454.

[132]

له كن فيكون)، الآية من غرر الآيات القرآنية (التي) تصف كلمة الايجاد، وتبين أنه تعالى لا يحتاج في ايجاد شيء مما أراده الى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في ايجاده أو يدفع عنه مانعاً يمنعه.

وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه، فقال : (انما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون) - النحل 40 - وقال : (واذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون) - البقرة 117 -.

فقوله (انما أمره). الظاهر ان المراد بالأمر الشأن، وقوله في آية النحل المنقولة آنفاً (انما قولنا لشيء اذا اردناه)، وان كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول، وهو الامر اللفظي بلفظة (كن)، الا أن التدبّر في الآيات يعطي ان الغرض فيها وصف الشأن الالهي عند إرادة خلق شيء من الاشياء.

لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شيء من الاشياء هذا القول دون غيره.

فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن، بمعنى أنه جيء به لكونه مصداقاً للشأن، لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي.

وقوله : (اذا أراد شيئاً) أي اذا أراد إيجاد شيء، كما يعطيه سياق الآية.

وقد ورد في عدة من الآيات (القضاء) مكان (الارادة) كقوله : (اذا قضى أمراً فانما يقول له كن فيكون).

ولا ضير فالقضاء هو الحكم، والقضاء والحكم والارادة من اللّه شيء واحد، وهو كون الشيء الموجود بحيث ليس له من اللّه سبحانه الا أن يوجد.

فمعنى (اذا أردناه) اذا أوقفناه موقف تعلق الارادة. وقوله : (ان يقول له كن) خبره (انما امره) أي يخاطبه بكلمة (كن).

ومن المعلوم انه ليس هناك لفظ يتلفظ به، والا احتاج في وجوده الى لفظ آخر، وهلم جرا. فيتسلسل.

ولا ان هناك مخاطباً ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به، لادائه الى الخلف.

[133]

فالكلام تمثيل لافاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة الى شيء آخر وراء ذاته المتعالية، ومن غير تخلف ولا مهل.

وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال : الظاهر أن هناك قولاً لفظياً هو لفظ (كن)، واليه ذهب معظم السلف، وشؤون اللّه تعالى وراء ما تصل اليه الافهام، فدع عنك الكلام والخصام، انتهى.

وذلك ان ما ذكره من كون شؤونه تعالى وراء طور الافهام، لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها، فصحة الكتاب، مثلاً، بما يفيده من المعارف الحقيقية انما تثبت بالحجة العقلية، فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب - او سنة أو شيء آخر، مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلاً لنفسه اولاً، فلا تزل قدم بعد ثبوتها.

ومن المعلوم أن ليس هناك الا اللّه عز اسمه، والشيء الذي يوجد لا ثالث بينهما.

واسناد العلّية والسببية الى ارادته دونه تعالى، والارادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل - يستلزم انقطاع حاجة الاشياء اليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الاشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس.

ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى ايجاداً أو وجوداً، ثم يتصل بالشيء فيصير به موجوداً، وهو ظاهر، فليس بعده تعالى الا وجود الشيء فحسب.

ومن هنا يظهر ان كلمة الايجاد وهي كلمة (كن) هي وجود الشيء الذي أوجده، لكن بما أنه منتسب اليه قائم به، وأما من حيث انتسابه الى نفسه فهو موجود لا ايجاد، ومخلوق لا خلق.

ويظهر أيضاً ان الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة، ولا يتحمل تبدلاً ولا تغيراً، ولا يتلبس بتدريج.

وما يترآى في الخلق من هذه الأمور انما يتأتى في الاشياء من ناحية نفسها، لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه، وهذا باب ينفتح منه ألف باب.

[134]

وفي الآيات للتلويح الى هذه الحقائق اشارات لطيفة كقوله تعالى : (كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) - آل عمران 59 -، وقوله تعالى : (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) - القمر 50 -، وقوله تعالى : (وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً) - الاحزاب 38، الى غير ذلك.

وقوله في آخر الآية : (فيكون) بيان لطاعة الشيء المراد له تعالى، وامتثاله لأمر (كن) ولبسه الوجود»(1).

وفي كلام الامام امير المؤمنين (ع) ما يلخص الموضوع وافياً ويدل عليه كافياً، قال (ع) : «يقول لمن أراد كونه : (كن فيكون)، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وانما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».

وفي حديث صفوان بن يحيى عن الامام الرضا (ع)، قال يحيى : «قلت لأبي الحسن (ع) عن الارادة من اللّه ومن المخلوق.

قال : فقال : الارادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل.

وأما من اللّه عز وجل فارادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق.

فارادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك، يقول له : كن، فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان، ولا همة، ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنه بلا كيف»(2).

3 - الامامية والزيدية والاباضية والمعتزلة :

ذهبوا الى القول بخلق القرآن وحدوثه.

واستدلوا على هذا بما خلاصته :

أ - من العقل :

_________________

(1) الميزان 17 / 114 - 116.

(2) التوحيد للصدوق 147.

[135]

1 - ان القرآن الكريم مؤلف من كلمات مركبة من حروف واصوات متتابعة يتلو بعضها بعضاً، فيعدم السابق منها بوجود لاحقه. والقديم لا يجوز عليه العدم، واذا انتفى قدمه ثبت حدوثه. وهو المطلوب.

وقرره القاضي المعتزلي بطريق آخر، قال : «ان الكلام لا يعقل ولا يفيد الا بأن يتولى حدوث حروفه على نظم مخصوص.

وما هذا حاله محال ان يكون قديماً.

كما ان المشي لا يعقل الا بتوالي حدوث الحركات فمحال قدمها مع ذلك»(1).

2 - ان القرآن الكريم لو كان قديماً لزم من ذلك الكذب عليه تعالى. ولأن الكذب باطل في حقه تعالى يكون قدم القرآن مثله باطلاً.

وتقرير هذا :

أنه تعالى أخبر بارسال نوح (ع) بقوله : (إنّا ارسلنا نوحاً الى قومه)، فلو كان القرآن أزلياً يكون هذا الاخبار أزلياً أيضاً، ويكون المخبر به - وهو ارسال نوح - قبل الأزل.

وهو معنى قولنا يلزم منه الكذب . تعالى اللّه عن ذلك.

ولئلا نقع في مثل هذا المحذور الباطل لا مناص من القول بحدوث القرآن.

3 - أن القرآن الكريم لو كان قديماً لزم منه العبث الممتنع في حقه تعالى.

وتقريره :

أن في القرآن أوامر أمثال قوله تعالى : (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).

فلو كان القرآن أزلياً كانت أوامره مثله أزلية.

ومعنى هذا حصول الأمر والنهي من دون وجود مكلف يخاطب بهما اذ لا مكلف في الأزل.

____________________

(1) المختصر في اصول الدين 339.

[136]

فيكون هذا من العبث، والعبث قبيح، فيمتنع في حقه.. فيبطل كون القرآن قديماً، واذا بطل كونه قديماً ثبت حدوثه وخلقه.

4 - ان النسخ في أوامر القرآن الكريم ونواهيه - وهو رفع حكم شرعي سابق بنص لاحق - جائز وواقع.

«وما ثبت زواله امتنع قدمه»، فيثبت ان القرآن حادث وهو المطلوب.

5 - «انه تعالى اذا أمر زيداً - مثلاً - بالصلاة، فاذا أداها لم يبق ذلك الأمر، وما ثبت عدمه امتنع قدمه».

ب - من القرآن.

1 - قوله تعالى : (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه) - الانبياء 2 -.

وقوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين) - الشعراء 5-.

ووجه الاستدلال :

أن المراد ب(الذكر) هنا (القرآن) بدليل قوله تعالى : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) - الحجر 9 -، وقوله تعالى : (وإنه لذكر لك ولقومك) - الزخرف 44 -.

وقد وصفه اللّه تعالى بالحدوث نصاً وصراحة، فلو كان قديماً لما جاز وصفه بالحدوث.

6 - قوله تعالى : (واذ قال ربك للملائكة)

بتقريب أن (إذ) ظرف زمان، والمختص بزمانٍ معينٍ محدث. وما كان بعضه محدثاً كان كله محدثاً.

7 - وأخيراً : أوجز استدلالهم ببقية آي الذكر الحكيم بما قرره ملخصاً القاضي المعتزلي، قال:

[137]

«والقرآن يدل على ذلك (يعني الحدوث) لانه تعالى قال (ومن قبله كتاب موسى) - الاحقاف 12.

وهذا يوجب أنه بعد غيره، وهذا من علامات الحدوث.

وقال تعالى : (نزَّل أحسن الحديث) - الزمر 23 -.

ومن حق الحديث ان يكون محدثاً.

وقال تعالى : (وكان أمراً مفعولاً) - الاحزاب 37 -.

والمفعول لا يكون الا محدثاً.

ووصفه تعالى القرآن بأنه :

ينتسخ وينسى.

ويبتدأ به ومنه.

وبأنه ذكر محدث.

وبانه مفصل محكم موصل.

وبانه عربي.

وبانه سور كثيرة.

يدل على أنه فعله، لأن كل ذلك من علامات الحوادث والافعال»(1).

وردهم العضد الايجي بقوله :

«والجواب : انها تدل على حدوث اللفظ، وهو غير المتنازع فيه»(3).

أقول : ان الايجي بهذا يقر بان ما ذكروه من أدلة ناهض باثبات مدعاهم، وهو المطلوب.

_______________________

(1) المختصر في اصول الدين 340 - 341.

(2) المواقف 395.

[138]

وذلك لانهم لا يريدون اكثر من اثبات حدوث هذا القرآن المتداول حفظاً وكتابة، لانهم لا يؤمنون بقرآن آخر وراء هذا القرآن، اذ لم يقولوا بان للّه كلاماً آخر غير هذا القرآن، دل عليه هذا القرآن. وفكرة الكلام النفسي ناقشوها مسبقاً وانتهوا الى بطلانها، وهم الآن بصدد اثبات حدوث هذا القرآن المتداول.

ونخلص من هذا الى :

1 - ان اعتبار القرآن الكريم بألفاظه والمداد الذي كتب به والورق الذي دوّن عليه صفة التكلم الالهية الازلية القائمة بذاته تعالى، فكرة غير مقبولة، لانها انكار لضرورة العقل وبداهة الوجدان.

2 - ان القول بأن القرآن حقيقة هو الكلام النفسي، وهذا المصحف الذي بين أيدينا دال عليه، هي الأخرى فكرة غير مقبولة، لان ما لا يتعقل لا يقبل، ولانه لم يبرهن عليها بما يفيد اليقين بها.

3 - وعليه : ان القرآن حقيقة هو هذا الذي بين ايدينا، وانه محدث، خلقه اللّه تعالى، وأنزله عن طريق الوحي على رسوله الكريم محمد بن عبد اللّه (ص)، وقرأه الرسول (ص) بلسانه الشريف، وبلّغه للناس كما أمره ربه تعالى، وتلقاه المسلمون المعاصرون له، ثم الذين من بعدهم جيلاً بعد جيل، كما نزل عليه، وكما قرأه عليهم.

وأضيف الى ما يقدم :

1 - اننا لم نجد في القرآن الكريم ما يشير به اللّه تعالى من قريب أو من بعيد، الى القرآن الازلي (الكلام النفسي).

2 - والذي وجدناه في اكثر من آية هو ان اللّه تعالى يشير الى هذا القرآن الذي بين ايدينا، وهذا نص منه تعالى على أنه هو القرآن. لا ما يدّعى أو يتوهم من أن هناك آخر غيره قديماً.

وقد جاء هذا في اثنتي عشرة آية هي :

[139]

1 - واُوحى اليّ هذا القرآن - الانعام 19 -

2 - وما كان هذا القرآن ان يفترى - يونس 37 -

3 - بما أوحينا اليك هذا القرآن - يوسف 3 -

4 - ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم - الاسراء 9 -

5 - صرفنا في هذا القرآن ليذكروا - الاسراء 41 -

6 - هذا القرآن لا يأتون بمثله - الاسراء 88 -

7 - للناس هذا القرآن من كل مثل - الاسراء 89 -

8 - اتخذوا هذا القرآن مهجوراً - الفرقان 30 -

9 - ان هذا القرآن يقص - النمل 76 -

10 - في هذا القرآن من كل مثل - الروم 58 -

11 - للناس في هذا القرآن من كل مثل - الزمر 27 -

12 - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل - الحشر 21 -

العدل

تعتد مسألة العدل كلامياً من المسائل الفوارق بين القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين والقائلين بالتحسين والتقبيح الشرعيين.

فقد ركّز وأكد الاولون من الفريقين عليها بكل ما أوتوا من حول علمي، وعلى رأس هؤلاء المعتزلة والامامية، وسار في خطهم الزيدية والاباضية، ومن أبرز آيات ذلك ان وجدناهم يفردونها بالبحث والعنوان من بين سائر الصفات الثبوتية الكمالية.

وفي مقابل هذا اهملها الآخرون فلا بحث خاصاً بها، ولا عنوان تعنون به، غير قليل من كلام في بعض اطرافها يتبعثر هنا وهناك عند ذكرهم أفعال العباد، وفي طليعة القائمة من هؤلاء : الاشاعرة ومن سلك سبيلهم.

[140]

ولأهميتها كمسألة فارقة سمي الفريق الاول ب(العدلية) نسبة الى القول بالعدل القائم على فكرة التحسين والتقبيح العقليين.

وذلك لان القول بالتحسين والتقبيح العقليين يعطي العدل مفهوماً محدداً مستقراً ومستقلاً.

وبخلافه القول بالتحسين والتقبيح الشرعيين، كما سنتبينه فيما يلي :

ولكلمة (العدل) في اللغة اكثر من مدلول، واستعملت في القرآن الكريم في اكثر من مدلول ايضاً.

ومن أهمها المدلولان التاليان المرتبطان بموضوعنا وهما :

1 - العدل بمعنى الاستقامة في الفعل بوضع الشيء في موضعه، فلا ظلم ولا جور.

وعرّف بانه خلاف الجور والظلم.

ويأتي هذا في الحكم والقضاء.

ومما يدل عليه من الاستعمال القرآني أمثال :

(واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) - النساء 58 -.

(وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) - الانعام 115 -

(ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون)- الاعراف 159 -

(وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) - الاعراف 181 -

ومن الحديث الشريف :

(من المنجيات كلمة العدل في الرضا والسخط).

2 - العدل بمعنى الانصاف الذي يأتي وسطاً بين الظلم والتفضل (الاحسان).

ويكون هذا في المعاملة، فلا جور بإنقاص الحق، ولا تفضل بالزيادة عليه.

[141]

ومنه قوله تعالى : (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل 92 -.

ومن كلام الشيخ الصدوق هنا ما نصه : «ان اللّه أمر بالعدل وعاملنا بما فوقه وهو التفضل، وذلك أنه تعالى يقول : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون).

والعدل : هو أن يثيب على الحسنة الحسنة، ويعاقب على السيئة السيئة».

والعدل : اسم من اسمائه الحسنى، وهو مصدر اقيم مقام اسم الفاعل (عادل) بمعنى (ذي العدل).

وهو أنه تعالى لا يظلم ولا يجور ولا يجحف في حق ذي حق.

هذا في اللغة .. وهو المقصود هنا أيضاً، ولذا عرّف كلامياً :

- كما عن القاضي المعتزلي - بأنه : «العلم بتنزيهه تعالى من امور ثلاثة :

احدها : القبائح اجمع.

وثانيها : تنزيهه عن أن لا يفعل ما يجب من ثواب وغيره.

وثالثها : تنزيهه عن التعبد بالقبيح وخلاف المصلحة واثبات جميع أفعاله حكمة وعدلاً وصواباً(1)».

وهو - كما ترى - تعريف لمعنى الاعتقاد بالعدل، وليس تعريفاً للعدل باعتباره صفة من صفات اللّه تعالى، وبخاصة أنه أدخل المعرَّف ضمن التعريف بقوله : (عدلاً).

إلا أننا نستطيع أن نستخلص تعريف العدل كصفة من مضمون التعريف المذكور، بانه : عدم فعل القبيح، وعدم الاخلال بالواجب، وعدم التكليف بما لا مصلحة فيه.

________________________

(1) المختصر في أصول الدين 318.

[142]

وعرّفه الفاضل المقداد بانه «تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح والاخلال بالواجب(1)».

فاقتصر في تعريفه على بيان معنى العدل باعتباره صفة من صفات اللّه تعالى، وهو المطلوب هنا.

والعدل من صفات الفعل كما هو واضح من التعريف، وأيضاً هو من الصفات الثبوتية لانه وصف وجودي، ومما يتطلبه الكمال المطلق للذات الالهية.

وقد يوهم تعريفه المذكور أعلاه بأنه من الصفات السلبية، لانه اشتمل على ألفاظ سلبية مثل: التنزيه والعدم.

لكن لعلمنا بأنهم غالباً ما يستخدمون الطريقة السلبية في التعريفات ندرك أنه ليس من مقصودهم ادراج العدل في قائمة الصفات السلبية لاننا نستطيع أن نستعمل الطريقة الايجابية في تعريفه، فنقول : العدل : هو فعل الحسن والاتيان بالواجب.

شرح التعريف :

ومن هنا لا بد لنا لمعرفة معنى العدل من معرفة المفاهيم التي اشتمل عليها التعريف، وهي: الفعل، الواجب. الحسن والقبح.

1 - الفعل :

عرّفه بعضهم كالقاضي المعتزلي بقوله : «الفعل : هو ما يحدث من القادر»(2).

وبه نفسه عرّفه ابو الحسين البصري.

وأورد عليه العلامة الحلي في (كشف المراد)(3) بانه يلزم منه الدور لتعريفهم القادر

______________________

(1) النافع يوم الحشر 43.

(2) المختصر في اصول الدين 347.

(3) ص 235.

[143]

بأنه الذي يصح أن يفعل وأن لا يفعل، ثم قال : «الفعل أعم من الصادر عن قادر أو غيره».

ولم يعرفه لانه من المتصورات الضرورية كما نص على ذلك.

وهو - في الواقع - من المفاهيم التي هي أعرف من أن تعّرف، ومن هنا لم يحده الكثير من المتكلمين، واكتفوا بأن قالوا : الفعل ضروري التصور، أو هو من المتصورات الضرورية.

فالفعل هو ما نفهمه من مدلول لهذه الكلمة.

وقسموا الفعل الحادث الى قسمين هما :

أ - ما لا يكون له صفة زائدة على حدوثه، مثل : حركة الساهي والنائم.

ب - ما يكون له صفة زائدة على حدوثه.

ثم قسموا القسم الثاني الى قسمين أيضاً هما : الحسن والقبيح.

وقسموا الحسن الى قسمين أيضاً هما :

أ - ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه، وهو المباح.

وعرّفوه بانه : «ما لا مدح في فعله ولا تركه ولا ذم فيهما»(1).

ب - ما يكون له صفة زائدة على حسنه.

وقسموه الى قسمين هما : الواجب والمندوب.

أ - الواجب : وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله والذم على تركه.

ب - المندوب : وهو ما يستحق فاعله المدح بفعله، ولا يستحق الذم بتركه.

_______________________

(1) نهج المسترشدين 45.

[144]

الخلاصة :

الفعل

ما ليس له صفة ما له صفة زائدة

زائدة على حدوثه على حدوثه

حسن قبيح

ما ليس له صفة ما له صفة زائدة

زائدة على حسنه على حسنه

واجب مندوب

2 - الواجب :

ومن التقسيم هذا عرفنا معنى الواجب بانه ما يستحق فاعله المدح بفعله، والذم على تركه.

3 - الحسن والقبيح :

رأينا انهما يقتسمان الفعل الحادث الذي له صفة زائدة على حدوثه.

ومن هنا كان البحث في تحديد معنييهما أساسياً من ناحية منهجية، لتوقف فهم

[145]

معنى العدل الذي هو فعل على فهم معناهما.

ولأن لهما اكثر من معنى ذكروا المعاني التي يطلقان عليها، ثم حرروا محل النزاع منها، فقالوا :

تطلق كلمتا الحسن والقبح على معان ثلاثة متقابلة هي :

1 - يطلق الحسن ويراد به (الملاءمة للطبع)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (عدم الملاءمة للطبع)، مثل : (هذا الصوت حسن) بمعنى أنه ملائم للطبع و(ذلك الصوت قبيح) بمعنى أنه غير ملائم للطبع.

2 - يطلق الحسن ويراد به (الكمال)، ويطلق القبح في مقابله فيراد به (النقص) أو (عدم الكمال)، مثل : (العلم حسن) بمعنى انه كمال للنفس، و(الجهل قبيح) على اعتبار أنه نقص للنفس.

3 - يطلق الحسن ويراد به «ادراك أن هذا الشيء أو ذاك مما ينبغي أن يفعل بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء، والقبح بخلافه»، مثل : (العدل حسن ) و(الظلم قبيح).

والمراد بالحسن والقبيح في موضوعنا هو القسم الثالث، ويمكن تعريفهما بالتالي :

الفعل الحسن : هو الذي يمدح فاعله على فعله.

الفعل القبيح : هو الذي يذم فاعله على فعله.

وقد اتفق المتكلمة والفلاسفة من المسلمين على امكان ادراك العقل للمعنيين الأولين للحسن والقبح.

واختلفوا في المعنى الثالث، فوقع محلاً للنزاع بين الاشاعرة والعدلية ونقطة الخلاف فيه هي:

هل أن للافعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع ؟.

أي : هل أن الحسن والقبح وصفان ذاتيان للأفعال، أو أنهما ليسا بذاتيين، وإنما

[146]

يعرضان للأفعال بسبب حكم الشارع بحسن الفعل أو قبحه ؟ ؟.

«فقالت الاشاعرة : لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدين الى أمر حقيقي حاصل فعلاً قبل ورود بيان الشارع، بل ان ما حسّنه الشارع فهو حسن، وما قّبحه الشارع فهو قبيح».

«وقالت العدلية : ان للافعال قيماً ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع، فمنها ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح في نفسه، ومنها ما ليس له هذان الوصفان، والشارع لا يأمر الا بما هو حسن ولا ينهى الا عما هو قبيح».

وعرف الاول - أعني قول الاشاعرة - ب(التحسين والتقبيح الشرعيين) وعرف الرأي الثاني - أعني قول العدلية ب(التحسين والتقبيح العقليين)(1).

مذهب الاشاعرة ودليله :

قال العضد الايجي :

«القبيح : ما نهي عنه شرعاً.

والحسن بخلافه.

ولا حكم للعقل في حسن الاشياء وقبحها.

وليس ذلك عائداً الى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبيّن.

ولو عكس القضية فحسّن ما قبحّه، وقبحّ ما حسّنه، لم يكن ممتنعاً، وانقلب الأمر»(2).

ثم قال مستدلاً :

«لنا وجهان :

_______________

(1) انظر : مبادئ اصول الفقه 85 - 86.

(2) المواقف 323.

[147]

الاول : أن العبد مجبور في أفعاله .. واذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح، اتفاقاً.

بيانه :

أن العبد ان لم يتمكن من الترك فذاك هو الجبر، وإن تمكن ولم يتوقف على مرجح، بل صدر عنه تارة ولم يصدر عنه اخرى من غير سبب كان ذلك اتفاقياً.

وان توقف على مرجح لم يكن ذلك من العبد، والا تسلسل، ووجب الفعل عنده، والا جاز معه الفعل والترك فاحتاج الى مرجح آخر وتسلسل، فيكون اضطرارياً.

وعلى التقادير فلا اختيار للعبد فيكون مجبوراً»(1).

«الثاني : لو كان قبح الكذب ذاتياً لما تخلف عنه، لأن ما بالذات لا يزول، واللازم باطل، فانه قد يحسن اذا كان فيه عصمة دم نبي، بل يجب، ويذم تاركه قطعاً، وكذا اذا كان فيه انجاء متوعد بالقتل»(2).

مذهب العدلية ودليلهم :

قال النصير الطوسي :

«وعند المعتزلة ان بديهة العقل تحكم بحسن بعض الأفعال. كالصدق النافع والعدل، وقبح بعضها كالظلم والكذب الضار.

والشرع أيضاً يحكم بهما في بعض الافعال.

والحسن العقلي : ما لا يستحق فاعل الفعل الموصوف به الذم.

والقبح العقلي : ما يستحق به الذم.

والحسن الشرعي : ما لا يستحق به العقاب.

____________________

(1) المواقف 324.

(2) المواقف 325.

[148]

والقبح (الشرعي) : ما يستحق به (العقاب).

وبازاء القبح : الوجوب : وهو ما يستحق تارك الفعل الموصوف به الذم أو العقاب.

ويقولون بان اللّه لا يخلّ بالواجب العقلي، ولا يفعل القبح العقلي البتة.

وان من يخلُّ بالواجب، ويرتكب القبح بالاختيار جاهل أو محتاج»(1).

ولا بد من الاشارة هنا الى أن الذي يدرك حسن الافعال وقبحها في رأي الحكماء هو العقل العملي لا العقل النظري.

والى هنا ننتهي الى أن العدل عند الاشاعرة هو ما يفعله اللّه تعالى لأن ما يفعله هو الحسن.

وأن العدل عند العدلية : هو أن اللّه لا يفعل الا ما هو حسن عقلاً.

دليل العدل :

والدليل على وجوب اتصافه بالعدل هو :

- انه لو لم يكن اللّه عادلاً لكان ناقصاً، والنقص منتف بالضرورة فيثبت كونه عادلاً.

- «وأيضاً لو جاز عليه فعل القبيح لجاز عليه الكذب، فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده، وترتفع الاحكام الشرعية، وينقض الغرض المقصود من بعث الانبياء والرسل»(2).

وقرره شيخنا المظفر بالتالي :

«فلو كان يفعل الظلم والقبح - تعالى عن ذلك - فان الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:

_________________

(1) قواعد العقائد 452.

(2) النكت الاعتقادية 401.

[149]

1 - ان يكون جاهلاً بالأمر فلا يدري أنه قبيح.

2 - ان يكون عالماً به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.

3 - ان يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج الى فعله.

4 - ان يكون عالماً به وغير مجبور عليه ولا يحتاج اليه فينحصر في أن يكون فعله له تشهياً وعبثاً ولهواً.

وكل هذه الصور محال على اللّه تعالى، وتستلزم النقص فيه، وهو محض كمال، فيجب أن نحكم أنه منّزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح»(1).

الموازنة :

من المكابرة أن ننكر أن يكون لمثل العدل والظلم قيم ذاتية يدركها العقلاء بما هم عقلاء، إذ لا ادل على ذلك من وضع القوانين والانظمة واتباع الاعراف في مختلف المجتمعات حاضرة وبادية.

فلولا إدراك أبنائها أن العدل بما هو عدل حسن، وأن الظلم بما هو ظلم قبيح لما تواضعوا فيما بينهم ووضعوا الأنظمة لحفظ الحقوق وإقرار العدل.

فالقضية من البداهة والوضوح بمكان.

وعليه :

1 - للعدل مفهوم محدد، وهو فعل الحسن العقلي.

2 - ان معنى أن اللّه تعالى عدل : لا يفعل القبيح العقلي.

3 - ان صفة العدل تساوق كونه حكيماً، والحكمة وضع الشيء في موضعه، والاتيان بالفعل في محله.

وقد جاء تقرير عقيدة العدل في اكثر من آية من القرآن الكريم، منها :

________________

(1) عقائد الامامية 64 - 65.

[150]

1 - (وما اللّه يريد ظلماً للعالمين) - آل عمران 108 -

2 - (وما اللّه يريد ظلماً للعباد) - غافر 31 -

3 - (واللّه لا يحب الفساد) - البقرة 205 -

4 - (وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين) - الدخان 38 -

5 - (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) - الذاريات 56 -

6 - (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون) - المؤمنون 115 -

7 - (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلاً) - ص 27 -

8 - (لا يكلف اللّه نفساً الا وسعها) - البقرة 286 -

9 - (ان اللّه لا يأمر بالفحشاء) - الاعراف 27 -

10 - (ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) - النحل 92 - .

حرية إرادة الانسان :

وينسق على قضية العدل الالهي قضية حرية ارادة الانسان، أو ما تعرف كلامياً بمسألة الجبر والتفويض أو الجبر والاختيار.

ودراسة هذه المسألة تعني البحث في أفعال الانسان الصادرة عنه وعلاقتها بقدرة اللّه تعالى.

ويتلخص فحوى القضية في : هل أن الانسان مجبور ومقسور على أفعاله الارادية.

وبتعبير آخر :

هل الانسان مسلوب الارادة، وجميع أفعاله مخلوقة للّه تعالى ؟

أو أنه حر الارادة، وله الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل ؟ فتكون جميع أفعاله مخلوقة له وليس للارادة الالهية أي دخل بها ؟

[151]

أو أن أفعاله في وضع هو بين بين ؟

والأقوال في المسألة هي :

1 - الجبر.

2 - التفويض (القدر).

3 - الاختيار (الأمر بين الأمرين).

4 - الاكتساب (الكسب).

5 - الاستسلام.

الجبر :

الجبر : هو الاعتقاد بأن جميع أفعال الانسان واقعة بقدرة اللّه وحدها.

وتسند وتنسب الى اللّه حقيقة والى الانسان مجازاً، كما يقال (زالت الشمس) فان نسبة الزوال الى الشمس نسبة مجازية لأن الشمس ليست هي فاعل الزوال حقيقة، وانما الفاعل له حقيقة هو اللّه تعالى.

ففي رأي القائلين به : «الانسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وانما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا ارادة ولا اختيار، وانما يخلق اللّه تعالى الافعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب الافعال اليه مجازاً كما تنسب الى الجمادات ، كما يقال : (أثمرت الشجرة) و(جرى الماء) و(تحرك الحجر) و(طلعت الشمس وغربت) و(تغيمت السماء وأمطرت) و(اهتزت الارض وانبتت) الى غير ذلك»(1).

ودليلهم على ذلك :

1 - ان اللّه تعالى هو المالك المطلق الذي لا شريك له في ملكه، فله حق التصرف

________________________

(1) الملل والنحل 1 / 87.

[152]

فيه وحده.

وعلى أساس منه اذا نسب التصرف فيه بخلق أو تدبير أو ما شاكل الى غير اللّه نسبة حقيقية، لزم منه وجود شركاء له في ملكه، وهذا خلف.

2 - الآيات القرآنية الكريمة التي تنسب بظاهرها أفعال العباد الى اللّه تعالى، مثل :

- (وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند اللّه) - النساء 78 -.

- (واللّه خلقكم وما تعملون) - الصافات 96 -

- (وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى) - الانفال 17 -

- (إن هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء) - الاعراف 155 -.

التفويض :

التفويض : هو الاعتقاد بأن جميع أفعال الانسان واقعة بقدرة الانسان نفسه، وحدها.

وسمي تفويضاً لأن القائلين به لم يعتقدوا أن لقدرة اللّه تعالى مدخلاً ولو غير مباشر في خلق فعل الانسان، فكأن الفعل فُوض أمر وجوده الى الانسان، وبقدرته وحدها.

ويسمى ايضاً ب(القدر) ويعرف القائلون به ب(القدرية) و(المفوضة).

وفي الدليل على ذلك :

قال القاضي المعتزلي : «فان قال : أتقولون في أفعال العباد : إن اللّه - جل وعز - لم يخلقها ؟ ؟

قيل له : نعم، بل هي من جهتهم واقعة حادثة.

والدليل على ذلك : ما سلف من أنها تقع بحسب قصدهم وعلومهم وقُدَرهم، فلو أراد أحدنا البناء لم تقع الكتابة، ولو جهل الكتابة لم يصح أن تقع، ولو أراد حمل

[153]

الجبال لم يقع. ولو كان من فعل غيره فيه لكان جهله وعلمه وقلة قدرته وكثرتها بمنزلة واحدة.

وهذا يدل على أن أفعالهم حادثة من قبلهم.

وأيضاً فلأنهم يمدحون على الحسن من فعلهم، وعلى القبيح يذمون، فيلزمنا أن نمدح من يفعل الواجب ونذم من يفعل الظلم والسرقة، ولا يحسن منا مدح على كونه وهيئته، ولا ذمه على طوله وصورته ..

وذلك من أول الدلالة على أن هذه الأفعال من جهته.

وأيضاً نحتاج في هذه الافعال الى آلات وقُدر وارتفاع الحواجز، لأنه إذا أراد الرمي والاصابة فلا بد له من قوس وآلة، وأن لا يكون بينه وبين المرمى حاجز، وأن يكون عالماً، وأن يكون قوياً ليبلغ الرمي بشدة اعتماده.

ولو كان من فعل اللّه تعالى لما احتاج الى ذلك لأنه تعالى فيما يفعله لا يحتاج الى هذه الأمور، تعالى اللّه عن ذلك.

وأيضاً فلأن فاعل ذلك مذموم ناقص سخيف في العقول ظالم، فان كان تعالى هو الفاعل لكل ظلم لوجب ذمه وأن يوصف بأنه ظالم، وهذا كفر من قائله، لأن الأمة بأسرها تقول ان من وصف اللّه بأنه ظالم فقد كفر، لا بالقول لكن بالمعنى، ومعناه أنه فعل الظلم، فمن قال ذلك فهو كافر اذاً.

وأيضاً فلو كانت هذه الافاعيل اللّه خلقها، لبطل الأمر والنهي وبعثة الانبياء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبحت المساءلة والمحاسبة والمعاقبة، لانه تعالى لا يجوز أن يأمر بما لا يفعله وينهى عما خلقه.

والنبي كيف يدعو الكفار الى العدول عن الكفر الى الايمان واللّه تعالى هو الخالق للكفر فيهم والمانع لهم عن الايمان ؟ !

ومن يأمر بالمعروف كيف يأمر به والمعروف ليس من فعله ؟ !

وكيف ينكر المنكر وانما خلقه فيه ؟ !

[154]

ولماذا نجاهد الاعداء واللّه خلقهم لذلك ؟ ! وكيف يحسن من اللّه تعالى المساءلة والمحاسبة وجميع ما وقع من الأفعال هو الذي خلقه ؟ !

وهذا سخف من قائله.

وقال الفخر الرازي في معرض بيانه حجج القائلين بالتفويض :

« وأما المنقول فقد احتجوا بكتاب اللّه تعالى في هذه المسألة من عشرة أوجه :

الوجه الأول : ما في القرآن من اضافة الفعل الى العباد، كقوله تعالى : (فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم).

(إن يتبعون الا الظن).

(ذلك بان اللّه لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).

(بل سولت لكم أنفسكم أمراً).

(فطوعت له نفسه قتل اخيه).

(من يعمل سوءاً يجز به).

(كل امرئ بما كسب رهين).

(ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم).

الوجه الثاني : ما في القرآن من مدح المؤمنين على الايمان وذم الكافرين على الكفر ووعد الثواب على الطاعة، ووعيد العقاب على المعصية كقوله تعالى :

(واليوم تجزى كل نفس ما كسبت).

(اليوم تجزون بما كنتم تعملون).

(وابراهيم الذي وفَّى).

(ولا تزر وازرة وزر أخرى).

[155]

(هل تجزون إلا ما كنتم تعملون).

(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).

(ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً).

(اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة).

(ان الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون).

الوجه الثالث : الآيات الدالة على أن أفعال اللّه تعالى منزهة عن أن تكون مثل أفعال المخلوقين من التفاوت والاختلاف والظلم.

أما التفاوت فكقوله تعالى :

(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).

(الذي أحسن كل شيء خلقه). والكفر والظلم ليس بحسن. وقوله : (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)، والكفر ليس بحق.

وقوله : (ان اللّه لا يظلم مثقال ذرة).

(وما ربك بظلام للعبيد).

(وما ظلمناهم).

(لا ظلم اليوم).

(ولا يظلمون فتيلاً).

الوجه الرابع : الآيات الدالة على ذم العباد على الكفر والمعاصي، كقوله تعالى : (كيف تكفرون باللّه)، والانكار والتوبيخ مع العجز عنه محال، وعندكم أن اللّه تعالى خلق الكفر في الكافر وأراده منه، وهو لا يقدر على غيره، فكيف يوبخه عليه.

واحتجوا في هذا الباب بقوله تعالى : (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى)، وهو انكار بلفظ الاستفهام.

 

 

[156]

ومعلوم ان رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج منه، ثم يقول له : (ما يمنعك من التصرف في حوائجي) كان ذلك منه مستقبحاً.

وكذا قوله : (وماذا عليهم لو آمنوا باللّه).

وقوله لإِبليس : (ما منعك أن تسجد).

وقول موسى لأخيه : (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا).

وقوله : (فما لهم لا يؤمنون).

(فما لهم عن التذكرة معرضين).

(عفا اللّه عنك لم أذنت لهم).

(لم تحرم ما أحل اللّه لك).

وكيف يجوز ان يقول : (لِمَ تفعل) مع أنه ما فعله.

وقوله : (لم تلبسون الحق بالباطل).

(لم تصدون عن سبيل اللّه)(1).

وقال الصاحب(2) في فصل له في هذا المعنى : «كيف يأمر بالايمان ولم يُرده، ونهى عن الكفر وأراده، ويعاقب على الباطل وقدّره ؟ ! وكيف يصرفه عن الايمان ثم يقول : أنّى تصرفون، ويخلق فيهم الافك ثم يقول : أنّى يؤفكون، وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول : لم تكفرون، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول : لم تلبسون الحق بالباطل، وصدهم عن السبيل ثم يقول : لم تصدون عن سبيل اللّه، وحال بينهم وبين الايمان ثم قال : ماذا عليهم لو آمنوا باليوم الآخر، وذهب بهم عن الرشد، ثم قال : فأنّى

_____________________

(1) المختصر في اصول الدين 350 - 351

(2) الصاحب : كافي الكفاة ابو القاسم اسماعيل بن عباد الطالقاني المتوفى سنة 385 هجري، كان زيدي الاصول حنفي الفروع، انتصر للفكر المعتزلي في كتابه (احكام القرآن) وجوّد فيه.

[157]

تذهبون، وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا، ثم قال : فما لهم عن التذكرة معرضين».

الوجه الخامس : الآيات التي ذكرها اللّه تعالى في معرض التهديد والتوبيخ، فمنها تخيير العباد في أفعالهم وتعليقها بمشيئتهم، كقوله تعالى :

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

(اعملوا ما شئتم).

(قل اعملوا فسيرى اللّه عملكم).

(لمن شاء منكم ان يتقدم أو يتأخر).

(فمن شاء ذكره).

(فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا).

وقد انكر اللّه تعالى على من نفى المشيئة عن نفسه، وأضافها الى اللّه تعالى، فقال : (سيقول الذين أشركوا لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا).

(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم من شيء).

الوجه السادس : الآيات التي فيها أمر العباد بالطاعة والمسارعة اليها قبل فواتها، كقوله :

(سارعوا الى مغفرة من ربكم).

(سابقوا الى مغفرة من ربكم).

(أجيبوا داعي اللّه وآمنوا به).

(استجيبوا للّه وللرسول).

(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم).

(فآمنوا خيراً لكم).

[158]

(اتبعوا أحسن ما انزل اليكم من ربكم).

(أنيبوا الى ربكم).

قالوا : وكيف يصح الأمر بالطاعة والمسارعة اليها مع كون المأمور ممنوعاً عاجزاً عن الاتيان بها.

وكما يستحيل أن يقال للمقعد الزَّمِن : قم، ولمن يرمى من شاهق : احفظ نفسك، فكذا ها هنا.

الوجه السابع : الآيات التي حث اللّه تعالى فيها على الاستعانة به، كقوله تعالى :

(اياك نعبد واياك نستعين).

(فاستعذ باللّه من الشيطان الرجيم).

(استعينوا باللّه).

فاذا كان اللّه تعالى خالق الكفر والايمان والمعاصي فكيف يستعان به.

وأيضاً يلزم بطلان الألطاف والدواعي، لأنه تعالى اذا كان هو الخالق لأفعال العباد فأي شيء يحصل للعبد من اللطف الذي يفعله اللّه تعالى.

لكن الألطاف حاصلة كقوله تعالى :

(أوَ لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين).

(ولولا ان يكون الناس امة واحدة).

(ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض).

(فبما رحمة من الله لنت لهم).

(ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).

الوجه الثامن : الآيات الدالة على اعتراف الأنبياء بذنوبهم واضافتها الى أنفسهم، كقوله تعالى حكاية :

[159]

عن آدم : (ربنا ظلمنا أنفسنا).

وعن يونس : (سبحانك إني كنت من الظالمين).

وعن موسى : (ربّ إني ظلمت نفسي).

وقال يعقوب لأولاده : (بل سوّلت لكم انفسكم).

وقال يوسف : (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي).

وقال نوح : (رب إني اعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم).

قالوا : فهذه الآيات دالة على اعتراف الأنبياء بكونهم فاعلين لأفعالهم.

الوجه التاسع : الآيات الدالة على اعتراف الكفار والعصاة بأن كفرهم ومعاصيهم كانت منهم، كقوله تعالى :

(ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم - الى قوله - أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين).

وقوله تعالى : (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين).

(كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها - الى قوله - فكذبنا وقلنا).

وقوله : (أولئك ينالهم نصيب من الكتاب - الى قوله - فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون).

الوجه العاشر : الآيات التي ذكر اللّه تعالى فيها ما يوجد منهم في الآخرة من التحسر على الكفر والمعصية، وطلب الرجعة، كقوله تعالى :

(وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل).

(ربنا اخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون).

وقوله تعالى : (قال رب ارجعون لعلّي أعمل صالحاً).

(ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم)..

[160]

(أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين).

فهذه جملة استدلالاتهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»(1).

______________________

(1) تلخيص المحصل 328 - 332.