مما يرتبط بمسألتنا هذه ارتباطاً وثيقاً مسألة البداء.
وهي مما اشتهرت وعُرفت بها الامامية من فرق الشيعة، فلهذا، ولأنها وقعت موقع سوء الفهم عند غير الامامية، فذهبوا الى أن الاعتقاد بها يستلزم نسبة الجهل الى اللّه تعالى، رأيت أن أعّرفها وبشيء - ولو قليل - من التفصيل توضيحاً للعقيدة ودفعاً للشبهة.
تعريف البداء :
البداء - لغة - مصدر من مصادر الفعل (بدا)، يقال : بدا الشيء يبدو بَدْواً وبُدُواً وبَدَاءً.
وهو بفتح الباء الموحدة .. ويستعمل في المعاني التالية :
1 - الظهور :
ويراد به ظهور الشيء عن خفاء وكتمان، أي عن وجودٍ له سابق، لا من عدم.
يقال : بدا لي من أمرك بداء، أي ظهر لي.
ومنه ما في الآيات التالية :
- (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبلُ) - الانعام 28 -
[104]
- (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) - الاعراف 22 -
- (واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون) المائدة 99 - واكثر معاني الكلمة استعمالاً في القرآن الكريم هو هذا المعنى.
ومنه أيضاً ما في الحديثين :
- (إنه أُمر أن يبادي الناس بأمره) أي يظهره لهم.
- (من يبد صفحته نقمْ عليه كتاب اللّه) أي من يظهر لنا فعله الذي كان يخفيه أقمنا عليه الحد.
ومنه أيضاً قول عمر بن أبي ربيعة :
بدا لي منها معصم حين جمّرت*** وكف خضيب زيّنب ببنانِ
أي ظهر لي معصمها الذي كان مخفياً قبل رميها الجمرات.
2 - التغير : ويأتي هذا المعنى في تبدل القصد، كما لو كنت عازماً على السفر يوم الاربعاء - مثلاً - ثم عدلت عن السفر يوم الاربعاء لسببٍ ما. وقيل لك : لِمَ لَم تسافرْ ؟، تقول : بدا لي أن ألغي السفر، أو بدا لي أن أؤخر السفر.
ومعناه : تغير رأيي على ما كان عليه.
3 - الاستصواب :
وهو أن تستصوب شيئاً علمتَ به بعد أن لم تعلم به، فتقول : بدا لي أن هذا هو الصواب.
ومنه ما جاء في قصة النبي يوسف (ع) في استصواب العزيز وأهله سَجْنَ يوسف بعدما رأوا الشواهد الدالة على براءته، وذلك في قوله تعالى : (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) - يوسف 35 -.
4 - النشوء :
[105]
وهو بمعنى الظهور، لكن لا عن خفاء وكتمان، وإنما ارتداءً، أي الظهور بعد أن لم يكن الشيء موجوداً من قبلُ.
وبتعبير أخصر : الوجود بعد العدم.
ومنه ما جاء في قصة النبي ابراهيم (ع) والذين معه : (إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون اللّه، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء) - الممتحنة 4 -.
أي نشأت بيننا وبينكم العداوة والبغضاء.
هذا في اللغة.
و أما في الاصطلاح:
فالبداء : هو الإِظهار أو الإِبداء في القضاء الموقوف.
شرح التعريف :
ولأن البداء يرتبط بنوع من انواع القضاء، وهو القضاء الموقوف، وهو ما يعرف بالقضاء غير المحتوم أيضاً، يتوقف ايضاحه وبيان المقصود منه على بيان أقسام القضاء، فنقول :
ينقسم القضاء الالهي الى قسمين : المحتوم والموقوف (المشروط).
1 - القضاء المحتوم، وقد يسمى (المبرم) أيضاً. ويتمثل في خطين أو نوعين هما :
أ - القضاء الذي اختص به اللّه تعالى، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه.
ب - القضاء الذي أخبر اللّه تعالى أنبياءه وملائكته بانه سيقع حتماً.
2 - القضاء الموقوف (المشروط) :
وهو القضاء الذي أخبر اللّه تعالى انبياءه وملائكته بان وقوعه في الخارج موقوف على
[106]
أن لا تتعلق مشيئة اللّه تعالى بخلافه، أي أن وقوعه مشروط بعدم تعلق المشيئة الالهية بخلافه.
وبعد أن تعرفنا أقسام القضاء، نقول في علاقة البداء بالقضاء :
- فبالنسبة الى القضاء المحتوم من النمط الاول الذي اختص به تعالى واستأثر بعلمه، فانه من المحال وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه التغير في علمه تعالى، وهو محال.
- وكذلك بالنسبة الى النمط الثاني من القضاء المحتوم - وهو الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه وملائكته، وأخبرهم بانه سيقع حتماً - فانه من المحال أيضاً وقوع البداء فيه، وذلك لان وقوع البداء فيه يلزم منه أن يكذّب اللّه نفسه، ويكذّب انبياءه وملائكته، تعالى اللّه عن ذلك.
وهذا التقسيم الثنائي - أعني تقسيم القضاء الى : محتوم وموقوف - مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).
وكذلك التسمية بالمحتوم والموقوف.
ففي تفسير العياشي : عن الفضيل بن يسار، قال : «سمعت أبا جعفر (ع) يقول :
من الامور أمور محتومة كائنة لا محالة.
ومن الامور أمور موقوفة عند اللّه يقدّم منها ما يشاء ويمحو ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء، لم يطلع على ذلك أحداً، يعني الموقوفة.
فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته»(1).
وكذلك تقسيم القضاء المحتوم الى قسمين : ما استأثر به اللّه تعالى. وما أطلع عليه ملائكته وانبياءه، مأخوذ من روايات أهل البيت (ع).
_____________________
(1) الميزان 11 / 380.
[107]
ففي (عيون أخبار الرضا) : (قال الرضا (ع) لسليمان المروزي : إن علياً (ع) كان يقول : العلم علمان.
فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله، فما علّمه اللّه ملائكته ورسله، فانه يكون، ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله.
وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء(1).
يعني أن هذا النوع من القضاء هو مصدر البداء ومنه يؤخذ، كما سيأتي.
- وبالنسبة الى القسم الثاني (القضاء الموقوف) فهو الذي يقع فيه البداء، كما هو صريح رواية الفضيل المتقدمة.
ورواية الفضيل وأمثالها أفادت هذا من الآية الكريمة : (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت، وعنده أُمُّ الكتاب) - الرعد 39 -.
وهذا يعني ان مصدر فكرة البداء هو الآية المذكورة، وبخاصة أن الآية جاءت في سياق وعقيب آية هي قرينة على أن موضوع آية المحو والاثبات هو القضاء.
وهي - اعني الآية التي قبلها - : (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية الا باذن اللّه، لكل أجل كتاب) - الرعد 38 -.
وقرينيتها بما في قوله : (لكل أجل كتاب).
فصرف موضوع الآية أو تأويله بغير القضاء، كما حاول اكثر من مفسر غير سليم.
لانه يتطلب إبطال قرينية الآية المذكورة وإثبات الموضوع التأويلي المدّعى، بما لا يقبل الرد، وهذا غير متأت(2).
______________________
(1) البيان 410 عن عيون أخبار الرضا باب 13.
(2) لمعرفة شيء من الموضوعات التأويلية يرجع الى (الميزان) و(البحر المحيط) في تفسير آية المحو والاثبات، وعند ذلك سيرى المراجع الكريم انها اجتهادات شخصية لم تستند الى برهان.
[108]
وبقرينية هذه القرينة يكون «الملحض من مضمون الآية : أن للّهِ سبحانه في كل وقت وأجل كتاباً، أي حكماً وقضاء، وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والاحكام والأقضية، ويثبت ما يشاء، أي يغيّر القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر.
لكن عنده بالنسبة الى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والاثبات، وهو الأصل الذي يرجع اليه الأقضية الأُخر، وتنشأ منه، فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو»(1).
وكما حدّدت وعّينت روايات أهل البيت القضاء الذي يقع فيه البداء، وهو القضاء الموقوف، حدّدت وعّينت القضاء الذي يصدر منه البداء، فنصت على أنه القضاء الذي استأثر به اللّه تعالى، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه.
ففي (عيون أخبار الرضا ) : «أن الرضا (ع) قال لسليمان المروزي : رويت عن أبي عبد اللّه (ع) أنه قال : إن للّه عز وجل علمين :
علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء.
وعلماً علّمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه»(1).
وفي (بصائر الدرجات) : «عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) قال : إن للّه علمين :
علم مكنون مخزون لا يعلمه الا هو، من ذلك يكون البداء.
وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، ونحن نعلمه»(3).
وهذا القضاء أو العلم هو ما سمّته الآية الكريمة ب(أم الكتاب).
_______________________________
(1) الميزان 11 / 376.
(2) البيان 409 عن عيون اخبار الرضا : باب 13 مجلس الرضا مع سليمان المروزي.
(3) البيان 410 عن البحار : باب البداء والنسخ 2 / 136 ط كمياني.
[109]
وكذلك حدّدت وعّينت الروايات الزمان الذي يقع فيه البداء وهو (ليلة القدر).
ففي (الكافي) عن حمران : «أنه سأل أبا جعفر (ع) عن قول اللّه تعالى : (إنّا أنزلناه في ليلة مباركة)؟
قال : نعم، ليلة القدر، وهي في كل سنة، في شهر رمضان، في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر، قال اللّه تعالى : (فيها يفرق كل أمر حكيم)، قال : يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة الى مثلها من قابل : خير وشر وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق، فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، وللّه فيه المشيئة».
واستدرك السيد الطباطبائي هنا معلقاً على قوله (المحتوم) لدفع ما قد يتوهم من أن المراد به المحتوم بالمعنى المصطلح الذي ذكرناه، قال : «قوله : (فهو المحتوم وللّه فيه المشيئة) أي أنه محتوم من جهة الاسباب والشرائط، فلا شيء يمنع عن تحققه الا أن يشاء اللّه ذلك»(1).
وفي (تفسير علي بن ابراهيم) تفسيراً للآية (فيها يفرق كل أمر حكيم) قال : «عن أبي عبد اللّه (ع) : قال : اذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة الى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة، فاذا أراد أن يقدم شيئاً أو يؤخره، أو ينقص شيئاً، أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثم أثبت الذي اراده.
قلت : وكل شيء هو عند اللّه مثبت في كتاب ؟.
قال : نعم.
قلت : فأي شيء يكون بعده ؟ !.
قال : سبحان اللّه، ثم يحدث اللّه أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى».
____________________
(1) الميزان 18 / 134.
[110]
«وعن ابي جعفر وابي عبد اللّه وابي الحسن (ع) : أي يقدّر اللّه كل أمر من الحق ومن الباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشيئة، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، من الآجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض، ويزيد فيها ما يشاء، وينقص ما يشاء»(1).
وكذلك جاء في الروايات نفي الشبهة التي أثيرت حول البداء في أنه يستلزم نسبة الجهل الى اللّه تعالى وتنزه عن ذلك.
فعن الامام الصادق : « من زعم ان اللّه عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه».
وعنه أيضاً : «ان اللّه يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب.
وقال : فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له الا وقد كان في علمه، ان اللّه لا يبدو له عن جهل»(2).
ونخلص من هذا كله الى أن البداء عند الامامية هو بمعنى الإِظهار والإِبداء.
فهو يطابق المعنى الاول من المعاني اللغوية لكلمة البداء وهو الظهور بعد الخفاء.
وذلك أن اللّه تعالى يظهر من علمه الخاص به القضاء المحتوم للشيء عند تحقق شرط وقوعه اذا كان في علمه تعالى أن شرطه سيتحقق، أو عند عدم تحقق الشرط اذا كان في علمه تعالى أن الشرط لن يتحقق.
وكما جاء في روايات أهل البيت واتباعهم من الامامية ما يدل على البداء، جاء أيضاً في روايات الصحابة واتباعهم من أهل السنة ما يدل على البداء.
ومنه :
___________________
(1) البيان 411 عن البحار : باب البداء والنسخ 2 / 133 ط كمياني.
(2) البيان 413 عن البحار : باب البداء والنسخ 2 / 136 ط كمياني.
[111]
1 - ما رواه البخاري باسناده عن عبد الرحمن بن أبي عمرة : «أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول اللّه (ص) يقول : إن ثلاثة في بني اسرائيل : أبرص وأقرع وأعمى، بدا للّه أن يبتليهم فبعث اليهم ملكاً فأتى الابرص فقال : أي شيء أحب اليك.. الخ»(1).
وجاء في تعليقة الناشر على قوله (بدا) ما نصه : «أي سبق في علم اللّه فأراد اظهاره».
وهو البداء الذي يقول به الامامية تماماً.
2 - ما رواه الترمذي عن سليمان : «قال : قال رسول اللّه (ص) : لا يرد القضاء الا الدعاء، ولا يزيد في العمر الا البر»(2).
3 - ما رواه ابن ماجه عن ثوبان : «قال : قال رسول اللّه (ص) : لا يزيد في العمر الا البر، ولا يرد القدر الا الدعاء، وان الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها»(3).
4 - ما روي عن عمر وابن مسعود وأبي وائل في دعائهم : «ان كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، أو في الاشقياء فامحني منهم»(4).
5 - ما روي عن ابن عباس : أن للّه لوحاً محفوظاً، للّه تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء»(5).
6 - ما روي عنه أيضاً : «الكتاب : اثنان : كتاب يمحو اللّه ما يشاء فيه، وكتاب
__________________________
(1) صحيح البخاري : باب ما ذكر عن بني اسرائيل ح 4 ص 329 ط المنيرية.
(2) البيان 550 عن سنن الترمذي : باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء 8 / 350.
(3) م. ن. عن سنن ابن ماجه : باب القدر 10 / 24 ورواه الحاكم في المستدرك وصححه - ولم يتعقبه الذهبي - 1 / 493 ورواه احمد في مسنده 5 / 277 / 280 / 282.
(4) البحر المحيط 5 / 398.
(5) م. ن.
[112]
لا يغير، وهو علم اللّه والقضاء المبرم»(1).
7 - «وفي الحديث عن ابي الدرداء : أنه تعالى يفتح الذكر في ثلاث ساعات بقين من الليل فينظر ما في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء»(2).
8 - « وقال الغزنوي : ما في اللوح المحفوظ خرج عن الغيب لاحاطة بعض الملائكة فيحتمل التبديل، واحاطة الخلق بجميع علم اللّه تعالى، وما في علمه تعالى من تقدير الاشياء لا يبدل»(3).
9 - ما رواه البخاري من قصة المعراج، وهو طويل، وما يرتبط منه بموضوعنا هنا قوله: «فأوحى اليه فيما أوحى خمسين صلاة على امتك كل يوم وليلة».
وقوله الآخر الذي جاء بعد قص مراجعة النبي محمد لموسى وتردد النبي محمد (ص) على الجبار تعالى يسأله تخفيف عدد الصلوات المكتوبة :
«فقال الجبار : يا محمد.
قال : لبيك وسعديك.
قال : إنه لا يبدل القول لديّ كما فرضتُ عليك في أُم الكتاب، قال : فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك»(4).
وتفهم دلالة الحديث على البداء صراحة مما علقه عليه مؤلفو الكتيب الصادر عن ادارة مجلة (الأزهر) المصرية المعنون ب(الاسراء والمعراج) إعداد لفيف من العلماء والقسم الخاص منه بالمعراج أعده الشيخ توفيق إسلام يحيى، قال تحت عنوان (شرح الحديث) في ص 70 ما نصه :
_________________
(1) حاشية الجمل 2 / 574.
(2) م. ن.
(3) م. ن.
(4) البخاري 9 / 265 - 268 باب قوله : وكلم اللّه موسى تكليماً. ط المنيرية.
[113]
« 7 - ما الحكمة في وقوع المراجعة مع موسى عليه السلام دون غيره من الانبياء، وكيف جاز وقوع التردد والمراجعة بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ؟
أجيب : بان موسى عليه السلام كان أول من سبق اليه حين فرضت الصلاة، فجعل اللّه ذلك في قلب موسى عليه السلام، ليتم ما سبق من علم اللّه تعالى من أنها خمس في العمل وخمسون في الثواب.
وجاز وقوع التردد والمراجعة لعلمهما أن التحديد الاول غير واجب قطعاً، ولو كان واجباً قطعاً لما كان يقبل التخفيف ولا كان النبيان يفعلان ذلك».
ومنه أيضاً :
ما جاء في دعاء ليلة النصف من شعبان المعروف عند اهل السنة : «اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً، أو مقتراً عليّ في الرزق، فامحُ اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وتقتير رزقي، فانك قلت وقولك الحق : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب»(1).
وقد هاجم الشيخ محمد كنعان مؤلف (مواهب الجليل) هذا الدعاء هجوماً عنيفاً، وقال : «لا يجوز الدعاء به لان ما سبق تقديره لا تبديل له».
أقول : لو صح الاعتماد على هذا الدعاء فنقد الشيخ كنعان يتم بناء على تفسير (أم الكتاب) بالاصل الذي لا يتغير منه شيء، وهو ما كتبه اللّه تعالى في الأزل، كما جاء في تفسير الجلالين(2)، وكما هو المشهور، وأريد في الدعاء أن المحو والاثبات يقع فيه.
أما على مثل قول ابن عطية بأن أصوب ما يفسر به (ام الكتاب) أنه ديوان الامور المحدثة التي قد سبق في القضاء ان تبدل وتمحى أو تثبت»(3).
_______________________
(1) مواهب الجليل من تفسير البيضاوي 328.
(2) انظر : هامش حاشية الجمل 2 / 574.
(3) البحر المحيط 5 / 399.
[114]
أو أن المقصود في الدعاء الاستشهاد بالآية الكريمة في أن هناك محواً واثباتاً، وليس قوله (ام الكتاب) من موضع الشاهد أو الاستشهاد، وانما ذكر لانه تتمة الفقرة من الآية الكريمة.
فلا يتوجه نقد كنعان، ويبقى الدعاء دالاً على البداء.
وأولى من ذلك أن نقول : إنه ورد في القرآن الكريم ما يدل على البداء المروي عن أهل البيت (ع) كما في الآية الكريمة : (الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً)، فان الآية قد تفسر بان اللّه تعالى حينما قال : (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بانهم قوم لا يفقهون) : إنه لم يكن يعلم بأن في المسلمين ضعفاً يمنعهم من أن يقابل العشرون منهم المائتين من الكافرين، والمائةُ الألف، ثم علم بعد ذلك فخفف عنهم بما أنزله من قوله تعالى : (فان يكن مائة صابرة يغلبوا مائتين، وان يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن اللّه واللّه مع الصابرين).
لكن هذا لا يصح بأي وجه من الوجوه لانه يستلزم نسبة الجهل اليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وعليه :
لا يتأتى أن يفسر قوله تعالى (علم) بما ينفي شبهة الجهل المشار اليه الا في ضوء البداء.
بمعنى ان اللّه أبدى وأظهر ما كان يكنه من علمه الخاص الذي لم يطلع عليه رسول (ص) فاستبدل بالأمر أمراً.
ومن البداء القرآني : ما جاء في قصة فداء النبي اسماعيل حيث قال تعالى : (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابتِ افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا ابراهيم قد صدّقت الرؤيا إنّا كنّا كذلك نجزي المحسنين. ان هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم) - الصافات 102 - 107 ..
[115]
فالوحي (بالرؤيا) كان بالذبح ثم تغير الذبح الى الفداء، وهذا لا يتأتى توجيهه الا على القول بالبداء، وهو واضح.
ومنه ما في قصة قتل الخضر الغلام في قوله تعالى : (وأما الغلام فكان ابواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) - الكهف 80 -.
يقول البيضاوي : «وانما خشي ذلك لأن اللّه تعالى أعلمه»(1).
ويقول الهادي الزيدي : «انه لو لم يقتل (الخضرُ الغلام) لعاش (الغلام) قطعاً حتى يرهق ابويه طغياناً وكفراً كما أخبر عنه اللّه عز وجل»(2).
فلو لم يُقل بالبداء هنا لاستلزم الأمر تغيّر علمه تعالى عن ذلك.
وفيما يترتب على الايمان بالبداء من آثار اعتقادية وعلمية يقول استاذنا السيد الخوئي:
«والبداء انما يكون في القضاء الموقوف المعبَّر عنه بلوح المحو والاثبات.
والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل الى اللّه سبحانه، وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.
فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان اللّه وقدرته في حدوثه وبقائه، وأن ارادة اللّه نافذة في الاشياء أزلاً وأبداً.
بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الالهي وبين علم المخلوقين.
فعلم المخلوقين - وان كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بها أحاط به علمه تعالى، فان بعضاً منهم وان كان عالماً - بتعليم اللّه اياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون الذي استأثر به لنفسه، فانه لا يعلم بمشيئة اللّه تعالى - لوجود شيء - أو عدم مشيئته الا حيث يخبره اللّه تعالى به على نحو الحتم.
_____________________
(1) تفسير البيضاوي 392.
(2) الزيدية 179.
[ 116 }
والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد الى اللّه وطلبه اجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة، وابعاده عن المعصية.
فان انكار البداء والالتزام بان ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فان ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير بانفاذه فهو كائن لا محالة، ولا حاجة الى الدعاء والتوسل، وان كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، واذا يئس العبد من اجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك.
وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (ع) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.
وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) من الاهتمام بشأن البداء.
فقد روى الصدوق في كتاب (التوحيد) باسناده عن زرارة عن أحدهما (يعني الامامين الباقر والصادق) (ع) قال : «ما عُبد اللّه عز وجل بشيء مثل البداء).
وروي باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع) : قال : «ما بعث اللّه عز وجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال :
الاقرار بالعبودية.
وخلع الانداد.
وأن اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء».
والسر في هذا الاهتمام أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن اللّه غير قادر على أن يغّير ما جرى عليه قلم التقدير، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
فان كلا القولين يؤيس العبد من اجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته الى ربه»(1).
_____________________
(1) البيان 414 - 415.
] 117 }
والآن - وبعد أن تبيّنا ما هو البداء، وأنه اعتقاد سليم لا نسبة فيه للجهل الى اللّه تعالى، وأن إنكاره يؤدي الى نسبة العجز الى اللّه تعالى عن ذلك - قد يكون من المفيد أن أشير الى أن اكثر من ذكر البداء كعقيدة امامية استخدام في تعبيره عنها لغة النبز والتهكم.
ومن المعلوم منهجياً أن مثل هذه اللغة تبعّد البحث عن النزاهة والباحث عن الموضوعية والصدق.
فكان الاولى أن تبحث المسألة بحثاً علمياً مقصوداً به وجه الحق في القبول والرفض.
لا خلاف بين المسلمين في أن اللّه تعالى متكلم.
وقد دل على ذلك أيضاً من القرآن الكريم قوله تعالى : (وكلّم اللّه موسى تكليماً) - النساء 164 وقوله تعالى : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه) - الاعراف 143 -، وأمثال هاتين الآيتين.
ولكن اختلفوا في ماهية وحقيقة كلامه تعالى :
فذهبت الأشاعرة الى أن كلامه تعالى : «وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يشبه كلامه كلام غيره، كما لا يشبه وجوده وجود غيره»(1).
«والكلام بالحقيقة كلام النفس، وانما الاصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والاشارات»(2).
وقال الرازي في (المحصل) : «اما اصحابنا فقد اتفقوا على أن اللّه تعالى ليس
_____________________
(1) قواعد العقائد للغزالي 182.
(2) م. س 183.
[ 118 }
بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس»(1).
وعبّروا عنه ب(الكلام النفسي) و(الكلام الازلي) وقالوا عنه : إنه معنى قائم في ذات المتكلم به.
والألفاظ - في الحقيقة - ليست كلاماً، وانما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس (أو الكلام النفسي) الذي هو الكلام حقيقة.
واستشهدوا لذلك بقول الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنماجعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فان الشاعر هنا اعتبر ما في النفس هو الكلام، والألفاظ اللسانية دوال عليه.
وذهبت الفرق الاسلامية الأخرى أمثال : الأمامية والمعتزلة والزيدية والاباضية والسلفية الى أن الكلام هو هذا الذي نعرفه، وهو الكلمات المؤلفة من الأصوات والحروف. ويمكننا أن نسميه (الكلام اللفظي) في مقابل (الكلام النفسي).
وخلاصة ما استدل به الاشاعرة :
1 - أننا ندرك وجداناً أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ انما يعبر بها عن فكرة عنده أو إحساس لديه.
أي انه يعبر بالكلام اللفظي عما يحمل ويعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس، وهذا من الأمور الواضحة.
2 - ان الكلام اللفظي مركب من الأصوات والحروف، ومن البديهي ان كل مركب حادث، فيكون من المستحيل أن تتصف به الذات الالهية لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة، فلا مناص إذاً من الالتزام بالكلام النفسي لأنه قديم، ليصح اطلاق المتكلم على اللّه سبحانه باعتبار اتصافه به.
_____________________
(1) تلخيص المحصل 289.
]119[
واستدل للقول الآخر - وهو أن الكلام هو المركب اللفظي - بما يلي:
1- التبادر:
وذلك ان المتبادر الى الذهن عند اطلاق عبارة (كلام) هو هذا المركب اللفظي.
والتبادر دليل أن الكلمة حقيقة في المعنى المتبادر.
كما أننا نرى ابناء اللغة لا يقولون للساكت وكذلك للأخرس إنه متكلم، مع أن المعاني قائمة في نفسه.
وما هذا الا لأنه لا يستخدم الألفاظ وسيلة لابرازها، وإنما يتوسل الى ذلك بالاشارة وأمثالها مما لا يعد كلاماً.
2- عدم التعقل:
وهو أن الكلام النفسي الذي يقول به الأشعريون مما لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن.
وذلك لأن المتصور عقلاً من الصفات الالهية التي يمكن أن يرتبط بها الكلام ويكون أثراً من آثارها إما القدرة التي يمكن أن تصدر عنها الحروف والأصوات، أو العلم.
والأشعرية نصوا على أن ما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته، لأن الاثبات تصديق، والتصديق لا بد أن يُسبق بالتصور. وحيث لا تصور لا تصديق، أي لا اثبات، وحينئذ يبطل القول بالكلام النفسي لأنه لا يمكن تعقله ليمكن اثباته.
وعندما يبطل القول بالكلام النفسي يتعين القول الآخر، وهو المطلوب.
غير أن السلفيين تفردوا من بين الفرق الاسلامية المذكورة بالقول بان الكلام اللفظي قديم قائم بذاته تعالى.
والموازنة بين الرأيين تنهينا الى التالي :
]120[
1 - ان المتكلم عند الاشاعرة والسلفية هو : من قام به الكلام. وعند الآخرين هو : من فعل الكلام.
2 - ان المعنى النفسي الذي يؤكد عليه الأشاعرة لا يخلو ان يكون واحداً من الأمور التالية:
أ - أن يكون هو الوجود الذهني.
ويفهم هذا من قولهم (ان الالفاظ دوال على المعاني النفسية)، ذلك أن الألفاظ - كما هو معلوم - تعبّر وتدل على المعنى الذهني أي الموجود في الذهن.
وكل ما في الأمر أنهم عبّروا عن الذهن ب(النفس).
وعليه يعود الخلاف بين الطرفين لفظياً.
ولكن قد يلاحظ : انه لو كان هو المراد لما وقع الخلاف - وبعنف - في المسألة.
ب - ان يكون شيئاً آخر غير الوجود الذهني، له سمته وطابعه الخاص به.
ويفهم هذا من قولهم : (لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره).
وهذا مما لا يتعقل ولا يتصور، كما تقدم في الدليل الثاني للقول الثاني.
وما لا يتصور لا يمكن الحكم عليه بالوصفية أو غيرها.
ومن هنا لا إخال أنه المقصود لهم.
ح - ان يكون مقصودهم من الكلام : التكلم.
ويفهم هذا من قولهم بانه (وصف).
واقول هذا، لأن الكلام بما هو أثر لا يمكن الاتصاف به، أي لا يمكن أن يكون صفة للذات الا اذا قلنا إن المراد به هو (التكلم).
ولذا يقال : (اللّه متكلم)، ولا يقال : (اللّه كلام). وهذا هو الأقرب في تحليل
[121]
وبيان مرادهم من الكلام النفسي.
ولكن على اساس هذا يشكل عليهم :
بان التكلم من الصفات الفعلية لا الذاتية.
والفرق بين الصفة الفعلية والصفة الذاتية هو : أن الصفة الذاتية (مثل القدرة والعلم والحياة) يستحيل اتصاف الذات الالهية بنقيضها، فلا يقال : (اللّه عالم بكذا) و (ليس عالماً بكذا).
أما الصفات الفعلية (مثل الخلق والرزق) فيمكن اتصاف الذات الالهية بها في حال وبنقيضها في حال آخر، فيقال : (ان اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا) ويقال : (ان اللّه رزق فلاناً ولداً ذكراً ولم يرزقه بنتاً).
والتكلم مثل الخلق والرزق، فانه يصح أنه يقال : (كلم اللّه موسى ولم يكلم فرعون) ويقال : (كلم اللّه موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل).
وهذه التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية لم تتضح في الدرس العقائدي الا بعد نضج الفكر الاعتزالي وانتشار الفكر الامامي.
وممن أشار الى أن المتقدمين من العقائديين لم يفرقوا بينهما التفرقة المذكورة ابو الفتح الشهرستاني، قال في كتابه (الملل والنحل)(1) : «إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والارادة والسمع والبصر والكلام والجلال والاكرام والجود والانعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً».
وبثبوت ان التكلم صفة فعلية يترتب عليه أننا نستطيع أن نتصور هنا ثلاثة امور هي :
متكلم وتكلم وكلام
____________________
(1) 1 / 92.
[122]
كما نتصور : خالقاً وخلقاً ومخلوقاً، ورازقاً ورِزْقاً ومرزوقاً. والأول يعبّر عن الموصوف، والثاني عن الصفة، والثالث عن الأثر.
وهذا يعني أن هناك فرقاً بين (التكلم) و(الكلام) هو الفرق بين الصفة وأثرها.
والذي يبدو لي أن الذي ألجأ الأشاعرة الى التعبير عن هذه الصفة ب(الكلام) ولم يعبروا عنها ب(التكلم) هو اصرارهم على ان القرآن الكريم غير مخلوق، وهو (كلام اللّه)، كما عبّر عنه تعالى في مثل قوله : (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام اللّه ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) - البقرة 75 -، وقوله : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه) - التوبة 6 -، وكما هو الحق.
لأنهم اذا فسروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن وأنه مخلوق، لأن القول بقدم الكلام اللفظي يستلزم ان يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث، لأن الحروف والأصوات من المركبات، والمركبات حوادث بالضرورة.
وهم لا يريدون ذلك، وبخاصة انهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي، وانما الذي يريدونه - وباصرار - تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزلي فقط.
تلك الفكرة التي قال بها قبلهم الحنابلة، وجرّت عليهم من الويل والعذاب من قبل السلطة الحاكمة آنذاك الشيء الكثير.
من هنا أصرّوا على أزلية كلام اللّه تعالى الا انهم أرادوا أن يبتعدوا بالفكرة عما قد تنقد به من لزوم : الوقوع في محذور أن يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث فجاؤوا بفكرة الكلام النفسي، وقالوا بأزليته وقدمه، ليحافظوا على فكرة أزلية القرآن الكريم التي أصبحت بعد معركة خلق القرآن معلمة مذهبية من معالم العقيدة عند السنة.
ونخلص من هذا الى :
أ - ان التكلم هو الصفة.
ب - أما الكلام فهو فعل من أفعاله تعالى يحدثه ويخلقه في الأجسام اذا أراد مخاطبة
[123]
المخلوقين بالأمر والنهي والوعد والوعيد والزجر والترغيب - كما يقول القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني(1).
ويقول الشيخ المفيد المتكلم الأمامي : «متكلم لا بجارحة، بمعنى أنه يوجد حروفاً وأصواتاً في جسم من الأجسام تدل على المعاني المطلوبة، كما فعل في الشجرة حين خاطبه موسى - ع -»(2).
ويقول القاسم الرسي الزيدي : «ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى - صلوات اللّه عليه - عند أهل الايمان والعلم : أنه أنشأ كلاماً خلقه كما شاء فسمعه موسى - صلى اللّه عليه - وفهمه.
وكل مسموع من اللّه فهو مخلوق لأنه غير الخالق له.
وإنما ناداه اللّه جل ثناؤه فقال : (إني أنا اللّه رب العالمين)، والنداء غير المنادي، والمنادي بذلك هو اللّه جل ثناؤه، والنداء غيره.
وما كان غير اللّه مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق لأنه لم يكن ثم كان باللّه وحده لا شريك له»(3).
ح - ان المعتزلة والامامية والزيدية والاباضية يذهبون الى أن الكلام قائم بغير الذات المقدسة.
ع - ان الأشعرية والسلفية يذهبون الى أن الكلام قائم بذاته تعالى، مع فارق :
أن القائم بالذات عند الاشاعرة هو المعني الأزلي (الكلام النفسي)، وعند السلفية الحروف والأصوات (الكلام اللفظي).
_____________________
(1) المختصر في اصول الدين 379.
(2) النكت الاعتقادية 394.
(3) اصول العدل والتوحيد 264.