الفذلكة

وفذلكة تلك الأبحاث أن الزواج الذي هو عقلة المرء والمرأة وربط خاص يحدث بالعقد الخاص من الإيجاب والقبول بشرائط معلومة.

فان وقع العقد مرسلاً مطلقاً بغير مدة، حدثت الزوجية بطبيعتها المرسلة المطلقة الدائمة المؤبدة التي لا ترتفع إلا برافع من طلاق ونحوه.

وان قيد العقد بأجل معين من يوم أو شهر أو نحوهما حدثت الزوجية الخاصة المحدودة وطبيعة الزوجية فيهما سواء لا يختلفان إلا في الضيق والسعة والطول والقصر ويشتركان في كثير من الآثار ويمتاز كل منهما عن الآخر في بعضها وليس الإختلاف من اختلاف الحقيقة بل من اختلاف النوع أو التشخص باختلاف الزنجي والرومي في كثير من اللوازم مع وحدة الحقيقة.

ونظير الزوجية المطلقة والمقيدة في الشرع، الملكية التي تحدث بعقد البيع وهي عبارة عن علقة تحدث بين الانسان وعين ذات مالية من الاعيان فان أطلق العقد حدثت الملكية المطلقة اللازمة الدائمة المؤبدة التي لا ترتفع إلا برافع اختياري كبيع أو هبة، أو صلح أو اضطراري، كفلس أو موت، وإن قيدت

[116]

بخيار فسخ أو الإنفساخ حدثت الملكية المقيدة الجائزة المحدودة إلى زمن الفسخ أو الإنفساخ، وكل هذه المعاني والاعتبارات امور يتطابق عليها العقل والشرع والعرف والإعتبار.

فما هذا النكير والنفير والنبز والتعبير على الشيعة في أمر المتعة يا علماء الاسلام، ويا حملة الأقلام!.

(لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل) أفهل في هذا مقنع مع اختصاره لكم في كف الخصام وحصول الوئام والإنقياد للحق والاستسلام.

فوعزة الحق وشرف الحقيقة إني لم أتعصب فيما كتبت إلا للحق ولم أتحامل إلا على الباطل، وحسبنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

ولنكتف من مباحث عقود النكاح وأحكامه بهذا القدر، أما نكاح الإماء وأحكام الأولاد والنفقات والعدد والنشوز وأمثالها من المباحث العريضة الطويلة فهي موكولة إلى محالها من كتب الإمامية التي برعوا وأبدعوا فيها بين مختصر حوى تمام الفقه من الطهارة إلى الحدود والديات في خمسين ورقة بقطع الربع وبين مطول (الجواهر) و (الحدائق) الذي جمع الفقه في أربعين مجلداً مثل (البخاري) و(صحيح مسلم) وبين الطرفين أوساط ومتوسطات لا تعد ولا تحصى.

[117]

الطلاق

لقد استجليت من كلماتنا التي مرت عليك قريباً أن حقيقة الزواج هي عبارة عن علقة وربط خاص يحدث بين الرجل والمرأة يصير ما هو فرد من كل منهما بلحاظ نفسه زوجاً بلحاظ انضام الآخر اليه وارتباطه به وملابسة صيّرت كلاً منهما قريباً للآخر وعدلاً له ومتكافئاً معه مثل اقتران العينين واليدين بل السمعين والبصرين، وبعد أن كان كل منهما مبايناً للآخر ومنفصلاً عنه، أحدث العقد الخاص ذلك الربط وتلك الملابسة التي لا ملابسة فوقها ولا يعقل بل يمكن أن توجد عبارة تشير الى حقيقة ذلك الربط وعميق آثاره أعلى من قوله تعالى: (هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ) وهي من آيات الإعجاز والبلاغة وفرائد القرآن ومخترعاته، ولا يتسع المقام لتعداد ما تضمنته من دقائق المعاني وأسرار البيان وعجيب الصنعة.

وعرفت ان من شأن ذلك الربط وطبيعته مع إرسال العقد وإطلاقه أن يبقى ويدوم إلى الموت بل وما بعد الموت، إلا أن يحصل له رافع يرفعه عامل يزيله، ولما كانت الحاجة والضرورة والظروف والأحوال قد تستوجب حلّ ذلك الربط وفك تلك العقدة ويكون من صالح الطرفين أو أحداهما، لذلك جعل

[118]

الشارع الحكيم أسباباً رافعة وعوامل قاطعة تقطع ذلك الحبل وتفصل ذلك لوصل فان كانت النفرة والكراهة من الزوج - فالطلاق بيده - وإن كانت من الزوجة _ فالخلع بيدها - وإن كان منهما - فالمباراة بيدها - ولكل واحد منهما أحكام وشروط ومواقع خاصة لا تتعداها ولا يقوم سواها مقامها.

ولكن لما كان دين الاسلام ديناً اجتماعياً، وأساسه التوحيد والوحدة، وأهم مقاصده الاتفاق والإلفة، وأبغض الأشياء اليه التقاطع والفرقة، لذلك ورد في كثير من الأحاديث ما يدل على كراهة الطلاق والردع عنه، ففي بعض الأخبار (ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق)، فكانت الحاجة والسعة على العباد وجعلهم في فسحة من الأمر تقضي بتشريعه، والرحمة والحكمة وإرشاد العباد إلى مواضع جهلهم بالعاقبة (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) كل ذلك يقتضي التحذير منه، والردع عنه، والأمر بالتروي والتبصرّ فيه، ونظراً لهذه الغاية جعل الشارع الحكيم للطلاق قيوداً كثيرة وشرط فيه شروطاً عديدة حرصاً على تقليله وندرته (والشيء إذا كثرت قيوده، عزّ وجوده) فكان من أهم شرائطه - عند الامامية - حضور شاهدين عدلين (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فلو وقع الطلاق بدون حضورهما كان باطلاً، وفي هذا أبدع ذريعة وأنفع وسيلة إلى تحصيل الوئام، وقطع مواد الخصام بين الزوجين، فان للعدول وأهل الصلاح مكانة وتأثيراً في النفوس كما أن من واجبهم

[119]

الإصلاح والموعظة، وإعادة مياه صفاء الزوجين المتخاصمين إلى مجاريها، فاذا لم تنجع نصائحهم ومساعيهم في كل حادثة فلا أقل من التخفيف والتلطيف والتأثير في عدد كبير وقد ضاعت هذه الفلسفة الشرعية على إخواننا من علماء السنة فلم يشترطوا حضور العدلين فاتسعت دائرة الطلاق عندهم وعظمت المصيبة فيه وقد غفل الكثير منا ومنهم عن تلك الحكم العالية والمقاصد السامية، في أحكام الشريعة الإسلامية، والأسرار الإجتماعية، التي لو عمل المسلمون بها لأخذوا بالسعادة من جميع أطرافها، ولما وقعوا في هذا الشقاء التعيس والعيش الخسيس واختلال النظام العائلي في أكثر البيوت، ومن أهم شرائط الطلاق أيضاً أن لا يكون الزوج مكرهاً ومتهيجاً أو في حال غضب وانزعاج وان تكون الزوجة طاهرة من الحيض، وفي طهر لم يواقعها فيه.

وقد اتفقت الإمامية أيضاً على أن الطلاق الثلاث واحدة فلو طلقها ثلاثاً لم تحرم عليه ويجوز له مراجعتها ولا تحتاج إلى محلّل نعم لو راجعها ثم طلقها وهكذا ثلاثاً حرمت عليه في الطلاق الثالث ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ولو طلقها ثم راجعها تسع مرات مع تخلل المحل حرمت عليه في التاسعة حرمة مؤبدة، وقد خالف في طلاق الثلاث الأكثر من علماء السنة فجعلوا قول الزوج لزوجته (أنت طالق ثلاثاً) يوجب تحريمها ولا تحل إلا بالمحلل، مع أنه قد ورد في الصحاح عندهم ما هو صريح في أن الثلاث واحدة، مثل ما في البخاري بسنده عن ابن عباس قال:

[120]

كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيهم أناة فلو أمضيناه عليهم، والكتاب الكريم أيضاً صريح في ذلك لمن تأمله (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) إلى أن قال جل شأنه: (فإن طلّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) وفي هذا كفاية. هذا مجمل من أسباب الفراق، والتفصيل موكول إلى محله، وهناك أسباب اخرى للفرقة كالعيوب الموجبة للفسخ في الزوح مثل العنن، والجنون، والجذام ونحوها، وفي الزوجة كالرتق والقرن ونحوهما، كالظهار والإيلاء مما تجده مستوفي في كتب الفقه، كما تجد فيها تفاصيل العدد وأقسامها من عدة الوفاة وعدة الطلاق ووطئ الشبهة وملك اليمين، والعدة تجب على الزوجة في وفاة الزوج مطلقاً حتى اليائسة والصغيرة وغير المدخول بها.

أما في الطلاق فتجب على ما عدا هذه الثلاث، فموت الزوج مطلقاً والوطأ الغير المحرم مطلقاً يوجبان العدة مطلقاً إلا في اليائسة والصغيرة، أما الوطأ المحرم كالزنا فلا عدة فيه لأن الزاني لا حرمة لمائه، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت حائلاً وفي الحامل أبعد الأجلين وعدة الطلاق ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر، وفي الحامل وضع الحمل، وللأمة نصف الحرة والطلاق إذا لم يكن ثلاثاً ولا خلعياً فللزوج أن يرجع بها ما دامت في العدة فاذا خرجت من العدة فقد ملكت أمرها ولا

[121]

سبيل له عليها إلا بعقد جديد، ولا يعتبر عندنا في الرجعة حضور الشاهدين كما يعتبر في الطلاق وان استحب ذلك (1) ولا يعتبر فيها لفظ مخصوص بل يكفي كلما دل عليها حتى الاشارة وتعود زوجته له كما كانت.

_____________________________________

(1) أهدي الينا هذا العام العلامة المتبحر الاستاذ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي بمصر - أيده الله - مؤلفه الجليل: (نظام الطلاق في الاسلام) قراقني وأعجبني ووجدته من أنفس ما أخرجه هذا العصر من المؤلفات فكتبت اليه كتاباً نشره هو، حفظه الله، في مجلة (الرسالة) الغراء عدد 157 بعد تمهيد مقدمة قال فيها:

ومن أشرف ما وصل إلي وإغلاه كتاب كريم من صديقي الكريم واستاذي الجليل، شيخ الشريعة، وإمام مجتهدي الشيعة بالنجف الأشرف العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء فقد تفضل - حفظه الله - بمناسبة رأيي في مسألة من مسائل الكتاب وهي مسألة اشتراط الشهود في صحة مراجعة الرجل مطلقته فإنني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق وانه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به وهذا القول وان كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلا أنه يؤيده الدليل ويوافق مذهب الأئمة من أهل البيت والشيعة الامامية وذهبت أيضاً الى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة وهو يوافق أحد قولين للامام الشافعي يخالف مذهب أهل البيت والشيعة واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما، والدليل واحد فيهما، فرأى الاستاذ - بارك الله فيه - أن يشرح لي وجهة نظرهم في التفريق بينهما فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد

من النجف الأشرف 8 صفر سنة 1355 الى مصر

لفضيلة الاستاذ العلامة المتبحر النبيل أحمد محمد شاكر المحترم أيده الله سلامة لك وسلام عليك وصلتني هديتك الثمينة رسالة (نظام الطلاق في الاسلام) فامعنت النظر فيها مرة بل مرتين أعجاباً لما حوته من غور النظر ودقة البحث، وحرية الفكر، وإصابة هدف الحق والصواب، وقد استخرجت لباب الأحاديث الشريفة وأزحت عن محيا الشريعة الوضاء أغشية الأوهام، وحطمت قيود التقاليد القديمة وهياكل المجود بالأدلة القاطعة والبراهين الدامغة، فحياك الله، وحيا ذهنك الوقاد، وفضلك الجم، وامهات مباحث الرسالة ثلاث: (1) طلاق الثلاث. (2) الحلف بالطلاق والعتاق. (3) الاشهاد على الطلاق. وكل واحدة من هذه المسائل قد وفيتها حقها من البحث، وفتحت فيها باب الاجتهاد الصحيح على قواعد الفن ومدارك الاستنباط القويم من الكتاب والسنة، فانتهى بك السير على تلك المناهج القويمة الى مصاف الصواب، وروح الحقيقة وجوهر الحكم الإلهي وفرض الشريعة الاسلامية، وقد وافقت آراؤك السديدة في تلك المسائل ما اتفقت عليه الامامية من صدر الاسلام الى اليوم ولم يختلف منهم اثنان حتى عندهم من الضروريات، كما اتفقوا على عدم وجود الاشهاد على الرجعة مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق باطل عندهم بدونه.

وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الاشهاد فيهما معاً فقلت في صفحة 120 وذهبت الشيعة الى وجوب الاشهاد في الطلاق وانه ركن من أركانه كما في كتاب (شرائع الاسلام) ولم توجبوه في الرجعة والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه، انتهى.

وفي كلامك هذا (أيدك الله) نظر أستميحك السماح في بيانه وهو: ان من الغريب حسب قواعد الفن مطالبة النافي بالدليل والأصل معه وإنما يحتاج المثبت الى الدليل ولعلك (ثبتك الله) تقول قد قام الدليل عليه وهو ظاهر الآية على ما ذكرته في صفحة 18 حيث تقول: والظاهر من سياق الآية (واشهدوا) راجع الى الطلاق والرجعة معاً، الى آخر ما ذكرت وكأنك (أنار الله برهانك) لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كماهي عاداتك من الامعان في غير هذا ا لمقام وإلا لما كان يخفى عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى انها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: (اذا طلقتم النساء) ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة، أي لا يكون في طهر المواقعة ولا في الحيض ولزوم احصاء العدة وعدم اخراجهن من البيوت، ثم اسطر الى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) أي إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم امساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة، ثم عاد الى تتمة أحكام الطلاق، فقال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) أي في الطلاق الذي سبق الكلام لبيان أحكامه ويستهجن عودة الى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعاً واستطراداً ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه وان تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه ويجب المشايعة وحسن الموادعة فانك لاتفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه. وان تأخر عنه وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريج العربية لولا الغفلة والغفلات تعرض للأديب هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الاسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها وهو أن من المعلوم انه ما من حلال أبغض الى الله سبحانه من الطلاق، ودين الاسلام كما تعلمون - جمعي اجتماعي - لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة ولا سيما في العائلة والاسرة، وعلى الأخص في الزوجية بعد ما أفضى كل منهما الى الآخر بما أفضى، فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه علىالقاعدة المعروفة من أن الشيء اذا كثرت قيوده عز، أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولاً وللتأخير والاناة ثانياً وعسى الى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندنا يحصل الندم ويعودان الى الالفة كما اشير بقوله تعالى: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) وهكذا حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين لا شك انها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً الى الفوائد الاخر وهذا كله بعكس قضية الرجوع فانه يريد التعجيل به ولعل في التاخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط تصح عندنا معشر الامامية بكل ما دل عليها من قول أو فعل أو اشارة، ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في إلفتهم وعدم تفرقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي - أي المطلقة الرجعية - عندنا معشر الامامية لا تزال زوجة الى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها وتغسله ويغسلها وتجب عليه نفقتها ولا يجوز أن يتزوج بأختها وبالخامسة الى غير ذلك من أحكام الزوجية. = فهل في هذه كلها مقنع لك في صحة ما ذهبت اليه الامامية من عدم وجوب الاشهاد في الرجعة بخلاف الطلاق. فان استصوبته حمدنا الله وشكرناك وإلا فأنا مستعد للنظر في ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح وما الغرض إلا إظهار الحقيقة واتباع الحق أينما كان ونبذ التقليد الأجوف والعصبية العمياء أعاذنا الله وإياكم منها وسدد خطواتنا عن الخطأ والخطيئات ان شاء الله ونساله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة والأثريات اللامعة والمآثر الناصعة (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) ولكم في الختام أسنى تحية وسلام.

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

ملاحظة: ومن جملة المسائل التي أجدت فيها البحث والنظر بطلان طلاق الحائض، وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق، وهذه الفتوى أيضاً مما اتفقت عليه الامامية وهي بطلان طلاق الحائص إلا في موارد استثنائية معدومة.

هذا هو نص كتاب الاستاذ شيخ الشريعة لم احذف فيه شيئا الا كلمة خاصة لا علاقة لها بالموضوع وانما هي عن تفضله باهداء بعض كتبه الي وسأحاول ان ابين وجهة نظري واناقش استاذي فيما رآه وأختار بما يصل اليه جهدي في عدد قادم ان شاء الله.

أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي

هذا تمام ما نشره فضيلة القاضي في ذلك العدد ثم تعقبه في عدد 159 وعدد 150 بمقالين أسهب فيهما بعض الأسهاب مما دل على طول باع وسعة اطلاع واستفراغ وسع في تأييد نظريته وتقوية حجته وكتبنا الجواب عنهما وأعرضنا عن ذكر تلك المساجلات هنا خوف الاطالة والخروج عن وضع هذه الرسالة التي أخذنا على أنفسنا فيها بالايجاز، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع أعداد مجلة (الرسالة) الغراء يجد في مجموعات تلك المراجعات فوائد جمة، وقواعد لعلها في الفقه مهمة والى الحقيقة منتهى القصد.

 

[122]

الخلع والمبارات

لا ينبعث الزوجان الى قطع علاقة الزوجية بينهما إلا عن كراهة أحدهما للآخر أو كراهة منهما للآخر، وهذا هو سبب الفرقة غالباً، فان كانت الكراهة من الزوج فقط فالطلاق بيده

[123]

يتخلص به منها إذا أراد وإن كانت الكراهة منها خاصة كان لهذا أن تبذل لزوجها من المال ما تفتدي به نفسها سواء كان بمقدار ما دفع لها أو أكثر فيطلقها على ما بذلت وهذا هو خلع

[124]

فيقول فلانة طالق على ما بذلت فهي مختلعة ويشترط فيه جميع شرائط الطلاق وإضافة كون الكراهة منها وكونها كارهة شديدة كما يشير اليه قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله

[125]

فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها) الآية، وتفسيره في أخبار أهل البيت أن تقول لزوجها: لا أبر لك قسماً ولا اقيم حدود الله فيك ولا أغتسل لك من جنابة ولا

[126]

وطئن فراشك وأدخلن بيتك من تكره، ومعلوم أن المراد بهذا ظهور الكراهة الشديدة وعدم إمكان الالتئام لا خصوص تلك الألفاظ.

وإن كانت الكراهة منها معاً فهي المباراة ويعتبر فيها أيضاً جميع شرائط الطلاق ولا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها فيقول لها بارأتك على كذا فأنت طالق، والطلاق في الخلع والمباراة بائن لا رجوع للزوج فيه، نعم لها أن ترجع في البذل فيجوز له الرجوع حينئذ ما دامت في العدة.

[127]

الظهار والايلاء واللعان

هي من أسباب تحريم الزوجة أيضاً في الجملة وبشرائط مخصوصة مذكورة في كتب الفقه، لم نذكرها لندرة وقوعها.

الفرائض والمواريث

الإرث هو عبارة عن انتقال مال أو حق من مالكه عند موته الى آخر للعلاقة بينهما من نسب أو سبب، فالحي القريب وارث والميت موروث والاستحقاق ارث، والنسب هو تولد شخص من آخر أو تولدهما من ثالث.

والوارث أن عين الله سبحانه حقه في كتابه الكريم بأحد الكسور التسعة المعروفة فهو ممن يرث بالفرض، وإلا فيرث بالقرابة، والفروض المنصوصة بالكتاب الكريم ستة: نصف وهو للزوج مع عدم الولد وللبنت مع عدمه وللأخت كذلك، ونصفه وهو الربع للزوج مع الولد ولزوجة مع عدمه، ونصفه وهو الثمن للزوجة مع الولد، والثلث وهو للام مع عدم الولد وللمتعدد من كلالتها، وضعفه الثلثان للبنتين فما زاد مع عدم الذكر المساوي، وللاختين كذلك للأب أو الأبوين، ونصفه وهو السدس لكل واحد من الأبوين مع الولد وللام مع الحاجب وهم الاخوة واحد من كلالتها ذكراً كان أو انثى وما عدا هؤلاء فيرثون بالقرابة للذكر مثل حظ الانثيين في جميع طبقات الورثة وهي ثلاث: الأبوان والأبناء وان نزلوا ثم الأجداد وان علوا

[128]

والاخوة وان نزلوا ثم الأعمام والأخوال وهم اولو الأرحام وليس فيهم ذو فرض أصلاً.

ثم ان أرباب الفروض إما أن تساوي فرائضهم المال كأبوين وبنتين "ثلث وثلثان" أو تزيد كأبوين وبنتين وزوج فتعول الفريضة أي زادت على التركة بربع أو نقصت عنها بربع، أو تنقص كاخت وزوجة ففضل من التركة بعد الفريضة ربع فالاولى مسألة العول والثانية مسألة التعصيب، وليس في جميع مسائل الارث خلاف يعتد به بين الامامية وجمهور علماء السنة إلا في هاتين المسألتين فقد تواتر عند الشيعة عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أنه لا عول ولا تعصيب وهو أيضاً مذهب جماعة من كبراء الصحابة، وقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنه أن الذي احصى رمل علاج ليعلم أن الفريضة لا تعول، وأن الزائد يرى لذوي الفروض على نسبة سهامهم العصبة بفيها التراب فلو اجتمع بنت وأبوان من الاولى وأخ وعم من الثانية والثالثة فللبنت النصف ولكل من الأبوين السدس ويفضل السدس من المال يرد عندنا على البنت والأبوين بنسبة سهامهم، وغيرنا من فقهاء المسلمين يورثونه الأخ والعم وهم العصبة، نعم لا رد عندنا على زوج أو زوجة كما لا نقص عليهما، أما اذا عالت الفريضة وزادت على المال كالمثال المتقدم فالنقص يدخل على البنت أو البنات والاخت والأخوات دون الزوجة وغيرهما (والضابطة) أن كل ما أنزله الله من فرض إلى فرض فلا يدخله النقص ومن

[129]

لم يكن له إلا فرض واحد كان عليه النقص وله الرد أما الأب ففي دخول النقص عليه وعدمه خلاف أما جمهور فقهاء المسلمين فيدخلون النقص على الجميع.

وللامامية على نفي العول والتعصيب أدلة كثيرة من الكتاب والسنة مدونة في مواضعها من الكتب المبسوطة، ومما انفردوا به من أحكام المواريث (الحبوة) للولد الأكبر فانهم يخصونه بثياب أبيه وملابسه ومصحفه وخاتمه زائداً على حصته من الميراث على تفاصيل وشروط مذكورة في بابها.

وانفردوا أيضاً بحرمان الزوجة من العقار ورقبة الأرض عيناً وقيمة ومن الأشجار والأبنية عيناً لا قيمة فتعطى الثمن أو الربع مع قيمة تلك الأعيان، كل ذلك لأخبار وردت عن أئمتهم سلام الله عليهم، والأئمة يروونها عن جدهم رسول الله (ص).

فهذه مهمات المسائل الخلافية في الارث وما عدا ذلك فالخلاف على قلته في بعض المسائل هو كالخلاف بين فقهاء الجمهور أنفسهم وكاختلاف فقهاء الإمامية فيما بينهم.

الوقف والهبات والصدقات

المال الذي هو ملك لك وتريد أن تخرجه عن ملكيتك فإما أن يكون إخراجه ليس من ملكك فقط بل عن مطلق الملكية

[130]

بمعنى أنك تجعله غير صالح للملكية أصلاً فيكون تحريراً وذلك كالعبد تعتقه فيكون حراً، وكالدار أو الأرض تفكها من الملكية فتجعلها معبداً أو مسجداً أو مشهداً وهذا القسم لا يصلح أن يعود الى الملكية أبداً مهما عرضت العوارض واختلفت الطوارئ.

وإما أن يكون إخراجه لا عن مطلق الملكية بل عن ملكك الى ملك غيرك فقط، وحينئذ فإما أن يكون ذلك بعوض مع التراضي في عقد لفظي أو ما يقوم مقامه فتلك عقود المعاوضات كالبيع والبيع الوفائي والصلح وأمثالها، وإما أن يكون بغير عوض مالي، فان كان بقصد الأجر والمثوبة لوجه الله فهو الصدقة بالمعنى الأعم، فان كان المال مما يبقى مدة معتقداً بها، وقصد المتصدق بقاء عينه، فحبس العين وأطلق المنفعة.

فهذا هو (الموقف) وإن كان المال مما لا يبقى أو لم يشترط المتصدق بقائه فهو (الصدقة) بالمعنى الأخص، وإن كان التمليك لا يقصد الأجر والمثوبة بل تمليك مجاني محض، فهو (الهبة) فان اشترط فيها مقابلتها بهبة فهي (الهبة المعوضة) كما لو قال وهبتك الثوب بشرط أن تهبني الكتاب فقال قبلت، وهي لازمة لا يجوز لأحدهما الرجوع بهبته إلا إذا تراضيا على التفاسخ والتقايل، وإلا فهي (الهبة الجائزة) ولا يصح شيء من أنواع الهبات إلا بالقبض ويجوز الرجوع في الهبات الجائزة حتى بعد القبض إلا إذا كانت لذي رحم وزوج أو زوجة أو بعد

[131]

التلف، أما الصدقات فلا يجوز الرجوع في شيء منها بعد القبض ولا تصح أيضاً إلا بالقبض، وإذا أجرى الواقف صيغة الوقف وهي قوله: وقفت هذه الدار مثلاً قربة الى الله تعالى ثم أقبضه المتولي أو الموقوف عليهم أو قبضه بنية الوقف، إذا كان قد جعل التولية لنفسه فحينئذ لا يجوز الرجوع فيه أصلاً ولا بيعه ولا قسمته سواء كان وقف ذرية هو (الوقف الخاص) أو وقف جهة وهو (الوقف العام) كالوقف على الفقراء والغرباء والمدارس وأمثالها، نعم قد يصح البيع في موارد استثنائية تلجئ إليها الضرورة المحرجة يجمعها خراب الوقف خراباً لا ينتفع به منفعة معتداً بها، أو خوف أن يبلغ خرابه إلى تلك المرتبة، أو وقوع الخلاف بين أربابه بحيث يخشى أن يؤدي إلى تلف الأموال أو النفوس أو هتك الأعراض ومع ذلك بيع الوقف بحال من الأحوال ولا قسمته إلا بعد عرض المورد الشخصي على الحاكم الشرعي وإحاطته بالموضوع من جميع جهاته وصدور حكمه بالبيع أو القسمة لحصول المسوغ شرعي، وبدون ذلك لا يجوز وقد تساهل الناس في أمر الوقف وتوسعوا في بيعه وإخراجه عن الوقفية توسعاً أخرجهم عن الموازين الشرعية والقوانين المرعية، والله من وراء القصد وهو اللطيف الخبير، هذا كله على طريقة المشهور ولنا تحقيق ونظر آخر في الوقف لا مجال له هنا.

[132]

القضاء والحكم

لولاية القضاء ونفوذ الحكم في فصل الحكومات بين الناس منزلة معينة ومقام منيع، وهي عند الإمامية غصن من دوحة النبوة والإمامة ومرتبة من الرياسة العامة، وخلافة الله في الأرضين (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) كيف لا والقضاء والحكام امناء الله على النواميس الثلاثة النفوس والأعراض والأموال، ولذا كان خطره عظيماً وعثرته لا تقال، وفي الأحاديث من تهويل أمره ما تخف عنده الجبال مثل قوله (ع) : القاضي على شفير جنهم ولسان القاضي بين جمرتين من نار، يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي. وفي الحديث النبوي: من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين إلى كثير من نظائرها، والحكم الذي يستخرجه الفقيه ويستنبطه من الأدلة إن كان على موضوع كلي فهو (الفتوى) مثل إن مال الغير لا يجوز التصرف فيه إلا بأذن مالكه وإن وطأ الزوجة حلال ووطأ الأجنبية حرام. . . وإن كان على موضوع جزئي فهو (القضاء والحكومة) مثل أن هذه زوجة وتلك أجنبية وهذا مال زيد.

[133]

وكل منهما من وظائف المجتهد العادل الحائز منصب النيابة العامة عن الإمام سوى أن القضاء الذي هو في الحقيقة عبارة عن تشخيص الموضوعات مع المرافعة والخصومة أو بدونها كالحكم بالهلال والوقت والنسب ونحوها يحتاج إلى لطف قريحة وقوة حدس وعبقرية ذكاء، وحدة ذهن، أكثر مما تحتاجه الفتوى واستنباط الأحكام الكلية بكثير، ولو تصدى له غير الحائز لتلك الصفات كان ضرره أكبر من نفعه وخطأه أكثر من صوابه، أما تصدي غير المجتهد العادل الذي له أهلية الفتوى فهو عندنا معشر الإمامية من أعظم المحرمات وأفظع الكبائر بل هو على حد الكفر بالله العظيم بل رأينا أعاظم علماء الإمامية من أساتيذنا الأعلام يتورعون من الحكم ويفصلون الحكومات غالباً بالصلح ونحن لا نزال غالباً على هذه الوتيرة اقتداء بسلفنا الصالح.

ثم أن أمهات أسباب الحكم والخصومات والحقوق ثلاثة: الاقرار، البينة، اليمين، والبينة هي الشاهدان العادلان، وإذا تعارضت البينتان أو البينات فخلاف عظيم في تقديم بينة الداخل والخارج أو الرجوع الى المرجحات، وقد أفرد الكثير من فقهائنا للقضاء مؤلفات مستقلة في غاية البسط والإحاطة سوى ما دوّنوه في الكتب المشتملة على تمام أبواب الفقه، ولا يسعنا بأن نأتي بأقل قليل منه فضلاً عن الكثير، وقد ذكرنا جملة صالحة من هذ المباحث في الرابع من (تحرير المجلة) فليراجع إليه من شاء.

[134]

وإذا حكم الحاكم الجامع للشرايط المتقدمة فالراد عليه المتخلف عن اتباع حكمه راد على الله تعالى ولا يجوز لغيره بعد حكمه أن ينظر في تلك الدعوى، نعم له أن يعيد النظر فيها بنفسه فإذا تبين له الخلل نقض حكمه بالضرورة.

الصيد والذباحة

الأصل في الحيوان مطلقاً عند الإمامية حرمة أكله ونجاسته بالموت إذا كانت له عروق يشخب دمها عند القطع وهو المعبر عنه عند الفقهاء بذي النفس السائلة ثم ان الحيوان قسمان: نجس العين ذاتاً وهو ما لا يمكن أن يطهر أبداً كالكلب والخنزير، وطاهر العين وهو ما عدا ذلك، والأول لا تفارقه النجاسة وحرمة الأكل حياً وميتآً مذكّى وغير مذكّى، والثاني: إذا مات بغير الذكاة الشرعية فهو نجس العين حرام الأكل مطلقاً طيراً كان أو غيره وحشياً أو أهلياً ذا نفس أو غير ذي نفس، أما إذا مات (بالتذكية) فهو طاهر العين مطلقاً كما كان في حياته ثم ان كان من السباع أو الوحوش فهو حرام الأكل وان كان طاهراً، وإلا فهو حلال الأكل أيضاً.

وتذكية ذي النفس تحصل شرعاً بأمرين:

(الأول) الصيد لا يحل منه إلا ما كان بأحد أمرين الكلب

[135]

المعلم الذي يتزجر إذا زجر ويأتمر إذا امر ولا يعتاد أكل صيده ويكون الرامي مسلماً وأن يسمي، فلو قتل الكلب أو السهم صيداً ومات حل أكله ولو أدركه حياً ذكاه ولا يحل بباقي آلات الصيد كالفهود والحبالة وغيرهم نعم لو أدركه حياً ذكاه.

(الثاني) من أسباب التذكية: الذباحة الشرعية ويشترط عندنا في الذابح الاسلام أو ما بحكمه كولده أو لقيطه، وأن يكون الذبح بالحديد مع القدرة ومع الضرورة بكل ما يفري الأوداج وأن يسمي ويستقبل وأن يفري الأوداج الأربعة المري والودجين والحلقوم، ويكفي في الإبل نحرها عوض الذبح ولو تعذر ذبح الحيوان ونحوه كالمتردي والمستعصي يجوز أخذه بالسيف ونحوه مما يقتل فان مات حل وإلا ذكاه، أما ما لا نفس له فلا يحل شيء منه إذ حيوان البحر لا يحل إلا ما كان له فلس كالسمك.

ظريفة

قال محمد بن النعمان الأحول مؤمن الطاق: دخلت على أبي حنيفة فوجدت لديه كتباً كثيرة حالت بيني وبينه فقال لي: أترى هذه الكتب؟ قلت: نعم، قال: كل هذه الكتب في أحكام الطلاق، فقلت له: قد أغنانا الله سبحانه عن جميع كتبك

[136]

هذه بآية واحدة في كتابه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة)، فقال لي: سألت صاحبك (جعفر بن محمد) عن بقرة خرجت من البحر هل يحل أكلها؟ فقال: نعم، قال لي: (كلما له فلس جملاً كان أو بقرة وكلما لا فلس له لا يحل أكله) وذكاة السمك عندنا موته خارج الماء.

الأطعمة والأشربة والمحلل والمحرم منها

أنواع الحيوان ثلاثة: حيوان الأرض، حيوان الماء، حيوان الهواء، وقد عرفت أنه لا يحل من حيوان البحر إلا السمك وبيضه تابع له، ولا من حيوان الأرض إلا الغنم الأهلية وبقر الوحش، وكبش الجبل والحمير، والغزلان، واليحامير، ويحل الخيل، والبغال، والحمير على كراهة ويحرم الجلال منها وما يتغذى بالعذرة ويطهر بالاستبراء ويحرم كل ذي ناب كالسباع، والذئاب، وتحرم الأرانب والثعالب والضبّ واليربوع وأمثالها من الوحش، وتحرم الحشرات مطلقاً كالخنافس والديدان والحيات ونحوها، أما حيوان الهواء وهي الطيور فيحرم منها سباع الطير

[137]

كالصقر والنسر والبازي ونحوهما مطلقاً، أما عداها فقد جعل الشارع لما يحل أكله منها ثلاث علامات في ثلاث حالات، فان كان طائراً في الجو فما كان دفيفه أكثر من صفيفه فهو حلال وإلا فلا، وإن كان على الأرض فان كان له صيصة وهي ما يكون كالاصبع الزائد فهو حلال وإلا فلا، وان كان مذبوحاً فان كانت له حوصلة أو قانصة فهو حلال وإلا فلا، فالخفاش والطاووس والزنابير والنحل ونحوها محرمة، أما الغراب فما يأكل الجيف محرم وما يأكل النبات حلال.

أما المحرم من المشروب والمأكول غير الحوال فيمكن غير الحيوان فيمكن ضبطه ضمن قواعد كلية:

(1) كل مغصوب حرام.

(2) كل نجس حرام.

(3) كل مضر حرام.

(4) كل خبيث حرام، وأعظم المحرمات من المائعات البول وأعظم منه الخمر وإخوانها من النبيذ والفقاع والعصير إذا غلا ولم يذهب ثلثاه، ولحرمة الخمر ونجاستها عند الامامية من الغلظة والشدة ما ليس عند فرقة من المسلمين، فقد ورد في التحذير منها عن أئمتهم سلام الله عليهم أحاديث هائلة، وزواجر دامغة تشيب لها النواصي، ويرتجف منها أجرأ الناس على المعاصي،

[138]

وتكررت منهم لعنة الله على عاصرها وجابيها وبائعها وشاربها، وتعرف في شرعنا بام الخبائث.

وفي بعض أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يظهر منه حرمة الجلوس على مائدة وضع فيها قدح خمر، ولعل السر شدة الحذر والتحرزّ من أن يتطاير بخار منها يمس الطعام فيفسده أو يدخل في جوف الآكل ذرة من جراثيمها الخبيثة موادها الهالكة ولو بعد حين، وقد اهتدى العلم الحديث بعد الجد والجهد في تحليلها الكيماوي وتمحيصها الطبي إلى مضارّها التي أنبأ عنها الاسلام قبل ثلاثة عشر قرناً بدون كلفة ولا عناء فحرموا على أنفسهم ما يحرمه دينهم وتمنعه شريعتهم فلله شريعة الاسلام ما أشرفها، وأنبلها، وأدقها، وأجلها، وأفضلها، وأكملها، وخسرت صفقة المسلمين الذين أضاعوها فضاعوا، واستهانوا بها فهانوا، وعسى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً.

هذا مجمل القول في امهات الحلال والحرام من المأكول والمشروب، وهناك فروع كثيرة لا يتسع لشرحها صدر هذه الرسالة الوجيزة.

[139]

الحدود

عقوبات عاجلة على جنايات خاصة، الغرض منها حفظ نظام الاجتماع وقطع دابر الشر عن البشر.

حد الزنا

كل بالغ عاقل وطأ امرأة لا يحل له وطؤها شرعاً عالماً عامداً وجب على ولي الأمر أن يحدّه بمئة جلدة ثم بالرجم بالحجارة ان كان محصناً أي عنده من الحلال ما يسدّ حاجته وإن لم يكن فبالجلد وحده ويحلق رأسه وينفى من البلد سنة، ثم ان كانت راضية حدث أيضاً بهما ان كانت محصنة وإلا فبالجلد وحده وإذا زنى باحدى محارمه النسبية أو الرضاعية أو بامرأة أبيه أو بمسلمة وهو ذمي أو أُكره على الزنا بها كان حده القتل. ويثبت الزنا باقراره أربع مرات أو بأربعة شهود عدول أو ثلاثة رجال

[140]

وامرأتين ولو شهد رجلان وأربع نسوة ثبت الجلد دون الرجم، ولا يثبت بأقل من ذلك ولو شهد ثلاثة أو اثنان حدّ واحد القذف ويشترط اتفاق شهادتهم من كل وجه والمشاهدة عياناً ولو اقر بموجب الرجم ثم انكر سقط، ولو زنى ثالثاً بعد الحدين قتل، ولا تجلد الحامل حتى تضع، ولا المريض حتى يبرأ.

حد اللواط والسحق

لا شيء من المعاصي والكبائر أفظح حداً وأشد عقوبة من هذه الفاحشة والفعلة الخبيثة، حتى أن التعذيب بالاحراق لا يجوز بحال من الأحوال إلا في هذا المقام، وحد اللائط أحد امور يتخير ولي الأمر فيها القتل أو الرجم أو إلقاءه من شاهق تتكسر عظامه أو إحراقه بالنار ويقتل المفعول به أيضاً ان كان بالغاً مختاراً وان كان صغيراً عزّز ويثبت اللواط بما يثبت به الزنا وكذا السحق وتجلد كل من الفاعلة والمفعولة مئة جلدة ولا يبعد الرجم مع الاحصان ويجلد (القواد) خمسة وسبعين جلدة ويحلق رأسه ويشهر يثبت بشاهدين عدلين وبالاقرار مرتين.

[141]

حد القذف

يجب أن يحدّ المكلف إذا قذف المسلم البالغ العاقل الحر بما فيه حد كالزنا واللواط أو شرب الخمر بثمانين جلدة ويسقط ذلك بالبينة المصدقة أو يصدقه المقذوف ويثبت بشهادة العدلين أو الاقرار مرتين ولو واجهه بما يكره كالفاسق والفاجر والأجذم والأبرص وليست فيه كان حكمه التعزير، ومن ادعى النبوة أو سب النبي أو أحد الأئمة سلام الله عليهم فحكمه القتل.

حد المسكر

من شرب خمراً أو فقاعاً أو عصيراً قبل ذهاب ثلثيه أو أي نوع من المسكرات من أنواعه الحديثة أو القديمة عالماً عامداً بالغاً وجب أن يحد ثمانين جلدة عارياً على ظهره وكتفه، ولو تكرر الحد ولم يرتدع قتل في الرابعة ولو شربها مستحلاً فهو مرتد يجب قتله وبائع الخمر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

[142]

حد السرقة

إذا سرق الرجل البالغ العاقل من الحرز وهو المصون بقفل وصندوق أو نحو ذلك ما قيمته ربع مثقال من الذهب الخالص وجب بعد المرافعة عند الحاكم والثبوت بالاقرار مرتين أو البينة أن تقطع أصابع الأربع من يده اليمنيى فإن عاد بعد الحد قطعت رجله اليسرى من وسط القدم فان عاد ثالثاً خلد في السجن فإن سر ق فيه قتل ولو تكررت السرقة قبل الحد كفى حد واحد والطفل والمجنون يعزران والسارق يغرم ما سرق مطلقاً ويكتفي في الغرامة والإقرار مرة وشهادة العدل الواحد مع اليمين، والوالد لا يقطع بسرقة مال ولده والولد يقطع.

حد المحارب

كل من شهر سلاحاً في بلد أو بر أو بحر للإخافة والسلب والنهب وجب على ولي الأمر حده مخيراً بين قتله وصلبه وقطعه من خلاف بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو نفيه من الأرض وفق الآية الشريفة (إنما الذين يحاربون) إلى آخر وإذا

[143]

نفي الى بلد كتب بالمنع من مواكلته ومعاملته ومجالسته الى أن يتوب، واللص الذي يهجم على الدار محارب فإن قتل فدمه هدر، ومن كابر امرأة على عرضها أو غلاماً فلهما دفعه فإن قتلاه فدمه هدر ويعزر المختلس والمحتال وشاهد الحاكم الزور بما يراه من العقوبة التي يرتدع بها هو وغيره.

حدود مختلفة

ومن وطأ بهيمة وجب تعزيره فإن كان بالغاً وتكرر منه ذلك قتل في الرابعة، ثم ان كانت مأكولة اللحم حرم لحمها ولحم نسلها بعد الوطئ وتذبح وتحرق ويغرم قيمتها لصاحبها، ولو اشتبهت اخرجت بالقرعة، ولو كانت غير معدة للأكل كالخيل ونحوها بيعت في بلد آخر ويتصدق بثمنها ويغرم بصاحبها قيمتها ان لم تكن له ويثبت بشهادة العدلين أو الإقرار مرتين، ومن زنى بميتة كمن زنا بحية، وتغلظ العقوبة هنا، ولو كانت زوجته أو مملوكته عزر وللانسان أن يدافع عن نفسه وحريته وماله ما استطاع بالأسهل فان لم يندفع فبالأصعب متدرجاً، ومن اطلع على دار قوم فزجروه فلم ينزجر فرموه بحجارة أو نحوها فقضت عليه فدمه هدر.

[144]

القصاص والديات

قتل النفس المحرمة من أعظم الكبائر، وهو الفساد الكبير في الأرض، ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وكذا الجناية على طرف ثم ان الجناية مطلقاً على نفس أو طرف إما عمد، أو شبيه العمد، أو خطأ محض، والعمد واضح، وشبيه العمد أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده كمن قصد الفعل ولم يقصد القتل فقتل اتفاقاً فلو ضربه بما لا يقتل غالباً للتأديب فمات، أو سقاه دواء فقضى عليه فهو من شبيه العمد، وأما الخطأ المحض فهو ما لم يقصد فيه القتل ولا الفعل كمن رمى طائراً فأصاب أنساناً، أو رفع بندقيته فثارت وقتلت رجلاً، ومن أوضح أنواعه فعل النائم أو الساهي ا لذي لا قصد له أصلاً وفعل المجنون والصبي غير المميز بل والمميز لأن عمد الصبي خطأ شرعاً، ولو قصد رجلاً فأصاب آخر وكلاهما محقون الدم فهو عمد محض، أما لو كان القصد الى غير المحقون فأصاب المحقون فهو من شبه العمد، ولا فرق في جميع ذلك بين المباشرة والتسبيب إذاً أثر في انتساب الفعل اليه كما فرق في الإنفراد والإشتراك ولا قصاص

[145]

إلا في العمد المحض أما الخطأ وشبيه العمد ففيه الدية ويشترط في القصاص بلوغ الجاني وعقله فلا يقاد الصبي وإن بلغ عشراً ولا بمجنون وان كان ادوارياً إذا جنى حال جنونه فان عمدهما خطأ فيه الدية علىالعاقلة أما المجنى عليه فالأقوى اشتراط البلوغ والعقل فيه أيضاً قلو قتل البالغ صبياً فالدية وقيل يقاد به وكذا المجنون ويشترط اختياره ان كان في طرف أما في النفس فلا أثر للاكراه إذ لا تقية في الدماء فلو اكره على القتل قتل ويحبس المكره حتى يموت وأن يكون المجنى عليه معصوم النفس فلو كان ممن أباح الشارع دمه فلا قصاص وأن لا يكون الجاني أباً أو جداً وإن علا فإنه لا يقاد الأب أو الجد بل عليهما الدية لباقي الورثة ولا يقاد المسلم إلا بالمسلم كما لا يقاد الحر إلا بالحر ويقاد الحر بالحرة ويرد وليها على أهله نصف ديته لأن ديته ضعف ديتها وتقاد الحرة بالحر ولا يدفع أهلها لأن الجاني لا يجني بأكثر من نفسه.

ودية الحر المسلم مائة من الابل أو مئتان من البقر أو ألف شاة أو مائتا حلة كل حلة ثوبان أو ألف دينار (خمسمائة ليرة عثمانية) فإذا أرضى أولياء الدم بها سقط القصاص ووجب دفعها اليهم في مدة سنة وفي شبه العمد تتعين الدية وتستوفي مدة سنتين وكذلك في الخطأ ولكن في ثلاث سنوات كل سنة ثلث وجناية الطرف كقطع يده أو رجله أو فقأ عينه وما أشبه ذلك إن كانت عمداً فالقصاص (العين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص).

[146]

وإن كانت خطأ أو شبهة فلكل واحد من الأعضاء إما الدية أن نصفها أو أقل من النصف، وكل مفرد في الانسان كالأنف والذكر ففيه تمام الدية، وكل مثنى كالعينين واليدين والرجلين ففي واحد النصف وفي كليهما تمام الدية، والدية في شبه العمد على الجاني، وفي الخطأ على العاقلة والتفاصيل موكولة إلى الموسوعات، كما أننا لم نذكر كثيراً من كتب الفقه وأبوابه كالبيوع مثل السلف والصرف وبيع الثمار وبيع الحيوان ومثل الاجارة والرهن والعارية والمزارعة والمساقاة والضمان والحوالة والكفالة والاقرار والكفارات وكثير من أمثالها.

ولم يكن الغرض هنا إلا الإشارة واللمحة والنموذج والنفحة وما ذكرناه في هذه الوجيزة هو رؤوس عناوين من عقائد الامامية وفقهائها وهي أصغر صورة مصغرة تحكي عن معتقداتها ومناهجها في فروعها واصولها وقواعدها وأداتها وثقافة عقولها ومداركها وسعة علومها ومعارفها.

فيا علماء الدين، ويا رجال المسلمين، هل رأيتم فيما ذكرناه عن هذه الطائفة ما يوجب هدم الاسلام، أو ما هو مأخوذ من اليهودية والنصرانية أو المجوسية والزرادشتية.

وهل في شيء من تلك المباحث ما فيه شذوذ عن أصل قواعد الاسلام وخروج من منطقة الكتاب والسنة، ليحكم المنصفون منكم والعارفون، وليرتدع عن إفكهم الجاهلون.

وعسى أن يجمع الله الشمل ويلم الشعث وتزول الوحشة

[147]

ويتحد الاخوان، تحت راية القرآن، ويعيدوا مجدهم الغابر، وعزهم الداثر، وأنهم لن ينالوا ذلك ولن يبلغوا العز والحياة حتى يميتوا بينهم النزعات المذهبية، والنزعات الطائفية، ولا زلت أقول: يلزم أن تكون المذاهب عندنا محترمة ونحن فوق المذاهب، نعم وفوق ذلك كله ما هو البذرة والنواة لحياة الامم، هو أن يخلص كل لأخيه المودة ويبدله المحبة، ويشاركه في المنفعة، فينفعه وينتفع به، ولا يستبد ويستأثر عليه فيحب لأخيه ما يحب لنفسه، جداً وحقيقة، لا مخادعة ومخاتلة.

وتحقق هذه السجايا بحقائقها وإن أوشك أن يعد ضرباً من الخيال ونوعاً من المحال ولكن ليس هو على الله بعزيز ولا يأس من روح الله وأن يبعث في هذه ا لامة اليائسة من لدنه روحاً جديدة فتحيا بعد الموت وتبصر بعد العمى وتصحو بعد السكر إن شاء الله تعالى.

[148]

الخاتمة

مما يشنع به الناس على الشيعة ويزدري به عليهم أيضاً أمران:

 

البداء

(الأول): قولهم بـ (البداء) تخيلاً من المشنعين أن البداء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عز شأنه أمراً لم يكن عالماً به، وهل هذا إلا الجهل الشنيع والكفر الفظيع، لاستلزامه الجهل على الله تعالى وإنه محل للحوادث والتغيرات فيخرج من حظيرة الوجوب إلى مكانة الإمكان، وحاشا (الإمامية) بل وسائر فرق الإسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة بل الضلالة، اللهم إلا ما ينسب إلى بعض المجسمة من المقالات التي هي أشبه بالخرافات منها بالديانات، حتى قال بعضهم فيما ينسب إليه: (اعفوني عن الفرج واللحية وأسألوني عما شئتم)، أما البداء الذي تقول به الشيعة والذي هو من أسرار آل محمد (ص) وغامض علومهم حتى ورد في أخبارهم الشريفة

[149]

أنه : (ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء)، وأنه: (ما عرف الله حق معرفته ولم يعرف بالبداء)، الى كثير من أمثال ذلك، فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو والأثبات وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين فيخبر الملك به النبي والنبي يخبر به امته لم يقع بعد ذلك خلافه لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره وكل ذلك كان جلّت عظمته يعلمه حق العلم ولكن في علمه المخزون ا لمصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه القرآن الكريم (بام الكتاب) المشار اليه وإلى المقام الأول بقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)، ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع فإن في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب، و(بالجملة) فالبداء في عالم التكوين، كالنسخ في عالم التشريع.

فكما أن لنسخ الحكم وتبديله بحكم آخر مصالح وأسراراً بعضها غامض وبعضها ظاهر فكذلك في الإخفاء والإبداء في عالم التكوين، على أن قسماً من البداء يكون من إطلاع النفوس المتصلة بالملأ الأعلى على الشيء وعدم اطلاعها على شرطه أو مانعه (مثلاً) اطلع عيسى (ع) أن العروس يموت ليلة زفافه ولكن لم يطلع على أن ذلك مشروط بعدم صدقة أهله.

[150]

فاتفق أن امه تصدقت عنه وكان عيسى (ع) أخبر بموته ليلة عرسه فلم يمت وسئل عن ذلك فقال لعلكم تصدّقتم عنه والصدقة قد تدفع البلاء المبرم.

وهكذا نظائرها وقد تكون الفائدة لامتحان وتوطين النفس كما في قضية أمر إبراهيم بذبح اسماعيل، ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة ولا للدعاء ولا للشفاعة ولا لبكاء الأنبياء والأولياء وشدة خوفهم وحذرهم من الله مع أنهم لم يخالفوه طرفة عين، إنما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يطلع عليه أحد ومنه يكون البداء وقد بسطنا بعض الكلام في البداء وأضرابه من القضاء والقدر ولوح المحو والأثبات في الجزء الأول من كتابنا (الدين والاسلام) فراجع إذا شئت.

 

التقية

(الثاني): من الامور التي يشنع بها بعض الناس على الشيعة ويزدري عليهم بها قولهم (بالتقية) جهلاً منهم أيضاً بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها ولو تثبتوا من الأمر وتريثوا في الحكم وصبروا وتبصروا لعرفوا أن التقية التي تقول بها الشيعة لا تختص بهم ولم ينفرودا بها بل هو أمر ضرورة العقل وعليه جبلة الطباع وغرائز البشر وشريعة الاسلام في اسس أحكامها وجوهريات مشروعيتها تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب وكتفاً الى كتف رائدها العلم وقائدها العقل ولا تنفك عنهما قيد شعرة، ومن ضرورة العقول وغرائز النفوس أن كل انسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته وهي أعز الأشياء عليه وأحبها

[151]

إليه، نعم قد يهون بذلها في سبيل الشرف وحفظ الكرامة وصيانة الحق ومهانة الباطل، أن في غير أمثال هذه المقاصد الشريفة والغايات المقدسة فالتعزير بها وإلقاؤها في مظان الهلكة ومواطن الخطر سفه وحماقة لا يرتضيه عقل ولا شرع، وقد أجازت شريعة الاسلام المقدسة للمسلم في مواطن الخوف على نفسه أو عرضه إخفاء الحق والعمل به سراً ريثما تنتصر دولة الحق وتغلب على الباطل كما أشار اليه جل شأنه: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، وقوله: (إلأ من أُكره وقبله مطمئن بالإيمان) وقصة عمار وأبويه وتعذيب المشركين لهم ولجماعة من الصحابة وحملهم لهم على الشرك وإظهارهم الكفر مشهورة والعمل وبالتقية له أحكامه الثلاثة، فتارة يجب كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة، اخرى يكون رخصة كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له فله أن يضحي بنفسه وله أن يحافظ عليها، وثالثة يحرم العمل بها كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل، وإضلال الخلق، وإحياء الظلم والجور ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة ضاحية وتعرف أن اللوم والتعبير بالتقية (ان كانت تستحق اللوم والتعبير).

ليس على الشيعة بل على من سلبهم موهبة الحرية، وألجأهم الى العمل بالتقية.

تغلب معاوية على الامة وابتزها الامرة عليها بغير رضا وصار يتلاعب بالشريعة الاسلامية حسب أهوائه، وجعل يتتبع شيعة

[152]

علي ويقتلهم تحت كل حجر ويأخذ على الظنة والتهمة، وسارت على طريقه العوجاء وسياسته الخرقاء الدولة المروانية، ثم جاءت العباسية فزادت على ذلك بنغمات اضطرت الشيعة الى كتمان أمرها تارة والتظاهر به اخرى زنة ما تقتضيه مناصرة الحق ومكافحة الضلال وما يحصل به إتمام الحجة وكي لا تعمى سبل الحق بتاتاً عن الخلق، ولذا تجد الكثير من رجالات الشيعة وعظمائهم سحقوا التقية تحت أقدامهم وقدّموا هياكلهم المقدسة قرابين للحق على مشانق البغي وأضاحي في مجازر الجور والغي، أهل استحضرت ذاكرتك شهداء (مرج عذراء)، قرية من قرى الشام، وهم أربعة عشر من رجال الشيعة ورئيسهم ذلك الصحابي الذي أنهكه الورع والعبادة (حجر بن عدي الكندي) الذي كان من القادة في فتح الشام.

قتلهم معاوية صبراً ثم صار يقول: ما قتلت أحداً إلا وأنا أعرف فيما قتلته خلا حجر، فإني لا أعرف بأي ذنب قتلته، نعم، وأنا أعرف من معاوية بذنب حجر، ذنبه ترك العمل بالتقية وغرضه اعلان ضلال بني امية ومقدار علاقتهم من الدين وهل تذكرت الصحابي الجليل (عمرو بن حمق الخزاعي) و (عبد الرحمن بن حسان العنزي) الذي دفنه زياد في (قس الناطف حياً)؟

أتراك تذكرت ميثم التمار، ورشيد الهجري، وعبد الله بن يقطر الذي شنقهم ابن زياد في كناسة الكوفة، هؤلاء والمئات

[153]

من أمثالهم هانت عليهم نفوسهم العزيزة في سبيل الحق ونطحوا صخرة الباطل وما تهشمت رؤسهم حتى هشموها وما عرفوا أين زرع التقية وأين واديها، بل لضاعت العمل لها حراماً عليهم، ولو سكتوا عملوا بالتقية وجدوا البقية من الحق وأصبح دين الاسلام دين معاوية ويزيد وزياد وابن زياد دين المكر، دين الغدر، دين النفاق، دين الخداع، دين كل رذيلة، وأين هذا من دين الاسلام الذي هو دين كل فضيلة، اولئك ضحايا الاسلام وقرابين الحق، ولايغيبن عنك ذكر (الحسين) وأصحابة سلام الله عليهم الذين هم سادة الشهداء، وقادة أهل الإباء.

نعم. . . هؤلاء وجدوا العمل بالتقية حراماً عليهم، وقد يجد غيرهم العمل بها واجباً ويجد الآخرون العمل بها رخصة وجوازاً، حسب اختلاف المقامات وخصوصيات يخطر على بالي من بعض المرويات أن مسيلمة الكذاب ظفر برجلين من المسلمين فقال لهما: إشهدا أني رسول الله، فقال أحدهما: أشهد أن محمداً رسول الله وإنك مسيلمة الكذاب، فقتله، فشهد الآخر بما أراد منه فأطلقه، ولما بلغ خبرهما الى النبي (ص) قال: أما الأول فقد تعجل الرواح الى الجنة، وأما الآخر فقد أخذ بالرخصة ولكل أجره.

فيا أيها المسلمون لا تحرجوا إخوانكم الى العمل بالتقية وتعيروهم بها، ونسأله تعالى أن يختم لنا ولكم بالحسنى ويجمع كلمتنا على الحق والهدى ان شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[154]

المؤلف في سطور

* ولد رحمه الله في مدنية النجف الاشرف في العراق مهد العلم والثقافة سنة 1295 م - 1876 هـ.

* نشأ وترعرع في عائلة علمية عريقة، وبعد أن أكمل دراسته الأولية تلقى علومه من فطاحل العلماء الكبار في النجف، وتلمذ في الفقه على الحاج آقا رضا الهمداني صاحب كتاب الطهارة والصلوة، والسيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة وغيرهما، وفي الاصول على العلامة الشيخ كاظم الخراساني صاحب الكفاية، وفي الحديث على الميزرا حسين النوري، وفي الكلام والحكمة على الشيخ أحمد الشيرازي، والميرزا محمد باقر الاصطهباناتي وغيرهما.

* أصبح مرجعاً من مراجع الشيعة في النجف بين سنة 1965 - 1973 م.

[155]

* له رحلات عديدة وخطابات تاريخية مهمة في كل من القاهرة والقدس وسوريا وايران والباكستان ففي سنة 1367 هـ سافر الى السعودية لأداء فريضة الحج، وفي سنة 1350 هـ سافر الى فلسطين لحضور المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في مدينة القدس، وفي سنة 1369 سافر الى ايران واجتمع مع زعماء الشيعة هناك بعد أن زار الامام الرضا (ع)، وفي سنة 1371 هـ دعته الحكومة الباكستانية لحضور المؤتمر الاسلامي هناك، وقد دعته الحكومة اللبنانية أيضاً لحضور المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في بحمدون.

* له مؤلفات ومقالات كثيرة أشهرها كتاب الدين والاسلام، وأصل الشيعة واصولها، والمثل العليا في الاسلام لا في بحمدون.

* من أقواله: الإنسان:آراؤه وأفكاره لا صورته وأعضائه.

* توفي في ايران سنة 1973 م يوم الاثنين 18 ذو القعدة الحرام ونقل جثمانه الطاهر الى مقره الأخير في النجف الأشرف ودفن هناك في مقبرة وادي السلام رحمة الله عليه.

الناشر