الصلاة

هي عند الإمامية بل عند عامة المسلمين عمود الدين والصلة بين العبد والرب ومعراج الوصول إليه، فإذا ترك الصلاة فقد انقطعت الصلة بينه وبين ربه، ولذا ورد في أخبار أهل البيت أنه ليس بين المسلم وبين الكفر بالله العظيم إلا ترك فريضة أو فريضتين وعلى أيٍّ فإن للصلاة بحسب الشريعة الإسلامية مقاماً من الأهمية لا يوازيه شيء من العبادات، وإجماع الإمامية على أن تارك الصلاة فاسق لا حرمة له قد انقطعت من الإسلام عصمته وذهبت أمانته وحلت غيبته، وأمرها عندهم مبنى على الشدة جداً، والواجب منها بحسب أصل الشرع خمسة أنواع: الفرائض اليومية، صلاة الجمعة، صلاة العيدين، صلاة الآيات وصلاة الطواف وقد يوجبها المكلف على نفسه بسبب من نذر أو يمين أو استئجار، وما عدا ذلك فالنوافل.

وأهمّ النوافل عندنا (الرواتب) يعني رواتب اليوم والليلة وهي ضعف الفرائض التي هي سبع عشرة ركعة فمجموع الفرائض والنوافل في اليوم والليلة عند الشيعة إحدى وخمسون وخطر على بالي هنا ذكر:

[83]

طريفة

أوردها الراغب الاصفهاني في كتاب (المحاضرات) وهي من الكتب القيمة الممتعة قال: كان باصبهان رجل يقال له الكناني في أيام أحمد بن عبد العزيز وكان يتعلم أحمد منه الإمامة فاتفق أن تطلعت أم أحمد يوماً فقالت يا فاعل جعلت أبني رافضياً، فقال الكناني يا ضعيفة العقل! الرافضة تصلي كل يوم إحدى وخمسين ركعة وابنك لا يصلي في كل أحد وخمسين يوماً ركعة واحدة فأين هو عن الرافضة.

ويليها في الفضل أو الأهمية نوافل شهر رمضان وهي الف ركعة زيادة عن النوافل اليومية، وهي كما عند إخواننا من أهل السنة سوى أن الشيعة لا يرون مشروعية الجماعة فيها (إذ لا جماعة إلا في فرض) والسنة يصلونها جماعة وهي المعروفة عندهم بالتراويح.

وباقي الفرائض كالجمعة، والعيدين والآيات وغيرهما كيفية النوافل قد استوفت كتب الإمامية بيانهاعلى غاية البسط وتزيد المؤلفات فيها على عشرات الالوف ولها أوراد وأدعية وآداب وأذكار مخصوصة قد أفردت بالتأليف ولا يأتي عليها الحصر والعدّ.

ولكن تتحصل ماهية الصلاة الصحيحة عندنا شرعاً من أُمور ثلاثة:

[84]

(الاول) الشروط وهي أوصاف تقارنها واعتبارات تنتزع من أُمور خارجة عنها وأركان الشروط التي تبطل بدونها مطلقاً ستة: الطهارة، الوقت، القبلة، الساتر، النية، أما المكان فليس من الأركان وإن كان ضرورياً ويشترط إباحته وطهارة موضع السجود.

(الثاني) أجزاؤها الوجودية التي تتركب الصلاة منها وهي نوعان ركن تبطل بدونه مطلقاً وهو أربعة: تكبيرة الاحرام، والقيام والركوع والسجود، وغير ركن وهي: القراءة والذكر، والتشهد، والتسليم، والطمأنينة معتبرة في الجميع، والاذان والإقامة مستحبان مؤكدان بل الأخير وجوبه قوي مع السعة.

(الثالث) الموانع وهي أمور بوجودها تبطل الصلاة وهي أيضاً نوعان: ركن تبطل به مطلقاً وهو الحدث والاستدبار والعمل الكثير الماحي لصورتها وغير ركن تبطل بوجوده عمداً فقط وهوالكلام، والضحك - بصوت - والبكاء كذلك والإلتفات يميناً وشمالاً، والأكل، والشرب.

والطهارة: وضوء وغسل ولكل منهما أسباب توجبها وإذا لم يتمكن منهما إما لعدم وجود الماء أو لعدم التمكن من استعماله لمرض أو برد شديد أو ضيق وقت فبدلهما التيمم (فتيمموا صعيداً طيباً) واختلف الفقهاء واللغويون في معنى الصعيد، فقيل خصوص التراب وقيل مطلق وجه الأرض فيشمل الحصى والرمل

[85]

والصخور والمعادن قبل الأحراق ويجوز السجود عليها وهذا هو الأصح، وهذا موجز من الكلام في الصلاة وفيها أبحاث جليلة وطويلة تستوعب المجلدات الضخمة.

الصوم

هو عند الإمامية ركن من أركان الشريعة الإسلامية وينقسم من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: (واجب) وهو قسمان: واجب بأصل الشرع وهو صوم شهر رمضان، وواجب بسبب كصوك الكفارة وبدل الهدي والنيابة والنذر ونحوها. (ومستحب): كصوم رجب وشعبان ونحوهما وهو كثير. (حرام): كصوم العيدين وأيام التشريق - قيل - ومكروه كصوم يوم عرفة وعاشوراء وهو نسبي، وللصوم شروط وموانع وآداب وأذكار مذكورة في محلها وقد ألفت الإمامية فيه أُلوف المؤلفات، والتزام الشيعة بصيام شهر رمضان قد تجاوز الحد حتى أن الكثير منهم يشرف على الموت من مرض أو عطش وهو لا يترك الصيام، فالصلاة والصوم هما العبادة البدنية المحضة.

الزكاة

هي عند الشيعة تالية الصلاة بل في بعض الأخبار عن (أئمة

[86]

الهدى) ما مضمونه: إن من لا زكاة له لا صلاة له وتجب عندهم كما عند عامة المسلمين في تسعة أشياء الأنعام الثلاثة: الإبل، البقر، الغنم، وفي الغلات الأربع: الحنطة، الشعير، التمر، الزبيب، وفي النقدين الذهب والفضة وتستحب في مال التجارة وفي الخيل، وفي كل ما تبنته الأرض من الحبوب: كالعدس، والفول وأمثالها ولكل من الوجوب والإستحباب شروط وقيود مفصلة في محالها ولا شيء منها إلا وهو موافق لمذهب من المذاهب المعروفة: الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي، ومصرفها ما ذكره جلّ شأنه في آية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) إلى آخرها.

زكاة الفطر

وهي تجب على كل إنسان بالغ عاقل غني، عن نفسه وعمن يعول به من صغير أو كبير حر أو مملوك، وقدرها عن كل إنسان صاع من حنطة أو شعير أو تمر أو نحوهما مما يحصل به القوت ومذهب الشيعة هنا لا يخالف مذاهب السنة في شيء.

الخمس

ويجب عندنا في سبعة أشياء: غنائم دار الحرب، الغوص،

[87]

الكنز، المعدن، أرباح المكاسب، الحلال المختلط بالحرام، الأرض المنتقلة من المسلم إلى الذمي والأصل فيه قوله تعالى (وأعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) إلى آخرها والخمس عندنا حق فرضه الله لآل محمد صلوات الله عليه وعليهم عوض الصدقة التي حرّمها عليهم من زكاة الأموال والأبدان ويقسّم ستة سهام ثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى، وهذه السهام يجب دفعها إلى الإمام إن كان ظاهراً، وإلى نائبه و (هو المجتهد العادل) إن كان غائباً، يدفع إلى نائبه في حفظ الشريعة وسدانة الملة. ويصرفه على مهمات الدين، ومساعدة الضعفاء والمساكين، لا كما قال محمد الآلوسي في تفسيره مستهزئاً (ينبغي أن توضع هذه السهام في مثل هذه الأيام في السرداب) مشيراً إلى ما يرمون به الشيعة من أن الإمام غاب فيه، وقد أوضحنا غير مرة أن من الأغلاط الشائعة عند القوم من سلفهم إلى خلفهم وإلى اليوم زعمهم أن الشيعة يعتقدون غيبة الإمام في السرداب مع أن السرداب لا علاقة له بغيبة الإمام أصلاً وإنما تزوره الشيعة وتؤدي بعض المراسم العبادية فيه لأنه موضع تهجد الإمام وآبائه العسكريين ومحل قيامهم في الأسحار لعبادة الحق جل شأنه.

أما الثلاثة الاخرى فهو حق المحاويج والفقراء من بني هاشم عوض ما حرّم عليهم من الزكاة، هذا حكم الخمس عند الإمامية من زمن النبي إلى اليوم ولكن القوم بعد رسول الله (ص)

[88]

منعوا الخمس عن بني هاشم وأضافوه إلى بيت المال وبقي بنو هاشم لا خمس لهم ولا زكاة، ولعلّ لهذا أشار الإمام الشافعي (رحمه الله) حيث يقول في كتاب (الام) صفحة 69: فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئاً قل أو كثر ولا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم، إلى أن قال: وليس منعهم حقهم في الخمس لهم ما حرّم عليهم من الصدقة، انتهى.

ومن جهة سقوطه عندهم لا تجد له عنواناً وباباً في كتب فقهائهم حتى الشافعي في كتابه بخلاف الإمامية فإنه ما من كتاب فقه لهم صغير أو كبير إلا للخمس فيه عنوان مستقل كالزكاة غيرها(1). فالزكاة والخمس هما العبادة المالية المحضة، وأما المشتركة بينهما فالحج والجهاد.

الحج

من أعظم دعائم الإسلام عند الشيعة، وأهم أركانه،

________________________________________________

(1) نعم ذكر الحافظ الثبت أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي سنة 225 في كتابه (كتاب الأموال) الذي هو من أهم الكتب ونفائس الآثار - ذكر كتاب الخمس مفصلاً والأصناف التي يجب الخمس فيها ومصرفه وسائر أحكامه وأكثر ما ذكره موافق لما هو المشهور عند الإمامية - فليراجع من شاء من صفحة 303 إلى 349.

[89]

ويتخير تاركه بين أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وتركه على حدّ الكفر بالله كما يشير إليه قوله تعالى: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وهو نوع من الجهاد بالمال والبدن حقيقة بل الحج جهاد معنوي والجهاد حج حقيقي. وبامعان النظر فيهما يعلم وجه الوحدة بينهما وبعد توفر الشرائط العامة في الأنسان كالبلوغ، والعقل، والحرية، وخاصة كالأستطاعة بوجدان الزاد والراحلة وصحة البدن، وأمن الطريق، يجب الحج في العمر مرة واحدة فوراً، وهو ثلاثة أنواع: (إفراد) وهو المشار إليه بقوله تعالى: -ولله على الناس حج البيت- و (قِران) وهو المراد بقوله تعالى: -وأتموا الحج والعمرة لله- و (تمتع) وهو المعنى بقوله جلّ وعلا -فمن تمتع بالعمرة إلى الحج-. ولكل واحدٍ منها مباحث وفيرة، وأحكام كثيرة، موكولة إلى محالها من الكتب المطوّلة، وقد سيرت عدّة مؤلفات في الحج لعلماء السنة فوجدتها موافقة في الغالب لأكثر ما في كتب الإمامية لا تختلف عنها إلا في الشاذ النادر، والتزام الشيعة بالحج لا يزال في غاية الشدة وكان يحج منهم كل سنة مئات الالوف مع ما كانوا يلاقونه من المهالك والأخطار من اناس يستحلون أموالهم ودماءهم وأعراضهم ولم يكن شيء من ذلك يقعد بهم عن القيام بذلك الواجب والمبادرة إليه وبذل المال والنفس في سبيله وهم مع ذلك كله -ويا للأسف- يريدون هدم الإسلام؟!

[90]

الجهاد

وهو حجر الزاوية من بناء هيكل الإسلام وعموده الذي قامت عليه سرادقه، واتسعت مناطقه، وامتدت طرائفه ولولا الجهاد لما كان الإسلام رحمة للعالمين وبركة على الخلق أجمعين.

والجهاد هو مكافحة العدو ومقاومة الظلم والفساد في الأرض بالنفوس والأموال والتضحية والمفادات للحق.

والجهاد عندنا على قسمين: (الجهاد الأكبر) بمقاومة العدو الداخلي وهو (النفس) ومكافحة صفاتها الذميمة وأخلاقها الرذيلة من الجهل، والجبن، والجور، والظلم، والكبر، والغرور، والحسد، والشحّ، إلى آخر ما هناك من نظائرها (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك).

(والجهاد الأصغر) هو مقاومة العدو الخارجي، عدو الحق، عدو العدل، عدو الصلاح، عدو الفضيلة، عدو الدين.

ولصعوبة معالجة النفس وانتزاع صفاتها الذميمة وغرائزها المستحكمة فيها والمطبوعة عليها، سمي النبي (ص) هذا النوع في بعض كلماته (بالجهاد الاكبر) ولم يزل هو وأصحابه رضوان الله عليهم طول حياته وحياتهم مشغولين بالجهادين حق بلغ الإسلام إلى أسمى مبالغ العزّ والمجد.

ولو أردنا أن نطلق عنان البيان للقلم في تصوير ما كان عليه

[91]

الجهاد بالأمس عند المسلمين وما صار اليوم لتفجّرت العيون دماً، ولتمزّقت القلوب أسفاً وندماً، ولتسابقت العبرات والعبارات والكلوم والكلمات ولكن! أتراك فطنت لما حبس قلمي ولوي عناني وأجج لوعتي وأهاج أحزاني وسلبني حتى حرية القول ونفثة المصدور وبثة المجمور:

فدع عنك نهباً صيح في حجراته *** ولكن حديث ما، حديث الرواحل

حديث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الذي هو من أهم الواجبات شرعاً وعقلاً وهو أساس من أُسس دين الإسلام، وهو من أفضل العبادات، وأنبل الطاعات وهو باب من أبواب الجهاد، والدعوة إلى الحق، والدعاية إلى الهدى، ومقاومة الضلال والباطل، والذي ما تركه قوم إلا وضربهم الله بالذل وألبسهم لباس البؤس وجعلهم فريسة لكل غاشم وطعمة كل ظالم، وقد ورد من صاحب الشريعة الإسلامية وأئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم في الحث عليه والتحذير من تركه وبيان المفاسد والمضار في أهماله ما يقصم الظهور ويقطع الأعناق والمحاذير التي أنذرها ونابها عند التوكل والتخاذل في شأن هذا

[92]

الواجب قد أصبحنا نراها عياناً ولا نحتاج عليها دليلاً ولا برهاناً، ويا ليت الآمر وقف عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتجاوزه إلى أن يصير المنكر معروفاً والمعروف منكراً ويصير الآمر بالمعروف تاركاً له والناهي عن المنكر عاملاً به، فإنا لله وإنا إليه راجعون (ظهر الفساد في البر والبحر) فلا منكر مغير ولا زاجر مزدجر لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له الناهين عن المنكر العاملين به(1).

هذه أمهات العبادات عند الإمامية طبق الشريعة الإسلامية إكتفينا منها بالإشارة والعنوان وتفاصيلها على عدة مؤلفات

____________________________________________

(1) ولله دين الإسلام ما أوسعه وأجمعه لقوانين السياسة الدينية والمدنية وأسباب الرقي والسعادة، ولما جعل الشارع الأحكام ووضع الحدود والقيود للبشر والأوامر والنواهي بمنزلة القوة التشريعية احتاج ذلك إلى قوة تنفيذية فجعل التنفيذ على المسلمين جميعاً حيث أوجب على كل مسلم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليكون كل واحد قوة تنفيذية لتلك الأحكام فكلكم راع وكلكم مسؤول، والجميع مسيطر على الجميع فإذا لم تنجع هذه القوة ولم يحصل الغرض منها يحمل الناس على الخير وكفهم عن الشر فهناك ولاية ولي الأمر والراعي العام والمسؤول المطلق وهو الامام أو السلطان المنصوب لاقامة الحدود علىالمجرمين وحفظ ثغور المسلمين وفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل به من الفوائد والثمرات وعظيم الآثار ما يضيق عنه نطاق البيان في هذا المقام ولكن هل تجد مثل هذه السياسة في دين من الأديان؟ وهل تجد أعظم وأدق من هذه الفلسفة أن يكون كل إنسان رقيباً على الآخر ومهيمناً عليه؟ وعلى كل واحد واجبات ثلاثة: أن يتعلم ويعمل، وأن يعلم، وأن يبعث غيره على العلم والعمل، فتأمل واعجب بعظمة هذا الدين وأعظم من ذلك واعجب من حالة أهليه اليوم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

[93]

أصحابنا من الصدر الأول إلى اليوم الموجود منها في هذا العصر فضلاً عن المفقود ينوف على مئات الالوف.

 

أما المعاملات:

وهي ما يتوقف على طرفين موجب وقابل فتارة يكون المقصد المهم منها المال وهي عقود المعاوضات وهي على قسمين:

العقود اللازمة: كالبيع، والإجارة، والصلح، والرهن، والهبة المعوّضة وما إلى ذلك من نظائرها وهي عقود المغابنات والعقود الجائزة كالقرض، والهبة غير المعوّضة، والجعالة وأضرابها والكل مشروح في كتب الفقه في متونها وشروحها وأُصولها وفروعها وقواعدها وأدلتها من مطولات ومختصرات.

ولكن أصحابنا رضوان الله اليهم لا يحيدون قيد شعرة في شيء من أحكام تلك المعاملات، كما لا يحيد في العبادات أيضاً عن الكتاب والسنة والقواعد المستفادة منها من استصحاب وغيره - ولا يحل عندنا اكتساب المال إلا من طرقه المشروعة بتجارة أو إجارة أو صناعة أو زراعة أو نحو ذلك ولا يحل بالغصب ولا بالزنا ولا بالخيانة ولا بالغش ولا التدليس، ولا تحل عندنا الخديعة للكافر فضلاً عن المسلم، كما يجب الأمانة، ولا تحل خيانة الكافر فيها فضلاً عن المسلم.

وتارة تكون الغرض المهم ليس هو المال وأن تضمن المال وذلك كعقود الزواج الذي يقصد منه النسل ونظام العائلة وبقاء النوع وهو عندنا قسمان: (عقد الدوام) وهو الزواج المطلق

[94]

والعقد المرسل (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم).

نكاح المتعة

و(عقد الانقطاع) وهو الزواج المقيد والنكاح الموقت، والأول هو الذي اتفقت عليه عامة المسلمين، وأما الثاني ويعرف (بنكاح المتعة) المصرّح به في الكتاب الكريم بقوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) فهو الذي انفردت به الإمامية من بين سائر فرق المسلمين بالقول بجوازه وبقاء مشروعيته إلى الأبد، ولا يزال النزاع محتدماً فيه بين الفريقين من زمن الصحابة إلى اليوم، وحيث أن المسألة لها مقام من الإهتمام فجدير أن نعطيها ولو بعض ما تستحق من البحث إنارة للحقيقة وطلباً للصواب.

فنقول: إن من ضروريات مذهب الإسلام التي لا ينكرها من له أدنى إلمام بشرائع هذا الدين الحنيف - أن المتعة - بمعنى العقد إلى أجل مسمى، قد شرعها رسول الله (ص) وأباحها وعمل بها جماعة من الصحابة في حياته، بل وبعد وفاته، وقد اتفق المفسرون أن جماعة من عظماء الصحابة كعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهم كانوا يفتون بإباحتها ويقرأون الآية المتقدمة هكذا: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ومما ينبغي القطع به أن ليس مرادهم التحريف في كتابه جلّ شأنه والنقص منه (معاذ الله) بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الذي أخذوه من الصادع بالوحي ومن أنزل عليه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه الروايات التي أوردها ابن جرير في تفسيره الكبير

[95]

وان كانت ظاهرة في أنها من صلب القرآن المنزل حيث يقول أبو نصيرة: قرأت هذه الآية على ابن عباس فقا إلى أجل مسمى. فقلت ما أقرأها كذلك قال والله لأنزلها الله كذلك (ثلاث مرات) ولكن يجل مقام حبر الامة عن هذه الوصمة فلا بدّ أن يكون مراده أن صحّت الرواية إن الله أنزل تفسيرها كذلك.

(وعلى أي) فالإجماع بل الضرورة في الإسلام قائمة على ثبوت مشروعيتها وتحقق العمل بها غاية ما هناك أن المانعين يدعون أنها نسخت وحرمت بعد ما أُبيحت وحصل هنا الاضطراب في النقل والإختلاف الذي لا يفيد ظناً فضلاً عن القطع ومعلوم حسب قواعد الفن إن الحكم القطعي لا ينسخه إلا دليل قطعي.

فتارة يزعمون أنها نسخت بالسنة وأن النبي حرّمها بعد ما أباحها، وأُخرى يزعمون أنها قد نسخت بالكتاب وهنا وقع الخلاف والإختلاف أيضاً فبين قائل أنها نسخت بآية الطلاق (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وآخر يقول: نسختها آية مواريث الأزواج (لكم نصف ما ترك أزواجكم) وأجدني في غنى عن بيان بطلان هذه الآيات وتلك الآية حتى يكون بعضها ناسخاً لبعض وسيأتي له مزيد توضيح في بيان أنها زوجة حقيقية ولها جميع أحكامها.

نعم يقول الأكثر منهم أنها منسوخة بآية (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) حيث حضرت الآية

[96]

أسباب حلية الوطأ بأمرين : الزوجية، وملك اليمين، قال الآلوسي في تفسيره: ليس للشيعة أن يقولوا أن المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه، أو زوجة لانتفاء لوازم الزوجية كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، انتهى، وما أدحضها من حجة. (أما أولاً) فإن أراد لزومها غالباً فهو مسلم ولا يجديه وإن أراد لزومها دائماً وأنها لا تنفك عن الزوجية فهو ممنوع أشدّ المنع ففي الشرع مواضع كثيرة لا ترث فيها الزوجة الكافرة، والقاتلة، والمعقود عليها في المرض إذا مات زوجها فيه قبل الدخول كما أنها قد ترث حق الزوجة مع خروجها عن العدة قبل انقضاء الحول إذاً فالإرث لا يلازم الزوجية طرداً ولا عكساً. (وأما ثانياً) فلو سلمنا الملازمة ولكن إرث المتمتع بها ممنوع فقيل بأنها ترث مطلقاً وقيل ترث إلا مع شرط العدم، والتحقيق حسب قواعد الإستنباط ومقتضى الجمع بين الآيتين ان المتمتع بها زوجة يترتب عليها آثار الزوجة إلا ما خرج بالدليل القاطع.

أما العدة فهي ثابتة لها بإجماع الإمامية قولاً واحداً بل وعند كل من قال بمشروعيتها، أما النفقة فليست من لوازم الزوجية فإن الناشز زوجة ولا تجب نفقتها إجماعاً، أما الطلاق فهبة المدة تغني عنه ولا حاجة إليه.

(وأما ثالثاً) فنسخ آية المتعة بآية الأزواج مستحيل لأن آية المتعة في سورة النساء وهي مدنية، وآية الأزواج في سورة المؤمنين والمعارج وكلاهما مكيتان، ويستحيل تقدم الناسخ على المنسوخ.

[97]

 (وأما رابعاً) فقد روى جماعة من أكابر علماء السنة أن آية المتعة غير منسوخة منهم الزمخشري في (الكشاف) حيث نقل عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات، ونقل غيره أن الحكم ابن عيينة سئل: أن آية المتعة هل هي منسوخة؟ فقال لا.

"والخلاصة " أن القوم بعد اعترافهم قاطبة بالمشروعية ادّعوا أنها منسوخة فزعموا تارة نسخ آية بآية وقد عرفت حاله، واخرى نسخ آية بحديث واستشهدوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم أن النبي (ص) نهى عنها وعن الحمر الأهلية في فتح مكة أو فتح خيبر أو غزوة أوطاس، وهنا اضطربت القضية اضطاباً غريباً وتلوّنت ألواناً وتنوّعت أنواعاً وجاء الخلف والاختلاف، واسع الأكتاف، فقد حكي عن القاضي عياض أن بعضهم قال ان هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين.

ولكن من توسع في تصفح أسفارهم، ومأثور أحاديثهم وأخبارهم يجد القضية أوسع بكثير، ففي بعضها أن النسخ كان في حجة الوداع العاشرة من الهجرة -واخرى- إنه في غزوة تبوك التاسعة من الهجرة، وقيل في غزوة أوطاس أو غزوة حنين وهما في الثامنة في شوال، وقيل يوم فتح مكة وهو في شهر رمضان من الثامنة أيضاً، وقالوا إنه إباحها في فتح مكة ثم

[98]

حرّمها هناك بعد أيام، والشائع وعليه الأكثر أنه نسخها في غزوة خيبر السابعة من الهجرة أو في -عمرة القضاء- وهي في ذي الحجة من تلك السنة، ومن كل هذه المزاعم يلزم أن تكون قد ابيحت ونسخت خمس أو ست مرات لا مرتين أو ثلاث كما ذكره النووي وغيره في (شرح مسلم) فما هذا التلاعب بالدين يا علماء المسلمين؟ وبعد هذا كله، فهل يبقى قدر جناح بعوضة من الثقة في وقوع النسخ بمثل هذه الأساطير المدحوضة باضطرابها.

(أولاً) بأن الكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.

(وثانياً) بأنها معارضة بأخبار كثيرة من طرقهم صريحة في عدم نسخها.

(وثالثاً) ففي صحيح البخاري حدثنا أبو رجاء عن عمران ابن حصين رضي الله عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (ص) ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها رسول الله حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، يقال إنه عمر، انتهى نص البخاري. وفي صحيح مسلم بسنده عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الأنصاري معتمراً فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وعلى عهد أبي بكر وعمر، وفيه عن جابر أيضاً حيث يقول: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن

[99]

عمرو بن حريث، وفيه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.

أقول: وأنهم لم يعودوا لهما لأن عمر كان يرجم من يثبت عنده أنه قد تمتع.

ومن يراجع هذا الباب من صحيح مسلم بإمعان يرى العجائب فيما أورده فيه من الأحاديث المثبتة والنافية، والنسخ وعدم النسخ، والجهني يقول: أمرنا رسول الله (ص) بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها، والنسخ تارة ينسب الى رسول الله واخرى الى عمر، وأنها كانت ثابتة في عهد أبي بكر وإن علي بن أبي طالب نهى ابن عباس عن القول بالمتعة في مواطن فرجع عن القول بها، مع أنه روي أن ابن الزبير قام بمكة فقال: ان اناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم (يعني ابن عباس) يفتون بالمتعة، فناداه (أي ابن عباس) إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد علي إمام المتقين الى آخر الحديث، وهذا يدل على فتواه الى آخر عمره في خلافة ابن الزبير.

وأعجب من الجميع نسبة النهي عنها الى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) مع أن حلية المتعة قد صار شعاراً لأهل البيت

[100]

وشارة لهم، وعلي (ع) بالخصوص قد تظافر النقل عنه بانكار حرمة المتعة، ومن كلماته المأثورة التي جرت مجرى الأمثال قوله: لو لا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي أو الأشقى، ففي تفسير الطبري الكبير روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو لا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى الاشقى - شفا(1).

ومن طرقنا الوثيقة عن جعفر الصادق (ع) أنه كان يقول: ثلاث لا أتقي فيهن أحداً: متعة الحج، ومتعة النساء، والمسح على الخفين.

وكيف كان فلا ريب حسب قواعد الفن، والاصول المقررة في (علم الفقه) انه اذا تعارضت الأخبار وتكافأت سقطت عن الحجة والاعتماد وصارت من المتشابهات، ولا بد من رفضها والعمل بالمحكمات، وبعد ثبوت المشروعية والإباحة باتفاق المسلمين واستصحاب بقائها وأصالة عدم النسخ عند الشك يتعين القول بجوازها وحليتها إلى اليوم.

________________________________________________________________

(1)    شفا: أي قليل أو من أشفى وشارف على الهلكة.

 

[101]

التمحيص وحل العقدة

وإذا أردنا أن نسير على ضوء الحقائق ونعطي المسألة حقها من التمحيص والبحث عن سر ذلك الارتباك وبذرته الأولى التي تمت وتأثلت لا نجد حلاً لتلك العقدة، إلا أن الخليفة عمر (رض) قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها بنظره للمسلمين في زمانه وأيامه اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة منعاً مدنياً لا دينياً لمصلحة زمنية ومنفعة وقتية ولذا تواتر النقل عنه أن قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا احرمهما واعاقب عليهما، ولم يقل أن رسول الله حرّمهما أو نسخهما بل نسب التحريم إلى نفسه وجعل العقاب عليهما منه لا من الله سبحانه، وحيث أن أبا حفص الحريص على نواميس الدين الخشن على إقامة شرائع الله، أجل مقاماً، وأسمى إسلاماً، من أن يحرّم ما أحل الله أو يدخل في الدين ما ليس من الدين وهو يعلم أن حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة، والله سبحانه يقول في حق نبيه الكريم: -ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، وما منكم من أحد عنه عاجزين- فلا بد من أن يكون مراده المنع الزمني، والتحريم المدني لا الديني، ولكن بعض معاصريه ومن بعده من المحدّثين البسطاء لما غفلوا عن تلك النكتة الدقيقة واستكبروا من ذلك الزعيم

[102]

العظيم القائم على حراسة الدين، أن يحرّم ما أحل الله ويجترئ على حرمات الله اضطروا الى استخراج مصحح فلم يجدوا إلا دعوى النسخ من النبي بعد الإباحة، فارتبكوا ذلك الارتباك واضطربت كلماته ذلك الاضطراب، ولو أنهم صححوا على الخليفة بما ذكرناه لأغناهم عن ذلك التكلف والارتباك.

ويشهد لما ذكرناه ما سبق من رواية مسلم عن جابر: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث(1) عن المتعة من أجل قضية في واقعة استنكر الخليفة منها، الحديث، فإنه يدل دلالة واضحة ان عمر نهى فرأى من الصالح للامة النهي عنها وإن كنا لم نعثر على شيء من شأن القضية ولكن أبا حفص كان معلوماً حاله في الشدة والتنمر، والغلظة والخشونة في عامة اموره، فربما يكون قد استنكر شيئاً في واقعة خاصة أوجب تأثره وتهيجه الشديد الذي بعثه على المنع المطلق خوف وقوع أمثاله اجتهاداً منه ورأياً تمكن في ذهنه، وإلا فأمر المتعة وحليتها بعد

_____________________________________

(1) في شرح مسلم المسمى باكمال المعلم للوشتاني الابي قوله: شأن عمرو بن حريث قيل كان نهيه عن ذلك في آخر خلافته وقيل في أثنائها وقال: لا يؤتى برجل تمتع وهو محصن إلا رجمته ولا برجل تمتع وهو محصن إلا جلدته، وقضية عمرو بن حريث أنه تمتع على عهد رسول الله (ص) ودام ذلك حتى لخلافة عمر فبلغه ذلك فدعاها فسألها فقالت نعم قال من شهد قال عطاء فأراها قالت امها وأباها قال فهلا غيرهما فنهى عن ذلك.

[103]

نص القرآن وعمل النبي والصحابة طول زمن النبي ومدة خلافة أبي بكر (رض) وبرهة من خلافة عمر (رض) أوضح من أن يحتاج إلى شي’ من تلك المباحث الهنابث، وتلك المداولات العريضة الطويلة كيف والذي يظهر من فلى نواصي التاريخ، والاستطلاع من ثنايا القضايا أن عقد المتعة كان مستعملاً في زمن الرسالة حتى عند أشراف الصحابة ورجالات قريش، ونتجت منه الذراري والأولاد الأمجاد، فهذا الراغب الأصفهاني من عظماء علماء السنة يحدثنا وهو الثقة الثبت في كتابه السابق الذكر ما نصه: أن عبد الله الزبير عير أبن عباس بتحليله المتعة، فقال: له ابن عباس سل امك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك، فسألها فقالت والله ما ولدتك إلا وأنت تعلم من هي ام عبد الله ابن الزبير، هي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق اخت عائشة أم المؤمنين وزوجها الزبير من حواري رسول الله وقد تزوجها بالمتعة، فما تقول بعد هذا أيها المكابر المجادل؟

ثم إن الراغب ذكر عقيب هذه الحكاية رواية اخرى فقال: سأل يحيى بن أكثم شيخاً من أهل البصرة فقال له بمن اقتديت في جواز المتعة؟ فقال: بعمر بن الخطاب (رض)، فقال له: كيف وعمر كان من أشد الناس فيها؟ قال: نعم صح الحديث عنه أنه صعد المنبر فقال: يا أيها الناس متعتان أحلهما الله ورسوله لكم وأنا احرّمهما واعاقب عليهما، فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه انتهى. وقريب منها ما ينقل عن عبد الله بن عمر، ولكن في

[104]

عبارة شيخ أهل البصرة من الشطح والتجاوز ما لا يرتضيه كل مسلم، والعبارة الشائعة عن أبي حفص (رض) أخف وألطف من ذلك وهي قوله متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وأنا احرّمهما، وإذا كان مراده ما أوعزنا اليه وكشفنا حجابه، وحللنا عقدته، يهون الأمر وتخف الوطأة.

وبعد ما انتهينا في الكتابة إلى هنا وقفنا على كلام لبعض الأعاظم من علمائنا المتقدمين وهو (المحقق محمد بن أدريس الحلي) من أهل القرن الخامس وجدناه يتفق مع كثير مما قدمناه فأحببنا نقله هنا ليتأكد البيان وتتجلى الحجة، قال في كتابه (السرائر) الذي هو من جلائل كتب الفقه والحديث ما نصه: النكاح المؤجل مباح في شريعة الاسلام مأذون فيه، مشروع في الكتاب والسنة المتواترة بإجماع المسلمين إلا أن بعضهم ادعى نسخه فيحتاج في دعواه الى تصحيحها ودون ذلك خرط القتاد، وأيضاً فقد ثبت بالأدلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرر فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل وهذه صفة نكاح المتعة فيجب إباحته بأصل العقل. فإن قيل: من أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الآجل والخلاف في ذلك. قلنا: من ادعى ضرراً في الآجل فعليه الدليل وأيضاً فقد قلنا أنه لا خلاف في إباحتها من حيث ان قد ثبت بإجماع المسلمين أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي (ص) بغير شبهة ثم ادعى تحريمها من بعده ونسخها ولم يثبت النسخ، وقد ثبتت الإباحة

[105]

بالإجماع فعلى من ادعى الحظر والنسخ الدلالة، فإن ذكروا الأخبار التي رووها في أن النبي (ص) حرّمها ونهى عنها، فالجواب عن ذلك أن جميع ما يروونه من هذه الأخبار (إذا سلمت من المطاعن والضعف أخبار آحاد وقد بنيت أنها لا توجب علماً ولا عملاً في الشريعة ولا يرجع بمثلها عما علم وقطع عليه، وأيضاً قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: -وأحل لكم ما رواء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مصافحين فما استمعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة- ولفظة استمعتم لا تعدو وجهين: إما أن يراد بها الإنتفاع أو الإلتذاذ الذي هو أصل موضوع اللفظة أو العقد المؤجل المخصوص ا لذي اقتضاه عرف الشرع ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأول لأمرين (أحدهما) أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في اصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل الأمرين: (أحدهما) وضع اللغة (والآخر) عرف الشريعة فإنه يجب حمله على عرف الشريعة، ولهذا حملوا كلهم لفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج على العرف الشرعي دون الوضع اللغوي، وأيضاَ فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) وابن عباس ومناظرته لابن الزبير معروفة رواها الناس كلهم، ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم:

[106]

أقول للشيخ لما طال مجلسه *** يا شيخ هل لك في فتوى ابن عباس

وعبد الله بن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة ابن شعبة، وسعيد بن جبير، وابن جريج، وأنهم كانوا يفتون بها، فادعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح المؤجل باطل انتهى كلامه، وكل ذي بصيرة يعرف ما فيه من المتانة والرصانة وقوة الحجة والمعارضة.

هذا كله في البحث عن المسألة من وجهتها الدينية والتاريخية والنظر اليها من حيث الدليل حسب القواعد الأصلية، والطرق الشرعية. . .

أما النظر فيها من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية:

فأقول أليس دين الإسلام هو الصوت الإلهي والنغمة الربوبية الشجية التي هبّت على البشر بنسائم الرحمة وعطرت مشام الوجود بلطائف السعود، وجاءت لسعادة الانسان لا لشقائه، ولنعمته لا لبلائه هو الدين الذي يتمشى مع الزمان في كل أطواره ويدور مع الدهر في جميع أدواره ويسد حاجات البشر في نظم معاشهم ومعادهم وجلب صلاحهم ودرء فسادهم، ما جاء دين الاسلام ليشق على البشر ويلقيهم في حظيرة المشقة وعصارة البلاء والمحنة وكلفة الشقاء والتعاسة، كلا! بل جاء رحمة للعالمين،

[107]

وبركة على الخلق أجمعين، ممهداً سبل الهناء والراحة، ووسائل الرخاء والنعمة، ولذا كان أكمل الأديان، وخاتمة الشرائع، إذ لم يدع نقصاً في نواميس سعادة البشر يأتي دين بعده فيكمله، أو ثلمة في ناحية من نواحي الحياة فتأتي شريعة اخرى فتسدها.

ثم أليس من ضرورات البشرمنذ عرف الانسان نفسه وإدراك حسه ومن المهن التي لا ينفك من مزاولتها والإندفاع اليها بدواع شتى وأغراض مختلفة هو السفر والتغرب عن الأوطان بداعي التجارة والكسب في طلب علم أو مال أو سياحة أو ملاحة، أو غير ذلك من جهاد وحروب وغزوات ونحوها، ثم أو ليس الغالب في اولئك المسافرين لتلك الأغراض هم الشبان، وما يقاربهم من أصحاء الأبدان وأقوياء الأجساد، الراتعين بنعيم الصحة والعافية.

ثم أليس الصانع الحكيم بباهر حكمته، وقاهر قدرته قد أودع في هذا الهيكل الانساني غريزة الشهوة، وشدة الشوق والشبق إلى الأزواج لحكمة سامية، وغاية شريفة، وهي بقاء النسل وحفظ النوع، ولو خلي من تلك الغريزة وبطلت أو ضعفت فيه تلك الجبلة لم يبق للبشر على مر الأحقاب عين ولا أثر ومن المعلوم أن حالة المسافرين لا تساعد على القران الباقي، والزواج الدائم لما له من التبعات واللوازم، التي لا تتمشى مع حالة المسافر، فاذا امتنع هذا النحو من الزواج حسب مجاري العادات وعلى الغالب والمتعارف من أمر

[108]

الناس وملك اليمين والتسري بالاماء والجوار المملوكة بأحد الأسباب، قد بطل اليوم بتاتاً وكان متعذراً أو متعسراً من ذي قبل.

فالمسافر لا سيما من تطول أسفارهم في طلب علم أو تجارة أو جهاد أو مرابطة ثغر، وهم في ميعة الشباب وريعان العمر، وتأجج سعير الشهوة لا يخلو حالهم من أمرين: إما الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة التي تنجر الى الوقوع في أمراض مزمنة، أو علل مهلكة مضافاً الى ما فيه من قطع النسل وتضييع ذراري الحياة، المودعة فيهم، وفي هذا نقض للحكمة وتفويت للغرض وإلقاء في العسر والحرج وعظيم المشقة تأباه شريعة الاسلام الشريعة السمحة السهلة (يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

وأما الوقوع في الزنا والعهار، الذي ملأ الممالك والأقطار، بالمفاسد والمضار، ولعمر الله، وقسماً بشرف الحق لو أن المسلمين أخذوا بقواعد الاسلام، ورجعوا الى نواميس دينهم الحنيف وشرائعه الصحيحة (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) ولعاد إليهم عزهم الدائر، ومجدهم الغابر.

ومن تلك الشرائع مشروعية المتعة فلو أن المسلمين عملوا بها على اصولها الصحيحة من العقد والعدة والضبط وحفظ النسل منها لانسدت بيوت المواخير واوصدت أبواب الزنا والعهار

[109]

ولارتفعت أو قلت ويلات هذا الشر على البشر ولأصبح الكثير من تلك المومسات المتهتكات مصونات محصنات ولتضاعف النسل وكثرت المواليد الطاهرة واستراح الناس من اللقيط والنبيذ وانتشرت صيانة الأخلاق وطهارة الأعراق إلى كثير من الفوائد والمنافع التي لا تعد ولا تحصى، ولله در عالم بني هاشم وحبرالامة عبد الله بن عباس (رض) في كلمته الخالدة الشهيرة التي رواها ابن الأثير في (النهاية) والزمخشري في (الفايق) وغيرهما حيث قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها امة محمد ولولا نهيه عنها ما زنى إلا شقي، وقد أخذها من عين صافية من استاذه ومعلمه ومربيه أمير المؤمنين (ع)، وفي الحق أنها رحمة واسعة وبركة عظيمة ولكن المسلمون فوّتوها على انفسهم وحرموا من ثمراتها وخيراتها ووقع الكثير في حمأة الخنا والفساد والعار والنار والخزي والبوار (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن مع هذا كله على تعجب حين ترى ما نشره في (الاعتدال) أيضاً (161) من المجلد الأول بعنوان: (لم يبق إلا أن نتخذ من القلم إبرة تطعيم ونجعل المعاني مصلاً).

وذكر صورة كتاب ورد إليه من بغداد بتوقيع (خادم العلماء) على الجواب الذي تقدم في مبادئ هذه النسخة بتوقيع (ابن ماء السماء) يعيد فيه أشكال اختلاط الأنساب وضياع

[110]

النسل وعقد عابر الطريق والمجهول ويقول إن ابن ماء السماء لم يتعرض للمجهول الذي هو محل النظر إلى أن قال: فما يقول في تحليل المتعة الدورية التي يتناوبها ويتعاقبها ثلاثة أو أربعة بل وعشرة بحسب الساعات فما يقول في الولد إذا جاء من هذه الجهة فمن يتبع وبمن يحلق نعم من المعلومات حل المتعة بجميع طرقها عند الشيعة ولكن تراهم يتحاشون ويتحاشى أشرافهم وسرائهم من تعاطيهم بينهم فلم يسمع من يقول حضرنا تمتع السيد الفلاني أو الفاضل الفلاني بالانسة بنت السيد الفلاني كما يقال حضرنا عقد نكاح الفاضل الفلاني بآنسة الفاضل بل أكثر جريانها وتعاطيها في الساقطات والسافلات فهل ذلك إلا لقضاء الوطر وان حصل منه النسل قهراً وجدير من العلامة كاشف الغطاء الذي قام بتهذيب أصل الشيعة وأصولها أن يهذب أخلاق أهلها وينهض بهم إلى مراتب النزاهة وفقه الله لذلك.

بغداد: خادم العلماء

ونشر في جواب هذا الكتاب ما نصه:

ورد على إرادة مجلة الإعتدال كتاب من بغداد من كاتب مجهول يقول: إنه قرأ في العدد الثالث من المجلة جواباً لابن ماء السماء فوجده لا يناسب السؤال ولا يلائم المقال ثم أعاد الكاتب ما ذكره السيد الراوي من إختلاط الأنساب وضياع النسل الذي دفعه ابن ماء السماء بأقوى حجة وأجلى بيان وقد أوضح له

[111]

أن حكمة تشريع العدة هو حفظ النسل ومنع اختلاط المياه، وهي كما أنها لازمة في الدائم كذلك تلزم في المنقطع فلا يجوز لأحد أن يتمتع بإمرأة تمتع بها غيره حتى تخرج من عدة ذلك الغير وإلا كان زانياً ومع اعتبار العدة فأين يكون إختلاط الأنساب وضياع النسل؟ ثم قال الكاتب ولم يتعرض ابن ماء السماء للمجهول الذي هو محل النظر فما حال الولد إذا تمتع بها عابر الطريق والمجهول وأتت بعد فراقه بالولد فقول ابن ماء السماء والولد يتبع والده فليت شعري أين يجده وهو مجهول، انتهى.

وما أدري أن هذا الخادم لم ينظر إلى تمام كلام ابن ماء السماء أو نظر فيه ولم يفهمه، وإلا فأي بيان أوضح في دفع هذا الاشكال من قوله صفحة 112 ويجب على الزوج أن يتعرف حالها، ويعرفها بنفسه حتى إذا ولدت ولداً ، ألحق به كي لا تضيع الأنساب كذلك المتمع بها إذا انتهى أجلها يجب عليها أن تعتد وأن يتعرف حالها وتعرف حاله ونسبه كي تلحق الولد به بعد فصاله أينما كان، فأين المجهول الذي لم يتعرض له ابن ماء السماء أيها الكاتب المجهول؟

وإذا كنت لا تفهم هذا البيان مع هذا الوضوح والجلاء فلم يبق إلا أن تتخذ من القلم إبرة تطعيم ونجعل المعاني مصلاً نحقن بها دماغك، عساك تحس بها وتفهمها.

[112]

وأما قولك: فما قولكم في المتعة الدورية التي يتناوبها ويتعاقبها الثلاثة والأربعة بل والعشرة بحسب الساعات فمن يتبع الولد وبمن يلحق؟ فاللازم (أولاً) أن تدلنا على كتاب جاهل من الشيعة ذكرفيه تحليل هذا النحو من المتعة فضلاً عن عالم من علمائهم، وإذا لم تدلنا على كتابة منهم أو كتاب فاللازم أن تحد حد المفتري الكذاب كيف وإجماع الإمامية على لزوم العدة في المتعة وهي على الأقل خمسة وأربعون يوماً فأين التناوب والتعاقب عليها حسب الساعات؟

وإن كنت تريد أن بعض العوام والجهلاء الذين لا يبالون بمقارفة المعاصي وانتهاك الحرمات قد يقع منهم ذلك، فهذا مع أنه لا يختص بعوام الشيعة بل لعله في غيرهم أكثر، ولكن لا يصح أن يسمى هذا تحليلاً إذ التحليل ما يستند إلى فتوى علماء المذهب لا ما يرتكبه عصاتهم وقساتهم وهذا النحو من المتعة عند علماء الشيعة من الزنا المحض الذي يجب فيه الحد ولا يلحق الولد بواحد كيف وقد قال سيد البشر: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

أما(1) تحاشى أشراف الشيعة وسراتهم من تعاطيها فهو عفة وترفع واستعناء واكتفاء بما أحل الله من تعدد الزوجات الدائمة ومثنى وثلاث ورباع فإن أرادوا الزيادة على ذلك جاز لهم التمتع بأكثر من ذلك كما يفعله بعض أهل الثروة والبذخ من رؤساء

____________________________________

(1) هذه القطعة غير منشورة في الاعتدال.

[113]

القبائل وغيرهم، وعلى كل تحاشي الأشراف والسراة لا يدل على الكراهة الشرعية فضلاً عن عدم المشروعية، ألا ترى أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم كانوا كثيراً ما يتسرون بالإماء ويتمتعون بملك اليمين ويلدن لهم الأولاد الأفاضل، أما اليوم فالأشراف والسراة يأنفون من ذلك مع أنه حلال بنص القرآن العزيز.

كما أن تحاشي الأشراف والسراة من الطلاق بحيث لم تسمع أن شريفاً طلّق زوجة له، لا يدل على عدم مشروعية الطلاق.

أما قولك: وجدير من العلامة كاشف الغطاء الذي قام بتهذيب أصل الشيعة واصولها أن يهذب أخلاق أهلها وينهض بهم الى مراتب النزاهة.

فهو حق (وما في الحق مغضبة) وهو - دامت بركاته - لا يزال قائماً بوظيفته من التهذيب والإرشاد ليس للشيعة فقط بل لعامة المسلمين والجميع في نظره على حد سواء، ولكن لا تختص هذه الوظيفة به - أيده الله - بل تعم سائر علماء المسلمين ولعل وجوبها على علماء العواصم التي تكثر فيها المنكرات، ويجاهر فيها بالكبائر أشد وآكد، والمسؤلية عليهم ألزم وأعظم.

ولو أننا لا نريد أن نحيد عن خطة هذه الصحيفة (الإعتدال) لسردنا من أحوال سائر الطوائف ما يتجلى لكل أحد أن عوام الشيعة الإمامية فضلاً عن خواصهم، أعفّ وأنزه وأتقى وأبرّ،

[114]

بيد أن حسب تعاليم استاذنا العلامة الأكبر كاشف الغطاء نتباعد عن كل ما يشمّ منه رائحة النعرات الطائفية والنزعات المذهبية، ونسعى حسب إرشاده الى توحيد الكلمة، ورفض الفواصل والفوارق بين الامم الاسلامية، ولا يزال يعلمنا، وهو العلامة المصلح، أن دين الاسلام دين التوحيد لا دين التفريق وشريعته شريعة الوصل لا التمزيق، وأن صالح المسلمين أجمعين قلع شجرة التشاجر والخلاف فيما بينهم من أصلها، ولا يزال يوصينا ويقول: أيها المسلمون نزّهوا قلوبكم عن نية السوء، وألسنتكم عن بذيء القول والهمز واللمز، وأقلامكم عن طعن بعضكم في بعض. . . إذاً تسعدون وتعيشون كمسلمين حقاً وكما كان آباؤكم من قبل، رجال صدق في القول، وإخلاص في العمل.

هذه هي (مراتب النزاهة) يا خادم العلماء لا ما جئتنا به منذ اليوم، وكنا نظن أن هذه المبارات والمناظرات في قضية المتعة قد انتهى دورانها وغسلت أدرانها، بأجوبة (ابن ماء السماء) ولكن المسمي نفسه بـ (خادم العلماء) قد شاء أو شاءت له الجهالة، أن يثير غبارها، ويعيد شرارها ويسدل على الحقيقة أستارها، والحقيقة نور تمزق الحجب والستور وتأبى إلا الجلاء والظهور، حتى من معلم (الجهلاء).