الحديث عن عبد الله بن سبأ

أما (عبد الله بن سبأ) الذي يلصقونه بالشيعة أن يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه وأخفَّ كلمة تقولها كتب الشيعة في حقه ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في العين هكذا: (عبد الله بن سبأ ألعن من أن يذكر) انظر رجال أبي علي وغيره، على أنه ليس من البعيد رأي القائل: أن عبد الله بن سبأ ومجنون بني عامر وأبي هلال وأمثال هؤلاء الرجال أو الأبطال كلها أحاديث خرافة وضعها القصاصون وأرباب السمر والمجون، فان الترف والنعيم قد اقصاه في أواسط الدولتين الأموية والعباسية، وكلما اتسع

[41]

العيش وتوفرت دواعي اللهو، اتسع المجال للوضع وراجع سوق الخيال، وجعل القصص والأمثال، كي يأنس بها ربات الحجال، وأبناء الترف والنعمة المنغمرين في بلهينة العيش.

وأن سمادير الأهازيج التي أصبح يتغنى بها لنا عن القرآن والاسلام (الدكتور طه حسين) وزملاؤه، والدور الذي جاؤا يلعبون فيه للمسلمين بالحرب والدرق فهو أشبه أن يكون من أدوار تلك العصور الخالية، لا من أدوار هذه العصور التي تتطلب تمحيص الحقائق بحصانة وأمانة ورصانة.

ومهما كان الأمر أو يكن فكل ذلك ليس من صميم غرضنا في شيء وما كان ذكره إلا من باب التوطئة والتمهيد للقصد، وإنما جلّ الغرض انه بعد توفر تلك الأسباب والدواعي والشئون والشجون والوقوف على تلك الطعنات الطائشة على الشيعة المتتابعة من كتبة العصر في مصر وغيرها، رأينا من الفرض علينا الذي لا ندحة عنه أن نكتب موجزاً من القول عن معتقدات الشيعة واصول مذهبها وامهات مسائل فروعها التي عليه إجماع علمائها والذي يصح أن يقال أنه مذهب الشيعة على إطلاقها أما ما عداه فهو رأي الفرد والأفراد منها ومثله لا يصح أن يعد مذهباً لها، ومعلوم أن باب الاجتهاد لم يزل مفتوحاً عند الشيعة ولكل رأيه ما لم يخالف الإجماع أو نص الكتاب والسنة أو ضرورة العقول فإن خالف شيئاً من ذلك كان زائغاً عن الطريق، ومارقاً عن تلك الطائفة على اصول مقررة وقواعد محرمة لا يتسع المقام لمجملاتها فضلاً عن مفصلاتها، وإنما المقصود

[42]

هنا بيان ذات المسائل التي يدور عليها عملهم ولا خلاف فيها بينهم من دون تعرُّض للأدلة والحجج فإنها موكولة الى الكتب المطوّلة، وهو خارج عن الغرض المهم من تعريف كافة فرق المسلمين وافراد كل طائفة من علمائها وعوامها عن عقائد الشيعة حتى يعرفوا أنهم مسلمون مثلهم فلا يظلمون أنفسهم ويتورطون في نسبة الأضاليل والأباطيل الى اخوانهم في الدين، ولا يتمثلونهم كالسعالى وأنياب الأغوال ورؤوس الشياطين، أو كوحوش افريقيا وآكلة لحوم البشر، بل هم بحمد الله ممن تأدب بآداب الاسلام، وتمسك بتعاليم القرآن وأخذ بحظ وافر من الايمان ومكارم الأخلاق، ولا يعتمدون إلا على الكتاب والسنة وضرورة العقل، فعسى أن يتنبه الغافل ويعلم الجاهل، ويرتدع المهوّس الطائش عن غلوائه، ويكسر المتعصب عن سورته، ويتقارب من إخوانه، لعل الله يجمع شملهم ويجعلهم يداً واحدة على أعدائهم وما ذلك على الله بعزيز.

ولا بدّ أولاً من بيان مبدأ التشيع وأسباب نشؤنه ونموه، ثم بيان اصوله ومعتقداته، إذاً فالغرض يحصل في مقصدين:

الأول: في أن التشيع من أين نشأ؟ ومتى تكوَّن؟ ومن هو غارس بذرته الاولى، وواضع حجره الأول، وكيف أفرعت دوحته حتى سما واستطال وأزهر وأثمر، واستدام واستمر حتى تدينت به جملة من أعاظم ملوك بل وجملة من خلفاء بني العباس كالمأمون والناصر لدين الله وكبار وزراء الدولة العباسية وغيرها.

[43]

فنقول وبالله المستعان:

ان أول من وضع بذرة التشيع في حقل الاسلام - هو نفس صاحب الشريعة الاسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الاسلام، جنباً الى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى تمت وأزهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته. وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة لا من طرق الشيعة ورواة الامامية حتى يقال انهم ساقطون لأنهم يقولون (بالرجعة) أو أن راويهم (يجر الى قرصته) بل من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم، ومن طرقهم الوثيقة التي لا يظن ذو مسكة فيها الكذب والوضع، وأنا أذكر جملة مما علق بذهني من المراجعات الغابرة والتي عثرت عليها عفواً من غير قصد ولا عناية، فمنها ما رواه السيوطي في كتاب (الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور) في تفسير قوله تعالى: -اولئك هم خير البرية- قال اخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي (ص) فأقبل علي (ع) فقال النبي: والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: -إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية-، وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت -إن

[44]

الذين آمنوا وعملوا الصالحات- قال رسول الله لعلي هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.

وأخرج ابن مردويه عن علي (ع) قال: قال لي رسول الله (ص): ألم تسمع قول الله: -إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية- هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الامم للحساب تدعون غرّاً محجّلين، انتهى حديث السيوطي، وروي بعض هذه الأحاديث ابن حجر في (صواعقه) عن الدارقطني، وحدّث أيضاً عن ام سلمة أن النبي (ص) قال: يا علي أنت وأصحابك في الجنة، وفي (نهاية ابن الأثير) ما نصه في مادة (قمح): وفي حديث علي (ع) قال له النبي (ص) ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمَّحين، ثم جمع يد ه إلى عنقه ليريهم كيف الاقماح، انتهى.

وببالي أن هذا الحديث أيضاً رواه ابن حجر في (صواعقه) وجماعة آخرون من طرق اخرى تدل على شهرته عند أرباب الحديث، والزمخشري في (ربيع الابرار) يروي عن رسول الله أنه قال: يا علي إذا كان يوم القيامة اخذت بحجزة الله تعالى واخذت أنت بحجزتي واخذ ولدك بحجزتك واخذ شيعة ولدك بحجزتهم فترى أين يؤمر بنا.

ولو أراد المتتبع كتب الحديث مثل مسند الامام أحمد بن حنبل وخصائص النسائي وأمثالهما أن يجمع أضعاف هذا القدر

[45]

لكان سهلاً عليه، وإذا نفس صاحب الشريعة الاسلامية يكرر ذكر شيعة علي وبنوه عنهم بأنهم هم الآمنون يوم القيامة وهو الفائزون والراضون المرضيون، ولا شك أن كل معتقد بنبوته يصدقه فيما يقول أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فإذا لم يصر كل أصحاب النبي شيعة لعلي فالطبع والضرورة تلفت تلك الكلمات نظر جماعة منهم أن يكونوا ممن ينطبق عليه ذلك الوصف بحقيقة معناه لا بضرب من التوسع والتأويل. نعم وهكذا كان الأمر فإن عدداً ليس بالقليل اختصوا في حياة النبي بعلي ولازموه وجعلوه إماماًٍ كمبلّغ عن الرسول، وشارح ومفسر لتعاليمه، وأسرار حكمه وأحكامه، وصاروا يعرفون بأنهم شيعة علي كعلم خاص بهم كما نص على ذلك أهل اللغة، راجع النهاية ولسان العرب وغيرهما تجدهم ينصون على أن هذا الاسم غلب على أتباع علي وولده ومن يواليهم حتى صار اسماًٍ خاصاً بهم، ومن الغني عن البيان أنه لو كان مراد صاحب الرسالة من شيعة علي ومن يحبه أو لا يبغضه بحيث ينطبق على أكثر المسلمين كما تخيله بعض القاصرين لم يستقم التعبير بلفظ (شيعة) فان صرف محبة شخص لآخر أو عدم بغضه لا يكفي في كونه شيعة له بل لا بد هناك من خصوصية زائدة وهي الاقتداء والمتابعة له بل ومع الالتزام أيضاً، وهذا يعرفه كل من له أدنى ذوق في مجاري استعمال الألفاظ العربية، وإذا استعمل في غيره فهو مجاز مدلول عليه بقرينة حال أو مقال، والقصارى إني لا أحسب أن المنصف يستطيع أن ينكر ظهور

[46]

تلك الأحاديث وأمثالها في إرادة جماعة خاصة من المسلمين ولهم نسبة خاصة بعلي (ع) يمتازون بها عن سائر المسلمين الذين لم يكن فيهم ذلك اليوم من لا يحب علياً فضلاً عن وجود من يبغضه.

ولا أقول: إن الآخرين من الصحابة وهم الأكثر الذين لم يتسموا بتلك السمة، قد خالفوا النبي (ص) ولم يأخذوا بارشاده كلاً ومعاذ الله أن يظن بهم ذلك وهم خيرة من على وجه الأرض يومئذ، ولكن لعل تلك الكلمات لم يسمعها كلهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت الى المقصود منها، وحصابة النبي الكرام أسمى من أن تحلق إلى أوج مقامهم بغاث الأوهام.

ثم إن صاحب الشريعة لم يزل يتعاهد تلك البذور ويسقيها بالماء النمير العذب من كلماته وإشاراته في أحاديث مشهورة عند أئمة الحديث من علماء السنة فضلاً عن الشيعة وأكثرها مروي في الصحيحين مثل قوله (ص): علي مني بمنزلة هارون من موسى مثل: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وفي حديث الطائر اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، ومثل: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ومثل: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وعلي مع الحق والحق مع علي، إلى كثير من أمثالها مما لسنا في صدد إحصائه إثبات أسانيده، وقد كفانا ذلك موسوعات كتب الامامية، فقد ألف العالم الحبر (السيد حامد حسين اللكناهوري) كتاباً

[47]

أسماه (عبقات الأنوار) يزيد على عشرة مجلدات كل مجلد بقدر صحيح البخاري تقريباً أثبت فيها أسانيد تلك الأحاديث من الطرق المعتبرة عند القوم ومداليلها، وهذا واحد من الوف ممن سبقه ولحقه.

ثم لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي (ع) إما لصغر سنه أو لأن قريشاً كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم زعماً منهم أن النبوة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤا أو لامور اخرى لسنا بصدد البحث عنها، ولكنه باتفاق الفريقين امتنع أولاً محمد البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر أنه لم يبايع إلا بعد ستة أشهر وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة كالزبير وعمار والمقداد وغيرهم.

ثم لما رأى تخلفه فتقاً في الاسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، وكل أحد يعلم أن علياً ما كان يطلب الخلافة رغبة في الامرة، ولا حرصاً على الملك والغلبة الاثرة، وحديثه مع ابن عباس بذي قار مشهور، وإنما يريد تقوية الاسلام وتوسيع نطاقه ومد رواقه، وإقامة الحق، وإماتة الباطل.

وحين رأى أن المتخلفين - أعني الخليفة الأول والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثروا ولم يستبدوا، بايع وسالم، وأغضى عما يراه حقاً له، محافظة على الاسلام أن تتصدع وحدته، وتتفرق كلمته

[48]

ويعود الناس الى جاهليتهم الاولى، وبقي شيعته منضوين تحت جناحه ومستنرين بمصباحه، ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ مجال للظهور لأن الاسلام كان يجري على مناهجه القويمة، حتى إذا تميز الحق من الباطل، وتبين الرشد من الغي، امتنع معاوية عن البيعة لعلي وحاربه في (صفين) انضم بقية الصحابة إلى علي حتى قتل أكثرهم تحت رايته وكان معه من عظماء أصحاب النبي ثمانون رجلاً كلهم بدري عقبي كعمار بن ياسر، وخزيمة ذي الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري ونظرائهم ثم لما قتل علي (ع) واستتب الأمر لمعاوية انقضى درو الخلفاء الراشدين سار معاوية بسيرة الجبابرة في المسلمين واستبد واستأثر عليهم وفعل في شريعة الاسلام ما لا مجال لتعداده في هذا المقام، لكن باتفاق المسلمين سار بضد سيرة من تقدموا من الخلفاء، وتغلب على الامة قهراً عليها، وكانت أحوال أمير المؤمنين وأطواره في جميع شؤونه جارية على نواميس الزهد والورع وخشونة العيش وعدم المخادعة والمداهنة في شيء من أقواله وأفعاله، وأطوار معاوية كلها على الضد من ذلك تماماً.

وقضية إعطائه مصر لابن العاص على الغدر والخيانة مشهورة وقهر الامة على بيعة يزيد واستلحاق زياد أشهر، وتوسعه بالموائد وألوان الطعام الأنيقة معلوم، وكل ذلك من أموال الامة وفيء المسلمين الذي كان يصرفه الخليفتان في الكراع والسلاح والجند، ويحدثنا الوزير أبوسعيد منصور بن الحسين الآبي المتوفي سنة 422

[49]

في كتابه (نثر الدرر) ما نصه: قال أحنف بن قيس: دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبارد والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ثم قدّم لوناً لم أعرف ما هو فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا مصارين البط محشوّة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه بالطبرزد، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت علياً بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره وسألني المقام فجيء له بجراب مختوم، قلت: ما في الجراب؟ قال: سويق شعير، قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟ فقال: لا ولا أحدهما لكن خفت أن يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت، فقلت: محرم هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ولكن يجب على أئمة الحق أن يعدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغى الفقير فقره، فقال معاوية - ذكرت من لا ينكر فضله، وتجد في (ربيع الأبرار) للزمخشري ونظائره لهذه النادرة نظائر كثيرة.

هذا كله والناس قريبو عهد بالنبي والخلفاء وما كانوا عليه من التجافي عن زخارف الدنيا وشهواتها، ثم انتهى الأمر به إلى أن دسّ السم إلى الحسن (ع) فقتله بعد أن نقض كل عهد وشرط عاهد الله عليه له. ثم أخذ البيعة لولده يزيد قهراً، وحاله معلوم عند الامة يومئذ أكثر مما هو معلوم عندنا اليوم فمن هذا وأضعاف أمثاله استمكن البغض له والكراهة في قلوب المسلمين، وعرفوا أنه رجل دنيا لا علاقة له بالدين، وما أصدق ما قال عن نفسه فيها حدثنا الزمخشري في (ربيعه) قال: قال معاوية: أما أبو بكر فقد سلم من الدنيا وسلمت منه، وأما

[50]

عمر فقد عالجها وعالجته، وأما عثمان فقد نال منها ونالت منه، وأما أنا فقد ضجعتها ظهراً لبطن وانقطعت إليها وانقطعت إليّ.

ومن ذلك اليوم أعني (يوم خلافة معاوية ويزيد) انفصلت السلطة المدنية عن الدينية وكانت مجتمعة في الخلفاء الأولين، فكان الخليفة يقبض على أحدهما باليمين وعلى الآخر بالشمال، ولكن من عهد معاوية عرفوا أنه ليس من الدين على شيء، وإن الدين له أئمة ومراجع هم أهل وأحق به ولم يجدوا من توفرت فيه شروط الامة من العلم والزهد والشجاعة وشرف الحسب والنسب غير علي وولده، ضم إلى ذلك ما يرويه الصحابة للناس من كلمات النبي في حقهم والإيعاز إلى أحقيتهم فلم يزل التشيع لعلي (ع) وأولاده بهذا وأمثاله ينموا يسري في جميع الامة الاسلامية سريان البرء جسد العليل خفياً وظاهراً ومستوراً وبارزاً ثم تلاه شهادة الحسين (ع) وما جرى عليه يوم الطف مما أوجب انكسار القلوب والجروح الدامية في النفوس وهو ابن رسول الله وريحانته، بقايا الصحابة كزيد بن أرقم، وجابر ابن عبد الله الأنصاري، وسهل بن سعد الساعدي، وانس بن مالك الذين شاهدوا حفاوة رسول الله (ص) به وبأخيه وكيف كان يحملهما ويقول: نعم المطية مطيتكما ونعم الركبان أنتما، وأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وكثير من أمثال ذلك، لم يزالوا بين ظهراني الامة يبثّون الأحاديث، ونشرون تلك

[51]

الفضائل وبنو امية يلغون في دمائهم ويتبعونهم قتلاً وسماً وأسراً كل ذلك كان بطبيعة الحال مما يزيد التشيع شيوعاً وانتشاراً ويجعل لعلي وأولاده المكانة العظمى في النفوس، وغرس المحبة في القلوب، والمظلومية - كما يعلم كل أحد - لها أعظم المدخلية.

فكان بنو امية كلما ظلموا واستبدوا واستأثروا وتقاتلوا كان ذلك كخدمة منهم لأهل البيت وترويجاً لأمرهم وعطفاً للقلوب عليهم، وكلما شدّدوا بالضغط على شيعتهم مواليهم، وأعلنوا على منابرهم سبّ علي وكتمان فضائله وتحريرها إلى مثالب انعكس الأمر صار (ردّ فعل) عليهم، أما سمعت ما يقول الشعبي لولده: يا بني ما بنى الدين شيئاً إلا وهدمته الدنيا وما بنت الدنيا شيئاً إلا وهدمه الدين، انظر الى علي وأولاده فان بني امية لم يزالوا يجهدون في كتم فضائلهم وإخفاء أمرهم وكأنما يأخذون بضبعهم إلى السماء، وما زالوا يبذلون مساعيهم في نشر فضائل أسلافهم وكأنما ينشرون منهم جيفة، هذا مع أن الشعبي كان ممن يتهم ببغض علي (ع)، ولكن الزمخشري يحدّثنا عنه في (ربيعه) أنه كان يقول ما لقينا من علي، ان أحببناه قتلنا وان أبغضناه هلكنا، الى أن تصرمت الدولة السفيانية وخلّفتها الدولة المروانية وعلى رأسها عبد الملك، وما أدراك ما عبد الملك، نصب الحجاج المجانيق على الكعبة بأمره حتى هدمها وأحرقها ثم قتل أهاليها وذبح عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام بين الكعبة والمقام وانتهك حرمة الحرم الذي

[52]

كانت الجاهلية تعظمه ولا تستبيح دماء الوحش فضلاً عن البشر وأعطى عهد الله وميثاقه لابن عمه عمرو بن سعيد الأشدق ثم قتله غدراً وغيلة حتى قال فيه عبد الرحمن بن الحكم من أبيات:

غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل *** ومثلكم يبني العهود على الغدر

فهل هذه الأعمال تسيغ أن يكون صاحبها مسلماً فضلاً عن أن يكون خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين، ثم سارت المروانية كلها على هذه السيرة وما هو أشقّ وأشقى منها عدا ما كان من العبد الصالح عمر بن عبد العزيز.

ثم خلّفتها الدولة العباسية فزادت (كما يقال) في الطنبور نغمات حتى قال أحد مخضرمي الدولتين:

يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار

وتتبعوا الذراري العلوية من بني عمهم فقتلوهم تحت كل حجر ومدر، وخرّبوا ديارهم، وهدّموا آثارهم، حتى قال الشعراء في عصر المتوكل:

تالله ان كانت امية قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوماً

فلقد اتته بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوماً

أسفوا على أن لا يكونوا شار *** كوا في قتله فتتبعوه رميما

ضع في قبال ذلك سيرة بني علي وانسبها الى سيرة المروانيين والعباسيين، هناك تتجلى لك

[53]

الحقيقة في أسباب انتشار التشيع وتعرف سخافة المهوّسين انها نزعة فارسية أو سبائية أو غير ذلك، هناك تعرف انها اسلامية محمدية لا غير، انظر في تلك العصور الى بني علي وفي أي شأن كانوا، انظرهم على رأسهم الامام زين العابدين (ع) فانه بعد شهادة أبيه انقطع عن الدنيا وأهلها وتخلص للعبادة وتربية الأخلاق وتهذيب النفس والزهد في حطام الدنيا وهو الذي فتح هذا الطريق لجماعة من التابعين كالحسن البصري وطاووس اليماني ابن سيرين وعمرو بن محمد الباقر (ع) وحفيده الصادق (ع) فشاهدوا ذلك البناء وجاءت الفترة بين دولتي بني امية وبني العباس فاتسع المجال للصادق (ع) وارتفع كابوس الظلم وحجاب التقية فتوسع في بثّ الأحكام الإلهية ونشر الأحاديث النبوية التي استقاها من عين صافية من أبيه عن جده أمير المؤمنين عن رسول الله (ص) وظهرت الشيعة ذلك العصر ظهوراً لم سبق له فيما غبر من أيام آبائه، وتولعوا في تحمل الحديث وبلغوا من الكثرة ما يفوت حد الاحصاء حتى أن أبا الحسن لو شاء قال لبعض أهل الكوفة أدركت في هذا الجامع يعني (مسجد الكوفة) أربعة آلاف شيخ من أهل الورع والدين كل يقول: حدّثني جعفر بن محمد.

ولا نطيل بذكر الشواهد على هذا فنخرج عن الغرض مع أن ا لأمر أجلى من ضاحية الصيف ولا يرتاب متدبر أن اشتغال بني امية وبني العباس في تقوية سلطانهم ومحاربة أضدادهم وانهماكهم

[54]

في نعيم الدنيا، وتجاهرهم بالملاهي والمطربات وانقطاع بني علي الى العلم والعبادة والورع والتجافي عن الدنيا وشهواتها، وعدم تدخلهم في شأن من شئون السياسة (وهل السياسة إلا الكذب والمكر والخداع)، كل ذلك هو الذي أوجب انتشار مذهب التشيع وإقبال الجم الغفير عليه (ومن الواضح الضروري) أن الناس وإن تمكن حب الدنيا والطموح الى المال في نفوسهم وتملك على أهوائهم ولكن مع ذلك فان للعلم والدين في نفوسهم المكان المكين والمنزلة السامية لا سيما وعهد النبوة قريب، وصدر الاسلام رحيب، ولا يمنع عن طلب الدنيا من طرقها المشروعة، لا سيما وهم يجدون عيانآً، ان دين الاسلام هو الذي درّ عليهم بضروع الخيرات، وصبّ عليهم شآبيب البركات، وأذلّ لهم ملك الأكاسرة والقياصرة، ووضع في أيديهم مفاتيح خزائن الشرق والغرب، وبعض هذا فضلاً عن كله لم تكن العرب لتحلم به في المنام، فضلاً عن تأتي بتحقيقه الأيام، وكل هذا مما يبعث لهم أشد الرغبات في الدين وتعلم أحكامه والسير ولو في الجملة على مناهجه ولو في النظام الاجتماعي وتدبير العائلة وطهارة الأنساب وأمثال ذلك، لا جرم أنهم يطلبون تلك الشرائع والأحكام أشد الطلب، ولكن لم يجدوها عند اولئك المتخلفين، والمتسمى كل احد منهم بأمير المؤمنين وخليفة المسلمين، نعم وجدوا أكمله وأصحه وأوفاه عند أهل بيته، فدنوا لهم واعتقدوا بامامتهم، وأنهم خلفاء رسول الله (ص) حقاً وسدنة شريعته ومبلّغو أحكامه الى امته، وكانت هذه العقيدة الإيمانية والعاطفة الإلهية

[55]

كشعلة نار في نفوس بعض الشيعة تدفعهم الى ركوب الأخطار، وإلقاء أنفسهم على المشانق، وتقديم أعناقهم أضاحي للحق، وقرابين للدين، اعطف بنظرك في هذ المقام الى حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي ورشيد الهجري وميثم التمار عبد الله بن عفيف الازدي، الى عشرات المئات من أمثالهم، انظر كيف نطحوا صخرة الضلال والجور وما كسرت رؤوسهم حتى كسروها وفضحوها وأعلنوا للملأ بمخازيها، فهل تلك الإقدامات والتضحية من اولئك الليوث كانت لطمع مال أو جاه عند أهل البيت (ع) أو خوفاً منهم (وهم يومئذ الخائفون المشردون) كلا بل عقيدة حق وغريزة إيمان وصخرة يقين.

ثم انظر الى فطاحل الشعراء في القرن الأول والثاني مع شدة أطماعهم عند ملوك زمانهم وخوفهم منهم، ومع ذلك كله لم يمنعهم عظيم الطمع والخوف (والشاعر ماديّ على الغالب) والسلطة من خلفهم والسيوف مشهورة على رؤوسهم أن جاهروا بالحق ونصروه وجاهدوا الباطل وفضحوه، خذ من الفرزدق الى الكميت الى السيد الحميري الى دعبل الى ديك الجن الى أبي تمام الى البحتري الى الأمير أبي فراس الحمداني صاحب الشافية:

الدين مخترم والحق مهتضم *** وفيء آل رسول الله مقتسم

الى آخر القصيدة ، راجعها وانظر ما يقول بها، بل لكل واحد من نوابغ شعراء العصور القصائد الرنانة والمقاطيع

[56]

العبقرية في مدح أئمة الحق والتشيع على ملوك زمانهم بالظلم والجور وإظهار الولاء لاولئك والبراءة من هؤلاء، كان دعبل بقول اني أحمل خشبتي على ظهري منذ أربعين سنة فلم أجد من يصلبني عليها، وكان قد هجا الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم ومدح الصادق والكاظم والرضا وأشعاره بذلك مشهورة، وفي كتب الأدب والتاريخ مسطورة، هذا كله في أيام قوة بني امية وبني العباس وشدة بأسهم وسطوتهم فانظر ماذا يصنع الحق واليقين بنفوس المسلمين، واعرف هنالك الحق الشجاعة والبسالة والمفاداة والتضحية، وهذا بحث طويل الذيل ينصب لوأردناه استيفاءه انصباب السيل، وليس هو القصود الآن بالبيان وإنما المقصود بيان مبدأ التشيع وغارسها في حديقة الاسلام وشرح أسباب نشوئها ونموها، وسموّها وعلوّها، وما تكلمت عن عاطفة بل كباحث عن حقيقة، يمشي على ضوء امور راهنة وعلل وأسباب معلومة وأحسبني يتوفيقه تعالى قد أصحرت بذلك وأعطيته من البحث حقه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

ثم لا يذهبنّ عنك أنه ليس معنى هذا أنا نريد أن ننكر ما لاولئك الخلفاء من الحسنات وبعض الخدمات للاسلام التي لا يجحدها إلا مكابر، ولسنا بحمد الله من المكابرين، ولا سبابين ولا شتامين بل ممن يشكر الحسنة ويغضي عن السيئة، ونقول: تلك امة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وحسابهم على الله فان عفا فبفضله وإن عاقب فبعد له وما كنا نسمح لصل

[57]

القلم أن ينفث بتلك النفثات لولا أن بعض كتّاب العصر بتحاملهم الشنيع على الشيعة أحرجونا الى بثها (نفثة مصدور) وما كان صميم الغرض إلا الدلالة على غارس بذرة التشيع، وقد عرفت أنه النبي الأمين وأن أسباب شيوعها وانتشارها سلسلة امور مرتبطة بعضها ببعض وهي علل ضرورية تقضي ذلك الأثر بطبيعة الحال، ولنكتف بهذا من المقصد الأول ونستأنف الكلام.

 

عقائد الشيعة اصولاً وفروعاً

(المقصد الثاني): وهو بيان عقائد الشيعة اصولاً وفروعاً ونحن نورد امهات القضايا ورؤوس المسائل على الشرط الذي أشرنا إليه آنفاً من الاقتصار على المجتمع عليه الذي يصح أن يقال أن مذهب الشيعة دون ما هو رأي الفرد والأفراد منهم فنقول أن الدين ينحصر في قضايا خمس: -1- معرفة الخالق -2- معرفة المبلّغ عنه -3- معرفة ما تعبد به والعمل به -4- الأخذ بالفضيلة ورفض الرذيلة -5 - الاعتقاد بالمعاد والدنيونة فالدين علم وعمل (وأن الدين عند الله الاسلام) والاسلام والإيمان مترادفان ويطلقان على معنى أعم يعتمد على ثلاثة أركان:

التوحيد، والنبوّة، والمعاد، فلو انكر الرجل واحداً منها فليس بمسلم ولا مؤمن، وإذا دان بتوحيد الله ونبوّة سيد الانبياء محمد (ص) واعتقد بيوم الجزاء من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر فهو مسلم حقاً، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم دمه وماله وعرضه حرام، ويطلقان أيضاً على معنى أخص يعتمد على معنى أخص يعتمد على تلك الاركان الثلاثة وركن رابع هو العمل بالدعائم التي بنى الاسلام عليها وهي خمس:

[58]

الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، وبالنظر الى هذا قالوا: الإيمان إعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، (من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً) فكل مورد في القرآن اقتصر على ذكر الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر - يراد به الاسلام والايمان بالمعنى الأول وكل مورد أضيف إليه ذكر العمل الصالح يراد به المعنى الثاني والأصل في هذا التقسيم قوله تعالى: (قالت الاعراب آمنّا قل لم تؤمنوا لكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم) وزاده تعالى إيضاحاً بقوله بعدها: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون) يعنى أن الايمان قول ويقين وعمل، فهذه الأركان الأربعة هي اصول الاسلام والايمان بالمعنى الأخص عند جمهور المسلمين.

ولكن الشيعة الإمامية زا دوا (ركناً خامساً) وهو الإعتقاد بالإمامة يعني أن يعتقد أن الإمامة منصب إلهي كالنبوّة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عبادة للنبوّة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة).

فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيّه بالنص عليه، وأن ينصبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان عليه النبي أن يقوم بها سوى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبي وإنما يتلقى الأحكام منه مع تسديد إلهي فالنبي مبلّغ عن الله والإمام مبلّغ

[59]

عن النبي، والإمامة متسلسلة في اثني عشر كل سابق ينص على الاحق ويشترطون أن يكون معصوماً كالنبي عن الخطأ والخطيئة وإلا زالت الثقة به وكريمة قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمن تدبّرها جيداً وأن يكون أفضل أهل زمانه في كل فضيلة وأعلمهم بكل علم لأن الغرض منه تكميل البشر وتزكية النفوس وتهذيبها بالعلم والعمل الصالح (هو الذي بعث في الاميين رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلمّهم الكتاب والحكمة) والناقص لا يكون مكمّلاً، والفاقد لا يكون معطياً، فالإمام في الكمالات دون النبي وفوق البشر، فمن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص، وإذا اقتصر على تلك الأركان الأربعة فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك لأنه بعدم الإعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً (معاذ الله)، نعم يظهر أثر التدين بالإمامة، في منازل القرب والكرامة يوم القيامة، أما في الدنيا فالمسلمون بأجمعهم سواء وبعضهم لبعض أكفاء، وأما في الآخرة فلا شك أن المسلمين تتفاوت درجاتهم ومنازلهم حسبت نياتهم وأعمالهم، وأمر ذلك وعلمه إلى الله سبحانه ولا مساغ للبحث به لأحد من الخلق والغرض ان أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو القول بإمامة الأئمة الأثني عشر وبه سميت هذ الطائفة (إمامية) إذ ليس كل

[60]

الشيعة تقول بذلك كيف واسم الشيعة يجري على الزيدية والإسماعيلية والواقفية والفطحية غيرهم هذا إذا اقتصرنا على الداخلين في حظيرة الاسلام منهم، أنا لو توسعنا في الإطلاق والتسمية حتى للملاحدة الخارجين عن حدود كالخطابية واضرابهم فقد تتجاوز طوائف الشيعة المئة أو أكثر ببعض الاعتبارات والفوارق ولكن يختص اسم الشيعة اليوم على إطلاقه بالإمامية التي تمثل أكبر طائفة في المسلمين بعد طائفة السنّة والقول بالاثني عشر ليس بغريب عن اصول الاسلام وصحاح كتب المسلمين فقد روى البخاري وغيره في صحيحه حديث الاثني عشر خليفة بطرق متعددة (منها) بسنده عن النبي (ص) ان هذا ا لأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم أثنا عشر خليفة قال ثم تكلم بكلام خفي عليّ فقلت لأبي ما قال؟ قال كلهم من قريش وروى أيضاً لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم أثنا عشر رجلاً وروى أيضاً لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة وما أدري من هؤلاء الاثنا عشر؟ والقوم يروون عنه (ص) الخلافة بعدي ثلاثون ثم تعود ملكاً عضوضاً، دع عنك ذا فلسنا بصدد إقامة الدليل والحجة على إمامة الاثني عشر فهناك مؤلفات لهذا الشأن تتوف على الألوف ولكن القصد أن نذكر اصول عقائد الشيعة ورؤوس أحكامها المجمع عليه عندهم والعهدة في إثباتها على موسوعات مؤلفاتهم، وهنا نعود فنقول الدين علم وعمل، وظائف للعقل ووظائف للجسد فهنا -منهجان-:

-الأول- في وظائف العقل.

[61]

التوحيد(1)

يجب على العاقل بحكم عقله عند الإمامية تحصيل العلم والمعرفة بصانعه والإعتقاد بوحدانيته في الالوهية وعدم شريك له في الربوبية واليقين بأنه هو المستقل بالخلق والرزق والموت والحياة والإيجاد الإعدام بل لا مؤثر في الوجود عنده إلا الله، فمن اعتقد أن شيئاً من الرزق أو الخلق أو الموت أو الحياة لغير الله فهو كافر مشرك خارج عن ربقة الاسلام، وكذا يجب عندهم إخلاص الطاعة والعبادة لله، فمن عبد شيئاً معه أو شيئاً دونه أو ليقرّبه زلفى الى الله فهو كافر عندهم أيضاً، ولا تجوز العبادة إلا لله وحده لا شريك له وطاعة الانبياء والأئمة عليهم السلام فيما يبلّغون عن طاعة الله ولكن لا يجوز عبادتهم بدعوى أنها عبادة لله، فانها خدعة شيطانية وتلبيسات أبليسية، نعم التبرك بهم والتوسل الى الله بكرامتهم ومنزلتهم عند الله والصلاة

___________________________________

(1) التوحيد هو الأصل الأول عند الامامية.

[62]

عند مراقدهم لله كله جائز وليس من العبادة لهم بل العبادة لله، وفرق واضح بين الصلاة لهم الصلاة لله عند قبورهم (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) هذه العقيدة الإمامية في التوحيد المجمع عليها عندهم على اختصار وإيجاز، ولعل الأمر في التوحيد أشدّ عندهم مما ذكرناه، وله مراتب ودرجات كتوحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال وغير ذلك مما لا يناسب المقام ذكرها وبسط القول فيها.

[63]

النبوة(1)

يعتقد الشيعة الإمامية أن جميع الأنبياء الذين نص عليهم القرآن الكريم رسل من الله وعباد مكرمون بعثوا لدعوة الخلق الى الحق وأن محمداً خاتم الأنبياء وسيد الرسل وأنه معصوم من الخطأ والخطيئة وأنه ما ارتكب المعصية مدة عمره وما فعل إلا ما يوافق رضا الله سبحانه حتى قبضه الله إليه، وأن الله سبحانه أسرى به من المسجد الحرام الى المجسد الأقصى ثم عرج من هناك بجسده الشريف الى ما فوق العرش والكرسي وما وراء الحجب والسرادقات حتى صارمن ربه قاب قوسين أو أدنى، وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين الى وجود نقص فيه

________________________________________________________

(1) الأصل الثاني عند الشيعة الامامية.

[64]

أو تحريف فهو مخطئ نص الكتاب العظيم -إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون-، والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً فإما أن تأول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار، ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد (ص) أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله.

[65]

الامامة(1)

قد أنبأناك أن هذا هو الأصل الذي امتازت به الإمامية وافترقت عن سائر فرق المسلمين وهو فرق جوهري أصلي وما عداه من الفروق فرعية عرضية كالفروق التي تقع بين أئمة الاجتهاد عندهم كالحنفي والشافعي وغيرهما وعرفت أن مرادهم بالإمامة كونها منصباً إلهياً يختاره الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي ويأمر النبي بأن يدل الامة عليه ويأمرهم باتباعه، ويعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علي وينصبه علماً للناس من بعده، وكان النبي يعلم أن ذلك سوف يثقل على الناس وقد يحملونه على المحاباة والمحبة لابن عمه وصهره، ومن المعلوم أن الناس ذلك اليوم وإلى اليوم ليسوا في مستوى واحد من الإيمان واليقين بنزاهة النبي وعصمته عن الهوى والغرض،

___________________________________________________________

(1) الأصل الثالث عند الامامية.

[66]

ولكن الله سبحانه لم يعذره في ذلك فأوحى اليه: -يا أيها النبي بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته-، فلم يجد بداً من الإمتثال بعد هذا الإنذار الشديد فخطب الناس عند منصرفه من حجة الوداع، في غدير خم فنادى وجلّهم يسمعون: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا اللهم نعم، فقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) الى آخر مال قال، ثم أكد ذلك في مواطن اخرى تلويحاً وتصريحاًٍ وإشارة ونصاً حتى أدى الوظيفة وبلّغ عند الله المعذرة، ولكن كبار المسلمين بعد النبي (ص) تأولوا تلك النصوص نظراً منهم لصالح الاسلام حسب اجتهادهم فقدّموا وأخرّوا وقالوا الامر يحدث بعده الأمر وامتنع علي وجماعة من عظماء الصحابة عن البيعة أولاً ثم رأى امتناعه من الموافقة والمسالمة ضرر كبير على الاسلام بل ربما ينهار عن أساسه وهو بعد في أول نشوئه وترعرعه، وأنت تعلم أن للاسلام عند أمير امؤمنين من العزة والكرامة والحرص عليه والغيرة بالمقام الذي يضحي له بنفسه وأنفس ما لديه، وكم قذف في لهوات المنايا تضحية للاسلام، وزد على ذلك أنه رأى الرجل الذي تخلف على المسلمين قد نصح للاسلام وصار يبذل جهده في قوته وإعزازه وبسط رايته على البسيطة، وهذا أقصى ما يتوخاه أمير المؤمنين من الخلافة والإمرة، لأجل ذلك كله تابع وبايع حيث رأى أن بذلك مصلحة الإسلام وهو على منصبه الإلهي من الإمامة وان سلّم لغيره التصرف والرئاسة العامة فإن ذلك المقام مما يمتنع التنازل عنه بحال من الأحوال.

[67]

أما حين انتهى الأمر إلى معاوية وعلم أن موافقته ومسالمته وإبقائه والياً فضلاً عن الإمرة ضرر كبير وفتق واسع على الاسلام لا يمكن بعد ذلك رتقه لم يجد بداً من حربه ومنابذته.

-والخلاصة- أن الإمامية يقولون: نحن شيعة علي وتابعوه نسالم من سالمه، ونحارب من حاربه، ونعادي من عاداه، ونوالي من والاه إجابة وامتثالاً لدعوة النبي (ص): اللهم وال من واله، وعاد من عاداه، وحبنا وموالاتنا لعلي وولده إنما هي محبة وموالاة للنبي وإطاعة له.

تالله ما جهل الانسان موضعها *** لكنهم ستروا وجه الذي علموا

وهذا كله أيضاً خارج عن القصد، فلنعد إلى ما كنا فيه من إتمام حديث الإمامية فنقول: إن الإمامية تعتقد أن الله سبحانه لا يخلي الأرض من حجة على العباد من نبي أو وصي ظاهر مشهور أو غائب مستور، وقد نص النبي (ص) وأوصى إلى ولده الحسن وأوصى الحسن أخاه الحسين وهكذا إلى الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، وهذه سنّة الله في جميع الأنبياء من آدمهم إلى خاتمهم، وقد ألّف جم غفير من أعاظم علماء الدين مؤلفات عديدة في إثبات الوصية، وها أنا اورد لك أسماء المؤلفين في الوصية من القرون الاولى والصدر الاول قبل القرن الرابع (كتاب الوصية) لهشام بن الحكم المشهور، (الوصية) للحسين ابن سعيد، (الوصية) للحكم بن مسكين، (الوصية) لعلي بن

[68]

الحسين بن الفضل، (كتاب الوصية) لابراهيم بن محمد بن سعيد ابن هلال، (الوصية) لأحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن، (الوصية) للمؤرخ الجليل عبد العزيز بن يحيى الجلودي، وأكثر هؤلاء من أهل القرن الأول والثاني، أما أهل القرن الثالث فهم جماعة كثيرة أيضاً، (الوصية) لعلي بن رئاب، (الوصية) لمحمد بن المستفاد، (الوصية) لمحمد بن أحمد الصابوني (الوصية) لمحمد بن الحسن بن فروخ، (كتاب الوصية والإمامة) للمؤرخ الثبت الجليل علي بن الحسين المسعودي صاحب مروج الذهب، (الوصية) لشيخ الطائفة محمد بن الطوسي، (الوصية) لمحمد بن علي الشلمغاني المشهور، (الوصية) لموسى بن الحسين بني عامر، أما ما أُلف بعد القرن الرابع فشيء لا يستطاع حصره، وذكر المسعودي في كتابه المعرفو بـ (إثبات الوصية)(1) لكل نبي اثني عشر وصياً ذكرهم بأسمائهم ومختصر من تراجمهم وبسط الكلام بعض البسط في الأئمة الاثني عشر وقد طبع في إيران طبعة غير جيدة، وهذا ما ألفه العلماء في الإمامة وإقامة الأدلة العقلية والنقلية عليها، ولسنا بصدد شيء من ذلك، نعم في قضية المهدي قد تعلو نبرات الإستهتار والإستنكار من سائر فرق المسلمين بل ومن غيرهم على الإمامية في الإعتقاد بوجود إمام غائب عن الإبصار ليس له أثر من الآثار، زاعمين أنه رأي قائل وعقيدة سخيفة والمعقول من إنكار يرجع إلى أمرين:

____________________________________

(1) طبع في النجف وايران حديثاً.

[69]

(الأول): استبعاد بقائه طول هذه المدة التي تتجاوز الألف سنة وكأنهم ينسون أو يتناسون حديث عمر نوح الذي لبث في قومه بنص الكتاب ألف سنة إلا خمسين عاماً وأقل ما قيل في عمره ألف وستمائة سنة وقيل أكثر إلى ثلاثة آلاف، وقد روى علماء الحديث من السنة بغير نوح ما هو أكثر من ذلك (تهذيب الأسماء) ما نصه: اختلفوا في حياة الخضر ونبوّته فقال الأكثرون من العلماء هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم وإنما شذّ بانكاره بعض المحدثين.

ويخطر لي أنه قال هو في موضع آخر والزمخشري في (ربيع الأبرار): إن المسلمين متفقون على حياة أربعة من الأنبياء اثنان منهم في السماء وهما إدريس وعيسى اثنان في الأرض الياس والخضر وأن ولادة الخضر في زمن إبراهيم أبي الأنبياء والمعمرون الذين تجاوزوا العمر الطبيعي إلى مئات السنين كثيرون وقد ذكر السيد المرتضى في أماليه جملة منهم وذكر غيره كالصدوق في (إكمال الدين) أكثر مما ذكره الشريف، وكم رأينا في هذه الأعصار من تناهت بهم الأعمار إلى المائة والعشرين وما قاربها

[70]

أو زاد عليها، على أن الحق في نظر الاعتبار أن من يقدر على حفظ الحياة يوماً واحداً يقدر على حفظها آلافاً من السنين، ولم يبق إلا أنه خارق العادة وهل خارق العادة والشذوذ عن نواميس الطبيعة في شؤون الأنبياء والأولياء بشيء عجيب أو أمر نادر؟

راجع مجلدات المقتطف السابقة تجد فيها المقالات الكثيرة والبراهين الجلية لأكابر فلاسفة الغرب في إثبات إمكان الخلود في الدنيا للانسان، وقال بعض كبار علماء أوروبا: لو لا سيف ابن ملجم لكان علي بن أبي طالب من الخالدين في الدنيا لأنه قد جمع جميع صفات الكمال والاعتدال، وعندنا هنا تحقيق بحث واسع لا مجال لبيانه.

(الثاني): السؤال عن الحكمة والمصلحة في بقائه مع غيبته وهل وجوده مع عدم الإنتفاع به إلا كعدمه؟ ولكن ليت شعري هل يريد اولئك القوم أن يصلوا الى جميع الحكم الربانية، والمصالح الإلهية، وأسرار التكوين والتشريع ولا تزال جملة الأحكام إلى اليوم مجهولة الحكمة، كتقبيل الحجر ا لأسود مع أنه حجر لا يضر ولا ينفع، وفرض صلاة المغرب ثلاثاً العشاء أربعاً والصبح اثنتين وهكذا إلى كثير من أمثالها، وقد استأثر الله سبحانه نفسه لعلم جملة أشياء لم يطلع عليها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً كعلم الساعة وأخواته -إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث-.

[71]

وأخفى جملة امور لم يعلم على التحقيق وجة الحكمة في إخفائها كالاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الإستجابة، والغاية أنه لا غرابة في أن يفعل سبحانه فعلاً أو يحكم حكماً مجهولي الحكمة لنا إنما الكلام في وقوع ذلك وتحقيقه فإذا صح أخبار النبي وأوصيائه المعصومين عليهم السلام لم يكن بد من التسليم والإذعان ولا يلزمنا البحث عن حكمته وسببه وأخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب الوجيز أن لا نتعرض لشيء من الأدلة بل هي موكولة إلى مواضعها، والأخبار في (المهدي) عن النبي (ص) من الفريقين مستفيضة، ونحن وان اعترفنا بجهل الحكمة وعدم الوصول الى حاق المصلحة، ولكن كان قد سألنا نفس هذا السؤال بعض عوام الشيعة فذكرنا عدة وجوه تصلح للتعليل، ولكن لا على البت فإن المقام أدق وأغمض من ذلك ولعل هناك اموراً تسعها الصدور، ولا تسعها السطور، وتقوم بها المعرفة، ولا تأتي عليها الصفة، والقول الفصل انه إذا قامت البراهين في مباحث الإمامة على وجوب وجود الإمام في كل عصر وأن الأرض لا تخلو من حجة، وإن وجوده لطف، وتصرفه لطف آخر، فالسؤال عن الحكمة ساقط والأدلة في محالها على ذلك متوفرة وفي هذا القدر من الإشارة كفاية إن شاء الله.

[72]

العدل(1)

ويراد به الاعتقاد بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً ولا يفعل ما يستقبحه العقل السليم، وليس هذا في الحقيفة أصلاً مستقلاً بل هو مندرج في نعوت الحق ووجوب وجوده المستلزم لجامعيته لصفات الجمال والكمال فهو شأن من شؤون التوحيد، ولكن الأشاعرة لما خالفوا العدلية وهم المعتزلة والإمامية فأنكروا الحسن والقبح العقليين وقالوا ليس الحسن إلا ما حسنّه الشرع وليس القبح إلا ما قبّحه الشرع، وأنه تعالى لو خلّد المطيع في جهنم، والعاصي في الجنة، لم يكن قبيحاً لأنه يتصرف في ملكه و -لا يسأل عما يعفل وهم يسألون- حتى أنهم أثبتوا وجوب معرفة الصانع ووجوب النظر في المعجزة لمعرفة النبي من طريق السمع والشرع لا من طريق العقل لأنه ساقط عن متعة

__________________________________________________

الأصل الرابع من اصول العقائد عند الامامية وأركان الايمان.

[73]

الحكم فوقعوا في الاستحالة والدور الواضح (أما العدلية) فقالوا ان الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلا تأكيداً وإرشاداً والعقل يستقل بحسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر ويحكم بأن القبيح مناف للحكمة، وتعذيب المطيع ظلم والظلم قبيح وهو لا يقع منه تعالى، وبهذا أثبتوا لله صفة العدل وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة الى خلاف الأشاعرة فإن الأشاعرة في الحقيقة لا ينكرون كونه تعالى عادلاً غايته أن العدل عندهم هو ما يفعله وكل ما يفعله فهو حسن، نعم أنكروا ما أثبته المعتزلة والإمامية من حكومة العقل وإدراكه للحسن والقبح على الحق جل شأنه زاعمين أنه ليس للعقل وظيفة الحكم بأن هذا حسن من الله وهذا قبيح منه، والعدلية بقاعدة الحسن والقبح العقليين المبرهن عليها عندهم، أثبتوا جملة من القواعد الكلامية كقاعدة اللطف، ووجوب شكر المنعم، ووجوب النظر في المعجزة، وعليها بنوا أيضاً مسألة الجبر والاختيار وهي من معضلات المسائل التي أخذت دوراً مهماً في الخلاف حيث قال الأشاعرة بالجبر أو بما يؤدي اليه وقال المعتزلة بأن الإنسان حر مختار له حرية الإرادة والمشيئة في أفعاله غايته أن ملكة الاختيار وصفته كنفس وجوده من الله سبحانه فهو خلق العبد وأوجده مختاراً، فكلي صفة الاختيار من الله والاختيار الجزئي في الواقع الشخصية للعبد ومن العبد، والله جل شأنه لم يجبر على فعل ولا ترك بل العبد اختار ما شاء منهما مستقلاً، ولذا يصح عند العقل والعقلاء ملامته وعقوبته على

[74]

فعل الشر ومدحه ومثوبته على فعل الخير إلا لبطل الثواب والعقاب ولم تكن فائدة في بعثة الأنبياء وإنزال الكتب والوعد والوعيد ولا مجال هنا لأكثر من هذا وقد بسطنا بعض الكلام في هذه المباحث في آخر الجزء الاول من كتاب (الدين والاسلام) وقد أوضحناها بوجه يسهل تناوله وتعقله للأواسط فضلاً عن الأفاضل، وإنما الغرض هنا أن من عقائد الامامية واصولهم ان الله عادل، وان الانسان حر مختار.

[75]

المعاد(1)

يعتقد الامامية كما يعتقد سائر المسلمين أن الله سبحانه يعيد الخلائق ويحييهم بعد موتهم يوم القيامة للحساب والجزاء، والمعاد هو الشخص بعينه وبجسده وروحه بحيث لو رآه الرائي لقال هذا فلان ولا يجب أن تعرف كيف تكون الاعادة وهل هي من قبيل إعادة المعدوم أو ظهور الموجود أو غير ذلك ويؤمنون بجميع ما في القرآن والسنة القطعية من الجنة والنار ونعيم البرزخ وعذابه والميزان والصراط والأعراف والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأن الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشرا -ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره- إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في محلها من كل ما صدع به الوحي المبين، وأخبر به الصادق الأمين.

هذا تمام الكلام في الشطر الأول من شطري الايمان بالمعنى الأخص وهو ما يرجع إلى وظيفة العقل والقلب، ومرحلة العلم والاعتقاد، ونستأنف الكلام فيما هو من وظيفة القالب والجسد أعني مرحلة العمل بأركان الإيمان من أفعال الجوارح.

______________________________________________

الأصل الخامس من اصول العقائد عند الامامية.

 

[76]

وظيفة القلب والجسد

تمهيد وتوطئة

يعتقد الإمامية أن لله بحسب الشريعة الاسلامية في كل واقعة حكماً حتى أرش الخدش، وما من عمل من أعمال المكلفين من حركة أو سكون إلا ولله فيه حكم من الأحكام الخمسة، الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة.

وما من معاملة على مال أو عقد نكاح ونحوهما إلا وللشرع فيه حكم صحة أو فساد، وقد أودع الله سبحانه جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء، وعرفها النبي بالوحي من الله أو الالهام، ثم أنه سلام الله عليه حسب وقوع الحوادث أو حدوث الوقائع أو حصول الابتلاء، وتجدّد الآثار والأطوار بيّن كثيراً منها للناس وبالأخص لأصحابه الحافين به الطائفين كل يوم بعرش حضوره ليكونوا هم المبلّغين لسائر المسلمين في الآفاق -لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً-، وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعي والبواعث لبيانها أو

[77]

لعدم الابتلاء بها في عصر النبوة أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها، والحاصل أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد به الى الآخر لينشره في الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص أو مطلق مقيد أو مجمل مبيّن الى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته وقد لا يذكر أصلاً بل يودعه عند وصيه الى وقته، ثم ان الأحاديث التي نشرها النبي (ص) في حياته قد يختلف الصحابة في فهم معانيها على حسب اختلاف مراتب أفهامهم وقرائحهم -انزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها-.

ولكن تأخذ الأذهان منه *** على قدر القرائح والفهوم

ثم إن الصحابي قد يسمع من النبي في واقعة حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً ولا تنافي واقعاً، ومن هذه الأسباب وأضعاف أمثالها احتاج حتى نفس الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام الى الاجتهاد والنظر في الحديث وضم بعضه الى بعض والإلتفات الى القرائن الحالية فقد يكون للكلام ظاهر ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة كانت في المقام، والحديث

[78]

نقل والقرينة لم تنقل، وكل واحد من الصحابة ممن كان من أهل الرأي والرواية. . . إذ ليس كلهم كذلك بالضرورة، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث السامع من بعيد أو قريب فهو في الحال راوٍ ومحدّث، وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات بحسب نظره واجتهاده فهو في هذا الحال مفتٍ وصاحب رأي، وأهل هذه الملكة مجتهدون، وسائر المسلمين الذين لم يبلغوا إلى تلك المرتبة إذا أخذوا برأيه مقلّدون وكان كل ذلك قد جرى في زمن صاحب الرسالة وبمرأى منه ومسمع، بل ربما أرجع بعضهم إلى بعض، على أن الناس من هذا بازاء أمر واقع لا محالة.

وإذا أمعنت النظر فيما ذكرناه اتضح لديك أن باب الاجتهاد كان مفتوحاً في زمن النبوة وبين الصحابة فضلاً عن غيرهم وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته ان الاجتهاد يومئذ كان خفيف المؤنة جهداً لقرب العهد وتوفر القرائن وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع ثم كلما بعد العهد من زمن الرسالة وتكثّرت الآراء واختلطت الأعارب بالأعاجم وتغيّر اللحن وصعب الفهم للكلام العربي على حاق معناه وتكثّرت الأحاديث الروايات، وربما دخل فيها الدس والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي (ص)، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يصعب ويحتاج الى مزيد مؤونة واستفراغ واسع، وجمع بين الأحاديث وتمييز الصحيح منها من السقيم وترجيح بعضها على بعض، وكلما بعد العهد وانتشر الاسلام وتكثرت العلماء والرواة ازداد الأمر

[79]

صعوبة، ولكن مهما يكن الحال فباب الاجتهاد كان في زمن النبي (ص) مفتوحاً بل كان أمراً ضرورياً عند من يتدبر، ثم لم يزل مفتوحاً عند الإمامية إلى اليوم، والناس بضرورة الحال لا يزالون بين عالم وجاهل وبسنّة الفطرة وقضاء الضرورة ان الجاهل يرجع اإلى العالم، فالناس إذاً في الأحكام الشرعية بين عالم ومجتهد، وجاهل ومقلد، يجب عليه الرجوع في تعيّن تكاليفه إلى أحد المجتهدين، والمسلمون متفقون أن أدلة الأحكام الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة ثم العقل والإجماع، ولا فرق في هذا بين الإمامية وغيرهم من فرق المسلمين، نعم يفترق الإمامية عن غيرهم هنا من امور:

(منها) ان الإمامية لا تعمل بالقياس وقد تواتر عن أئمتهم عليهم السلام (ان الشريعة إذا قيست محق الدين) والكشف عن فساد العمل بالقياس يحتاج إلى فصل بيان لا يتسع له المقام.

و (منها): أنهم لا يعتبرون من السنة (أعني الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله سلام الله عليهم جميعاً، أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان ابن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم

[80]

أشهر من أن يذكر، كيف وقد صرح كثير من علماء السنة بمطاعنهم ودلّ على جائفة جروحهم.

(ومنها) أن باب الاجتهاد كما عرفت لا يزال مفتوحاً عند الإمامية بخلاف جمهور المسلمين فإنهم قد سد عندهم هذا الباب وأُقفل على ذوي الألباب، وما أدري في أي زمان وبأي دليل وبأي نحو كان ذلك الانسداد، ولم أجد من وفى هذا الموضوع حقه من علماء القوم وتلك أسئلة لا أعرف من جواباتها شيئاً، والعهدة في إيضاحها عليهم.

وما عدا تلك الامور فالامامية وسائر المسلمين فيها سواء لا يختلفون إلا في الفروع كاختلاف علماء الامامية أو علماء السنة فيما بينهم من حيث الفهم والاستنباط.

والمراد بالمجتهد من زاول الأدلة ومارسها واستفرغ وسعه فيها حتى حصلت له مكلة وقوة يقدر بها على استنباط الحكم الشرعي من تلك الأدلة وهذا أيضاً لا يكفي في جواز تقليده بل هنا شروط اخرى - أهمها العدالة - وهي ملكة يستطيع معها المرء الكف عن المعاصي والقيام بالواجب كما يستطيع من له مكلة الشجاعة اقتحام الحرب بسهولة بخلاف الجبان، وقصاراها أنها حالة من خوف الله ومراقبته تلازم الانسان في جميع أحواله وهي ذات مراتب أعلاها العصمة التي هي شرط في الامام، ثم أنه لا تقليد ولا اجتهاد في الضروريات كوجوب الصلاة والصوم وأمثالها مما هو مقطوع به لكل مكلف ومنكره

[81]

منكر لضروري من ضروريات الدين كما لا تقليد في اصول العقائد كالتوحيد والنبوّة والمعاد ونحوها مما يلزم تحصيل العلم به من الدليل على كل مكلف ولو إجمالاً فإنها تكليف علمية وواجبات اعتقادية لا يكفي الظن والاعتماد فيها على رأي الغير (فاعلم أنه لا إله إلا هو) وما عداها من الفروع فهو موضع الاجتهاد والتقليد.

وأعمال المكلفين التي هي موضوع لأحكام الشرع يلزم معرفتها اجتهاداً أو تقليداً ويعاقب من ترك تعلمها بأحد الطريقين لا تخلو إما أن يكون القصد منها المعاملة بين العبد وربه فهي العبادات الموقوف على صحتها على قصد التقرب بها إلى الله، (بدنية) كالصوم والصلاة والحج أو(مالية) كالخمس والزكاة والكفارات أو المعاملة بينه وبين الناس، وهي إما أن تتوقف على طرفين كعقود المفاوضات والمناكحات، أو تحصيل من طرف واحد كالطلاق والعتق ونحوهما أو المعاملة مع خاصة نفسه، ومن حيث ذاته كأكله وشربه ولباسه وأمثال ذلك، والفقه يبحث عن أحكام جميع تلك الأعمال في أبواب أربعة.

العبادات، المعاملات، الايقاعات، الأحكام.

وامهات العبادات ست:

اثنتان بدنية محضة، وهما الصوم والصلاة، واثنتان مالية محضة وهما الزكاة، والخمس، واثنتان مشتركة على المال والبدن

[82]

وهما: الحج والجهاد -جاهدوا بأموالكم وأنفسكم- أما الكفارات فعقوبات خاصة على جرائم مخصوصة.