[3]

أصل الشيعة واصولها

تأليف:

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم

"كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم".

(البقرة 213)

"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه".

(البقرة 75)

"فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون".

(البقرة 79)

[6]

دأب الناس على تبديل شرائع أنبياء الله وتحريف كتبهم من بعدهم، وكلما حرّف الناس كتاب نبي وبدّلوا شريعته جدّد الله دينه بإرسال نبي جديد حتى اقتضت حكمته أن يختم النبوات بإرسال خاتم أنبيائه محمد (ص)، فضمن حفظ كتابه بنفسه وقال:

"إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون"(1).

***

تضمن القرآن الاصول الرئيسية لشريعة الاسلام من صلاة وزكاة وحج الى كل ما يحتاجه الانسان من عبادات ومعاملات وسائر الأحكام.

وبيّن الرسول عدد ركعات الصلاة وأذكارها، وعيّن أنصبة الزكاة وعلّم مناسك الحج وحدّد مواقيته.

_____________________________________

(1) الحجر: 9.

[7]

وهكذا سائر الأحكام في القرآن اصوله، وفي سنة الرسول تبيينه وتحديده، ولذلك قال الله تعالى: -وما آتاكم الرسول فخذوه ما نهاكم عنه فانتهوا- (1).

ولما كان الناس قد كذبوا على رسول الله في حياته كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

-لقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: -من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار- (2)، ولم يكفّ الناس من الكذب عليه من بعده.

ومن هنا وقع التغيير في أحكام الاسلام في هذه الامة، فاذا كان الله قد حفظ كتابه العزيز من التحريف فقد مدّت الأيدي الى الحديث الشريف الذي فيه شرح القرآن وتحديد مفاهيمه، فغيّرت منه وبدّلت، ووضعت على رسول الله من الكذب والافتراء ما وضعت.

ومن ثم وقع الخلاف بين أبناء هذه الامة في كل جانب من جوانب الدين الاسلامي عقائده وأحكامه.

وقع الخلاف في صفات الله: أهو جسم وله أعضاء وجوارح، وهل يرى يوم القيامة وكيف يرى (3)؟.

________________________________________________

(1) الحشر: 7.

(2) راجع الخطبة 208 من نهج البلاغة، وصحيح البخاري باب (إثم من كذب على النبي) من كتاب العلم وفتح الباري 1 /209.

(3) راجع كتاب التوحيد لابن خزيمة نشر مكتبة الكليات الأزهرية بمصر ط. سنة 1387 هـ. وكلمة حول الرؤية للسيد عبد الحسين شرف الدين ط. النعمان في النجف.

[8]

وفي كلامه القرآن: أمخلوق هو أم قديم؟

وفي أنبيائه أهم معصومون من كل ذنب؟ أم معصومون عن الكذب في تبليغ الوحي فحسب، وقد صدرت منهم المعاصي!

وفي كيفية تلقي خاتم الأنبياء الوحي: أحسب النبي جبرائيل شيطاناً يتلعب به أم أدرك أنه الروح الأمين نزل بالقرآن على قلبه(1).

وفي الأحكام أيمسح المتوضئ رجليه أم يغسلهما؟ وهل يقرأ البسملة في الحمد أم لا؟ وهل يجب طواف النساء في الحج أم لا يجب(2)؟

وهكذا وقع الخلاف في جميع جوانب التشريع الاسلامي.

أما كيف نشأ الخلاف في كل هذه المسائل؟ فلعل الباحث المتتبع يدرك بيسر وسهولة، انها نشأت على اثر تدخل الحكام فيها مدى القرون، فإن الحكام - على الأغلب - كانوا اذا اقتضت سياسة الحكم عندهم أمراً أقرّوه (3) ثم أوّل المتزلفون إليهم القرآن بموجبه ورووا الحديث عن النبي في تأييدهم(4).

ثم أصبح ما تبناه الحكام قانوناً يعمل به ومثّل الاسلام

______________________________________________________

(1) راجع بدء نزول الوحي على رسول الله في كتب السنة والشيعة.

(2) راجع (مسائل فقهية) للسيد شرف الدين والوضوء للشيخ نجم الدين العسكري.

(3) راجع (النص والاجتهاد) للسيد شرف الدين.

(4) راجع (من تاريخ الحديث) للكاتب و(أضواء على السنة المحمدية) للعالم المصري الشيخ محمود أبو رية.

[9]

الرسمي، وأهمل ما خالفه ونبذ المخالف وعوقب بقسوة الى حد القتل تارة، واخرى دون ذلك(1).

وأخيراً ارتأت السلطات(2) أن تقسر الامة على الأخذ بفتاوى أحد أئمة المذاهب الأربعة في الفقه وآراء الأشعري في العقائد.

وجمد طوائف من المسلمين على تقليد مؤلفي الصحاح في الحديث وخاصة البخاري ومسلم، فسدّوا على أنفسهم باب العلم بسدهم باب البحث في الحديث كما سدّ عليهم باب ا لاجتهاد بقسرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.

وإذا كانت غالبية الامة تابعت حكامها في ما أقرّت وتبنّت فقد كان في الامة أئمة جاهدت في سبيل الحفاظ على التشريع الاسلامي من الضياع والتبديل وعلى سنة الرسول من التحريف والتصحيف، واولئك هم أئمة أهل بيت الرسالة، وتابعهم من الامة من سمّوا بشيعة أهل البيت حمل علماؤهم الحديث بعد النبي عن أئمة أهل البيت متمثلين بقول الشاعر:

____________________________________________________________

(1) راجع (تاريخ الشيعة) تأليف الشيخ محمد حسين المظفر.

(2) كما أصدر الظاهر بيبرس البندقداري أمراً بذلك سنة 665 هـ راجع خطط المقريزي ص 161.

والأئمة الأربعة هم كل من: أبي حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله المتوفي (150 هـ). وأبي عبد الله مالك بن انس المتوفي (179 هـ). وأبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي المطلبي المتوفي (204 هـ). وأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المتوفي (241 هـ). أما الأشعري فهو أبو الحسن علي بن اسماعيل المتوفي (324 هـ) راجع تراجمهم في العبر.

[10]

ووال اناساً قولهم وحديثهم *** روى جدنا عن جبرائيل عن الباري

وجاهدوا في سبيل المحافظة عليها ونشرها الى يومنا هذا.

ولما كان الناس على دين ملوكهم رأوا الاسلام متمثلا بحكامهم وما تبنوه من حكم وعقيدة وسنة منسوبة الى النبي وسمّوا من تابع الحكام بأهل السنة والجماعة.

وسموا من خالف الحكام وتابع أئمة أهل البيت بالرفضة وطاردت الحكومات المتعاقبة أئمة أهل البيت أولاً ثم طاردت شيعتهم من بعدهم ورمتهم بأنواع التهم.

وقابلهم علماء الشيعة جيلا بعد جيل بتعريف التشيع لأهل البيت وتعريف شيعتهم وبيان وجوه الخلاف بينهم وبين اخوانهم من طوائف المسلمين وكان ممن ألف في ذلك من جهابذة علمائنا المعاصرين:

1 - السيد محسن الأمين المتوفي (1371) في كتابه أعيان الشيعة(1).

2 - الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المتوفي (1373 هـ) في كتابه أصل الشيعة واصولها.

3 - الشيخ آغا بزرك المتوفي (1389) في كتابه الذريعة الى

_______________________________________________

(1) أعيان الشيعة موسوعة في تراجم رجال الشيعة بلغت ستين مجلداً.

[11]

تصانيف الشيعة (1)، وكتابه طبقات الشيعة.

4 - الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الامامية.

5 - السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه شيعة در اسلام.

سلك هؤلاء الأعلام وغيرهم مسلك الدفاع عن التشيع والشيعة والتعريف بهما وكل واحد من سادتنا وشيوخنا المذكورين قد أجاد في ما كتب وأفاد، غير أننا نرى أنه لما كان منشأ الخلاف الحديث الشريف وما روي في سيرة الرسول - سنته - ينبغي للمسلمين ترك الجمود على تقليد السابقين وتقديسهم الى حد التعبد(2)، والقيام ببحث موضوعي في ما روي من سيرة الرسول وحديثه وسيرة الصحابة وخاصة من تحمّل الحديث عن الرسول منهم، ومن أصبح قدوة للمسلمين منهم ثم دراسة كتب الحديث ورواته طبقة بعد اخرى حتى يومنا هذا، وهذا هو السبيل - اليوم - للوصول الى الحق ورفع منشأ الخلاف من أساسه، وقد سلك هذا السبيل كل من:

1 - المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين المتوفي (1377 هـ) في كتابه أبو هريرة.

_________________________________________________________________

(1) الذريعة الى تصانيف الشيعة بلغت مجلداته المطبوعة نحواً من أربع وعشرين مجلداً وبقي منها نحوالربع مخطوطاً، وطبقات اعلام الشيعة دونها وقد طبع منها أربع مجلدات في اعلام القرن الرابع عشر والثالث عشر.

(2) كما يرى ذلك من بعض طوائف المسلمين بالنسبة الى السلف الصالح.

[12]

2 - الكاتب في سلسلة دراسات في الحديث والتاريخ(1).

ويجد الباحث في جواب الامام علي بن أبي طالب (ع) لسليم بن قيس دليلاً على ما نقول. قال سليم قلت لأمير المؤمنين: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل افترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم، قال: فأقبل عليّ فقال: قد سألت فافهم الجواب:

إن في أيدي الناس حقاً وباطلا وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، ولقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيها الناس قد كثرت الكذابة فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.

ثم كذب عليه من بعده(2).

_______________________________________________________________

(1) نشر منه حتى الآن:

1 - عبد الله بن سبأ - القسم الأول.

2 - أحاديث أم المؤمنين عائشة - القسم الأول.

3 - خمسون ومائة صحابي مختلق - القسم الأول والثاني.

(2) - الى هنا نقلناه من اصول الكافي ج 1 / 62 باب اختلاف الحديث ويتفق ما بعده مع ما ورد في الخطبة 208 من نهج البلاغة راجع ط.=

[13]

وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للايمان متصنع بالاسلام، لا يتأتم ولا يتحرج يكذب على الله وعلى رسول الله (ص)، متعمداً فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله (ص): رآه، وسمع منه، ولقف عنه فيأخذون بقوله، وقد أخبر: الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده (ع) فتقربوا الى أئمة الضلالة، والدعاة الى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئاً لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه ولم يتعمد كذباً، فهو في يديه ويرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله (ص) فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم أنه كذلك لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئاً يأمر به ثم (أنه) نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهي عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

_____________________________________________________________

= الاستقامة بالقاهرة تحقيق محي الدين عبد الحميد 2 / 215 - 216 وراجع تحف العقول ص 45.

[14]

وآخر رابع لم يكذب على الله، ولا على رسوله، مبعض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول الله (ص)، ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه.

وقد كان يكون من رسول الله (ص)، الكلام له وجهان: فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله [سبحانه[ به، ولا ما عنى رسول الله (ص) فيحمله السامع، ويوجهه على غير معرفة بمعناه، وما قصد به، وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله (ص) من كان يسأله ويستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله (ع) حتى يسمعوا، وكان لا يمر من ذلك شيء إلا وسألت عنه وحفظته، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلاف، وعللهم في رواياتهم(1).

***

_______________________________________________________________________

(1) تجد بيان ما ورد في هذه الخطبة في الكتب الآتية:

1 - من تاريخ الحديث مخطوط للكاتب.

2 - أضواء على السنة المحمدية وشيخ المضيرة للشيخ محمود أبو رية.

3 - أبو هريرة للسيد عبد الحسين شرف الدين.

[15]

سجلنا كلمة الامام في منشأ الخلاف بطولها لأنها توضح بجلاء ما قلناه من لزوم تغيير مجرى البحث مما عليه المسلمون اليوم الى البحث حول حديث الرسول وسيرته ومن رواهما لييسر لنا السبيل الى تفهم الاسلام الحق بعونه تعالى.

وفي الختام أسأل الله تعالى أن يأخذ بيد هؤلاء الثلة من شبابنا المؤمن التي قامت بنشر سلسلة -أضواء على مدرسة أهل البيت- عليهم السلام ويوفقهم الى نشر ما فيه الخير لامتنا الاسلامية انه سميع مجيب.

3 ذي الحجة سنة 1391 هـ

مرتضى العسكري

[17]

بسم الله الرحمن الرحيم

ومنه أستمد وبه أستعين، بعد حمد الله وسلام علىعباده الذين اصطفى. . .

يكتب سطور هذ الطروس محمد الحسين آل كاشف الغطاء في النجف الاشرف: أوليات جمادي الاولى سنة الخمسين بعد الألف والثلثمائة هجرية.

والسبب الباعث على كتابتها:

إنه منذ سنتين كتب اليّ شاب عراقي من البعثة العلمية التي أرسلتها الحكومة العراقية للتحصيل في (دار العلوم العليا) بمصر كتاباً مطولاً ومما يذكر فيه ما خلاصته:

إنه كان يختلف الى كبار علماء القاهرة في الأزهر وغيره

[18]

وربما جرى الحديث بينهم (والحديث شجون) على ذكر (النجف) وعلمائها، وطريقة التحصيل فيها، والهجرة إليها، وكانوا يكيلون لهم الكيل الوافي من الثناء والإعجاب بسموّ مداركهم وعلوّ معارفهم، ولكن يردفون ذلك بقولهم: ولكن بالأسف انهم شيعة! يقول ذلك الشاب: فكنت أستغرب ذلك وأقول لهم: وما الشيعة؟ وهل هي إلا مذهب من مذاهب الاسلام وطائفة من طوائف المسلمين؟ فيقول قائلهم في الجواب ما حاصله: كلا ليست الشيعة من المسلمين، ولا التشيُّع من مذاهب الاسلام، بل ولا يحق أن يكون أو يُعدّ مذهباً أو ديناً، وإنما هي طريقة ابتدعها الفرس وقضية سياسية لقلب الدولة الأموية الى العباسية، ولا مساس لها بالأديان الإلهية أصلاً، ثم يكتب ذلك الشاب تلو هذا: وأنا يا سيدي شاب مترعرع لا علم لي بمبادء الأديان وتشعُّب المذاهب وفلسفة نشئها وارتقائها وكيف انتشرت، ومن أين ظهرت، وقد دخلني من اولئك الفخام الجسام، المعدودين من الأعلام، شك من أمر تلك الطائفة وصرت على شفا ريبة من إسلامهم فضلاً عن سلامتهم، ثم أخذ يتوسل اليّ بالوسائل المحرجة أن أكشف له عن صميم الحقيقة، ولباب الواقع، كي يستريح من حرارة الشك إلى برد اليقين وروح الطمأنينة، يقول: وإذا لم تنقذني من تلك المتاهة فالمسؤولية عليك إن زللت أو ضللت.

فكتبت إليه ما اتسع له ظرف المراسلة، واحتمله كاهل البريد، وما يلائم عقلية ذلك الشاب، وما رجوت أن

[19]

يزيح عن فؤاده كابوس الشك والإرتياب ولكن حملت على شواعري من الاستغراب، أضعاف ما كان يحمل هو من الإرتياب، وطفقت تتعارض على خواطري أسراب الشكوك من صحة تلك الواقعة، وإنه كيف يمكن أن يبلغ الجهل والعناد بعلماء بلاد هي في طليعة المدن العلمية الاسلامية، ومطمح أنظار العرب بل كافة المسلمين في تمحيص الحقائق، وتمزيق جلابيب الأكاذيب، المنبعثة على الأكثر عن الأغراض والأهواء أو الاسترسال إلى مفتريات السفلة والجهالة، وما كدت أركن الى صدق ما نقله ذلك الشاب حتى وقع في يدي - في تلك الآونة - كتاب الكاتب الشهير (أحمد أمين) الذي أسماه (فجر الاسلام) فسبرته حتى بلغت منه الى ذكر (الشيعة) فوجدته يكتب عنهم كخابط عشواء أو حاطب ليل، ولو أن رجلاً في أقاصي الصين كتب عنهم في هذا العصر تلك الكتابة لم ينفسح له العذر، ولم ترتفع عنه اللائمة، ولكن وقفت على قدم ثابتة من صحة ما كتبه ذلك الشاب، وقلت إذا كان مثل هذا الرجل وهو يكتب كتاباً يريد نشره في الامة الواحدة التي جعلها الله إخواناً بنصّ فرقانه المجيد واستطلاع أحوالهم، والوقوف على حقيقة أمرهم على كثب منه وأيسر شيء عليه، ومع ذلك يسترسل ذلك الاسترسال ويتقول على تلك الطائفة تلك الأقاويل، إذن فما حال السواد والرعاع من عامة المسلمين وقد عرف كل ذي حس مسيس الحاجة وقيام الضرورة الحافزة ا لى شدّ عقد الوحدة، وإبرام امراسها وأحكام أساسها،

[20]

وإنه لا حياة للمسلمين اليوم إلا بالتمسك بعروتها والمحافظة عليها وإلا فلا حياة عزيزة، ولا ميتة شريفة.

مناقشة الدكتور أحمد أمين في تقولاته

ولو عرف المسلمون حقيقة مذهب الشيعة وأنصفوا أنفسهم وإخوانهم لأماتوا روح تلك النشرات الخبيثة التي تثير الحفيظة، وتزرع الضغينة، وتكون قرة عين وأكبر سلاح للمستعمرين ولملاحدة العصر، الذين هم أعداء كل دين، أفلا يثير الحفيظة ويؤجج نار الشحناء في صدور عامة الشيعة؟

ما يقوله في (فجر الاسلام) صفحة 33: أن التشيع كان مأوى يلجأ اليه كل من أراد هدم الاسلام الى آخر ما قال. . . يكتب هذا ويعلم أن النقد من ورائه والتمحيص على أثره، يجرح عاطفة امة تعدّ بالملايين، وتتكون منها الطائفة العظمى من المسلمين.

ومن غريب الاتفاق أن (أحمد أمين) في العام الماضي 1349 هجري بعد انتشار كتابه ووقوف عدة من علماء النجف عليه، زار (مدينة العلم) وحظي بالتشرّف بأعتاب (باب تلك المدينة) في الوفد المصري المؤلف من زهاء ثلاثين بين مدرّس وتلميذ، وزارنا بجماعته ومكثوا هزيعاً من ليلة من ليالي شهر رمضان في نادينا في محفل حاشد، فعاتبناه على تلك الهفوات عتاباً خفيفاً، وصفحنا عنه صفحاً جميلاً، وأردنا أن نمرّ عليه كراماً ونقول له سلاماً، وكان أقصى ما عنده من الإعتذار عدم الاطلاع وقلة المصادر، فقلنا: وهذا أيضاً غير سديد، فإن من يريد أن

[21]

يكتب عن موضوع يلزم عليه أولاً أن يستحضر العدة الكافية ويستقصي الاستقصاء التام، وإلا فلا يجوز له الخوض فيه والتعرض له، وكيف أصبحت مكتبات الشيعة ومنها مكتبتنا المشتملة على ما يناهز خمسة آلاف مجلد أكثرها من كتب علماء السنة وهي في بلدة كالنجف فقيرة من كل شيء إلا من العلم والصلاح إن شاء الله، مكتبات القاهرة ذات العظمة والشأن خالية من كتب الشيعة إلا شيئاً لا يذكر، نعم القوم لا علم لهم من الشيعة بشيء وهم يكتبون عنهم كل شيء، وأشد من هذا غرابة وأبعد شذوذاً أن جماعة من أبناء السنة في العراق لا يعرفون من أحوال الشيعة شيئاً مع دنوّ الدار وعصمة الجوار.

كتب إليّ قبل بضعة أشهر شاب مهذب عريق بالسيادة من شيعة بغداد: إنه سافر الى لواء الديلم (وهو اللواء المتصل ببغداد) وأكثر أهاليه من السنة فكان يحضر نواديهم فيروق لهم حديثه وأدبه ولما علموا أنه من الشيعة صاروا يعجبون ويقولون ما كنا نحسب أن هذه الفرقة أدباً وتهذيباً فضلا عن أن يكونوا ممن له علم أو دين، وما كنا نظنهم إلا من وحوش القفر وشذاذ الفلوات، وكان هذا الشاب يتثير حميتي بقوارص الملام، ويحثني بالطلب المتتابع على أن أكتب عن الشيعة رسالة موجزة تنشر بين الامم الجاهلة، وتعرفّهم، ولو النزر اليسير من أحوال هذه الطائفة ومعتقداتها ودياناتها، ثم بعد برهة سافر هذا الشاب الى سوريا للاصطياف وعرج منها الى مصر فكتب إليّ- يا سيدي

[22]

الحال عن الشيعة عند أهالي مصر هي الحال التي أنبأتك عنها في لواء الديلم، والصورة تلك الصورة، ثم يقول لي: أفما آن لك أن تفي بوعدك، وتقوم بواجبك؟ فإن الشيعة مصورة عند القوم بأبشع صورة يتصورها انسان، إلى آخر ما كتب وحقاً ما كتب وإن طال وأطنب.

فمن هذا كله، وأضاف مثله مما نجده في الصحف المصرية والسورية وغيرها وما تنشره مقالاتهم آونة بعد آخرى من قذف تلك الطائفة بكل هضيمة، ونبزهم بكل عظيمة، هم منها براء براءة يوسف الصديق وأخيه من السرقة، ولكن داء الجهل والعصبية هو الداء العياء الذي قد أعيا الأطباء.

نعم من كل ذلك - رأيت من الظلم الفاحش - السكوت والتغاضي عن هذه الكارثة، لا أعني أنه من الظلم على الشيعة، ولا أريد أن أدفع الظلم عنهم، والمفتريات عليهم، كلا، ولكن أعظم الغرض وأشرف الغاية، رفع أغشية الجهل عن المسلمين من عامة فرق الاسلام، كي يعتدل المنصف، وتتم الحجة على المعاند وترتفع الأئمة ووصمة التقصير عن علماء هذه الطائفة، وأعلى من ذلك رجاء حصول الوئام، ورفع الشحناء والخصام، بين فرق الاسلام الذي قد عم كل ذي شعور، ولا سيما في هذه العصور، إنه من ألزم الامور عسى أن لا يعود كاتب (فجر الاسلام) الذي تكاثقت عليه غواشي الظلم والظلام، فيقول في تلك التي اوعزنا إليها ما نصه: (والحق أن التشيع مأوى يلجأ إليه كل من أراد

[23]

هدم الاسلام لعداوة أو حقد، ومن يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية) الى قوله: (فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلاً، وقال اليهود: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم أن نسبة الامام الى كنيسة المسيح إليه، وقالوا إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الامام، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبداً فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس قبل الاسلام) الى آخر ما قال، ونحن لو لا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكر، ونيران البغضاء أن لا تتسعر، وأن تنطبق علينا حكمة القائل: (لا تنه عن خلق وتأتي مثله) لعرفنا من الذي يريد هدم قواعد الاسلام بمعاول الإلحاد والزندقة، ومن الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة، ولكننا نريد أن نسأل من ذلك الكاتب ، أي طبقات الشيعة أراد هدم الاسلام، الطبقة الاولى وهم أعيان صحابة النبي (ص) وأبرارهم كسلمان المحمدي - أو الفارسي - وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وخزيمة ذي الشهادتين، وأبي التيهان، وحذيفة اليمان، والزبير، والفضل بن العباس، وأخيه الحبر عبد الله، وهاشم بن عتبة المرقال، وأبي أيوب الأنصاري، وأبان، وأخيه خالد ابني سعيد العاص الأمويين، وأُبي بن كعب سيد القراء، وأنس بن الحرث بن نبيه

[24]

الذي سمع النبي (ص) يقول: -إن ابني الحسين (ع) يقتل في أرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره-، فخرج أنس وقتل مع الحسين (ع)، راجع (الإصابة) و(الاستيعاب) وهما من أوثق ما ألفّ علماء السنة في تراجم الصحابة، ولو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة وإثبات تشيعهم من كتب السنة لأحوجني ذلك ان افرد كتاب ضخم، قد كفاني مؤونة ذلك علماء الشيعة (راجع الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة) للسيد علي خان صاحب (السلافة) وغيرها من الكتب الجليلة (كطراز اللغة) الذي هو من أنفس ما كتب في اللغة، على أنه رحمه الله لم يذكر في الطبقات مشاهير الصحابة بعد بني هاشم كحمزة، وجعفر، وعقيل ونظائرهم، وذكر من غيرهم أكثر من قدمنا ذكرهم بزيادة عثمان بن الأحنف، وسهل بن حنيف، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد بن عبادة رئيس الأنصار، وبريدة، والبراء بن مالك، وخباب بن الأرت، رفاعة بن مالك الأنصاري، وأبي الطفيل عامر بن وائلة، وهند ابن أبي هالة، وجعدة بن عبيرة المخزومي، وامه ام هاني بنت أبي طالب، وبلال بن رباح المؤذن، هؤلاء جل ذكرهم أو أكثرهم، ولكن يخطر على بالي إني جمعت ما وجدته في كتب تراجم الصحابة (كالإصابة) و (أسد الغابة) و (الاستيعاب) ونظائرها من الصحابة الشيعة زهاء ثلاثمائة رجل من عظماء النبي (ص) كلهم من شيعة علي (ع)، ولعل المتتبع يعثر على أكثر من ذلك.

[25]

ولكن ما أدري أهؤلاء الذين أرادوا هدم الاسلام؟ أو إمام الشيعة علي بن أبي طالب (ع) الذي يشهد الثقلان أنه لو لا سيفه ومواقفه في بدر، وأُحد، وحنين، والأحزاب، ونظائرها لما اخضرّ للاسلام عود، ولما قام له عمود، حتى قيل في ذلك:

بنى الدين فاستقام ولو ضرب *** ماضيه ما استقام البناء

وغالى المعتزلي عبد الحميد وأساء التعبير حيث قال:

الا إنما الاسلام لولا حسامه *** . . . . . . . . . .

نعم لولا حسامه ومواقفه بعد الهجرة وقبلها وحماية أبيه أبي طالب قبل الهجرة، هذا في مكة وذاك فيها وفي المدينة لقضت قريش وذئبان العرب على الاسلام في مهده وخنقته وهو في حجر امه ولكن جزاء أبي طالب من المسلمين أن يحكموا بأنه مات كافراً، أما أبو سفيان الذي ما قامت راية حرب على النبي إلا وهو سائقها وقائدها وناعقها والذي أظهر الاسلام كرهاً وما زال يعلن بكفره وعدائه للاسلام وهو الذي يقول لما صارت الخلافة الى بني امية: تلقفوها با بني امية تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار. نعم هذا بحكم المسلمين مات مسلماً، وأبو طالب حامية الاسلام مات كافراً مع أن أقل كلماته:

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

[26]

وأبو طالب ليس ذلك الرجل الضعيف، وذي الرأي السخيف الذي يعلم بأن دين محمد من خير الأديان ولا يتبعه ولا يتدين به خوفاً من الناس وهو سيد البطحاء، فدع عنك هذا وعد الى حديث من أراد هدم الإسلام!! أهم هؤلاء الذين ذكرناهم؟ أو الطبقة التي بعدهم طبقة التابعين كالأحنف ابن قيس، وسويد بن غفلة، وعطية العوفي، والحكم بن عتيبة، وسالم بن أبي الجعد، وعلي بن الجعد، والحسن بن صالح، وسعيد ابن جبير، وسعيد بن المسيب، والأصبغ بن نباتة، سليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن يعمر العدواني صاحب الحجاج، وأمثال هؤلاء ممن يطول تعدادهم وذكر أدلة تشيعهم، أهؤلاء الذين أرادوا هدم الاسلام أم الطبقة الاخرى من التابعين وتابعيهم وهم مؤسسوا علوم الإسلام؟ كأبي الأسود الدؤلي مؤسس علم النحو، والخليل بن أحمد مؤسس علم اللغة والعروض، أم أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء مؤسس علم الصرف الذي نص السيوطي في الجزء الثاني من المزهر وغيره انه كان شيعياً، ويعقوب بن اسحق السكيت إمام العربية، أم مؤسسو علم التفسير وأولهم الحبر عبد الله بن عباس وتشيعه كنار على علم، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وأول مفسر جمع كل علوم القرآن وهو محمد بن عمر الواقدي الذي ذكره ابن النديم وغيره ونص على تشيعه واسم تفسيره (الرغيب)؟ أم مؤسس علم الحديث وهو أبو رافع مولى رسول الله (ص) صاحب كتاب الأحكام والسنن والقضايا وهو

[27]

من المختصين بأمير المؤمنين (ع) وصاحب بيت ماله بالكوفة، ثم تلاه ولده علي بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين (ع) وهو أول من صنّف في الفقه بعد أبيه، ثم أخوه عبيد الله بن أبي رافع وهو أؤل من ألفّ من المسلمين في التاريخ وضبط الحوادث والآثار.

أم مؤسسو علم الكلام؟ وأول من تكلم في علم الكلام أبو هاشم بن محمد بن الحنفية وألف فيه كتباً جليلة، ثم عيسى بن روضة التابعي الذي بقي إلى أيام أبي جعفر وهما أسبق من واصل ابن عطاء وأبي حنيفة الذي زعم السيوطي أنهما أول من صنّف في الكلام، ثم تلاهما من أعلام الشيعة في علم الكلام قيس الماصر، ومحمد بن علي الأحول المعروف عندنا بمؤمن الطاق وعند غيرنا بشيطان الطاق، وآل نوبخت وهم عائلة علم جليلة استمرت سلسلتهم أكثر من مائة سنة ولهم مؤلفات عالية كفصّ الياقوت وغيره، وهشام بن الحكم، والأحول والماصر وتلاميذهم كأبي جعفر البغدادي السكاك، وأبي مالك الضحاك الخضرمي، وهشام ابن سالم، ويونس بن يعقوب ونظرائهم، هؤلاء هم الذين دوّخوا علماء المذاهب من السلمين وغيرهم من الملاحدة وغيرهم في الجدل والاحتجاج حتى أوقعوهم في المضيق وسدّوا عليهم الطريق في التوحيد والإمامة وغيرهما، وإن أحداً يتصدى لجمع مناظرات كل واحد منهم منتشرة في متفرقات مؤلفات أصحابنا، لجاء لكل واحد كتاب مفرد، على الأخص هشام بن الحكم، كما أننا(28)

لو أردنا أن نحصي فلاسفة الشيعة وحكماءها ومتكلميها لاستوعب ذلك عدة مجلدات.

قل لنا يا صاحب (فجر الاسلام) أهؤلاء الذين آرادوا هدم الاسلام أم الذين أسسوا علم السير والآثار ودوّنوا سيرة النبي (ص) ومعجزاته وغزواته وكرم أخلاقه وأول من صنف ذلك من علماء الاسلام أبان بن عثمان الأحمر التابعي المتوفي سنة 140 هـ من أصحاب الصادق (ع)، ثم هشام بن محمد بن السائب الكلبي ومحمد بن اسحاق المطلبي وأبو مخنف الازدي، وكل من كتب في هذا الفن فهو عيال عليهم والجميع من أعلام الشيعة بالاتفاق، ثم تلاهم أعاظم المؤرخين وأثباتهم وكلهم من الشيعة كأحمد ابن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن، ونصر بن مزاحم المنقري، وإبراهيم بن محمد بن سعد الثقفي، وعبد العزيز الجلودي البصري الامامي، واليعقوبي أحمد بن يعقوب المطبوع تاريخه في (اوروبا) وفي النجف، ومحمد بن زكريا وأبي عبد الله الحاكم المعروف بابن الفيع، والمسعودي صاحب (مروج الذهب)، ومحمد علي بن طباطبا صاحب (الآداب السلطانية)، وكثير من أمثالهم مما يضيق التعداد عن حصرهم، ثم اعطف نظرك على أشعر شعراء الاسلام، وذوي الرايات والأعلام منهم، فهل تجدهم إلا من الشيعة؟ وهم على طبقات:

الاولى طبقة الصحابيين: وأعاظم شعراء هذه الطبقة كلهم من الشيعة أولهم النابغة الجعدي شهد مع أمير المؤمنين (ع)

[29]

صفين وله فيها أراجيز مشهورة، وعروة بن زيد الخيل وكان معه بصفين أيضاً (راجع الاغاني)، ولبيد بن ربيعة العامري نص جماعة على تشيعه، وأبو الطفيل عامر بن وائلة المشهور، وأبو الأسود الدؤلي، وكعب بن زهير صاحب بانت سعاد، وكثير من نظرائهم.

الطبقة الثانية المعاصرة لطبقة التابعين: كالفرزدق، والكميت، وكثير عزة، والسيد الحميري، وقيس بن ذريح وأقرانهم.

الطبقة الثالثة من بعدهم من أهل القرن الثاني: كدعبل الخزاعي، وأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، وديك الجن عبد السلام، وأبي الشيص، والحسين بن الضحاك، وابن الرومي، ومنصور النمري، والأشجع الأسلمي، ومحمد بن وهب، وصريع الغواني، وبالجملة فجلّ شعراء الدولة العباسية في هذا القرن وبعده كانوا من الشيعة عدا مروان بن أبي حفصة وأولاده.

وكذلك الطبقة الرابعة أهل القرن الرابع من الثلاثمائة فيما بعد: مثل متنبي الغرب ابن هاني الأندلسي، وابن التعاويدي والحسين بن الحجاج صاحب المجون، المهيار الديلمي، وأمير الشعراء الذي قيل فيه بدئ الشعر بملك وختم بملك وهو أبو فراس الحمداني، وكشاجم، والناشئ الصغير، والناشىء الكبير، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع الهمداني، والطغرائي، وجعفر شمس الخلافة، والسري الرفاء، وعمارة اليمني والوادعي،

[30]

والخبزأرزي، والزاهي، وابن بسام البغدادي، والسبط ابن التعاويذي، والسلامي، والنامي، وبالجملة فأكثر شعراء (يتيمة الثعالبي) وهي أربع مجلدات - من الشيعة - حتى اشتهر وشاع قول من يقول: (وهل ترى من أديب غير شيعي).

وإذا أرادوا أن يبالغوا في رقة شعر الرجل وحسنه قالوا: يترفّض في شعره، وقد يعدّ المتنبي وأبو العلاء أيضاً من الشيعة وربما تشهد بعض أشعارهم بذلك راجع الجزء الثاني من المراجعات الريحانية وافهم هذا وتدبر هذا سوى شعراء الشيعة من قريش خاصة مثل الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب المترجم في الأغاني وغيره، وكأبي دهبل الجمحي، ووهب بن ربيعة، أو من العلويين خاصة، كالشريفين الرضي والمرتضى، والشريف أبي الحسن علي الحماني بن الشريف الشاعر محمد بن جعفر بن محمد الشريف بن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام وكلهم شعراء، وكان الحماني يقول: أنا شاعر وأبي مثلي وجدي مثلي ومحمد بن صالح العلوي الذي ترجمه في الأغاني وذكر له نفائس الشعر، والشريف ابن الشجري الى كثير من أمثالهم من شعراء الشيعة العلويين، راجع كتاب (نسمة السحر ممن تشيّع وشعر) للشريع اليماني تجده نبذة صالحة منهم، بل ومن شعراء الأمويين الشيعة كعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم، وخالد بن سعيد بن العاص، ومروان بن محمد السروجي أموي شيعي،

[31]

هكذا ذكره الزمخشري في (ربيع الأبرار) على ما خطر بباله وأنشد له:

يا بني هاشم بن عبد مناف *** انني منكم بكل مكان

أنتم صفوة الإله ومنكم *** جعفر ذو الجناح والطيران

وعليَّ وحمزة أسد الله *** وبنت النبي والحسنان

ولئن كنت من امية اني *** لبرئ منهم الى الرحمان

وكأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني، ومقاتل الطالبيين، وكالأبيوردي الأموي الشاعر المشهور صاحب النجديات والعراقيات وغيرهم ممن لا تحضرني الساعة أسماؤهم، وكنت وقفت على جماعة من الشيعة الأمويين، ولكني أكتب هذا الكتاب على جري القلم وترسل الطبع وما هو العتيد الحاضر في الخاطر من تجديد مراجعة كتاب أو مطالعة باب.

ثم اعطف نظرك على أعاظم الملوك والامراء والكتاب والوزراء من الشيعة كالدولة الفاطمية، والبويهية، والحمدانية، وبني مزيد بن صدقة وبني دبيس، عمران بن شاهين أمير البطائح، والمقلد بن المسيب العقيلي، وقرواش بن المسيب، بل وأعاظم الخلفاء العباسيين كالمأمون، والمنتصر، والمعتضد أحمد ابن الموفق، والناصر أحمد بن المستضيء وهو أشهرهم في التظاهر بالتشيع وأشعرهم مراجعته مع ملك الأفضل علي بن يوسف صلاح الدين الأيوبي الصريحة في غلوّهما بالتشيع مشهورة، والمستنصر، وذي القرنين التغلبي وجيه الدولة أبي مطاع، وتميم ابن المعز بن باديس ملك افريقيا والمغرب وكثير من أمثالهم

[32]

مما لا مجال لتعداد أسمائهم فضلاً عن ترجمة أحوالهم وأبنائهم، ثم اسبر أكابر الوزراء في الاسلام فهل تجدهم إلا من الشيعة، كاسحاق الكاتب ولعله أول من سمي وزيراً في الاسلام قبل الدولة العباسية، وابن سملة الخلال حفص بن سليمان الهمدان الكوفي أول وزير لأول خليفة عباسي استوزره السفاح وفوّض جميع الامور لفضله وكفاءته ولقّب (وزير آل محمد) ثم قتله السفاح حين أحسّ منه بالتشيع لآل علي (ع).

وكأبي عبد الله يعقوب بن داود وزير المهدي الذي تولى تدبير جميع الامور حتى قيل فيه:

بنو امية هبوا طال نومكم *** ان الخليفة يعقوب بن داود

وحبسه المهدي أخيراً في المطبق لتشيعه أيضاً إلى أن أخرجه الرشيد، ومن بيوتات الوزارة من الشيعة بنو نوبخت وبنو سهل وزراء المأمون كالفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وبنو الفرات الحسن بن علي تولى للمقتدر ثلاث مرات، وأبو الفتح الفضل بن جعفر، وبنو العميد محمد بن الحسين بن العميد وابنه ذو الكفايتين أبو الفتح علي بن محمد وزراء ركن الدولة، وبنو طاهر الخزاعي وزراء المأمون ومن بعده والوزير المهلبي الحسن بن هارون، وأبو دلف العجلي والصاحب وداهية السياسة أبو القاسم الوزير المغربي ومؤسس الدولة الفاطمية رجل الدولة والسياسة أبو عبد الله

[33]

الحسين بن زكريا المعروف (بالشيعي) وإبراهيم بن العباس الصولي الكاتب الشهير في دولة المتوكل، وطلائع بن رزيك أحد وزراء الفاطمية المشاهير، والأفضل أمير الجيوش في مصر وأولاده وأبو الحسن جعفر بن محمد بن فطير، وأبو المعالي هبة الله بن عبد المطلب وزير المستظهر، ومؤيد الدين محمد بن عبد الكريم القميّ من ذرية المقداد تولى الوزارة للناصر ثم للظاهر ثم للمستنصر والحسن بن سليمان أحد كتاب البرامكة ويعرف (بالشيعي) أيضاً كما في كتاب (الأوراق) للصولى ويحيى بن سلامة الحصفكي وابن النديم صاحب (الفهرست)، وأبو جعفر أحمد بن يوسف وأخوه أبو محمد القاسم وانظر في كتاب الأوراق للصولي قصائده البديعة في مديح أهل البيت ومراثيهم وكانا من أعيان الكتّاب والمتقدمين في عصر المأمون ومن بعده، وكذلك إبراهيم بن يوسف وأولادهم، والإمام في علوم العربية والنوادر أبو عبد الله محمد ابن عمران المرزباني صاحب المعجم الذي نص السمعاني وغيره على تشيعه واعتزاله(1) إلى كثير يضيق الاحصاء.

ولو أردنا ضبط جميع سلاطين الشيعة ومن تقلد الوزارة والإمارة والمناصب العالية بعلمهم وكتابتهم وعظيم خدماتهم

_________________________________________

(1) التشيع بالمعنى الخاص ينافي الاعتزال، ويكفي في تحقيق المباينة أن الشيعة تقول بالنص والمعتزلة لا تقول به، ولكن كثيراً من الشيعة كانوا يتظاهرون بالاعتزال، لمصلحة كانت يقتضيها ذلك الوقت، ومنهم يحيى بن زيد العلوي، الذي ينقل عنه ابن أبي الحديد جملة من التحقيقات العالية. فليفهم هذا.

[34]

للاسلام، لما وسعتهم المجلدات الضخمة والأسفار العديدة، وقد تصدى والدنا العلامة أعلى الله مقامه الى تراجم طبقات الشيعة من علماء وحكماء وسلاطين ووزراء ومنجمين وأطباء وهكذا، الى ثلاثين طبقة كل طبقة مرتّبة على حروف المعجم وسمّاه (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة) فكتب عشرة مجلدات ضخام لم تخرج الى المبيّضة ومع ذلك لم يأت على القليل منهم، وكلنا نريد أن نقول لصاحب (فجر الاسلام) إن كان هؤلاء الذين ذكرنا وأضعاف أمثالهم من رجال الشيعة الذين أسسوا علوم الإسلام وشادوا دعائمه وأحكموا قوائمه إن كانوا هم الذين يريدون هدم الاسلام وأنت واستاذك الدكتور وزملاؤكم هم الذين شيّدوا الاسلام وأيّدوه - إذاً - فعلى الدنيا العفا وعلى الاسلام السلام، ورحم الله فيلسوف المعرّة حيث يقول:

إذا وصف الطائي بالبخل ما در *** . . . . . .

إلى قوله:

فيا موت زر إن الحياة ذميمة *** . . . . .

وما كان شيء من كل هذا من أصل قصدي وصميم غرضي، ولكن جرى القلم به عفواً وتمطى على القول فيه قهراً، فعسى أن يعلم الكاتب من أبناء العصر ومن بعده كيف يكتب ويتصور ماذا يقول، فقد قال أمير المؤمنين (ع) وما أشرفه من قول: لسان العاقل من وراء قلبه، وقلب الجاهل من وراء لسانه.

الحديث عن الرجعة

أما قوله: إن اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة

[35]

أصل من اصول الشيعة وركن من أركان مذهبها حتى يكون نبزاً عليها، ويقول القائل ظهرت اليهودية فيها، ومن يكون هذا مبلغ علمه عن طائفة أليس كان الأحرى به السكوت وعدم التعرض لها، - إذا لم تستطع أمراً فدعه - وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ولا إنكارها بضار، وإن كانت ضرورية عندهم، ولكن لا يناط التشيع بها وجوداً وعدماً، وليست هي إلا كبعض أنباء الغيب، وحوادث المستقبل وإشراط الساعة مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجّال، وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين وما هي من الاسلام في شيء، ليس إنكارها خروجاً منه، ولا الاعتراف بها بذاته دخولاً فيه، وكذا حال الرجعة عند الشيعة وعلى فرض أنها أصل من اصول الشيعة فهل اتفاقهم مع اليهود بهذا يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيع؟ وهل يصح أن يقال أن اليهودية ظهرت في الاسلام لأن اليهودية يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون؟ وهل هذا إلا قول زائف، واستنباط سخيف، ثم هل ترى المتهوّسين على الشيعة بحديث الرجعة - قديماً وحديثاً - عرفوا معنى الرجعة والمراد بها عند من يقول بها من الشيعة، وأي غرابة واستحالة في القول أن سيحيي الله سبحانه جماعة من الناس بعد موتهم، وأي نكر في هذا بعد ان وقع مثله بنص الكتاب الكريم، ألم يسمع المتهوسون قصة ابن العجوز التي قصها الله سبحانه بقوله تعالى: -ألم ترَ إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم . . . -،

[36]

ألم تمرّ عليهم كريمة قوله تعالى: -ويوم نحشر من كل أُمة فوجاً-، مع ان يوم القيامة تحشر فيه جميع الامم لا من كل أُمة فوجاً، وحديث الطعن بالرجعة كان دأب علماء السنة من العصر الأول الى هذا العصر، فكان علماء الجرح والتعديل منهم اذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدّثيهم ولم يجدوا مجالاً للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته نبذوه بأن يقول بالرجعة فكأنهم يقولون يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً، ونادرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة معروفة، وأنا لا اريد أن أثبت في مقامي هذا ولا غيره صحة القول بالرجعة وليس لها عندي من الاهتمام قدر صغير أو كبير، ولكني اردت أن أدلّ (فجر الاسلام) على موضع غلطه وسوء تحامله.

يقول: الشيعة تقول: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلاً وما أدري في أي كتاب من كتب الشيعة وجد هذا، وهل يليق برجل تربّع على دست النقد والتمحيص للمذاهب والأديان أن يقذف طائفة من المسلمين بشناعة لا يأتي عليها منهم بشاهد ولا برهان، كيف وهذه كتب الشيعة كادت أن تسمع حتى الأصم الأبكم، إن الله سبحانه خلق الجنة لمن أطاعه ولو كا ن عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً، ويروون عن أئمتهم عليهم السلام من أمثال ذلك ما يفوت حد الاحصاء، نعم باب الشفاعة من النبي والأئمة عليهم السلام لبعض المذنبين باب آخر، ولعل القول بالشفاعة في الجملة من ضروريات مذهب

[37]

الاسلام، وأيضاً نعيد ما قلناه قريباً، وإنه لو تنازلنا وافترضنا أن الشيعة تقول ذلك فهل يصح بهذا أن يقال التشيع اخذ من اليهودية أو اليهودية ظهرت في التشيع؟ وهل يحسن بعاقل أن يقول أن أبا حنيفة أخذ فقهه من المجوس لأنه وافقهم في بعض الفروع في باب النكاح أو غيره ويعضد ذلك أنه فارسي الأصل أليس يعدّ هذا من سفه القول، وخطل الآراء التي لا فائدة فيها سوى إيقاد نار الشحناء والبغضاء بين المسلمين؟

ثم يقول: والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم ان نسبة الامام الى الله كنسبة المسيح الى الله. . . ان حق الأمانة علي ابن الأمين - ان يعيد الهدف، ولا يرسل في غير سدود وبغير سداد - كان يجب عليه أن يذكر من هو القائل بهذا القول من الشيعة فدل مراده ما يسمونهم غلاة الشيعة كالخطابية والغرابية والعلياوية والمخمسة والبزيعية وأشباههم من الفرق الهالكة المنقرضة التي نسبتها الى الشيعة من الظلم الفاحش وما هي إلا من الملاحدة كالقرامطة ونظارئهم، أما الشيعة الإمامية وأئمتهم عليهم السلام فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم، على أن تلك الفرق لا تقول بمقالة النصارى، بل خلاصة مقالتهم بل ظلالتهم أن الامام هو الله سبحانه ظهوراً أو اتحاداً أو حلولاً أو نحو ذلك مما يقول به كثير متصوفة الاسلام ومشاهير مشائخ الطرق، وقد ينقل الحلاج بل والكيلاني والرفاعي والبدوي وأمثالهم من الكلمات (وان شئت فسمها كما يقولون شطحات)

[38]

ما يدل بظاهره على أن لهم منزلة فوق الربوبية وأن لهم مقاماً عن الالوهية (لو كان ثمة موضع لمزيد) وقريب من ذلك ما يقول به أرباب وحدة الوجود أو الموجود.

أما الشيعة الامامية وأعني بهم جمهرة العراق وإيران وملايين المسلمين في الهند ومئات الالوف في سوريا والأفغان فإن جميع تلك الطائفة من حيث كونها شيعة يبرأون من تلك المقالات ويعدّونها من أشنع الكفر والضلالات، وليس دينهم إلا التوحيد المحض وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق أو ملابسة لهم في صفة من صفات النقص والامكان، والتغير والحدوث، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية، الى غير ذلك من التنزيه والتقديس المشحونة به مؤلفاتهم في الحكمة والكلام من مختصرة (كالتجريد) أو مطولة (كالأسفار) وغيرهما مما يتجاوز الالوف. وأكثرها مطبوع منتشر، وجلها يشتمل على إقامة البراهين الدامغة على بطلان التناسخ والاتحاد والحلول والتجسيم.

ولو راجع المنصف الذي يمشي وراء الحقائق وفوق العصبية والأغراض شيئاً منها لعرف قيمة قول هذه الناشئة المترعرعة التي قذفتنا بهم أعاصير هذا العصر وتطورات هذا الزمن، ثم يعرف قيمة قذف الشيعة بالتناسخ والحلول والتجسيم والقصارى، إنه ان أراد بالشيعة هم تلك الفرق البائدة، والمذاهب الملحدة، التي لا احسب أن في رقعة الأرض منهم اليوم نافخ ضرمه فنحن لا نضايقه في ذلك، ولكن نسبتهم الى الشيعة ظلم فاحش وخطأ

[39]

واضح، وقد أساء التعبير، وما أحسن البيان، ولم يعط الحقيقة حقها، وان أراد بالشيعة الطائفة المعروفة بهذا الاسم التي تعدُّ بالملايين من المسلمين، فنحن نطالبه بإثبات ذلك من مصنفات أحد علمائهم من حاضر أو غابر.

وعلى أي حال فقد استبان مما ذكرناه أن جميع ما ذكره (فجر الاسلام) عن الشيعة في المقام وغيره تهويل لا تحصُّل، ودعا بغير دليل ونحن لا نريد في مقامنا هذا أن نتعقب كتاب (فجر الاسلام) بالنقد وندل على جميع خطيئاته ومبهرج آرائه واجتهاداته، وإنما ذكرنا هذه النبذة استطراداً في قول وشاهداً على صورة حال الشيعة عند كتبة العصر ومن ينظِّمونه في سلك العلماء وأهل الاقلام فما ظنك اذن بالسواد والعوام؟

ومنبع البلية أن القوم الذين يكتبون عن الشيعة يأخذون في الغالب مذهب الشيعة وأحوالهم عن ابن خلدون البربري الذي يكتب وهو في افريقيا وأقصى المغرب عن الشيعة في العراق وأقصى المشرق، أو عن أحمد بن عبد ربه الأندلسي وأمثالهم.

فإذا أراد كتبة العصر أن يتضلعوا ويتوسعوا في معرفة الشيعة رجعوا إلى كتبة الغربيين وكتبة الأجانب كالاستاذ (ولهوسن) أو الاستاذ (دوزي) وأمثالهم.

وهناك الحجة القاطعة والقول الفصل اما الرجوع الى كتب الشيعة وعلمائهم فذاك مما لا يخطر على بال احدهم ولكن الشيعي الذي هو على بينّة من أمره وحقيقة مذهبه إذا نظر إلى ما يكتبه حملة الأقلام،

[40]

في هذه الأيام، عن الشيعة وعقائدها وجدها من نمط النادرة التي يحدّثنا بها الراغب الاصفهاني في كتابه المعروف بـ (المحاضرات) قال على ما يخطر ببالي: سئل رجل كان يشهد على اخر بالكفر عند جعفر بن سليمان فقال: انه خارجي، معتزلي، ناصبي، حروري، جبري، رافضي، يشتم علي بن الخطاب، وعمر بن أبي قحافة، وعثمان بن أبي طالب، وأبا بكر بن عفان، ويشتم الحجاج الذي هو والي الكوفة لأبي سفيان، وحارب الحسين بن معاوية يوم القطايف -أي يوم الطف أو يوم الطائف - فقال له جعفر بن سليمان: قاتلك الله ما أدري على أي شيء أحسدك أعلى علمك بالأنساب أو بالأديان أم المقالات؟