1 ذكرت ان الأنصار ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة وجعلت دليلك مجيء معن وعويم إلى دار النبي لاخبار أبي بكر وعمر. ولكن الدعوى منك غريبة لاشاهد لها من التأريخ، والدليل أغرب، لأنه في ساعة الاحتضار كان أبو بكر في السنح وما جاء الى المدينة إلا بعد ان بلغه وفاة النبي فجاء إلى دار النبي فكشف عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذكره بعض المؤرخين ثم ذهب إلى المسجد حيث وجد عمراً يخطب الناس بأن النبي لم يمت، ومن المسجد بعد أن هدأت سورة عمر ذهبوا إلى دار النبي ولابد أن الأنصار حينئذ انسلوا إلى سقيفتهم.
2 استغربت من الأنصار أن يتنكروا للنص على علي، ولكن
[195]
اعتقد ياعزيزي لو انك رجعت الى ماذكرته في السقيفة عن دوافعهم على تنكيرهم لكان لك مقنعاً كافياً.
وأما قولك: (فقد كان الأولى أن لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر بأمر امته يعلم سلفاً بأنهم لا يطيعون فيه فيعرضهم بذلك إلى غضب الله...) فاني أقول كيف يغيب عن فطنتك قوله تعالى: (فان تولوا فانما عليك البلاغ المبين).وقوله: (ان انت إلا نذير). وقوله: (ولا تذهب نفسك عليهم حسرات...) وأمثال ذلك في القرآن كثير. وفي الحقيقة ان الرسول عليه ان يبلغ الأمر الإلهي وليس عليه أن لا يطيعه الناس. ولا يصح أن يتنازل عنه لمجرد انه يعلم سلفا انهم لايطيعونه. وإلا لوجب ان يترك كثيرا من الأحكام كلها لأنه يعلم سلفا انهم كلهم أو بعضهم لا فرق لايطيعونه. ومن المواقع التي يعلم سلفا انهم لايطيعونه فيها ومع ذلك بلغها قوله تعالى (يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فانه اجمع المفسرون وأهل الحديث انه لم يعمل بهذا الحكم إلا علي عليه السلام(1)
يا عزيزي إن الله تعالى يقول: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ثم يقول عن المؤمنين بالخصوص: (وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فاذا كان تعالى يعلم سلفاً ورسوله يعلم سلفاً ان الناس اكثرهم لا يؤمنون وأن يؤمنون اكثرهم في ايمانهم مشركون، فيكون على قولك ارسال الرسل وتبليغ الأحكام للناس من قبلهم تعريضاً
______________________________
(1) هذا الحديث مما ترك روايته البخاري ومسلم أيضاً واستدركه عليهما
[196]
لاكثر الناس واكثر المؤمنين منهم إلى غضب الله وتذهب جهود الرسل في هدايتهم سدى.
أهذا هو المنطق ياقرة عيني؟ أيترك الله دينه واحكامه لسواد عيون الناس لأنه يعلم سلفاً انهم يعصونه؟ لا يا أخي إن الحق يجب ان يبين والحكم يجب ان يوضح سواء أطاع الناس أم عصوا وما على الرسول إلا البلاغ.
قلت عن بعث اسامة: (ان رسول الله (ص) لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء). وأقول: نحن بعد أن تثبت عندنا النصوص على علي فانا نعرف كيف لم تكن تأخذ ه
في الحق لومة لائم، فقد بين وأوضح وكرر وأكد، ولكنه بعد ان اتضح لديه ان كل هذه التأكيدات والبيانات ستخالف على كل حال وان هناك جماعة سوف لاتطيع الأمر في علي فأراد أن يبعدهم عن المدينة بهذه الطريقة. وليس هذا من تدبير الضعفاء بل من التدبير الحكيم بعد أن نعرف ملابسات الواقعة كما أوضحناها في كتاب السقيفة.
نعم نتصوره من تدبير الضعفاء إذا نحن أنكرنا تلك النصوص على علي وتصريحات النبي في حقه وأنكرنا ان المسلمين يوم
______________________________
الحاكم على شرطهما (482:2) مع الاجماع على نقله فلماذا تركه الشيخان؟
[197]
الغدير سلموا عليه بأمرة المؤمنين. نعم إذا انكرنا تلك النصوص جملة وتصورنا أن النبي أراد البيعة لابن عمه سراً فدبر ذلك التدبير الخفي لأبعاد خصومه فلا نتصور النبي حينئذ وحاشاه إلا جباناً ضعيفاً يريد أن يخاتل المسلمين في ابن عمه . ولكن ياأخي كل هذا التدبير إنما يكون مقبولا حكيما إذا كان قد وقع بعدما اعلن أمر ابن عمه فلم تنفع معهم كل تلك التوضيحات وعلم اصرارهم على المخالفة فأرسل هذا البعث، وإن لم ينفذوه فقد أقام به الحجة البالغة عليهم، والا فلماذا خالفوا أمره فيه ولماذا تباطؤا واعترضوا على تأمير اسامة؟ وقد بسطنا كل ذلك في كتاب السقيفة.
ولايشك التاريخ في وقوع البعث ولا في تأخر المبعوثين عن تنفيذه ولا في تألم النبي منهم وغضبه عليهم واصراره عليه مرة اخرى. ولا يصح تفسير ذلك بغير ما ذكرنا إلا إذا كنا ننكر النصوص على علي جملة، فهذا أمر آخر ولا كلام لنا مع هذا المنكر فان مثله لايستطيع أن يستسيغ هذا التفسير قطعاً.
أما تقديرك أن جيش اسامة هذا لورجع بعد ان يفتح وقد وجد الأمر قد تم لعلي قد ينتقض فيحارب من في المدينة، فهذا احتمال من الجائزان يقع وأن لا يقع، ولكن لو وقع منهم فانهم يكونون كأهل الردة الخارجين على امام زمانهم يحاربون وتكون الحجة عليهم لاسيما مع سبق النصوص وبيعتهم لعلي يوم الغدير ولم يبق مجال للتأويل أو تجاهل النص على علي بعد تمام البيعة له.
انك تشك في صحة حديث الكتاب الذي أراد النبي أن
[198]
يكتبه. وأنا أقول لا مجال لهذا الشك بعد ثبوته برواية أهل الحديث والتاريخ والتفسير. ولابد من التسليم به بعد ان كان متواتر النقل أو في حكم المتواتر. وأما ما ذكرت من سبب الطعن فيه ففيه كثير من فضول القول فيما يتعلق باحتمال انه كان قرآنا فانه ليس مجال لهذا الاحتمال ولا يتصوره أحد بل هو كتاب أراد أن يسجله للمسلمين لئلا يضلوا بعده فأبوا لأنفسهم هذه النعمة. وكونه بادرة لم يسبق لها مثيل منه(ص) فهو صحيح ولكن لايوجب ذلك انكار للحديث وهل تعجب من النبي ان يصنع شيئا لم يسبق له نظير لاسيما وانها بادرة تقع في اخريات ايامه قصد بها أن يفارق امته عن شئ يسد عليهم باب الخلاف والضلال. ان النبي اعظم من ان تستكثر عليه مثل هذه البادرة.
وأما قولك: (ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولايستطيع أحد مخالفته) فهذا صحيح ولكن عمر لم يمنعه بقوة سيف أوسيطر على المسلمين أو على النبي وإنما منعه لأنه ألقى شبهة تثير الخلاف مدى الدهر وهي ان النبي كان يهجر أو غلبه الوجع ما شئت فعبر، وأقل الناس يستطيع ان يصنع ذلك لاسيما إذا وجد أعوانا وانصارا وبالفعل قد وجد عمر اولئك الأعوان إذ رأينا المسلمين الحاضرين قد اختلفوا على فرقتين، فبطل مفعول الكتاب الذي كان المقصود منه أن لايضلوا بعده أبدا كيف وقد صار هو نفسه موضوعاً للنزاع والجدال والنبي حاضر بينهم وامام عينيه حتى أغضبوه وقال: (قومواعني ولا ينبغي عند نبي نزاع). ولا يريد النبي أن ينفذ مثل هذا بقوة السيف أو العشيرة فان طبيعة الموضوع تأبى ذلك لأن هذا يزيد في الخلاف ويعقده.
[199]
نعم صحيح قولك: (ولم يزد عمر على ان رأى رأيا حين قال: ان الرجل قد غلبه الوجع...) ولكن هذا الرأي لابد أن يحول دون تنفيذ الكتاب لأن طبيعة الموضوع تقتضي أن يحول هذا الرأي دونه كما قلنا، فنعرف السر في عدوله (ص) عن تنفيذ الكتاب ونعرف كيف جاز له العدول عنه.
وما أدري أي أمر جوهري أعظم من كتاب يؤمن الناس من الضلال ابدا، وهل المقصود من الدين شيء فوق هذا، حتى تقول أنت: (ولو كان الأمر متعلقا بأمر جوهري من امور الدين...)
وبذلك البيان تعرف ياأخي مدى قولك بالأخير (وإلا لترتيب على ذلك ان النبي (ص) كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولاأظن مؤمنا يقول بذلك) فاني اكرر القول بأن النبي انما عدل عنه لاخشية من عمر وغيره ولكن الشبهة التي أثارها وتقبلها بعض الحاضرين بالفعل فاختلفوا بحضوره لاتبقى مجالا للكتاب، لأنه بالعكس سيكون سببا للضلال والخلاف ابدا الدهور بعد ان كان المقصود منه تأمين البشر من الضلال، فلابد أن يعدل عنه روحي فداه، ولاينفع معه التدبير باخراج عمر ولا أي تدبير آخر حتى بقتله كما تقول، لأن الشبهة قد وقعت رضوا أم أبوا، وكل قول وفعل حينئذ من النبي بعد هذا يكون موضعا لهذه الشبهة بأنه من الهجر وغلبة الوجع. وحق لابن عباس وغير ابن عباس بعد هذا أن يبكي ويبكي بل حق له أن تتفطر كبده ألماً لفوات هذه النعمة الكبرى التي لا تعادلها نعمة، مهما كان مقصود
[200]
النبي من ذلك البيان الذي لا يضلون بعده أبدا سواء كان هو النص على علي أو على أي شيء آخر.
ونحن رجحنا ان يكون المقصود هو النص على علي للدلائل والاشارات التي ذكرناها في كتاب السقيفة ومن جملتها قول عمر: (حسبنا كتاب الله) الذي هو صريح في ان ما يريد ان يبينه النبي هو عدل للقرآن، ويسرع إلى أذهاننا حينئذ حديث الثقلين وانه هو المستهدف في البيان والمنع منه.
ثم انك تسأل عن الحاجة إلى الكتاب بعد نص الغدير وغيره، فان الحاجة اليه ما كان يستشعره النبي من عزم جماعة على تجاهل تلك النصوص كما وقع فعلا. وأما قولك: (ومن نسي حديث الغدير وانكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا) فاني لم استطيع فهمه ولم اعرف فيه وجه كون الكتاب أشد نسيانا، فان ما هو مكتوب أثبت مما ينقل على الأفواه وكيف يتطرق اليه النسيان أو النكران وهو حجة ثابته مكتوبة، على انه لو وقع يكون أقرب عهداً إلى الناس من حديث الغدير لو كان بعد العهد هو السبب في النسيان أو النكران كما اردت ان تقول.
1 قلت: (إن ما نسب إلى الامام... يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير) وأنا استميحك عذرا إذا قلت لك: إن كلامك هذا غير فني فان ما ذكرته من قولي الامام: (احتجوا
[201]
بالشجرة...) و(افسدت علينا...) لامعنى لان يقال فيه انه يدل دلالة صريحة على نفي الحديث، لأنه لا دلالة لفظية فيه على ذلك، وأقصى ما يمكن ادعاؤه انهما يدلان بالدلالة العقلية على نفيه باعتبار انه ترك الاستدلال بحديث الغدير في موقع كان الأولى أن يستدل به، فعدوله عنه دليل على عدم ثبوته وإلا لاستدل به. وهذه الدلالة لاتسمى دلالة صريحة.
ونحن ننكر عليك حتى هذه الدلالة العقلية لأنه لم يكن في موقع الاستدلال بحديث الغدير حتى يكون تركه دليلا على عدم ثبوته في القول الاول، لانه جاء احتجاجا على من احتج باستحقاق الخلافة بالقرابة من الرسول فقال لهم: إذا كان ذلك سببا للاستحقاق فمن كان اكثر قرابة وأقرب فهو أولى بالاستحقاق. والتشبيه بالشجرة والثمرة من التشبيهات البديعة في الباب فانه لبيان أولوية الاستحقاق للأقرب لأنه هو الثمرة التي هي أولى من أصل الشجرة بالاستفادة منها بل الثمرة هي الغاية المقصودة من الشجرة. وليس هذا موردا لذكر النص لأنه من باب النقض على المستدل بحجته.
وأما القول الثاني فعلى تقدير صحة نقله فان قوله: (لم ترع لنا حقا) كلام عام يجوز ان يراد به النص ويجوز ان يراد مطلق الحق الذي صورته في كلامك. وهذا التصوير الذي ذكرته وأطنبت فيه ليس في كلام الامام دلالة عليه وإنما هو من اجتهاد الكاتب حينما تخيل ان الامام لانص عليه فلا بد أن تكون احتجاجاته وشكواه ناشئة من اعتقاده بالأحقية.
[202]
2 تحدثت عن قصة انصراف الناس عنه بعد موت فاطمة فانه كلام غريب فانه لاربط له بقصة النص وإنما تلك القصة ترتبط بقصة التجاء الامام إلى مسالمة القوم بعد الانصراف عنه.
3 تقارن بين قول الامام: (فنظرت فاذا ليس لي معين...) وبين آية (كنتم خير امة)لتستدل من الآية على تكذيب نسبة هذا القول اليه. وازيدك انك بهذا الاستدلال تستطيع ان تكذب كثير من الأحاديث النبوية مثل احاديث الحوض ونحوها الدالة على ارتداد أصحابه بعده وتبدلهم ورجوعهم القهقرى والمروية في الصحاح.
غير اني احيلك على كتب التفسير لمعرفة مدى دلالة هذه الآية. وما علينا من كتب التفسير! لننظر بأنفسنا إلى مدى دلالة هذه الآية على المقصود:
ان دلالتها تكمن في كلمة (كنتم) فان كانت على ظاهرها من دلالتها على الماضي المنقطع بمعنى انهم كانوا فيما مضى خير امة ثم لم يستمر ذلك لهم فلا ينافيها أن تكون الامة قد انقلبت بعد الرسول على الاعقاب لأنه قال: كنتم خير امة، ولم يقل انتم خير امة أبد الدهر.
ولكن بعض المفسرين أوّل معنى (كنتم) فقال: انها للماضي الاستمراري مثل قوله تعالى: (وكان الله غفوراً رحيما) وأنا شخصياً كذلك أفهم هذا المعنى من الآية، غير ان الذي يشكل علينا ان المسلمين لم يكونوا في جميع عهودهم على ما تصف الآية الكريمة يأمرون بالمعروف وينهون عن
[203]
المنكر لاسيما في مثل عهودهم الحاضرة التي لم يبق فيها من المعروف حتى رسمه فضلا عن أن يكون كلهم من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. هذا هو الواقع المرير الذي لا سبيل لنا من انكاره والمكابرة فيه فكيف نتصور انطباق الآية على عهودنا وامثالها.
وعليه فليس الاشكال يخص الامة الاسلامية في أول عهودها بعد النبي بل في جميع عهودها الغابرة والحاضرة فكيف نستطيع التوفيق بين واقع امتنا المحزن وبين دلالة الآية على امتداح هذه الامة وتفضيلها على سائر الامم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ كيف التوفيق ياترى؟
والذي يخطر في بالي من الجواب على ذلك أحد أمرين( الأول) وهو الأرجح عندي ان الآية قد تقدمتها آيات أٌخر ذكرت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن هذا التشريع كما يبدو منها انه من مختصات المسلمين المخاطبين بهذا الوجوب على أن يتولى بعضهم هذا الأمر ثم ذكرت نهي المؤمنين عن ان يتفرقوا ويختلفوا من بعد ان جاءتهم البينات فتبيض وجوه بعض وتسود وجوه آخرين ثم قال: (كنتم خير امة...) لبيان انه لما كانوا خير الأٌمم لا ينبغي ان يختلفوا وسر انهم خير الأٌمم لأنه قد شرع لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس المقصود الأخبار عن انهم كلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لاسيما ان المخاطب
[204]
بالوجوب بعض المسلمين على نحو الوجوب الكفائي (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف...)
(الثاني) ان المراد انكم تأمرون بالمعروف من حيث مجموعكم ولو بامتثال البعض وان كان ذلك البعض قليلا باعتبار ان ذلك البعض من الامة يعمل باسمها كأنه يقول: انكم خير الامم لأن فيكم من يأمر بالمعروف وليس كذلك باقي الامم. وهذا كما نقول مثلا ان الأمة الانكليزية احتلت العراق، وليس المراد ان جميع الامة احتلته بل بعض جيوشها وذلك باعتبار ان ذلك البعض منها وكان عمله باسمها.
1 تسأل عما إذا كان تناقض بين قول الامام: (لو وجدت اربعين ذوي عزم...) وبين قوله: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس...) فاني لم اعرف وجها للتناقض بين القولين فان الامام في الأول يقول: لو وجدت الأربعين على هذه الصفة لناهضت القوم، ومعنى ذلك انه لم يجد الأربعين فلم يناهضهم يعني انه سالمهم، ثم صرح في الثاني بأنه امسك يده عن نصرتهم غير انه لما رأى راجعة الناس عن الاسلام فرأى ان المصيبة في ذلك اعظم من مصيبة فوت الولاية فالتجأ أن ينصر الأسلام لأجل ذلك، لانصرة للامراء ولا لكونهم عنده أهلاً للنصرة كما هو مدلول كلامه. وأنت
[205]
ترى ان احد الكلامين يتصل بالآخر ويكون متمماً له، فأين التناقض؟
أما انه لو ناهض القوم بالأربعين عندما يجدهم فانك تحتمل ان تدور عليه الدائرة كالحسين فهذا تكهن لم يعترف به الامام وهو من ظاهر كلامه كان جازما بأن الأربعين على هذه الصفة لو وجدهم لكانوا كافين له في النصرة على خصومه. أما انه يكون ذلك ثلما للاسلام لو انتصر عليهم، فمن أين نفهمه إذا فرضنا انه انتصر على غاصبي حقه من الخلافة التي هي بنص النبي وبها حينئذ قوام الاسلام لا هدمه إلا إذا كنا لانعترف بالنص فهذا أمر آخر.
وأما كفاية نصرة مالك بن نويرة فعلى تقديره فهو واحد من ذوي العزم إذا كان هو حقيقة من ذوي العزم الذين يشترطهم الامام فكيف تفرض ان الحجة قد قامت عليه بمالك وحده على انه كونه يعترف بحقه شيء وكونه من ذوي العزم شيء آخر.
وأما سؤالك عن اتفاق قوله عليه السلام: (فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً أو هدما) مع ما ذهبتُ اليه من تقاعس الامام عن نصرة الخلفاء إلا بمقدار الضرورة فانه واضح الاتفاق لان الامام في صدر كلامه ذكر انه أمسك يده ولكن ضرورة حفظ بيضة الاسلام دعته إلى النصرة. وهذا صريح بأن الضرورة هي التي دعته الى ذلك
[206]
والضرورات تقدر بقدرها لا ان النصرة ابتدائية بدافع نفسي ليناقض ما قلته عنه، بل هذا الكلام مما يؤيد قولي ويؤكده وهو يدل على أن العمل الذي يعلم انه يضر بالاسلام يتركه ويعمل ما يرى عمله ضرورة اسلامية، فكيف كان قوله هذا يدل على انه يحجم عن الفعل أو القول الذي يكون خذلانا للاسلام كما رغبت انت ان تقوله وتتصوره عن هذه الكلمة.
نعم ان الامام اعظم وأجل ان يتقاعس عن عمل يراه واجبا لنصرة الاسلام، ومن اين يدل كلامه المنقول او كلامي المسطور على خلاف ذلك فاذا تباطأ ابو الحسن فانما تباطأ عن شيء يكون فيه نصرة لأبي بكر وعمر ولم يتباطأ عما تدعوه الضرورة الاسلامية الى فعله، وانما لم يشترك في الحروب لأنه حينئذ يكون مأموراً لهم وهذا ما كان يتحاشاه بل يتحاشونه معه. وما ذكرته في السقيفة عن ذلك ففيه الكفاية.
وأما قياسه في الاشتراك في الحروب بعمر وعثمان وطلحة وامثالهم فقياس مع الفارق البعيد، لو كان هناك قياس، وابو الحسن من تعرف في حروبه ايام خلافته ولم يشترك قبله ولا بعده من الخلفاء بنفسه في الحروب، فكيف يقاس غيره به وكيف لا يستغرب عدم اشتراكه في الحروب ايام الخلفاء قبله وكيف لا يدل ذلك على عدم تعاونه معهم معاونة صادقة؟
هذا ما أردت ان اقوله يا قرة العين في جوابات
[207]
اسئلتك واعذرني إذا كنت قد رمزت لك رمزاً في كثير من الأبحاث اقتصاداً في الوقت واستعجالاً في الاجابة للشواغل التي دهمتني في خلال تسجيل هذه الرسالة فعاقتني عن الاسراع إلى اتمامها في الوقت المناسب.
وتقبل التحيات من المخلص
محمد رضا المظفر
12 جمادي الاولى سنة 1373
[208]
1 صحيح البخاري المطبوع بمصر عام 1320 هـ
2 صحيح مسلم المطبوع بمصر عام1390هـ
وما في ص58 رجعنا فيه الى المطبوع عام 1334 هـ
3 مسند احمد المطبوع بمصر عام1313 هـ
4 العقد الفريد المطبوع بمصر عام 1353 هـ
5 مستدرك الحاكم
6 الجمع بين الصحيحين
7 كنز العمال
8 تاريخ الطبري
9 تاريخ ابن الأثير
10 تاريخ الخميس
11 تاريخ اليعقوبي
12 السياسة والامامة لابن قتيبة
13 تاريخ الخلفاء للسيوطي
14 تاريخ ابن خلدون
15 مروج الذهب
16 السيرة الحلبية
17 سيرة ابن هشام
[209]
18 سيرة دحلان
19 طبقات ابن سعد
20 الاصابة
21 الاستيعاب
22 اسد الغاية
23 التهذيب لابن عساكر
24 ميزان الاعتدال
25 نهج البلاغة
26 شرح النهج لابن ابي الحديد
27 منهاج السنة لابن تيمية
28 الصواعق المحرقة له
29 مقالات الاسلاميين لأبي الحسن الأشعري
30 الملل والنحل للشهر ستاني
31 الفصل في الملل والنحل لابن حزم
32 البيان والتبين للجاحظ
33 معجم البلدان
34 لسان العرب
1. 35 حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل