4 ـ سلوكه مع الخلفاء

اما وقد تركنا الامام يغضي عن حقه ويقرر بالأخير خطة

[157]

الصبرعلى ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطه في سياسته وسلوكه مع الخلفاء: أيستسلم فيسرع الى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين؟

قد ابى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا ان يصور الامام مسالماً الى أبعد حدود المسالمة، فيسرع الى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم: فقد ثبت تأريخياً ان عليا لم يبايع ابا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول، وفي تقدير ابن الأثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم انه سته اشهر، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولانهي ولم يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها. واكثر من ذلك كان يطرق ابواب الأنصار واهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم الى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق الذكر، ثم انه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم: (فلما قرعته بالحجة).

وهل يظن الظان انه كان يحاول في هذا العمل ان يتحولوا في البيعة وان يتركوا ما ابرموه وهو الذي اسدل دونها

[158]

ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك احجى وهو الذي يدعوه العباس وابو سفيان الى البيعة فيأبى؟ ان هذا الاباء وذاك الصبر لايجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة الى نفسه ما لم يكن يرمي الامام من وراء ذلك الى غرض أسمى مما يظن، انه كان يقيم الحجة في عمله على اولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما اسرعوا والى ذلك يشير فيما قال: (اللهم انت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظهر الصلاح في بلادك).

ويؤخذ من طيات التأريخ انه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة الى مبدئه اظهاراً لحقه واقامة للحجة على سواه، فلا ينكر التأريخ اجتماع اصحابه عنده طيلة ايام انعزاله، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول ابطالها خشية توسعها، فيرسل من يفرق القوم المجتمعين فيجتمعون. ولا ينكر التأريخ ايضا تطوافه على الأنصار واهل السوابق كما قدمنا. ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة، وهو احرص على الشعائر الدينية والواجبات الالهية من ان يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها.

وهذه المقاطعة وما اليها اعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة ابا بكر يتذمر من موقف الامام

[159]

فعرض فيه من خطبة: (يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء كأم طحال احب اهلها اليها البغي إلا اني لو اشاء ان أقول لقلت ولو قلت لبحت. اني ساكت ما تركت) وفي هذا تخوف مما يظن انه سيقع وتهديد باذاعة أمر مكتوم. ما أدري ولا أظن أحد يدري اليوم أي شيء هذا الأمر الذي يهدد الخليفة بافشائه، والظنون تذهب ولا تقف على شيء معين!

وزبدة المخض: انا نفهم كل ذلك ان خطة الامام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة الى مبدئه وان يقعد حجزة الضنين على تعبير فاطمة نفسها معتزاً بوجودها، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الأثر فيما بعد في تركيز مقام الامام في ذهينة المجتمع الاسلامي. ولاننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها الى اليوم.

ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته، فبايع، ويبايع معه اهل بيته واصحابه، ويدخل فيما يدخل فيه القوم. ولكن الى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الاسلامية.

لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه الى اهل مصر: (فأمسكت يدي، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله،

[160]

فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان أرى فيه ثلماً أو هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم...).

ولم تكن نصرته للاسلام وأهله إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم، ونصيحته لهم في مواقع النصح، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف الى يوم بويع بالخلافة.

وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الاسلام عشرين عاما، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها، وحامل لوائها ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها؟ ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت اعناق النفاق؟ والجهاد فرض من فروض الاسلام، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب، أم ماذا ؟ أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو اليها ضرورة المحافظة على الجامعة.

وقد يقول القائل: ان الخلفاء هم الذين لم يدعوه الى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها، وما كان يجب عليه ان يقدم نفسه متبرعا، كما لم يدع الى ذلك جميع الهاشميين، ولم يسمع ان هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة. ويشهد لذلك

[161]

المحاورة(1) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه الى العمل في حمص، فيقل لأبن عباس:( وفي نفسي شيء لم أره منك وأعياني ذلك) ثم يصرح بذلك الشيء:( اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول: هلم الينا ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم).

فيقول ابن عباس: فلم نراه فعل ذلك؟

فقال عمر: والله ما أدري اضن بكم عن العمل، فأهل ذلك انتم، أم اخشى ان تبايعوا بمنزلتكم منه، فيقع العقاب ولا بد من عتاب؟

وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول: ان اعمل لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينيك.

أليست هذه المحاورة شاهدة على ان الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف ان يستغلوا مناصبهم للدعوة الى أنفسهم؟

وللمجيب ان يجيب، فيقول: ان امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم ان صح فهو دليل آخر على سيرة الامام معهم، واستعماله خطة يخشون معها ان يأخذ وقومه ناصية الأمر ان تولوا عملا من الأعمال. على انا لا

______________________________

(1) راجع مروج الذهب (427:1).

[162]

نعدم شاهدا على ان عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول اعمالهم، فلنستمع الى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان.

يشير عثمان على عمر: (ابعث رجلا أي لحرب فارس له تجربة بالحرب ومضربها.

عمر: من هو؟

عثمان: علي بن ابي طالب!

عمر: فالقه وكلمه وذاكره ذلك، فهل تراه مسرعا اليه؟

( فيخرج عثمان ويلقي عليا، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه).

تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي، ثم امتناع علي وكراهيته للأمر! وما نستنتج من ذلك؟

من هذا وامثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم، وما كان يجري عليه في معاملته معهم، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم، وهو منهم في الرعيل الأول، اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي، حتى اشتهر عن عمر كلمته( لولا علي لهلك عمر) أو( لاكنت لمعضلة ليس لها ابو الحسن).

[163]

وتتبع استشاراته واحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا الى موضوع آخر يحتاج الى كتاب آخر.

انتهى

29 جمادي الاولى 1368 هـ

 

 

[166]

على هامش السَّقيفَة

 

[167]

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

بقلم محمد جواد الغبان

تفرض علي الأبوة أن أذهب بين حين وآخر إلى ناحية( الشنافية) لزيارة سيدي الوالد سماحة الشيخ عبد الكاظم الغبان الذي يشغل مركز العالم الديني هناك.

وقبل بضعة أشهر سافرت إلى( الشنافية) فترامى الى سمعي من عامة أهل المدينة مديح وافر وثناء جزيل على مدير جديد في ناحيتهم هو الاستاذ السيد عبد الله الملاح الذي تم نقله الى تلك الناحية قريبا.

وما كان إلا أن اجتمعت بهذا المدير الجديد وتتابعت الاجتماعات بيني وبينه حتى رأيت نفسي منجذبا اليه ومتخذا منه صديقا حميما وأخا كريما لأنني وجدت فيه رجلا متمسكا بالصفات الحميدة والأخلاق الكريمة بالاضافة الى كونه قويا في ادارته نزيها في احكامه ومعاملاته.

[168]

ومما لفت نظري من الأخ الاستاذ الملاح أن هوايته المفضلة هي العكوف على العلم والأدب والثقافة فهو لايمضي أوقات فراغه الا بالمطالعة أو البحث والنقاش، وهو في بحثه ونقاشه يمتاز بحرية الرأي وطلب الحقيقة من دون تعصب.

لقد دارت بيني وبينه عدة مباحثات ومناقشات دينية وعلمية وأدبية كان في مقدمتها موضوع ( الامامة) الذي هو نقطة الخلاف بين (السنة والشيعة)، وكنا في بحثنا ومناقشتنا في هذا الموضوع متجردين عن كل عاطفة وتعصب ذميم فوصلنا إلى نتائج حسنة جدا.

وقد أرشدت الاستاذ تتمة لما دار بيننا من المناقشات الى مطالعة كتاب (السقيفة) الذي كتبه استاذنا سماحة العلامة الشيخ محمد رضا المظفر (عميد منتدى النشر).. ذلك الكتاب القيم الذي نفدت طبعته الاولى واعيد طبعه مرة اخرى لأنه الكتاب الوحيد الذي درس موضوع الخلافة الدقيق دراسة مستفيضة على ضوء المنطق المتجرد عن العواطف والمغالطات.

وحين رجعت الى النجف ارسلت نسخة من كتاب (السقيفة) الى الاستاذ الملاح، وبعد بضعة أيام وصلتني منه رسالة يسجل فيها إعجابه بالكتاب وبراعة عرضه وقوة حجته مع إكباره لمؤلفه الكريم، وقد سرد في رسالته المذكورة عدة ملاحظات اعترضته أثناء مطالعته للسقيفة فطلب مني ان

[169]

اعرضها على الاستاذ المؤلف ليتفضل بالاجابة عنها، فما كان مني الا أن عرضت الرسالة على استاذنا العميد بعد أن اعطيته لمحة خاطفة عن صديقي الاستاذ الملاح فأبدى الاستاذ المظفر استعداده للجواب عن تلك الملاحظات وتفضل فأفرغ نفسه على كثرة أشغاله ومسؤلياته لكتابة كراس خاص ضمنه أجوبته عنها.

هذا وقد رأيت بملاحظات الاستاذ الملاح وأجوبة استاذنا (العميد) عنها موضوعا رائعا طريفا أهم مميزاته طلب الحقيقة وكشف الواقع عن طريق الدراسة الصحيحة التي يوحيها العقل والمنطق السليم، فوجدت نفسي مدفوعا الى تمثيلها لعالم الطبع والنشر بعد موافقة الطرفين طبعاً خدمة للحقيقة وعرضاً لنماذج من البحث النزيه المتجرد عن الانجراف مع العواطف، لعل اخواننا المسلمين جميعا من سنة وشيعة يسيرون على منوال هذا الكلام البريء والمنطق السليم فيجتمع الشمل وتتوحد الصفوف. وإذا كانوا يرون اجتماع الكلمة ضربا من المستحيل فلا أقل من أن يتركوا التطاحن الذي مزق صفوف الطرفين وأوهى قوى الأسلام الذي يتمثل بكلا الفريقين.

وها أنا ذا الآن أنشر في هذا الكراس نص رسالة الاستاذ الملاح التي تتضمن ملاحظاته مع نص جواب(العميد) عنها. وما أدري عسى الاستاذ الملاح تخطر في ذهنه ملاحظات اخرى بعد ذلك. وإنني أعد القارئ الكريم بعرضها على استاذنا العميد عندما أتلقاها لعلنا نظفر بنشر كراسة ثانية في

[170]

هذا الموضوع إكمالا للفائدة المتوخاة والله تعالى من وراء القصد.

النجف الأشرف 2 رجب 1373 هـ

محمد جواد الغبان

[171]

نص رسالة الاستاذ عبد الله الملاح حول كتاب السقيفة

أخي الكريم الاستاذ محمد جواد الغبان لا حرمت اخوته تحية وشوقا

دعني أشكر لك قبل كل شيء هذه الاخوة الصادقة وحسن ظنك بي فأنا اعتقد انني لا أستحق منك كل هذا الاطراء إنما هي نفسك النبيلة تريك الناس في صورة نفسك. لوددت اني احقق ظنك في والله المسؤول ان يلهمنا الصواب ويهدينا الى أحسن الأخلاق انه لايهدي لأحسنها إلا هو.

أشكر لك أيها الأخ الكريم هديتك الممتعة كتاب السقيفة فقد أمضيت بقراءته وقتاً سعيداً وكنت أود ان ادون لكم رأيي حوله بعد انتهائي من قراءته ولكن حال دون ذلك ذهابي الى بغداد.

كتاب السقيفة كتاب ممتع جداً يدل على سعة علم مؤلفه الفاضل وتمكنه من الاسلوب العلمي العصري ولو التزم بما جاء في المقدمة لكان خير كتاب أخرج للناس ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الجهاد التام، وكنت أود ان اطلع على كتاب (رد على السقيفة) لأطلع على المآخذ التي أخذها على المؤلف. وسأورد باختصار

[172]

كل ما عن لي عند مطالعة الكتاب، ولعل بعض ما أورده لا يخرج عن حدود السؤال الذي لا أحسن الاجابة عنه فاذا كان عندك أو عند المؤلف جواب شاف له فأرجو التفضل بعدم حرماني من فائدته.

1 يرى المؤلف استبعاد سكوت النبي عن أمر الخلافة وتوكيل ذلك إلى اختيار الأمة. لما في ذلك من توقع حدوث الاختلاف كما حصل فعلا وأنا أسأل فأين النص الصريح إذن على تعيين أحد بالذات؟

ستقول دون شك: أفليس في حديث الغدير كفاية؟

إن حديث الغدير لم يؤمن بصحته كل الناس من المسلمين، وبعض من آمن بصحته فسره على غير تفسير الشيعة مستفيدا من دلالة كلمة المولى على معاني مختلفة، وأنا شخصياً أرى تفسير كلمة المولى بغيرالتفسير الذي فسرته الشيعة في حديث الغدير تمحل وسخف.

ولكن في نفسي شيء كثير من الحديث فان البخاري ومسلم لم يرويا الحديث، وفي سنده من طعن فيه، ولكنني لا أهتم لذلك فان كتب الشيعة ترويه بسند صحيح وهم ليسوا أقل حرصا على دينهم من السنة، ولكني سأطرح النقل هنا وأعتمد على العقل فقط.

يقول القرآن: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

[173]

ويعتقد السنة والشيعة ان جميع ما صح عن النبي يجب الأخذ به باعتباره وحيا من الله ولكننا نرى ان النبي أمر بكتابة القرآن علما منه بأن كل ما اعتمد في حفظه على الذاكرة اعتوره النسيان أو التحريف بزيادة أو نقصان ولم نسمع انه أمر أحدا بكتابة الحديث فاذا كان الحديث وحيا من الله كالقرآن فلماذا لم يكن قرآنا؟ وأي فرق بين وحي الحديث ووحي القرآن؟

إن عدم تدوين الحديث أدى إلى الاختلاف الذي نراه الآن فليس من حديث صح عند السنة إلا وجد فيه الشيعة مجالا للطعن والعكس صحيح أفيمكن أن يبنى دين موحد على حديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون، ولكن الفرق الاسلامية كلها متفقة على أن القرآن الذي بين أيديها صورة صحيحة للوحي المنزل على رسول الله ولا عبرة ببعض الأقوال المنسوبة إلى اناس زعموا ان القرآن قد حذف منه كل ما كان فيه مدح لآل البيت.

اريد ان اخلص من هذه المقدمة الى القول بأن امر الخلافة وهي من الاهمية بحيث صورها مؤلف السقيفة الفاضل لا يعقل ان يترك أمرها الى حديث كحديث الغدير لا تكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفه، أفما كان ينبغي والأمر بهذه الأهمية ان ينزل فيها قرآنا. صحيح (ان الله لايسأل عما يفعل وهم

[174]

يسألون) ولكن منطق الحوادث يدلنا على ان امراً كهذا لا سيما إذا أخذنا عقيدة اللطف الإلهي بنظر الاعتبار لم يكن ينبغي ان يسكت عنه القرآن وقد نزل في أشياء أقل أهمية من هذا بكثير، أما الآيات التي أوردها المؤلف (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فلا أظن ان من له أقل المام باسلوب القرآن يرى قصر الذين آمنوا على علي(رض) فإن الله لم يشر الى واحد بلفظ الجمع وقد خاطب النبي بقوله (إنك ميت وإنهم ميتون).وبقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم).وقال: (إذ يقول لصاحبه...الخ). ثم شيء آخر لابد من الاشارة اليه وهو لوصح ان النبي جعل عليا عليه السلام نفسه حقيقة في آية المباهلة كيف جازله تزويجه من ابنته.

2 إذا صح ان النبي (ص) قد نص على الائمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم وحزن عليه حزنا شديدا ترتب على ذلك اتهام النبي بأنه إنما قام بالدعوة لحصر الملك والخلافة في نفسه وفي أحفاده من بعده وهو ما يتناقض الآية القرآنية (قل لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الله).

3 حديث الغدير وقع بعد منصرف النبي من حجة الوداع ووفاته(ص) في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول من نفس السنة فيكون بين سماع الحديث والوفاة نحو شهرين وهي مدة قصيرة فاذا كان عدد الذين سمعوا حديث الغدير سبعين

[175]

الفا يزيدون أو ينقصون قليلا فلا بد ان يكون الأنصار الذين اجتمعوا في السقيفة من جملة من سمع الحديث وهم لم يكونوا ممن انامهم عمر مغناطيسيا بنفيه الموت عن رسول الله لأنهم ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة كما يدل على ذلك مجئ معن بن عدي وعويم بن ساعدة إالى عمر وابي بكر في دار النبي (ص) ولم يكن بين الأنصار وبين علي عليه السلام ترات فإذا كانت قريش لم تشأ أن تجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة وإذا كان علي عليه السلام قد وتر أكثرهم فان الأنصار لم يكونوا يريدون غير رضا رسول الله فما بالهم ولم يمض على سماعهم حديث الغدير غير ايام قليلة لا يقوم واحد منهم وقد تنازعوا أمر الخلافة ورشحوا لها مرشحيها يذكرهم بالحديث وبأن أمر الخلافة قد فرغ منها وقد عين رسول الله لها بأمر ربه عليا.

أما ما أورده المؤلف الفاضل من تطاول الأنصار للخلافة بعد تيقنهم من انصرافها عن مستحقها علي عليه السلام لما يعلمون من حسد العرب له وقريش خاصة فلا يمكن ان يقبله العقل لأن استحالة نصب علي للخلافة للأسباب المذكورة إذا كانت لم تغب عن فطنة الأنصار فقد كان الأولى ان لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر امته بأمر يعلم سلفا انهم لا يطيعون فيه فيعرضهم بذلك الى غضب الله وتذهب جهوده طيلة حياته في هدايتهم سدى.

[176]

أما قول أحد الأنصار:( لانبايع إلا عليا) فلا يخرج عن كونه ترشيحا لعلي من قبل أحد المسلمين ولا ينكر أحد أهلية علي عليه السلام لهذا الترشيح إذ ان الرجل لم يحتج بحديث الغدير أو آية قرآنية دالة على وجوب نصب علي.

4 استدل المؤلف الفاضل بتأمير اسامة بن زيد وتخلف وجوه المهاجرين وفيهم ابو بكر وعمر وأبو عبيدة عن اللحاق بجيشه على الرغم من تشديد النبي عليهم في الخروج على رغبة الرسول في إبعاد من يطمع في الخلافة عن المدينة وفي تهيئة المسلمين لقبول( قاعدة الكفاية).

إن رسول الله (ص) لم تكن تأخذه في الحق لومه لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء منه بتدبير الأنبياء فمن كان يدري النبي وقد تمت البيعة لعلي في غياب جيش اسامة ووجوه المهاجرين والأنصار ان القائد وجيشه وقد علموا بوفاة النبي وبالغاية التي ارسلوا من أجلها في ذلك الظرف الحرج وبنفاذ المؤامرة في تعيين علي للخلافة، من كان يدريه انهم لا يولون الخلافة من يريدون وليس في عنقهم بيعة لأحد ثم يحتلون المدينة بالقوة ويعود التدبير الذي ظنه المؤلف الفاضل حكيما شرا على المسلمين جميعاً فان من يخالف أمر النبي وهو في المدينة لا يعجزه ان يخالفه وهو في جيش يؤيده في رأيه.

إن حياة الرسول (ص) كلها تدل على أنه لم يكن يرهب القوة في سبيل نشر الدعوة وتبليغ أوامر الله فقد كان في مكة

[177]

وحيدا وفي قريش أمثال عمر وأبي لهب وأبي جهل فلم يمنعه ذلك من تسفيه أحلامهم والكفر بآلهتهم وفعل كل مامن شأنه استجلاب غضبهم فاذا كان الله قد أمره بقوله: ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من أمر ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) بتعيين علي للخلافة فلا عمر ولا غيره كان يمكن ان يحول بين رسول الله وتنفيذ أمر الله وما كان يمكن أن يترك النبي تنفيذ هذا الأمر الذي فيه صلاح الدين وبقاؤه إلى أحاديث تحمل معاني مختلفة وتدابير يذهب في تأويلها كل واحد مذهبا فأمر الخلافة كما تعتقدون من اسس الدين فكان يجب وقد علم النبي بدنو أجله وعلم كذلك لما ينتظر امته من فتن كقطع الليل المظلم ورأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر يجب وقد علم كل ذلك أن يأخذ البيعة لعلي في حياته ويتخذ من التدابير ما يحول بين امته وبين الفتن وهو قد بعث رحمة للعالمين وإلا فليس نبي اضيع جهدا منه فقد اذهب حياته في هدى امة ما لبثت ان أخذت طريقها من بعده الى النار.

5 حديث (هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا). لاشك في وضعه أبدا على الرغم من رواية ائمة الحديث له إذ لايخلو أن يكون ما أراد النبي كتابته حديثا أو قرآنا وقد ظل النبي ثلاثاً وعشرين سنة يتحدث ويوحى اليه بالقرآن فلم نره أمر بكتابة شيء من الحديث أما القرآن فلم يكن النبي يقول( هلموا أكتب لكم) بل كان يخبرهم بنزول

[178]

الوحي عليه ويأمر كتبة الوحي بتدوين ما نزل عليه فاذا كان ما أراد يكتبه قرآناً فلماذا لم يدع كتبة الوحي ليضيفوه الى القرآن أو لماذا لم يتله على الحاضرين على انه قرآن كما كان يفعل فيحفظه عنه الصحابة كما كانوا يحفظون عنه القرآن فلا يتأتى لأحد الشك فيه ولم يكن لعمر حق منع الوحي من النزول ولم ينكر أحد جواز نزول الوحي على النبي في مرضه. أما إذا كان حديثا فمتى يا ترى أمر النبي بكتابة الحديث وما الحاجة الى كتابة هذا الكتاب إذا كان كل مافيه هو التأكيد على امامة علي عليه السلام؟ ألم يسبق أنَ نص النبي على امامته يوم الغدير ومن نسى حديث الغدير أو أنكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا.

ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهى ولا يستطيع أحد مخالفته حتى رسول الله يمنعه عمر من أن يرشد المسلمين إلى أهم أمر من أمور الدين بعد التوحيد.

لقد كان عند رسول الله (ص) علي وعبد الله بن العباس وغيرهما من وجوه بني هاشم ولم يزد عمر على أن رأى رأيا حين قال: (إن الرجل قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله). فلو كان الأمر من الأهمية بحيث كان ابن عباس يبكي حتى يبل الحصباء كلما ذكر ذلك لكان وجب أن يأمر رسول الله باخراج عمر من عنده ويصر على املاء ما أراد املاءه بمحضر ممن يثق بأمانتهم ولو كان الأمر متعلقا بأمرجوهري من

[179]

امور الدين لما جاز الله أن يعدل عن تبيانه لمجرد اعتراض عمر وإلا لترتب على ذلك ان النبي (ص) كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن أن مؤمنا يقول بذلك.

6 إن ما نسب الى الامام علي عليه السلام بعد تمام البيعة لأبي بكر يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير آنذاك فان قول الامام: (احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة). وقوله لأبي بكر: (أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا) لايدل إلا على انه كان يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي بكر وليس ذلك بعجيب، فعلي من عرفه المسلمون ربيب رسول الله وزوج الزهراء وأبو الحسنين وأتقى الناس لله فلا غرو إذا رأى نفسه أحق بالخلافة من غيره ولكن اعتقاد الاحقية في الخلافة شيء وعد استخلاف غيره إغتصاباً لحقه ومروقاً من الدين شيء آخر فاننا لازلنا نرى ترأس المفضول على الأفضل في جميع الأزمان والسلطة كالرزق حظوظ وحتى في أيامنا ليس انتخاب نائب عن منطقة على فرض حرية الانتخاب دليلا على ان المنتخب هو خير أهل المنطقة.

ثم ما معنى انصراف وجوه الناس عنه بعد موت الزهراء عليها السلام فاذا كان قد اجتمع اليه قبل موت الزهراء إنما اجتمع لأنه آمن بحديث الغدير واعتقد ان البيعة لغيره ضلال لما جاز أن يتغير بموت الزهراء وإلا لثبت أن إجتماعه

[180]

إلى علي عليه السلام لم يكن من أجله هو ولا ايمانا بوجوب امامته بل اكراما للزهراء فلما دعاها ربها الى جواره انتفى السبب الذي كان يربطه بعلي.

ثم انظر رحمك الله إلى قول الامام: (فنظرت فاذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت). كيف يعقل ان امة قال الله فيها (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) تعلم من أمر دينها ان عليا أمامها لايجوز العدل عنه إلى غيره ولا يتم الايمان إلا بأمامته لا يبقى فيهم من ينهي عن المنكر وأي منكر أعظم من مخالفة صريح أمر النبي والعدول بالخلافة الى غير مستحقها حتى لم يبق منهم من يؤيد عليا غير اهل بيته وليتني اعلم فيم باع كل هؤلاء الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه مرارا وتكرارا دينهم، أمن أجل سواد عيني أبي بكر وعمر فقط أو يكون بغض علي قد بلغ بهم حدا هوٌّن عليهم دخول النار؟

7 ألا ترى تناقضا بين قولي الامام: (لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم)، وبين قوله: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان ارى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكلم).

فهو عليه السلام يود مرّة لو يجد أربعين ذوي عزم

[181]

ليناهض بهم القوم ومرة يرى وجوب نصرهم ويحشرهم مع أهل الاسلام، أو تراه لو وجد أربعين ذوي عزم ثم ناهض بهم القوم أما كان ذلك هدما للاسلام أو ثلما له، إذ من كان يضمن النصر له فالأمة مجمعة على ان جيش يزيد كان مبطلا وكان جيش الحسين محقا ومع ذلك جاء الباطل وزهق الحق. وإذا صح أن مالكا بن نويرة قد رفض بيعة أبي بكر لأنه لم يرى البيعة إلا لعلي أما تكون الحجة قد قامت بوجود الناصر فلا شك ان مالكا كان من ذوي العزم الذين كان الامام يود وجودهم.

ثم كيف يتفق قوله: (فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما)، مع ما ذهب اليه المؤلف الفاضل من تقاعسه عن نصرة الخلفاء وعدم التعاون معهم إلا بمقدار، فان كل معاونة باليد او باللسان نصر للاسلام وأهله وأي تباطؤ عن ذلك ثلم له.

فلو علم الامام عليه السلام ان الاسلام يعزٌّ بالعمل الفلاني أو القول الفلاني ثم احجم عن الفعل أو القول لكان خاذلا للاسلام ولأهله.

ولم أر في عيوب الناس عيبا*** كعيب القادرين على التمام

لذلك فأنا أشك في صحة نسبة الأقوال المذكورة للامام فأبو الحسن أجل في نفسي من ذلك ليس هو دون خالد بن الوليد حين

[182]

قال وقد عزله عمر عن امرة الجيش:( لم أكن احارب من أجل عمر) فلم يكن الاسلام ملكا لأبي بكر وعمر أو غيرهما حتى يتباطأ أبو الحسن عن نصرتهما.

أما عدم ورود ذكره في الحروب التي جرت على عهد الخليفتين الأولين فلا يدل ذلك على عدم تعاونه معهما تعاونا صادقا تاما في كل ناحية من نواحي العمل وإلا فأين الحروب التي اشترك فيها عمر وعثمان وطلحة والزبير في زمن أبي بكر وهل يدل عدم ذكر اسمائهم على عدم معاونتهم له معاونة صادقة.

وبعد فهذه ملاحظات عابرة أحببت أن ادونها تزجية للوقت وقد يكون لها أجوبة مقنعة أنا أجهلها.

وأرجوا أن تتهيأ لي فرصة الاجتماع بالمؤلف الفاضل الذي أرجو أن تبلغه اعجابي وتحياتي فنتوسع فيما اجملته هنا.

واسلم لمحبك

عبد الله الملاح

الشنافية 3 ربيع الثاني 1373

نص رسالة الشيخ المظفر رداًعلى رسالة الاستاذ الملاح

إلى حضرة الأخ الفاضل عبد الله الملاح المحترم

اهدي تحياتي العاطرة

اطلعني الأخ قرة العين (الغبان) على رسالتكم اليه المؤرخة 3 ربيع الثاني 1373 فقرأت فيها الأدب الجم والتواضع المستحب والرغبة في الركون إلى الانصاف في القول. وهذا ما كنت اتوقعه بعد ان كان قد عرفك إلي (الجواد) من قبل.

ولأجل ان لا تفوتني فرصة التعرف اليك فضلت أن احرر بنفسي الجواب عن رسالتك وسامحني إذا تأخرت اياما اقتضتها طبيعة أشغالنا هذه الأيام.

وقبل كل حديث احببت أن أذكر للأخ ان كل بحث وسؤال يمكن ان يعقب ويجاب عنه إذا استعمل الاسلوب الخطابي بمهارة، عندما تكون العاطفة تأخذ أثرها في الجدل، غير اني ارجو من الله تعالى أن يعصمني ويعصمك من ان تطلع رأسها خلال هذه الأبحاث التي يجب ان يتبع فيها الحق للحق.

وعلى ذكر العاطفة فانك رعاك الله بعدما تفضلت من الثناء العاطر على كتاب السقيفة وصاحبه بما يعبر عن سمو نفسك

[184]

واخلاقك قلت: (ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الحياد التام). صحيح إني لم يظهر على بحثي الأخير الحياد التام بل ولا الحياد الناقص، ويجب ان اعترف بذلك، ولكن ما حيلتي إذا كان منطق البحث هو الذي ساقني الى ذلك. فلم أشأ أن اغالط القارئ أو اخادعه فيما توصلت اليه من رأي. ولو كان البحث قد ساقني الى الانحراف عن هذا الطريق لما عدوته. وحينئذ اتبع مسلكا آخر في اسلوب التأليف أو نشره. والله المطلع. على السرائر وهو الشاهد إذا كان ماأمليته بدافع العاطفة ولو بنحو لا شعوري. ولا ابرئ نفسي كما قلت في مقدمة السقيفة إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما عصم الله.

ولا اطيل في المقدمة، فأقول ما عندي باختصار في الأبحاث التي أثرتها

البحث الأول

1 انك شككت في صحة حديث الغدير، لأن البخاري ومسلماً لم يروياه في كتابيهما. وإني لملتجئ أن اصارحك انه لا يضر هذا الحديث المستفيض بل المتواتر انهما لم يروياه بشخصهما، ولا سيما بعد أن استدركه عليهما الحاكم في المستدرك (109:3) و(381:4) واكثر من ذلك صححه على شرطهما وكذلك في كنز العمال (390:6).

ثم هل تدري يا أخي كم ترك البخاري ومسلم من احاديث

[185]

صحيحة على شرطهما استدركت عليهما؟ ويكفي ان تراجع مستدرك الحاكم. والله اعلم لماذا تركا هذا الحديث ونحوه! وأرجو الاتذهب بك الثقة بصحيحي البخاري ومسلم هذا المذهب. حتى تجعل عدم روايتهما لحديث سببا في الطعن بذلك الحديث. فقد رابني منهما ما يريب كل منصف طالب للحق، فانهما لم يرويا أبدا ولا حديثا واحدا عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ولئن لم يكن اماما فعلى الأقل هو أوثق وأجل وأعلم فقهاء عصره؟ بل لم يرويا عن أبنائه الأئمة كلهم.وماأقل ما روياه عن آبائه حتى عن علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو من تعرف.

هذا كله في وقت قد اكثرا من الرواية عن جماعة كثيرة هم محل الريب بل الطعن فضلاً عن المجهولين. ولو وسع الوقت وهذه الرسالة العابرة لذكرت لك العشرات من هؤلاء الرواة. ولا محيص من أن أذكر لك جماعة منهم على سبيل المثال لتعرف اني على حق فيما قلت ولك علي أن لا أنقل إلا من علماء ورجال من أهل السنة لتطمئن إلى قولهم:

فمن هؤلاء الرواة (احمد بن عيسى المصري) فقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب والذهبي في ميزان الاعتدال: ان ابن معين حلف عن احمد هذا انه كذاب. ونقل في التهذيب عن أبي زرعة انه انكر على مسلم روايته عن احمد هذا في الصحيح قال:( هؤلاء قوم يعني مسلما ونحوه أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتشرفون به) وقال:( يروي يعني مسلما عن احمد في الصحيح ما رأيت أهل مصر يشكون في انه...) وأشار إلى لسانه يعني انه يقول الكذب.

[186]

و (منهم) اسماعيل بن عبد الله بن اويس، فقد نقل في هذين الكتابين المتقدمين اعني التهذيب والميزان: (ان ابن معين قال عنه: لايساوي فلسين. وقال ايضا: هو وأبوه يسرقان الحديث) ونقلا غير هذا من الطعون الشديدة فيه.

و (منهم) عبد الله بن صالح المصري طعن فيه في التهذيب والميزان نقلا عن ثقاة العلماء بأنه يكذب وليس بشيء وليس بثقة، وقال في الميزان:( روى عنه البخاري في الصحيح ولكنه يدلسه فيقول عبد الله ولا ينسبه) فانظر واعجب.

و(منهم) عمران بن حطان السدوسي الخارجي المعروف، وقد روى عنه البخاري وقد أكثر علماء الرجال من الطعن فيه، وهو المادح لابن ملجم بقوله المشهور:

يا ضربة من تقى ما أراد بها*** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

و(منهم) عنبسة بن خالد الذي كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بالثدي، فقال عنه يحيى بن كثير كما في التهذيب والميزان:( إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق لم يكن موضعا للكتابة عنه).

و(منهم) محمد بن سعيد الكذاب المشهور الذي صلبه أبو جعفر على الزندقة قال في الميزان:( روى عنه ابن عجلان والثوري ومروان الفزاري وابو معاوية والمحاربي وآخرون، وقد غيروا اسمه على وجوه ستراً له وتدليساً لضعفه) إلى أن قال أحد العلماء:( قلبوا اسمه على مائة

[187]

اسم وزيادة قد جمعها في كتاب) ثم قال الميزان:( قد اخرج عنه البخاري في مواضع وظنه جماعة).

و(منهم) هشام بن عمار خطيب دمشق ومحدثها وعالمها قيل عنه: انه حدث بأربعمائة حديث لاأصل لها، وقيل عنه غير ذلك.

ومنهم... ومنهم... وما أدري ماذا احصي لك من رواة الصحيحين على هذه الشاكلة. قيل لمسلم كما في التهذيب والميزان بترجمة سويد بن سعيد الهروي ـ:( كيف استجزت الرواية عن سويد)؟ فقال:( ومن أين آتي بنسخة حفص بن ميسرة!). بالله عليك ايصلح هذا عذرا في الرواية عن الضعفاء ممن اشترط على نفسه انه لا يروي إلا عن ثقة مأمون، وعند جعفر بن محمد الصادق وابنائه وآبائه من العلم والحديث ما طبق الخافقين وما يغنيه عن امثال سويد وحفص؟ أفلا يساوي أهل البيت عنده امثال أولئكم الضعفاء المطعون في صدقهم؟. بالله عليك أيأخذ الانسان المؤمن الموقن دينه من هؤلاء الرواة وأمثالهم ويوثقهم ثم يترك آل البيت! أي عذر يتخذه الانسان يلاقي به ربه يوم الحساب إذا كان ممن يعتقد بالله وبيوم الجزاء ويريد مخلصاً أن يخلص إلى الحق الصريح إلا اذا أراد أن يخادع نفسه أو يداهن في دينه؟

2 وأما قولك: (ان في سند الحديث من طعن فيه) فأظن يكفينا مراجعة الجزء الأول من كتاب الغدير لنعرف ان الطعن مهلهل لاسيما بعد أن نعرف ان الحديث ليس له سند واحد يبقى مجال معه للطعن، بل هو مستفيض إن لم يكن متواترأً، على أنه قد روى بسند صحيح على

[188]

شرط الشيخين مسلم والبخاري كما نقلت لك عن مستدرك الحاكم وكنز العمال.

3 وأما حديثكم عن تدوين الحديث عامة كالقرآن، فان صريح القول فيه عندي الذي ادين به ربي ولا اغالط نفسي انه ثبت من طرق الطرفين الصحيحة(1) التي لاريب فيها ان نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال:( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).

فقد قرن الهداية (ابدا) بالتمسك بهما معاً لا بالتمسك بواحد منهما فكل حديث لا يرجع الى الثقل الثاني لا أجد مجالا للتمسك به إلا إذا كنت لا أفهم الكلام العربي المبين أو أغالط نفسي.

دقق النظر ياأخي في هذا الحديث الجليل تجد ما يدهشك في مبناه ومعناه، فما أبعد المرمى في قوله:( لن تضلوا بعدي ابدا) ولكن بشرط إذا تمسكنا بهما(بهما) لا بواحد منهما فقط. وما أوضح المعنى في قوله:( لن يفترقا) فمن فرق بينهما أيجد الهداية يا تٌرى؟

وعلى هذا نستطيع أن نتنبه لماذا لم يأمر(ص) بتدوين الحديث كالقرآن، فقد كفاه انه(ترك) لنا الثقل الثاني الذي هو عدل القرآن

______________________________

(1) ومسلم قد رواه في صحيحة في فضائل علي من عدة طرق إذا كنت لا تصدق إلا بمسلم والبخاري.

أما البخاري فلم يروه ولكن الحاكم استدركه عليه (109:3).

[189]

الكريم حسب تعبيره وأمر بالتمسك به مقروناً بالتمسك بالثقل الأول(القرآن)، فهو الذي يكفل لنا دين النبي وقوانينه من وقوع الضلال فيها أبدا(أبدا) ما إن تمسكنا به مع القرآن، وهو الذي يبين لنا كل ما أجمل في القرآن وما نزل من أحكام وما جاء من قوانين لا( الحديث).

ولا يبقى بعد هذا مجال لمن قال أو يقول:(حسبنا كتاب الله) فانه لو كان( حسبنا) وفيه الكفاية لما قرنه النبي بعدله الثقل الثاني. أليس كذلك يا قرة عيني؟

واستطيع ان اخلص من هذا الكلام الى موافقتك (موافقتك أنت) انه لايصح الاعتماد على(الحديث) لانه ليس بعدل للقرآن وإلا لو كان الحديث المعمول به عند الناس طريقا الى اثبات الوحي الإِلهي لكان النبي يأمر كما قلت بتدوينه كما أمر بتدوين القرآن. بل ازيدك بأنه لم يقرن(ص) الحديث بالقرآن ولم تأت بذلك رواية معتبرة ولا آية، بل اكثر من ذلك قد اخبر عن كثرة الكذابين عليه بعده وحذرنا منهم، ولم يرو عنه انه شجع على الحديث عنه.

وهنا اعيد كلامك السديد فأقول معك: (أفيمكن ان يبني دين موحد على حديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون). إذن فليسقط (الحديث) من اعتبارنا جملة، ولكنا إنما نستدل به لنتخذه حجة على من يراه حجة عنده من باب الزام الخصم بما يعترف به، فان تنازل الخصم عن حجية الحديث وانكره جملة، قلنا له: بماذا تثبت تفاصيل الأحتكام وخصوصياتها فان القرآن فيه المجمل والمبين والمتشابه والمحكم والعام والخاص والناسخ والمنسوخ وليس فيه تفاصيل الأحكام

[190]

وخصوصياتها، فهذه الصلاة مثلا من أين تعرف أوقاتها وفرائضها وركعاتها وأجزائها وشرائطها ومقدماتها وما يتصل بها من أحكام لا تحصى؟

فهل ترجع إلى اعتبار الحديث مرة اخرى؟

أم تلتجئ عندئذ إلى الاعتراف بالثقل الثاني الذي أرجعنا اليه النبي (ص) مع القرآن.

أم ماذا؟

4 قولك سدد الله قولك:( لايعقل أن يترك أمرها أي الخلافة إلى حديث كحديث الغدير)، فيا قرة العين ليس الأمر منحصراً بحديث الغدير حتى يتم استغرابك فكم هي الأحاديث والآيات كما قرأت بعضها في السقيفة وهي يؤيد بعضها بعضاً ويفسر بعضها بعضاً إذا كان الواحد منها لايكفيك.

أما وصفك لحديث الغدير بأنه (لاتكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفة) فاني أجلك من هذا الكلام فانه ما على النبي من ضير أن تنسى حديثه الصحابة أو تتأوله، بل ترك أمر الخلافة إلى الصريح الفصيح من الكلام وبلغهم وإذا كانوا نسوه فالعيب فيهم لا في الحديث، على أنا لابد أن نقول: انهم تناسوه لانسوه، ومن أين علمنا بأنهم نسوه.

وأما الذين ذهبوا المذاهب المختلفة في تأويله فاولئك قوم من المتأخرين وليس هم الصحابة كما يشعر به قولك وذلك لما ضاقوا

[191]

ذرعا في الطعن في سنده فاضطروا لتأويله بالتأويلات التي تعرفها.

5 وأما آية (إنما وليكم الله...) فصحيح ما قلت فيها على ما اعتقد انه لم يعهد التعبير في الكتاب العزيز عن المفرد بالجمع. وازيدك انه لو كان المراد التعبير بالجمع عن المفرد لقال (الذين أقاموا... وآتوا...). والتعبير المضارع (يقيمون... ويأتون..) دليل على أن المقصود بها قاعدة كلية. وبتعبير منطقي تعرفه إذا كنت درست علم المنطق ان هذه حقيقة معناها ان كل من فرض فيه انه وقع منه هذا العمل أو يقع فهو ولي للمؤمنين ولاية كولاية الله ورسوله، لاقضية شخصية مشار بها إلى شخص أو أشخاص مخصوصين موجودين في الخارج، وإلا لوجب ان يقول بصيغة الماضي أقاموا وآتوا.

وعليه فالمقصود بالآية الكريمة ان كل مؤمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وهو في حال ركوعه فهو له الولاية العامة التي كولاية الله ورسوله. وعلى هذا تكون الآية كبرى كلية لا يتألف منها وحدها القياس المنطقي ولا تنتج شيئا إلا إذا عرفنا الصغرى لها، ولا يمكن الاستبدال بها وحدها مجردة بدون ضم الصغرى لها، وليس منطوقها إلا كمنطوق القوانين العامة مثل ان يقول القانون (كل من يحمل الشهادة الحقوقية له الحق أن يعين حاكما) فإن هذا القانون لا ينفعنا في معرفة الأشخاص الذين يحملون الشهادة بل لابد من الخارج ان نعرفهم بأشخاصهم لنعطي لهم هذا الحق.

وبهذه المقدمة نخلص إلى معرفة وجه الاستدلال بالآية على ولاية

[192]

علي، وذلك بضميمة الصغرى أي بضميمة معرفة نزولها، وقد ثبت انها نزلت في علي عندما تصدق بخاتمه وهو في حال ركوعه، فتشخصت هذه القاعدة الكلية فيه باعتبار انها نزلت فيه. ولم يعهد من غيره من الصحابة من آتى الزكاة وهو راكع لاقبله ولابعده، فانحصر هذا الكلي في فرد واحد بحكم نزول الآية فيه.

وأما الحكمة في التعبير بهذه القاعدة الكلية فلبيان ان علياً بالاستحقاق نال هذه المنزلة من الولاية لصدور هذا العمل منه الذي يعطي له هذا الحق، والمفروض انه لم يقع من غيره فتنحصر فيه هذه الولاية من دون باقي الصحابة.

6 أما آية (المباهلة) فأظن ان ما ذكرته عنها ستتراجع عنه عندما تعيد التأمل فيه فإنه قول غريب منك مع ذكائك وفطنتك، لأنه واضح ليس المقصود من انه نفسه انه هو على وجه تبطل الاثنينية حتى يترتب عليه انه لايجوز ان يتزوج علي ببنت محمد(ص) باعتبار انها تكون ابنته ايضا، فان هذا لايتوهمه عاقل ولايتوقف عليه الاستدلال، فان محمداً محمد وعلياً علي هما شخصان اثنان احدهما ابن عم الآخر وأحدهما ولد قبل الآخر ومات قبله، ولكل منهما مميزاته الشخصية التي تختلف عن مميزات شخصية الآخر، بل المقصود انه نفسه تنزيلا أي انه كنفسه وذلك مبالغة في تقاربهما واتحادهما في كثير من الأحكام المنزلة. وذلك يشبه قول الشاعر في مبالغته عن اتحاده مع حبيبه.

أنا من أهوى ومن أهوى أنا*** نحن روحان حللنا بدنا

[193]

فاذا أبصرتني أبصرته*** وإذا أبصرته أبصرتنا

في البحث الثاني

قلت: (إذا صح أن النبي (ص) قد نص على الأئمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم) لايا أخي لم يدع أحد أن النص على الأئمة كان بعد فقد ابراهيم ولم يصح فيه حديث، فمن أين جئت بهذا. ولابأس أن ألفت نظرك إلى ان هناك آية قرآنية اخرى نظير التي ذكرتها وهي قوله تعالى: (قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) فماذا تقول فيها(1)؟

وهلا تدري أن النبي لما نزلت هذه الآية (وانذر عشيرتك الأقربين) جمع عشيرته واستنصرهم وجعل لناصره ان يكون اخاه ووصيه ووارثه وخليفته من بعده وكان علي صبيا فأجابه دونهم فقال في حقه: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا) فخرجوا يتضاحكون من تأميره هذا الغلام على شيوخ قومه وفيهم

______________________________

(1) وما ذكرت انها آية فلا وجود لها بنصها، وإنما بمضمونها آيات نزلت في نوح وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام.والنازلة على لسان نبينا إنما هي آية القربى وآية اخرى في سبأ 47 (قل ما سألتكم من اجر فهو لكم إن اجري إلا على الله) وهما يفسر احداهما الاخرى، ويدلان على انه (ص) سأل اجرا هو المودة في القربى، ولكنه للمسلمين أي نفعه لهم.

 

[194]

ابوه. بالله عليك كم سبقت هذه الواقعة في الزمن مولد ابراهيم. وتأمل في صبي لم يبلغ الحلم يقال له هذا القول من نبي لايقول إلا عن وحي. أهذا جد أم هزل؟. تأمل في هذا وحكم وجدانك واعرضه على انصافك وأوله ماشئت أن تأوله فانك لامحالة ستجد هذا الصبي أكبر من أن يقاس إلى الناس وقد أمر من يومه ذاك في مبدأ البعثة، ثم فكر في قول من يقول انه لاقيمة لاسلامه يومئذ وهو لم يبلغ الحلم كم يبلغ من درجة الانصاف وقول العدل وقوة الحجة.