[120]

5 ـ وصول النبأ باجتماع الأنصار

لم يهدنا التأريخ الى أن أبا بكر وعمر أي شئ صنعا مباشرة بعد حادثة انكار موت النبي واجتماعهما، واين كانا قبل ذهابهما الى السقيفة فهل دخلا الى دار النبي معا والباب مغلق دون الناس، او انهما وقفا على الباب، او ان ابا بكر وحده دخل الدار؟ كل واحد من هذه الاحتمالات يستشعر فيه حدث وجائز وقوعها جميعا.

ولكن مثلهما جدير به إلا يبارح دار النبي (ص) في مثل هذه الساعة، وإذا كان شئ يحدث فانما يحدث ها هنا، ومحوره هذا المشغول بجهاز النبي (علي بن ابي طالب)، ومن كان يتهم ان الأنصار تستبد بهذا الأمر على آل البيت والمهاجرين وتطمع فيه دونهم فتبادر إلى إجتماعها معرضة عمن لهم شأن لا ينكر في هذا الأمر.

واغلب الظن انه لم يطل الزمن على وصولهما الى الدار حتى جاء اثنان من الأوس مسرعين الى دار النبي، وهما(1) معن بن عدي وعويم بن ساعدة، وكان بينهما وبين

______________________________

(1) ذكر ذلك في العقد الفريد(63:3) وفي الجزء الثاني من شرح النهج ولم نر غيرهما يصرح باسم الشخص المخبر. ولكن عمر بن

[121]

سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب، ولكن عمر مشغول بأعظم امر، فلم يشأ ان يصغي اليه، لولا ان يبدو على معن الاهتمام إذ يقول له:(لابد من قيام)، فأسر اليه باجتماع الأنصار ففزع اشد الفزع، وهو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه، فيسر الى ابي بكر بالأمر، وهو يفزع ايضا اشد الفزع. فذهبا يتقاودان مسرعين الى حيث مجتمع الأنصار، وتبعهما ابو عبيدة بن الجراح، فتماشوا الى الأنصار ثلاثتهم(1).

اما علي واما من في الدار وفي غير الدار من بني هاشم وباقي المهاجرين والمسلمين، فلم يعلموا بكل الذي حدث وبما عزم عليه ابو بكر وعمر.

ولماذا؟ ألم تكن هذه الفتنة التي فزعا لها اشد الفزع تعم

______________________________

الخطاب نفسه يحدثنا أنه صادفها في ذهابها الى السقيفة، فأشار عليهم بالرجوع ليقضوا أمرهم بينهم. واحسب ان عمر أراد أن يحفظ لهما هذه اليد، فيكتم عليهما غايتهما هذه على قومهما دفاعا عنهما، لأن الأنصار اجتمعت بعد بيعة ابي بكر في محفل فدعوهما وعيروهما بانطلاقهما الى المهاجرين واكبوا فعلهما فخطبا فردت عليهما الأنصار وأغلظوا وفحشوا عليهما وكل منهما قال شعرا: (راجع شرح النهج 11:2 نقلا عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار).

(1) الطبري (208:3).

[122]

جميع المسلمين بخيرها وشرها وأخص ما تخص عليا ثم بني هاشم؟ أو ليس من الجدير بهما ان يوقفاهم على جلية الأمر ليشاركوهما على اطفاء نار الفتنة الذي دعاهما الى الذهاب الى مجتمع الأنصار مسرعين؟ ثم لماذا يخص عمر ابا بكر دون الناس ثم أبا عبيدة؟

ليس من السهل الاحاطة بأسرار ذلك التكتم وهذا التخصيص، وهو موضوع بكر لم يقرع بابه الباحثون. ولكنا إذا علمنا ان الجماعة كانوا يلاحظون في علي تلك الامور التي ذكرناها في البحث السابق فيحذرون ان يستبق الى بيعته مستبق، نجد منفذا الى خبايا هذا التكتم ونطمئن الى انهم رأوا الأصلح لهم ان يتداركوا الأمر بأنفسهم من دون ان يشيع الخبر وحينئذ يستطيعون ان يهيمنوا على الوضع ولا يقع ما يحذرون، إذ يكسبون على الأنصار اجتماعهم السري في جو هادئ ممن يتحمس لعلي. وهذا التخصيص من عمر يشجعنا على ان ندرك التفاهم السري بينه وبين ابي بكر بل بينهما وبين ابي عبيدة في هذا الشأن بل بينهم وبين سالم مولى ابي حذيفة. ولذلك وجدنا عمر بي الخطاب يأسف عند الموت الا يكون واحد من هذين(ابي عبيدة وسالم) حيا حتى يجعل الخلافة فيه من بعده، مع ان سالما ليس من قريش.

وإذا كانوا لم يلاحظوا في علي ما قلناه، فمن هو أجدر منه بالاخبار بهذا الأمر ومن أجدر من قومه بني هاشم، وعلي

[123]

ليس ذلك الرجل الذي يستهان بشأنه ويستصغر قدره حتى لا يستشار ولا يخبر بمثل هذا الأمر الخطير، وهو ان لم يكن منصوصا عليه بالخلافة فان مؤاخاة النبي له مرتين دون سائر الخلق وجعله منه بمنزلة هرون من موسى وهو أحب الناس اليه ومولى كل من كان مولاه وولي كل مؤمن بعده ووارثه ووصيه ويدور الحق معه كيفما دار... كل هذا وغيره ما شئت ان تحدث يجعل له المنزلة الأولى في هذا الشأن ليستشار على الأقل.

ولئن كان مشغولا عنهم بجهاز النبي(ص) فجدير بأن يكون على خبر من ذلك ليكون ردا لهم عند حدوث ما يكره، وهم مقدمون على أمر عظيم، وعلي من لا ينكر في شجاعته وبطولته وايمانه وتفانيه في سبيل نصرة الاسلام. ولكنه بالرغم من ذلك كله لم يعلم بالحادث إلا بعد ان سمع التكبير من المسجد عاليا، وقد فرغوا من اجتماع السقيفة وجاءوا بأبي بكر يبايعونه البيعة العامة.

ولست في تعليلي هذا أدعي الاحاطة بأسرار هذا التكتم وإنما ذكرت ما يبدو لي عند البحث مقتنعا انه أهم أسراره وعسى ان يكون هناك من يستطيع ان يشبع الموضوع بحثا، فيزيدنا علما على علم أو يكشف لنا انا على جهل.

[124]

6 ـ تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الأنصار

لنجيء الآن مع ابي بكر وعمر وابي عبيدة الى السقيفة، فنرى الأنصار مجتمعين يتداولون الحديث، وسعد بن عبادة بينهم مزّمل وجع يخطب فيهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافة. ولانشك ان الأنصار الآن في لغط وحماس، قد اخذت الأنانية والفخر بأطرافهم معدين للوثبة عدتها، يريدون في اجتماعهم السري هذا ان يقبضوا على ناصية هذا الامر العظيم، وليس امامهم من يطاولهم.

وإذ يدخل عليهم وجوه المهاجرين فجأة لا بد ان يسقط ما في أيديهم بافتضاح امرهم قبل ابرامه، وبتخوفهم من خروجه من ايديهم بعدما قالوا وصنعوا. ولابد ان يرتبكوا لذلك ويقوى فيهم شعور الخذلان. وقد عرفنا نفسياتهم التي يتغلب عليها الضعف، فيتغير عليهم مجرى الحادثة. وهنا ينقلب الدور فيتهيئون لمواجهة هذا الحادث الجديد بما يقتضيه: فمن كان يبغض الامارة لسعد وجد الفرصة قد حانت للانتقاض عليه، وبالعكس اصحابه الذين يوادونه لابد ان ينقلبوا مدافعين. وهذا أول تبدل في حالهم وانخذال في اجتماعهم.

وبعد دخول جماعة المهاجرين هذا الاجتماع وسؤالهم عن

ِ[125]

هذا المزمل من هو؟ وما شأنه؟ نرى عمر يذهب ليبتدئ النطق، وقد زور في نفسه مقالة في الطريق ليقولها بين يدي ابي بكر، وكان يخشى جد ابي بكر أو حدته، وكان ذا جد كما يقول هو. ومن الواضح ان الموقف دقيق جدا يدعو الى كثير من اللين واللباقة رعاية لهذه العواطف الثائرة المتحفزة، ولكن ابا بكر يمنع عمر من ابتداء الكلام، وكأنه هو ايضا يرقب شدته وغلظته المعروفتين فيه فانطلق يتكلم، وما شيء كان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما يحدثنا عمر نفسه.

ولقد كان ابو بكر يحسن المعرفة بما يتطلب هذا الوضع من الرفق والسياسة، أولا ترى لما كادوا ان يطأوا سعدا قال قائل: قتلتم سعدا.. فقال عمر وهو مغضب:( اقتلوا سعداً قتله الله انه صاحب فتنة) فالتفت اليه ابو بكر قائلا:( مهلا يا عمر! الرفق هنا ابلغ).

ولا اعتقد مع ذلك ان عمر كان يجهل ضرورة الموقف، ولكني اخاله وقد تمت البيعة لأبي بكر لم يجد حاجة لكثير من هذا اللين والمداراة، وقد أخذ بموافقة الأنصار إلا القليل، وتحقق فشل سعد وانخذاله. فهو اذن يعرف موضعي اللين والشدة. ولعله وهو رجل الساعة بعد أبي بكر أراد ان يظهر بالغلظة لينطق ابا بكر بكلمة اللين.

[126]

7 ـ تأثير خطب أبي بكر على المجتمعين

من المتيقن ان الرجال الذين سادوا الأمم والجماعات فأحسنوا سيادتهم هم من ابرع الناس في علم الاجتماع وهم لايشعرون. وإنما جبلوا على معرفة فطرية تشحذها التجارب التي تخلق في النفس الملكة على تطبيق النظريات عند الحاجة. وابو بكر وعمر هما من اولئك الناس الذين عرفوا خواص نفسية الجماعات وكيف يمكن التأثير عليها قي الوقت المناسب كما دلت الحوادث المتكررة على ذلك.

ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة ايضا هنا أتم من توفرها في اجتماع المسجد غب موت النبي الذي أشرنا اليه سابقا: فقد كان الاجتماع حافلا التجأ فيه سعد بن عبادة أن ينيب عنه ابنه أو بعض بني عمه في إلقاء كلامه، فيرفع به صوته ليسمع المجتمعين. وقد اجتمعوا لغرض واحد حساس اعني تأمير من يخلف ذلك النبي العظيم، ليكون على رأس هذه الامة الكبيرة القوية المستجدة، وهم على ما هم عليه من الحال التي وصفناها من التوثب والشعور بالاستحقاق والتكتم.

وأظنك عرفت في البحث الأسبق ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو كيف يطلع فيه قرن العاطفة ويأزر

[127]

رأس العقل والتفكير في المجتمعين فيصبح عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويقوى فيه سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى. بل تظهر عليه الأعراض المتناقضة، فبينا تجده قد يقوم بأعمال وحشية جبارة تدل على شجاعة افراده البالغة حدها تجده مرة اخرى يجبن من الصفير. وبينا تراه يأتي بأعمال صبيانية مضحكة تراه تارة اخرى يحكم التدبير والتنظيم. وما ذلك إلا من سجية المحاكاة الموجودة في كل انسان فتسود على المجتمع عندما يبطل حكم العقل وحينئذ يكون تابعا مسخرا لكل من يحسن تسخيره بالمؤثرات التي تهيمن على العاطفة كالمنوم تنويما مغناطيسيا.

ونحن إذ فهمنا جيدا هذه البديهيات عن روحية الجماعات، ولاحظنا توفر شروط الجماعة الاجتماعية في جماعة السقيفة، نفهم معنى تلك الأساليب التي اتبعها ابو بكر وصاحبه كما سترى للتأثير على المجتمعين يومئذ ونفهم سر تأثر جماعة الأنصار وانقلابهم الفجائي على انفسهم، فأخذ ابو بكر وعمر الأمر من أيديهم باختيارهم. على انهما في جنب قوة الأنصار واعتزازهم بجمعهم تلك الساعة لا يعدان شيئا، وليس من المهاجرين معهما إلا أبو عبيدة بن الجراح كما سبق وسالم مولى أبي حذيفة على رواية. فاسمع الآن الى الأساليب التي قلنا عنها:

لقد رأينا سابقا كيف حرش ابو بكر بين الأنصار، وأثار

[128]

عواطف الأوس على الخزرج. وقد صادف منهم نفوسا متهيئة الوثبة على سعد. حتى استمالهم الى جانبه وهم يشعرون أو لا يشعرون. في حين انهم يعلمون ان الأمر إذا كان للأنصار وان تولاه رئيس الخزرج فهو الى حيازتهم أقرب والى سلطانهم أدنى. ولكن للعاطفة هنا سلطانها القاهر على النفس لا يقف في وجهها أي سور محكم من النطق والتفكير.

ولنفحص الآن (خطبته) التي واجههم بها في أول الملاقاة وقال عنها عمر:( ما شئ كان زورته في الطريق إلا اتى به أو بأحسن منه) فانه ذكر فيها اولاً ما للمهاجرين من فضل وسابقة في الأسلام بأنهم أول من عبد الله في الارض وآمن بالله وبالرسول وانهم اولياؤه وعشيرته واحق اناس بهذا الأمر(أي الخلافة) من بعده. وأن العرب لاتدين إلا لهذا الحي من قريش، وانهم لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم...! ثم خاطب الانصار فلم يغمط حقهم وسابقهم وجهادهم، لكن... لكن من غير استحقاق لهذا الأمر، وإذا استحقوا شيئا فانما هي(الوزارة)... ولغيرهم...(الامارة)، فقال:

(... وأنتم يامعشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الاسلام. رضيكم الله انصارا لدينه ولرسوله وجعل اليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه

[129]

وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء)(1).

وفي هذا البيان الشيء المدهش من اطفاء نار عواطفهم المتأججة ضد المهاجرين، واشباع نهمة نفوسهم الفخورة المتطاولة بفضلهم، وجهادهم ونصرتهم، وتقريبها الى المهاجرين للاعتراف بفضلهم عليهم، لأنه ليس اقوى على تخدير أعصاب الجماعة الهائجة من الذهاب مع تيار روحهم المندفعين بها، فأعطى لهم ما يسألون بلسان حالهم من الاعتراف بالفضل والجهاد وكل فخر يشعرون به متطاولين.

حقاً لقد صدق وصدقوا، فان لهم الفضل الذي لا ينكر، ولكنهم أخطأوا بزعمهم ان لهم بذلك حق الامارة، وهنا نجد أبا بكر يريد أن يحولهم عن هذا الزعم، فيحذر أن يخدش عواطفهم بما ينقص منزلتهم ويحط من مقامهم، فعدل عن التصريح بكلمة الخطأ أو ما ينسق عليها من معناها، واتبع اسلوبا آخر من البيان وانه لمن السحر المأثور فلم يزد على كلمة:( فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم الوزراء). وفيها تنبيه على خطأهم من طرف خفي من دون التجاء الى الكلمة التي بها تجرح عواطفهم وتثير الحزازات مع الثناء عليهم في نفس الوقت ثم اثبات الوزارة لهم

______________________________

(1) الطبري (208:3).

[130]

وإذا أردت التدقيق في هذه الكلمة ترى الشئ الأعجب: فهو الآن يريد أن يفضل المهاجرين الأولين (الأولين بالخصوص!) عليهم، ليثبت لهم استحقاق الخلافة، ولو كان وضعهما في طرفين وفضل المهاجرين لأثار ذلك بحفيظتهم وحرش بين خصمين متطاولين من القديم، فعدل عن منطوق مقصوده والتاف اليهم من طريق تفضيل الأنصار أنفسهم على الناس والقى في الطريق كلمة( بعد المهاجرين الأولين)، فتظاهر انه يريد ان يقول: ليس أحد بمنزلة الأنصار. وأن مقصوده ليس غير، وإنما استثنى المهاجرين كأمر ثابت مقرر لا يتطرق اليه الشك وليس محلا للنقاش لا لأنه المقصود في البيان.

هنا إذ تهدأ تلك النفوس الجامحة في الجماعة راضية بما قيل فيها وفق شعورها تتفكك أوصالها وترجع من حيث جاءت كأنما حصل لها كل ما تصبو اليه. وهذا من انحطاط نفسية الجماعات، فلا تشعر بالنتيجة التي يراد أخذها منها وان خالفت تفكيرها عند التأمل، لأن عادة الجماعة في الأفكار ان تقبلها جملة أو تردها جملة، ولا طاقة لها على التأمل والتفكيك بين الأفكار ولاصبر لها على التمييز.

مضافا الى ان الوعد بجعلهم الوزراء لا يفتاتون بمشورة ولا تقضي الامراء دونهم الامور يطمن من رغباتهم واطماعهم، ويذهب بخوفهم من الاستبداد عليهم وأخذ الثأر منهم،

[131]

ويسدل على ما حاولوه ستارا كثيفا من النسيان. وبعبارة أصح، يأخذ أثره الوقتي وتلهو الجماعة عن صدق الوفاء ولا تحتاج الى التدليل عليه، ولا يكلف قائله إلا الوعد وبهرجة الكلام.

وهناك كلمتان أخريان في تلك العبارة التي حللناها لا يفوتنا أن نتعرف اليهما والى ما فيهما من معنى أخاذ.

الاولى كلمة(الأولين) فأبعدهم بها عن شعور الخصومة الموجودة للمهاجرين عامة. والمهاجرين والأنصار حزبان متطاولان وقد كان تنافسهما أمرا واضحا للعيان في زمن الرسول وبعده حتى قال لهم النبي يوما:( ما بال دعوى اهل الجاهلية)، وذلك عندما قال الأنصاري:( يا للأنصار!) وقال المهاجرين:( يا للمهاجرين ـ) فأقبل جمع من الجيشين وشهروا السلاح حتى كاد ان تكون فتنة عظيمة، في قصة مشهورة(1) فتجد ابا بكر بتخصيص المهاجرين بالأولين كيف اتقى شعور الأنصار بخصومتهم لعامة المهاجرين، وهم لاينكرون ما للأولين من فضل وقد سبقوهم الى الاسلام وعبادة الرحمن على انه بهذا التخصيص قرب نفسه وصاحبيه الى هذا الأمر.

الثانية كلمة(عندنا) فانظر الى ما فيها من قوة

______________________________

(1) راجع البخاري (165:2 و126:3).

[132]

سحرية إذ رفع بها عن مقام القرن المنازع للأنصار، وأخرجها عن الحزبين: الأنصار والمهاجرين، ونصب نفسه بها كحكم بينهما يفضل هذا على ذاك ثم يختار لهم ما فيه الصلاح. وهذا له الأثر البليغ في اخماد نار عاطفة التعصب عليه، ويعطيه ايضا منزلة في نفوسهم هي أعلى وأرفع تجعل له نفوذ الحكم المستشار والزعيم للفريقين وعلى العكس فيما لو نصب نفسه مزاحما لهم مطالبا بحق يعود له ولحزبه. وشأن الجماهير انها لاتنتظر الدليل على الدعاوي البراقة المبهرجة. لأن التصوير ولو بالألفاظ له الحكم الفصل على نفسياتها.

فارجع الآن الى تلك العبارة ودققها! وهي جعجعة تسحن الجماعات من غير طحن، وإلا فمن المقصود بضمير(عندنا) يتكلم عنه ابو بكر غير جماعة المهاجرين وهو منهم، وعلى تقديره فمن الذي خوله ان يمثل المهاجرين بشخصه؟... ولكنه جرد من نفسه( ومعه غيره) حكما مفضلا، عنده المهاجرين أفضل من الأنصار وليس بمنزلة الأنصار أحد بعدهم.

فلا نعجب بعد عرفاننا هذه الاساليب التي لها القوة السحرية على الجماعات ان يأخذ ابو بكر بناصية الحال، ويستهوي المجتمعين لينظروا اليه بقلوبهم لا بعقولهم، فيصرفهم كيف يريد. فانتظر نتيجة تأثيره عليهم.

[133]

8 ـ نقاش المهاجرين والأنصار

قرأنا في الفصل السابق خطبة ابي بكر وما فيها من الأساليب فلنر مدى تأثيرها على المجتمعين وكيف كانت النتيجة؟:

لم يردّ عليه إلا الحباب بن المنذر في كلامه المتقدم في البحث رقم(2) وقد رأيناه لم يأت بشئ وكان اول منخذل امام المهاجرين وإن ظهر بالقوة التي تلاشت في آخر كلامه كما شرحناه، ففتح على نفسه باب الحجة الظاهرة إذ قال:(فمنكم أمير ومنهم أمير)، على انه ظهر جليا بمظهر المتعصب المغالب، فاستهل كلامه بقوله:( املكوا عليكم أمركم....) وهذا مردود عليه معكوس الاثر، وسيأتي.

وهنا. جاء دور عمر بن الخطاب فقال:( هيهات! لايجتمع اثنان في قرن. والله لاترضى العرب ان يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لاتمتنع ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي امورهم منهم. ولنا بذلك من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن اولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لا ثم أو متورط في هلكة).

فتجد كلام عمر هذا وان كان هادئاً لايبلغ كلام ابي

[134]

بكر، إذ ظهر بمظهر الخصم المدعي بحق الامارة. وكأن ابا بكر فسح له المجال لأن يكون هو المدعي العام عن المهاجرين بعد ان نصب نفسه كحكم للمتنازعين. كما نلاحظ ايضا انه لم يشر الى قضية النص على قريش أو على خصوص واحد منهم، وإنما القضية قضية رضى العرب وابائها وان المهاجرين اولياء محمد وعشيرته. ولذا قال علي عليه السلام بعد ذلك:( احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة).

فقام الحباب بعد عمر فقال: (يامعشر الانصار املكوا عليكم امركم ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فان ابوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور، فأنتم والله احق بهذا الامر منهم فانه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين. انا جذيلها المحك وعذيقها المرجب. انا شبل في عرينة الأسد. اما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة. والله لايرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف).

وهذه عصبية جاهلية وسوء قصد ظاهر. فقال له عمر:( إذاً يقتلك الله) فانتحى به الناحية الدينية إذ نسب القتل الى الله تعالى ولم يقل يقتلك الناس. وهذا اسلوب من الرد فيه التهديد والتنديد على تلك دعوى الجاهلية منه. فقال الحباب:( بل إياك يقتل).

[135]

وهذه مهاترة يلتجأ اليها ضعف الحجة وشدة الغضب، فترى الحباب في كل ذلك كان قلق الوضين يرسل من غير سدد، وتتضوع من فمه رائحة نفسه، ولا يعرف ان يسر حسوا في ارتغاء . فاقتحم في الميدان بجنان الفارس المدله المدل بقوته ونفسه، ومن سيفه ولسانه تنطف دعوى الجاهلية الاولى البشعة في الاسلام، تأباها عليه الصبغة الدينية المصطبغ بها المجتمع يومئذ، وهو في الدرجة الاولى متأثر بالإسلام وتعاليمه وللشعور الديني الأول في تأثر الجماعات الدينية وانفعالاتها، فما لم يستخدم هذا الشعور لا يرجى ان يحدث في الجماعة التعصب الذي يجعل الانسان يرى سعادته في التضحية بنفسه وبكل عزيز فداء للمقصد الذي يوجه اليه.

فالحباب ان تولى الدفاع عن سعد وقومه نصرة لهم فهو الذي أفسد عليهم أمرهم اكثر من أي شخص آخر من حيث يظن الصلاح وبدلا من ان يقود المجتمعين للغرض الذي إجتمعوا لأجله قد خسرهم واعطى القيادة من حيث لايشعر لغيره الذي عرف كيف تؤكل الكتف في استمالتهم واستعمال نفوذه فيهم. وكان اول ظهور هذه الخسارة قيام ابن عمه بشير بن سعد الخزرجي، فنقض على الخزرج ما اجمعوا عليه فقال:

( يا معشر الأنصار انا والله لئن كنا اولى فضيلة في جهاد

[136]

المشركين وسابقة في هذا الدين ما اردنا إلا رضى ربنا ونبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا ان نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي من الدنيا عرضا فان الله ولي المنة علينا بذلك. ألا إن محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى. وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الأمر ابداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم).

انظر الى الشعور الديني كيف أخذ بأطراف كرم هذا الرجل، متأثراً بدعوة ابي بكر وصاحبه، خارجا على قومه بل على نفسه، وكان بعد ذلك اول مبايع من القوم. ولا اعتقد ان ذلك كله عن نفاسة لسعد كما رماه به الحباب لما مد يده للبيعة فناداه: (يابشير بن سعد عققت عقاق! ماأحوجك الى ما صنعت؟ أنفست على ابن عمك الامارة!). فقال بشير: (لاوالله ولكن كرهت ان انازع قوما حقاً جعله الله لهم).

بل اعتقد انه كان صادقا بعض الصدق أو كله فيما ادعاه عن نفسه فان سير الحادثة كما وصفناه يدل دلالة واضحة على تأثر الجماعة بكلام ابي بكر وانقيادها الى دعوته ولا سيما بعد ما صدر من الحباب ما يبعد النفوس عن دعوة قومه. نعم! وإنما كان مبدأ ظهور ذلك التأثر في بشير بن سعد، فيصح ان نجعله ممثلاً لشعور قومه تلك الساعة.

[137]

9 ـ المهاجرون يربحون الموقف

إن الحقيقة هي التي وصفناها لك. إن القوم قد تكهربوا بدعوة المهاجرين وتهيئوا لبيعة واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بين الحزبين كما أشرنا اليه وصرح به ابو بكر في خطبته التي تقدمت في البحث (3) إذ قال: (فقد جلس بين لحي اسد يقضمه المهاجري ويجرحه الأنصاري) وزاد في تهيئهم هذا منافسة الأوس للخزرج وحسدهم لسعد. وطبيعي ان تنافس القريب اكثر أثراً من منافسة البعيد مهما كانت.

ولذلك نرى ابا بكر لما سمع مقالة بشير لم يتأخر عن تقرير النتيجة من هذا النقاش، فلا بد انه علم بانقلاب الجمع تأثراً بدعوتهم كيف وهو قد هيمن عليهم ونومهم تنويماً مغناطيسيا، فيعرف كيف سخره وقاده فقدم للبيعة أحد الرجلين اللذين معه: عمر بن الخطاب وابي عبيدة الجراح، وقال: (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم فبايعوا).

وقد جرى في هذا الكلام هنا على نفس تلك الطريقة التي سلكها في خطبته المتقدمة في البحث(7) من ترفعه عن مقام المعارضة، وتجريده من نفسه حكما للحزبين يختار لهما ما هو الصالح باجتهاده، فاختار لهم احد هذين الرجلين.

ولكن الجمهور كما قلنا ضعيف الرأي والاختيار،

[138]

لايعرف ان يختار ولا يعرف ان يعين ما يختار، ويبقى في مثل هذا الحال منتظراً اشارة من سخره ونومه التنويم المغناطيسي أو لأي شخص آخر يفاجئه بارادة قوية حازمة، فلو ان احداً من الحاضرين قام فبايع احداً منهما عمر أو أبا عبيدة لبويع وانتهى كل شئ. ولو ان ابا بكر عين واحداً لما تأخروا عن بيعته، ولكن هذا الترديد بين الرجلين يظهر انه كان مقصوداً تمهيداً لارجاع الأمر اليه، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بين الثلاثة ليتعاقبوا هذا الأمر. ولذلك تمنى عمر عند الموت ان يكون ابو عبيدة حيا ليعهد اليه.

اما هما فقد أبيا عليه وقال عمر: (لا والله لا نتولى الأمر عليك ابسط يدك نبايعك!) قال هذا القول ولم يترك فرصة تستغل للرد والحجاج، فحقق القول بالعمل، وأقدم بارادة جازمة لاتعرف التردد يتطلبها الموقف الدقيق، فذهب ليبايع ابا بكر، ولم يتمنع ابو بكر فمد يده، ولكن بشير بن سعد هذا الذي تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب اليها فوضع يده بين يديهما مبايعا، كأنما اراد بذلك ان يحرز الفضيلة في السبق أو ليبرهن على اخلاصه للمهاجرين، بل هذا من اندفاعات الجمهور المدهشة بنتيجة انفعالهم بالمؤثرات التي تطرأ عليهم.

وهو من ابلغ الشواهد على ما قلنا من تكهرب نفوس جمهور السقيفة بتلك المؤثرات التي استعملها ابو بكر بتلك

[139]

الحذاقة واللباقة، فان لبعض الألفاظ والجمل سلطاناً لايضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل. الفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعاً امام الجمهور، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة سحرية، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق اشلاءها وتقودها الى حيث يريد المتكلم راضية قانعة(1).

ويظهر ان عمر ايضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرين فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم. الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم، فأقدم على بيعة ابي بكر كما رأينا ه غير متردد ولا متخوف ولا مستشير، ومد يده مسرعا. وإلا فان الأمر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت: باقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس انه صاحبه المنحاز اليه في وقت هو احد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لأعظم امة، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد(2)

______________________________

(1) راجع كتاب( روح الاجتماع) المعرب لغستاف لبون ص113.

(2) على انه قال بعد ذلك في خلافته:( فمن بايع اميراً من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا) راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث2323.

[140]

وإنما اقدم كأن الأمر لا يدور إلا بينه وبين ابي بكر كأمر ثابت لاشك فيه. وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها، ولم تكن منه إلا لأنه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين.

ولذلك لم نجد معارضة من القوم، بل الأوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد ان قالت ما قالت كما تقدم في البحث(3). ثم تبعهم جميع الأنصار ما عدا سعداً ومن كان شديد التعصب له كأبنه قيس والحباب. ولا شك ان للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم، او تيار الكهرباء في سلكه، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم اليها، كأنما تفوت دونها الفرصة، فأقبلوا من كل جانب يبايعون ابا بكر، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الأنصار كلهم، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميراً على جميع المسلمين، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع، فحمل الى داره صفر اليدين.

وهذا ألطف شئ في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في اعماله وآرائه وشدة نزقه، فانه لايعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها، وهو مع ذلك كثير النسيان لأحواله السابقة.

[141]

أما الحباب ولا ينبغي أن ننساه لما رأى اقبال الناس على البيعة انتضى سيفه، فحامله عمر فضرب يده، فندر السيف، فأخذ منه. فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة، ولكن من المعلوم أنه لم يصنع شيئا ولم يستطيع رد جماح أي شخص من قومه حتى تمت البيعة مرغما، وصدق فيه وفي قومه المثل المشهور (ربّ ساعٍ لقاعد). وليتني أراه في تلك الساعة كيف كان حاله فتزبد شدقاه ويتميز غيظا ويعض على أنامله وقد ملكت حواسه سورة الغضب، وماذا كان يقول لقومه ولنفسه بعد ذلك الذي مضى منه من التهديد والوعيد ثم ذهب هباء وخار ضعفا؟ لاشك انه لو كان من ابناء هذه المدينة الحديثة متشبعا بعاداتها، لكان هو على مثل هذه الحال ضحية الإنتحار ليتخلص من شنارها ويستر عارها.

10 ـ النتيجة

نستنتج من سير الحادثة ان طريقة بيعة ابي بكر لم تكن طريقة اختيار بالمعنى الصحيح(1) ويحقق معنى أنها كانت (فلتة) وقى الله شرها على حد تعبير عمر بن الخطاب.

______________________________

(1) فنصدق كلمة الاستاذ محمد فريد أبي حديد في مقاله (نظرة في نظام بيعة الخلفاء) المنشور في مجلة الرسالة المصرية العدد10.

[142]

وقد رأينا السرعة التي جرت بالحادث لم تبق مجالا للمفكر ان يشحذ فكره ولا للمعارض ان يقيم حجته، فكانت مفاجأة في مفاجأة. مع ان العاطفة العدائية عند الأوس المهيجة من ابي بكر كان لها الأثر الفعال في تقريب النتيجة، وساعدها بل اشعل أوارها ان المجتمعين انطبعت فيهم اوصاف الجماعة الاجتماعية، مما يذهب عنهم صحة الاختيار والحكم.

فلا بدع إذا لم يثق الباحث المفكر باختيار جماعة السقيفة، ولا يغتر به دليلا على صحة هذه الطريقة من البيعة في الاسلام. وقد أشرنا في الفصل الأول الى ان عمر نفسه قال عنها:( فمن دعا الى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه).

ولا غرابة ايضا إذا لم يدافع احد عن النص على علي بن ابي طالب، وقد اندفع المجتمعون بتيار جارف لا يقف في سبيله شئ، ونحن نعرف رأي المهيمنين على الاجتماع في علي، وهم يبعدون ان يتم له شيء من ذلك. أفتراهم يدعون اليه في هذا المجتمع الذي اسس على الأعراض عن النص فيه، وإذا قال بعد ذلك بعض الأنصار أو كلهم( لا نبايع إلا عليا) كما سبق فقد قلنا ان ذلك بعد خراب البصرة، فان هذا الجمهور اصبح لا يملك اختياره وتفكيره وشعوره بواجبه الديني لما قلناه من تكهربه بتيار تلك القوة السحرية

[143]

قوة الاجتماع التي تجعل اعماله اعمالاً لاشعورية، على ان اساس الاجتماع ارتكز على طمع الأنصار من جهة تخوفهم من جهة اخرى( على ما شرحناه فيما تقدم). وهذان لم يتركاهم يفكرون في واجبهم الديني فبعد أن افحموا وغلبوا واندفعوا مع الغالبين، وتلك هي فطرة البشر.

ويشهد على ما نحسه من الضعف الديني في تلك الأحكام العاجلة والقرارات الخاطفة في اجتماع السقيفة، انه مما تقرر في تلك النهزة أمران عامان:

1 ان الأنصار لا حق لهم في هذا الأمر.

2 انهم الوزراء لمن كانت له الامارة.

مع ان الأول شك فيه ابو بكر نفسه بعد ذلك إذ تمنى فيما تمنى لو سأل النبي عنه، والثاني هذا المنصب المزعوم وزارة الخليفة لم يعط لأحد منهم لا في عهد ابي بكر ولا بعده، بل هذا المنصب لم يحدث لأحد إلا في عهد العباسيين.

وبهذه النتيجة التي حصلنا عليها من سير حوادث السقيفة وملابساتها يسهل علينا ان نفسر بها الآيةالكريمة (أفإن مات أو قتل انقلبتم...) . فان الاجتماع كان على كل حال انقلابا على الأعقاب حتى لو لم نؤمن بالنص من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من سيكون خليفة من بعده، لأن الاجتماع كما قلنا من اصله كان افتياتاً على المسلمين ولم

[144]

يكن مستندا الى قاعدة اسلامية أو تصريح من الرسول. وكذلك ما قرره الاجتماع لم يكن إلا قراراً خاطفا تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى، وليس فيه مجال الرجوع الى النص. والى هنا نستطيع ان نرجع الى ما قلناه في التمهيد انه كيف تفسر الآية بحوادث السقيفة وأرجو من القارئ ان يرجع من جديد الى بحث السقيفة ليأخذ بأطراف الموضوع على ضوء هذه النتيجة.

ومن نفس الحادثة نستطيع ايضا ان نؤيد النص على الامام علي عليه السلام، لأن ما ورد فيه من تلك النصوص لو لم تكن لتعيينه خليفة وكانت لمجرد الثناء وبيان فضله ولم يكن الاجتماع لاستغلال الفرصة لمخالفة النص وكان اجتماعا طبيعيا شرعيا لو لم يكن كل ذلك لوجب أن يكون هذا الرجل الذي هو من النبي بمنزلة هارون من موسى في مقدمة المجتمعين وعلى رأسهم ومعه أهل بيته ولما كان ينعقد الاجتماع ولا يقرر فيه شيء من دون مشورته وموافقته ولكن كما سبق كل ذلك لم يقع. بل الحادثة من مبدأها الى منتهاها اخذت على أن تقع على غفلة منه ومن بني هاشم الى آخر لحظة منها واهمل شأنها وكأنهم لم يكونوا من المسلمين أو لم يكونوا من الحاضرين إلا بعد أن تم كل شئ.

[146]

الفصل الرابع : عَلي مَع الخلفَاء

(1 ـ الافتيات على الامام)

لايشك التأريخ ان علياً عليه السلام كما قدمنا لم يكن على علم من اجتماع الأنصار في سقيفتهم، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين، وهم ابو بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان على حد تعبير الطبري في تاريخه وتبعهما ابو عبيدة. بل لم يعلم الامام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم الى المسجد في ضجيجهم( وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة)، فبلغه تكبيرهم، وهو مشغول لايزال في جهاز النبي. ولم يخرج اليهم إلا في اليوم الثاني.

واول شئ يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشورة، وهم يشعرون بأنهم في مقام الخصومية له انهم لم يخبروه بحادث اجتماع الأنصار عندما أسر عمر الى ابي بكر وهو في بيت الرسول بالخبر، وهما ايضا لم يخبرا احدا غير ابي عبيدة الذي تبعهما وحده حيث الاجتماع السري، مع ان مثل الامام اولى الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق ان كان في اجتماع الأنصار خطر على الاسلام أو فتنة، والامور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الامام وبين هذه الجماعة. ثم الأغرب انهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شئ ينتظر لبيعة ابي بكر. ولا ينتهي التساؤل عما إذا

[147]

ينبغي ان يرسلوا اليه من يخبره بالأمر على الأقل! اما كانوا على حسن نية معه او ثقة بموافقته لهم ورضاه؟

نعم! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم، ودعوا الناس الى البيعة اشتاتا ومجتمعين، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف امام حزب علي. ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال اصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم. ويشهد لهذا قول الطبري في تأريخه:( وجاءت اسلم فبايعت فقوي بهم جانب أبي بكر وبايعه الناس)، تأمل كلمة( فقوي بهم جانب أبي بكر)، لتفهم ان هناك جانبين متخاصمين يقوى احدهما ويضعف الآخر، وليس المراد بالجانب الآخر الأنصار لأنهم قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه، وليس له كبير اهتمام وقد اهملت بيعته حسب اشارة بعض ابناء عمه.

أما علي فقد قلنا انه جاءه الخبر عفواً لما سمع تكبير القوم في المسجد وهو حول النبي مشغول بجهازه. ولما بلغته حجتهم على الأنصار لم يكتم نقدها، فقال كما في نهج البلاغة:( احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة).

2 ـ رأيه في بيعة السقيفة

قلنا في آخر الفصل الأول انه لماذا لم يطالب الامام

[148]

صراحة بالنص عليه بالخلافة، وهنا نقول: انه مع ذلك لم يكتم رأيه في بيعة السقيفة، فان التأريخ لايشك، عند من ينظر اليه نظرة فحص وتمحيص، أنه كان ناقما على ما اسرعوا اليه من بيعة ابي بكر، وكان يعدها غضبا لحقه، فلم يلاق الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة التي قرأتها أخيرا، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة الشقشقية. وأقل ما يقال في انكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام.

على ان من الظلم نقول: ان الامام تخلف عن البيعة، وهو صاحب الأمر الذي يجب أن يؤتى اليه، وإنما الحق أن نقول: إن الناس هم الذين تخلفوا عنه.

وأول اعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة كما في مروج الذهب فقال لأبي بكر: (أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا). وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه، وتصريح بعدم الرضى بماتم، وليس علي ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذه في الله لومه لائم. ولذلك هم كانوا يفرون من التحرش به قبل تمام البيعة خوف اعلان خصومتهم، فنرى ابا بكر في جواب كلامه السابق يعترف له ويقول: (بلى! ولكن خشيت الفتنة).

ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الامام، أفتراه اقتنع

[149]

بكلمة ابي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب. ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة: (فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه لا يدري ما يجيبني به).

ولئن فرض انه سكت هذه المرة فانه لم يترك الدعوة الى نفسه واستنكار حادث السقيفة، وان بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان الى الوضع، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية:( فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا).

ثم التأريخ يحدثنا انه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة الزهراء. وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج: (فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا) ويشير بهذا اليوم الى عصره في خلافته.

* * *

هذا هو الصريح الواضح من رأي الامام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها. ويكفي النظر في الشقشقية وحدها، غير ان التأريخ قد يحاول ان يكتم هذه الصراحة، لأنه لا ينكر على كل حال ان علياً مع الحق والحق مع علي، فلا

[150]

يمكنه ان يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي منه، وهو أعني التأريخ يريد ان يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لايصح من دون رضى صاحب الحق وموافقته، فيركن الى المداورة.

ولكن في الحقيقة لابد ان تتم على نفسها، فانه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا كتب التأريخ والسير ما لايخرج عن هذا القول:( ان وجوه الناس كانت اليه وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع ابا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر).

وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية، إذ يتهمه معاوية بالبغي على الخلفاء والابطاء عنهم وكراهية أمرهم، فيقول الامام منكراً لبعض التهم ومعترفا بالبعض الآخر:( فأما البغي فمعاذ الله أن يكون واما الابطاء والكراهية لأمرهم فلست اعتذر الى الناس في ذلك)(1).

3 ـ الموقف الدقيق

يظهر للمتتبع ان الامام كان يرى عطفاً على رأيه السابق وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم.

______________________________

(1) راجع شرح النهج (409:3).

[151]

ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لأهل الجمل ومعاوية: (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم؛ لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت أخرها بكأس أولها).

فانظر الى موقع كلمته: (لسقيت آخرها بكأس أولها)، فانه يريد أن يقول: ان زهدي بالدنيا يدعو الى أن أترك حقي في المرة الأخيرة كما تركته في المرة الاولى، ولكن الفرق كبير بين الحالين: ففي الاولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان الناصر دون هذه المرة، فلا يسعني ان اعرض عنها هذه المرة واسقيها بالكأس الذي سقيت به اولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى.

وأصرح من ذلك ما كان يقوله: (لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم) وهذا ما عده معاوية من ذنوبه، وذلك فيما كتب اليه من قوله: (فمهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم، فما يوم المسلمين منك بواحد)، ولم ينكر امير المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب.

وفي التاريخ مقتطفات تؤيد ذلك، كما في تأريخ

[152]

اليعقوبي: إن اصحابه الذين كانوا يجتمعون اليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة، وكأنهم ظنوا ان قد بلغوا العدد المطلوب (40 ذوي عزم) فقال لهم: اغدوا على هذا محلقي الرؤس، وهو إنما يريد ان يريهم انهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر.

وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ يا سبحان الله هذه الشدة والصرامة فماذا تراه صانعا؟ لنتركه الآن يحدثنا هو عن نفسه وموقفه الدقيق، إذ يقول من الشقشقية: (وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه).ثم يبين لنا كيف ان يده جذاء من خطبة ثانية (نظرت فاذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت).

فهو إذن بين امرين لا ثالث لهما: اما المغامرة بما عنده من اهل بيته، واما الرضوخ للأمر الواقع، اما الحالة الاولى ففيها خطر على الاسلام لايتدارك فأنه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الأرض (عترة الرسول) وافترق عن عديله القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها، وقد قال النبي: (لاتضلوا ما ان تمسكتم بهما ابداً) أو (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) واما الحالة الثانية فان في الصبر على هضم حقوقه اضاعة لوصية النبي، وتعطيل لنصبه اياه اماماً وخليفة من بعده.

[153]

فأي الأمرين هو اولى بالرعاية لحفظ بيضة الاسلام؟

وأنى لنا ان نتحكم في ترجيح أحد الأمرين، ونعرف الامام واجبه في هذا الأمر؟‍!

وما بالنا نذهب بعيداً، فانا نعرف ما صنع الامام، انه استسلم للقوم وبايع كما بايع الناس بالأخير، وقد قرر الرأي الأخير بعد ان طفق يرتئي بين ان يصول بيد جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال:( فرأيت الصبر على هاتا احجى) فسدل دونها حينئذ ثوباً وطوى عنها كشحاً.

على انه لايضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الأمر ليعرف كيف كان الصبر أحجى، لأنه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده، لكان المغلوب على أمره، وعندئذ يصبح نسياً منسيا، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا باغياً بغى على الدين كأولئك اصحاب الردة، فقتل( بسيف الاسلام) واضيع مع ذلك النص على خلافته. وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الأمر اليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه وبقي الشك فيه الى يوم الناس هذا‍‍‍‍

وقد أشار الى ذلك في كلامه لعمه العباس وابي سفيان لما طلبا بيعته، إذ قال لهما: (أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح..ثم قال: ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه).

[154]‍

حقا، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام، وأمير المؤمنين أحرص على الاسلام من ان يغرر به لأمر يقول عنه: (انه ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها). ولا يساوي عنده نعله التي لا تسوى درهما، إلا إذا كان يقيم حقا أو يدحض باطلا. ولذلك، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا اليه مع العباس وابي سفيان، وهما يحثانه على قبول البيعة، فيقول:( شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة، وضعوا عن تيجان المفاخرة).

وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الأمر الانفة من الخضوع لأخي تيم، و(تيم) على حد تعبير ابي سفيان أقل حي في قريش، فهما ينظران الى لأمر من ناحيته القبلية، والعصبية الجاهلية. أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب معاوية في خصوص هذا الأمر:( وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه)، وهو غير فقههما فان العباس مشى اليه ابو بكر وجماعة ليلا، لما عرفوا موقفه، فأطمع في الخلافة له ولولده، بعد نقاش انتهى بالاعراض عن النزاع. واما ابو سفيان فقد نقل ابن ابي الحديد(30:1) وغيره ان عمر كلم ابا بكر فقال إن ابا سفيان قد قدم وانا لا نأمن شره، فدفع له ما في يده فتركه، وكان أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات.

[155]

ثم لنفترض ثانياً أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك فالصبر على ترك حقه كان أحجى وأجدر لأن منازعتهم كانت لاشك تجر إلى الفتنة وتبعث على الفرقة، والاسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في الجزيرة، وقد أشرأبت الاعناق للانتقاض عليه.

فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمّر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه، كان يخاف ويخشى، ولكن لا على الحياة وهو هو إبن أبي طالب في شجاعته واستهانته بالحياة، الذي كان يقول: والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق، فسالم إبقاءً لكلمة الاسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا جميعاً على أعقابهم، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لاظهار كلمة الحق وإقامة السلطان.

وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في النهج:( ما شككت في الحق مذ رأيته. لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه. أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ). فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ رموه بالخيفة ولكّن فرقاً بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل: وهذا أفضل تفسير لقوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة) وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن والشك وما أدق

[156]

معنى كلمة (من وثق بماء لم يظمأ) بعد تقديم قوله: (ما شككت في الحق مذ رأيته) وقد رأى الحق وهو إبن عشر سنين!.

ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لأبي سفيان لما جاءه مستفزاً على أبي بكروهو يقول:( فوالله لئن شئت لأملؤها خيلاً ورجلاً) وأنت تعرف ما قال له الامام أنه قال: (أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيت للاسلام شراً لاحاجة لنا في نصيحتك) ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصراً ومعيناً على خصومه وهو يشكو فقد الناصر. نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع للاعتبارات، وإن استهان به غيره، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما في يده. وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان: (حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام).