ب ـ ائتوني بكتف ودواة

قد شاهد النبي(ص) ما كان من أمر عرقلة بعث اسامة، وهؤلاء القوم المتباطؤن لم ينفع معهم صعوده المنبر عاصبا رأسه في أشد حال لا تقله رجلاه مما به من لغوب، مشددا عليهم النكير على مقالتهم في حق اسامة وتخلفهم عن البعث.

وهي اول حادثة من نوعها تمر على النبي في المدينة، لا يطاع امره ويتجاهل حكمه، ويتساهل في غضبه، ثم لا يستطيع ان ينفذ هذا الأمر وهو مصر على تنفيذه الى آخر يوم من حياته إذ دخل عليه اسامة راجعا من الجرف فأمره بالسير غاديا.

لاشك ان مثل هذا الحادث يدعو الى تدبير آخر سريع

[85]

لاتمام الامر لعلي، ومنه يتأكد للنبي جليا ما عليه القوم من التواطؤ على عدم التقيد بالنص على علي. وهم إذ كانوا في حياته لايطيعون أمره في هذا السبيل فكيف اذن بعد وفاته. فلم يجد بعد هذا من خيرا من ان يكتب لهم كتابا فاصلا لا يضلون بعده ابدا، لأنه سيكون امرا ثابتا لا يقبل التأويل والنكران والتناسي، لا كالكلام الذي لا يحفظ الا في الصدور وهي لاتسلم من دخل.

ما أعظمه من كتاب؟

أهم لايضلون بعده ابدا؟

ما أعظمها من نعمة!‍

بالله أباللّه أهكذا قال النبي؟

نعم! لما اشتد المرض به(يوم الخميس) وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال(ص): (هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا).

فأية فرصة غالية هذه يجب ان يقتنصها الحاضرون لهم ولجيلهم للأجيال اللاحقة حتى الأبد؟ وأية نعمة كبرى هذه لا تعادلها نعمة!... أما كان على المسلمين ان يستغلوها اعظم غنيمة فيسرعوا الى تلبية هذا الطلب ليخلد لهم الهدى ما بقوا؟ فأي شىء كان يؤخرهم عن اقتناص هذه النعمة؟

او ليس عمر بن الخطاب حال دون هذا التدبير، فأوهى

[86]

منه عقدته المحكمة، فقال:( ان رسول الله قد غلبه الوجع أو ليهجر وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله)!. فاختلف الحضور واكثروا اللغط والنقاش، منهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر.

فما ترى نبي الرحمة صانعا بعد هذا؟ أيكتب الكتاب وهو في زعم بعضهم على حال مرض غالب( حاشا النبي الذي لاينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)، فكيف إذن يهتدون به ولايضلون بعده ابدا، وقد وقع فيه الخلاف من الآن، وطعن بتلك الطعنة النجلاء التي لاسبرلها ولا غور. فلم يجد روحي فداه إلا ان ينهرهم وينبههم على خطأهم فقال: (قوموا. ولا ينبغي عند نبي نزاع) لتبقى هذه الحادثة حجة على مرور القرون.

حقا انها لرزية من أعظم الرزايا سببت كل ضلال وقع ويقع بعد النبي. وحق لإبن عباس حبر الأمة ان يبكي عند تذكرها حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول:( ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (ص) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب).

وليفكر المفكر أي شىء كان يدعو عمر ليقول هذه المقالة القارصة في حق النبي المختار، وما ضره لو كان يكتب هذا

[87]

الكتاب ليعصم الخلق عن الضلالة ابد الدهور وسجيس الليالي؟

أكان لايحب أن يبقى الخلق على هدى لا يضلون؟

أم كان يعتقد حقيقة ان النبي ليهجر. ولكن لا يعتقد هذا الاعتقاد إلا من كان يجهل حقيقة النبي وما جاء به القرآن من الآيات التي ندد بها على المشركين. وليس ذلك عمر. وما باله لم يعتقد بهجر ابي بكر( وليس شأنه شأن النبي) لما أوصى بالخلافة، وكان قد أغمى عليه اثناء تحرير الاستخلاف، فأتم ذلك عثمان بالنص على عمر من دون علم ابي بكر، خشية ان يدركه الموت قبل الوصية، فأمضى ما كتبه عثمان لما استفاق.

أم ماذا؟

ليتني أستطيع أن افهم غير انه علم بما سيكتبه النبي من النص على علي، وقد سبق للنبي ان عبر مثل هذا التعبير في العترة يوم الغدير إذ ذكر الثقلين كتاب الله وعترته اهل بيته ووصفهما بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: (لن تضلوا ان اتبعتموها)(1) أو على المشهور( لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ابدا) ففهم عمر من قوله:( لا تضلوا بعده ابدا) ماذا سيريد ان يكتب الرسول. ويشهد لتنبه عمر

______________________________

(1) مستدرك الحاكم(106:3).

[88]

لذلك قوله: (حسبنا كتاب الله) إذ فهم ان غرض النبي ان يقرن الثقلين احدهما بالآخر فكأنه قال: يكفينا واحد منهما وهو الكتاب ولا حاجة لنا بالآخر، وإلا فما كان معنى لقوله حسبنا... وهو يدعي هجر النبي (ص)

فكانت هذه المقالة من عمر والمقالة بمشهد النبي للحيلولة دون الكتاب لعلي، اقداما جريئا جاء في وقته المناسب له قبل أن تفوت الفرصة. ولا يشبهه أي موقف آخر منه على كثرة مواقفه في اتمام البيعة لأبي بكر، كما سنرى في انكاره موت النبي وموقفه في السقيفة وبعدها فانه هو الذي شيد(1) بيعة ابي بكر وكافح المخالفين. ولولاه لم يثبت لأبي بكر امر ولا قامت له قائمة: فقد كسر سيف الزبير، ودفع في صدر المقداد، ووطأ سعد بن عبادة وقال: اقتلوه فانه صاحب فتنة، وحطم انف الحباب بن المنذر، وتوعد من لجأ الى بيت فاطمة عليها السلام وكان بيده عسيب نحل(2) بعد خروجهم من السقيفة يدعو الناس الى البيعة...

ولا يستطيع الباحث ان ينكر من عمر بن الخطاب تمالؤه على علي بن ابي طالب ويقظته فيما يخص استخلافه. وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكاتف في اكثر

______________________________

(1) راجع شرح ابن ابي الحديد(58:1).

(2) راجع كنز العمال(ج3 رقم 2346 و2363).

[89]

الحوادث كأبي بكر وابي عبيدة سالم مولى حذيفة ومعاذ بن جبل واضرابهم. وكذا علي نفسه ظاهر عليه جليا ميله عن هؤلاء في جميع مواقفه معهم حتى انه لم يبايع ابا بكر حتى ماتت فاطمة فبايع مقهورا، ولم يدخل في حرب قط على عهد الخلفاء الثلاثة، وهو ابن بجدتها وقطب رحاها. وكان يتهم عمر انه لم يشد أزر ابي بكر إلا ليجعلها له بعده فقال له مرة:(احلب حلبا لك شطرة اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا)(1) وقد صدقت فيه مقالته فاستخلف من قبل ابي بكر.

وهل يخفى على أحد ما كان في القلوب من تنافر؟ ويكفي شاهدا أن نسمع المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وابن عباس كما رواها ابن عباس(2).

عمر (لابن عباس): أتدري مامنع قومكم منكم بعد محمد؟

ابن عباس:( وهو يكره أن يجيبه) ان لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني.

ـ: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا

______________________________

(1) السياسة والامامة: باب امامة ابي بكر. وشرح النهج (5:2).

(2) الطبري (31:5) وابن الأثير (31:3) وشرح النهج (18:2).

[90]

على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.

ـ: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت.

ـ: تكلم:

ـ: اما قولك: (اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت) فلو ان قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ومحسود. واما قولك:( انهم كرهوا ان تكون لنا النبوة والخلافة) فان الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم).

ـ: هيهات! والله يا إبن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره ان افرك عنها فتزيل منزلتك مني.

ـ: وما هي؟ فان كانت حقاً فما ينبغي ان تزيل منزلتي منك وان كنت باطلا فمثلي اماط الباطل عن نفسه.

ـ: بلغني انك تقول انما صرفوها حسداً وظلماً.

ـ: اما قولك (ظلما) فقد تبين للجاهل والحليم. واما قولك (حسداً) فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون.

ـ: هيهات! ابت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسداً ما يحول وضغنا وغشا ما يزول.

[91]

ـ: مهلا! لاتصف قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فان قلب رسول الله من بني هاشم.

ـ: اليك عني؟

* * *

نقلنا هذه المحاورة بطولها لانها تجلي كثيرا من الغوامض في بحثنا، فهي تكشف لنا:

(اولا) عما في نفوس الطرفين من نزوان بغضاء كامنة يستطير شرارها. وهذا ما أردنا استكشافه الآن وسقنا لأجله المحاورة.

و(ثانيا)ـ عن ان القوم كانوا قد تعمدوا منع الأمر عن آل البيت، وان منعهم كان عاطفيا كراهة اجتماع النبوة والخلافة فيهم خشية تبجحهم، وقد فسر ابن عباس هذه الخشية بالحسد وانها من الظلم. واستشعر الألم الكامن من تأكيد هذه الكلمة (بجحا بجحا).

و(ثالثا)ـ عن ان الامامة انما هي باختيار الله، وأن الخلافة في آل البيت مما انزله الله، وليست تابعة لاختيار قريش وكراهتهم.

[92]

و(رابعا) عن ان ظلمهم لآل البيت بأخذها منهم مشهور يعرفه كل احد.

وهذان الامران الأخيران صرح بهما ابن عباس على شدة تحفظه واتقائه غضب عمر الذي لم يسلم منه بالأخير. ولم يرد عليه عمر الرد الذي يكذب هذا التصريح اكثر من الطعن فيه وفي بني هاشم ثم الزجر له بقوله: (اليك عني). وهذا الزجر ينطق صريحا بالعجز عن الجواب، فختمت به المحاورة.

والغرض من كل ذلك ان اقدام عمر الجرىء ، على نسبة الهجر الى النبي المعصوم، وعلى دعوى ان كتاب الله وحده كاف للناس بلا حاجة الى شىء آخر على عكس تصريح النبي، لايستغرب منه ما دام القصد منع الأمر عن علي. وقد اتضح ان بينهما مالا يستطيع التأريخ نكرانه والتمويه فيه.

واما اعتذار بعض الناس عنه بأنه ظهر له ان الأمر ليس للوجوب فهو اعتذار بارد لايقره العلم. فمن اين ظهر ذلك؟ أمن قول النبي( لا تضلوا بعده أبدا) وهل هناك أمر اعظم مصلحة في الحكم الشرعي تجعله للوجوب من هداية الخلق اجمعين الى أبد الدهور ام من وقوع النزاع وغضب النبي وزجرهم بالانصراف. واذا كان قد فهم الاستحباب فلماذا يرده بأشنع كلمة لا يواجه بمثلها الرجل العادي من

[93]

الناس لاسيما عند المرض، أعني كلمة الهجر والهذيان، مهما لطف العبارة بتحويلها الى كلمة( قد غلبه الوجع). ثم أي معنى حينئذ لقوله:( حسبنا كتاب الله)، وهو رد على النبي وتدخل في مصلحة الحكم واساسه، وكان يغنيه ان يقول لا يجب علينا امتثال الأمر.

* * *

والخلاصة إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي(ص) من نفس وصفه له:( لاتضلوا بعده أبداً) ومن نفس رد عمر( حسبنا كتاب الله) ومن قرائن الأحوال المحيطة بالقصة بعد سبق توقف البعث عن الذهاب نعرف ان المقصود منه النص على خليفته من بعده وهو علي بن أبي طالب، لاسيما ان كل خلاف بين المسلمين وكل ضلال وقع ويقع في الأمة هو ناشيء من الخلاف في أمر الخلافة فهو أسّ كل ضلالة. ولو تركوا النبي يكتب التصريح بالخلافة من بعده لما كان مجال للشك والخلاف الا بالخروج رأسا عن الاسلام.

وليس بالبعيد انه (ص) امتنع عن التصريح شفاها أو كتبا بعد هذه القصة بالنص على خليفته لئلا يأخذ اللجاج بالبعض الى الخروج على الاسلام، فتكون المصيبة أعظم على الاسلام والمسلمين وهذا ما حدا بعلي عليه السلام الىالمجاراة والمماشاة، فلذا قال في خطبته الشقشقية:( فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء...

[94]

فرأيت ان الصبر على هاتا أحجى...). وسيأتي في الفصل الرابع الكلام عن موقفه مع الخلفاء تفصيلا.

[96]

الفصل الثالث : بيعَة السقيفة

(1ـ الدوافع لاجتماع السقيفة(1))

تصور الأنصار انهم الذين آووا ونصروا يوم عز الناصر، وأسلموا يوم قحط المسلمين، فبذلوا للاسلام نفوسهم واموالهم، فكانوا بحق (انصاراً) كما سماهم النبي صلى الله عليه وآله، و(حضنة الاسلام واعضاد الملة) كما دعتهم الزهراء عليها السلام في خطبتها الشهيرة عند مطالبتها بالنحلة.

اذن، لابد أن يروا لأنفسهم حقا في الأسلام لايغمط وسابقة ليست لغيرهم لاتنكر، ولهم في تشييده يد مشهورة وذكر جميل.. وهذا ما يطمعهم في امارة المسلمين كجزاء

______________________________

(1) السقيفة: الصفة والظلة، وهي شبه البهو الواسع الطويل السقف. وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهم حي من الأنصار ومنهم سعد بن عبادة نقيبهم ورئيس خزرج ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا اشتهرت (بسقيفة بني ساعدة). اجتمع فيها الأنصار اوسهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[97]

لتضحيتهم في سبيل الاسلام وكنتيجة لنجاحهم وتفوقهم على العرب في النصرة والايواء.

ومن جهة ثانية: انهم كانوا قد وتروا قريشا والعرب؛ وأية ترة هي؟ آووا ونصروا من سفه أحلامهم، وهم يحرقون الارم عليه ليقتلوه، فتمنع عن جبروتهم باولئك المستضعفين في نظر (أهل النواضح) واكثر من ذلك انهم قتلوا صناديدهم واسروا رجالهم وجعجعوا بهم حتى دانت بأسيافهم العرب. فكانت الأنصار والحال هذه تتخوف هؤلاء الذين وتروهم اذا خلصت اليهم الامارة ان يأخذوهم بترتهم، وهم عندئذ المغلوبون على أمرهم سوقة لايملكون لأنفسهم قوة ولا دفاعا، وكفاهم ما سمعوه من النبي (ص) مخاطا لهم: (ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). والمناظرة التي وقعت يوم السقيفة كانت تشير الى تخوفهم هذا، بل صرح الحباب بن المنذر إذ يقول: ( ولكنا نخاف ان يليها بعدكم من قتلنا ابناءهم وآباءهم واخوانهم). وقد صدقت فراسته فتولى الأمر بنو أمية وكان ما كان منهم في وقفة (الحرة) المخزية التي يندى منها جبين الشرف والانسانية، ويبرأ منها الاسلام وأهله.

وشيء ثالث هناك: إذا كان صاحب الأمر هو علي بن أبي طالب، فلم يخف عليهم حسد العرب له وتمالؤها عليه،

[98]

وهي موتورة له اكثر من أي شخص آخر من المسلمين بعد النبي، فلا تمكنه العرب وقريش خاصة من امورهم. وليس بعيدا عهد تأخر جيش اسامة والحيلولة دون كتاب النبي. ولا بد انهم علموا بمؤامرات هناك وتفكيرات احسوها عيانا في جماعة من الناس. فالأنصار والحال هذه قد لايرون كبير إثم في تطاولهم لمنصب الخلافة، مادامت خارجة عن معدنها، ولا يأمنون أن يتولاها من لا يحمدون مغبة أمره، ولا يجدون غيرهم ممن يتطاولون لها اولى بها في نصرة وخدمة وتضحية، ولعلهم لأجل هذا لما يئسوا من الأمر بعد محاولتهم الفاشلة ورأوه قد خرج من أيديهم ايضا قال كلهم أو بعضهم: (لانبايع إلا عليا)(1) ولكن بعد خراب البصرة.

هذه أسباب قد تقنع النفوس الاعتيادية على تنفيذ رغباتها، وتحملها على الاعتقاد بصحة ما يوحي اليها أهواؤها بقصد أو بغير قصد من جراء تأثير العاطفة، فتعمى العين عن أوضح ما يقوم في طريقها من نور للحق ودليل على فساد ايحاء النفس بنزعاتها، وهذا ما يؤيده علم النفس.

وإذا نحن تفهمنا هذه الحقائق وتدبرناها جيداً استطعنا ان نعرف السر في استباق الأنصار بهذه العجالة الى عقد

______________________________

(1) الطبري(198:3) وابن الأثير(157:2) وغيرهما.

[99]

اجتماعهم سراً في سقيفتهم، واستطعنا ان نعرف لماذا كان سرياً بلا مشورة لمهاجرين ولا باقي المسلمين.

أجل! ما هو إلا لأنهم طلبوا الغرة من أصحاب الرسول واهل بيته، فانتهزوا فرصة انشغالهم بفادحهم العظيم وبجهازهم نبيهم، ليحكموا البيعة لأحد نقبائهم وسيد الخزرج، أو لأي شخص آخر منهم قبل ان يفرغ أهلها أو طالبوها. وحينئذ ظنوا ان سيتم لهم كل شيء.

2 ـ نفسية الأنصار

حاولنا في البحث السابق ان نتشبث بما يرفع الأنصار عن سوء النية والقصد، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية. على انا نرجو ان يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عدداً وفيراً من الصحابة.

اما نفس عملهم سواء كانوا بسوء نية أم لا فلا يسعنا ان نحكم بصحته، فإنا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الامام فان استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد اجتماعهم لنصب خليفة منهم لايخرج عن عدة خيانة للاسلام وتفريطاً في حقوق المسلمين بلا مبرر، وفي وقت قد دهمت الاسلام فيه هذه الفاجعة

[100]

الدهيماء، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لايعلمون ماذا سيلاقون من العرب واعداء الاسلام.

ولا نريد الآن ان نجلس في دست القضاء لنحكم لهم أو عليهم، ولعل هناك من يرى صحة عملهم فلا نضايقه، وإنما مهمتنا ان ندرس الاسباب التي دعتهم إلى عملهم هذا، وأن ندرس نفسياتهم.

في البحث السابق رأينا ان خدمتهم للاسلام الممتازة هي التي خيلت لهم الحق في الخلافة أو في سلطان المسلمين. وهذا نعرفه من حجتهم على لسان المرشح منهم للخلافة سعد بن عبادة في خطبته ذلك اليوم، ينضم الى ذلك تخوفهم من ان يخلص الأمر الى من قتلوا أبناءهم وآباءهم واخوانهم، مع اعتقادهم بخروج الأمر عن أهله، ويدل على هذا الأخير كما تقدم طلبهم مبايعة علي بعد اليأس.

هذه الأسباب التي استطعنا عرفانها. وكل ذلك تقدم وفيها قبس نسير على ضوئه لمعرفة نفسياتهم.

فانا نعرف مجموعها انهم في محاولتهم كانوا مدافعين اكثر منهم مهاجمين، والدفاع دائما يكون عن الشعور بالضعف والانخذال وهذا الشعور من أعظم الأدواء النفسية لمن أراد الظفر في الحياة، إذ ينشأ منه الوهن في العزيمة والضعف في

[101]

الارادة والاضطراب في الرأي والتدبير. وكل ذلك كان ظاهراً على الأنصار في اجتماعهم بالسقيفة.

والشاهد على ذلك: انقسامهم على انفسهم وانسحابهم امام خصومهم كما سترى، وأعظم من ذلك تنازلهم الى الشركة في الأمر من قبل أن ينازعهم منازع، اعني قبل مجيء جماعة المهاجرين اليهم، إذ قال قائلهم:( فانا نقول إذن أي عندما ينازعوننا منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبداً)، فقال لهم سعد: (هذا اول الوهن). والحق انه اول الوهن وآخره. ثم يستمر معهم هذا التنازل حتى مجيء المهاجرين، فكرروا هذه الكلمة بالرغم على تنبيه سعد لهم انها من الوهن.

وهذا يكشف ايضا عن سماحة في نفوسهم ولين في طباعهم، ويصدق ما قلناه انهم مدافعون اكثر منهم مهاجمين، فلم يطلبوا الامارة ليملكوا مقدرات الأمة وشئونها بل ليدفعوا ضرر من يخافون ضرره، فاكتفوا بالشركة التي يحصل بها الغرض من الدفاع.

والانصاف ان الأنصار لا ينكر ما هم عليه من استكانة واستخذاء وقصر الرأي والتدبير، وضعف في العزائم، ولا سيما امام دهاء قريش وقوتها، وان حاول بعضهم وهو الحباب بن المنذر ان يسترهذا الضعف. إذ قال في خطابه

[102]

ذلك اليوم:( يا معشر الأنصاراملكوا عليكم أمركم فان الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافهم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم. وأنتم اهل العزة والثروة...).فاطرد خطبته على هذا الاسلوب زاعما ان سيرفع من منعتهم وبأسهم ويسد خللهم، ونهاهم عن الاختلاف وحذرهم عواقبه حتى قال:( فان أبى هؤلاء فمنعكم أمير ومنهم أمير). ولكنه كما ترى بينا هو محلق في السماء رفعه وتعاظما ويملي ارادته قوة إذا به يهبط الى الحضيض ضعفا، إذ يقول:( فان ابى هؤلاء ..) ونقول له: فان ابى هؤلاء الشركة ايضا فما أنتم صانعون؟ لاشك ان ذلك الضعف الذي يملي عليه التنازل هو ذلك الضعف عينه موجود ايضا سيملي عليه التنازل عن جميع الامر، كما وقع.

وهذا من تنازل الخائر المغلوب على امره وتدبيره. وكانت عليه بذلك الحجة الظاهرة، فقال له عمر بن الخطاب:( هيهات لايجتمع اثنان في قرن) أو ما ينسق على هذا المعنى، على ان الحباب هذا من أقوى من وجدنا يومئذ واشجعهم قلباً وأجرأهم لسانا، وأغلظهم على المهاجرين، لولا سعد بن عبادة.

الى هنا لعلنا لمسنا شيئا من نفسية الأنصار ادركنا مقدار الضعف في نفوسهم، والوهن في عزائمهم، والاضطراب في

[103]

تدبيرهم. كيف وقد تجلى ذلك في الحباب لسانهم المفوه وخطيبهم المصقع ذلك اليوم، وهو أقوى شكيمة واكثرهم إعتداداً بنفسه وقومه، وكان يدعى بينهم( ذا الرأي).

بقي علينا ان ندرك لماذا كل هذا الحذر من الحباب من اختلافهم إذ يقول:( ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم)؟ لابد انه كان يحس بشرارة الخلاف تقدح، ويتوجس خيفة من الانتقاض وهذا ما سنبحث عنه في الاتي.

3 ـ الأنصار حزبان

إذ قيل الأنصار أرادوا البيعة لسعد، فانما هم الخزرج فقط دون الاوس(1). وإذا كان الاوس اجتمعوا في السقيفة مع الخزرج فانما هو على ظاهر الحال، ولحس مشترك بالخوف ممن قتلوا آباءهم وابناءهم أن ينالوا الامارة، وهم يبطنون في نفس الوقت للخزرج كمين أحن تتغلغل في صدورهم، فان بين الحيين دماء مطلولة ما زال نضخها على سيوفهم وجروحاً

______________________________

(1) ولذا يقول المؤرخون عند ذكرهم لبيعة الاوس: (فانكسر على الخزرج ما كانوا اجمعوا عليه).

[104]

بالغة لايلأم صدعها ولا يرجى رأبها. وكان آخر أيام حروبهم يوم (بُعاث) المشهور وهو قبل الهجرة بست سنين، وهو سبب اسلامهم على ما قيل إذ جاء أحد القبيلين بعد يوم بعاث الى مكة يستنجد قريشا على الفريق الثاني، فالتقوا بالنبي(ص) وهداهم الله تعالى الى الاسلام.

وكان رئيس الاوس يوم بعاث حضير الكتائب ابو اسيد بن حضير هذا الذي أفسد الأمر على سعد وبايع أبا بكر ومعه الاوس. وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، ابو النعمان صاحب راية المسلمين يوم احد(1).

ولم يلطف الاسلام كثيراً من تنافسهم وتحاسدهم، وان اطفأ بينهم نار الحروب، فقد كانا يتصاولان تصاول الفحلين، لاتصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج نفاسة: لايذهبون بهذا فضلا علينا. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثله. وكذلك اذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مقالتهم وصنعت صنعهم(2).

ومن منافساتهم التي بلغت حد الافراط يوم استعذر رسول الله من عبد الله بن ابي سلول المنافق الشهير وهو من الخزرج فقال:( يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد

______________________________

(1) راجع العقد الفريد(250:2).

(2) الطبري(7:3) وابن الأثير(66:2).

[105]

بلغني عنه اذاه في أهلي.) الى آخر ما قال، فقام سعد بن معاذ رئيس الاوس فقال:( يا رسول الله انا والله اعذرك منه ان كان الاوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك) فترى سعداً كيف تجاهل الشخص المعنى وتحفظ عند ذكر الخزرج مما يدل على شديد تنافسهم فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال لابن معاذ:( كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك لما أحببت ان يقتل) فقام اسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ فقال لابن عبادة:(كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين). فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت(1).

هكذا هم الاوس والخزرج حزبان متنافسان متحاسدان وانما سعد بن عبادة بادئ بدء يوم السقيفة أراد ان يستميل الاوس باسم الأنصار، وهم حزب واحد امام حزب المهاجرين وقريش، فقال معرضا بخصومهم في خطبته على الأنصارـ:( يا معشر الأنصار ان لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب.) ويقصد المهاجرين. وهكذا مضى في خطبته يضرب على هذا الوتر الى ان اجابوه جميعا:(أن

______________________________

(1) راجع البخاري(6:2و24:3).

[106]

وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما أمرت، نوليك هذا الأمر، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى).

ثم انهم ترادوا الكلام فيما إذا أبت المهاجرين من قريش بيعتهم، فقالت طائفة: (اذن نقول منا امير ومنكم امير). فقال سعد: (هذا اول الوهن) وقد سبقت الاشارة اليه. وفي الحقيقة انه اول الوهن وتنازل منهم عرفنا فيما سبق دلالته على مبلغ ضعف ارادتهم امام ارادة قريش حتى قبل مواجهتهم، بل يدل ايضا على تخلخل صفوفهم ووجود خلاف كامن كمون النار في الرماد، فلم يتأثروا بدعوة سعد، وأبطأوا عليه حتى داهمهم المهاجرون، وهم إنما اسرعوا الى عقد هذا الاجتماع ليسبقوا الحوادث، وإلا فقد كانت الفرصة الكافية لبيعته من قبل ان يعلم جماعة المهاجرون باجتماعهم فتكبسه عليهم. لولا انهم اضاعوها باختلافهم وتباطؤهم حتى مضى الوقت. ومثل هذه الامور بعرف الساسة لاتقبل الاناة والابطاء.

والحق ان الاوس كانوا غير مرتاحين لبيعة سعد، وهم يتنافسون مع الخزرج في أتفه الأشياء وادناها، وكأنهم كانوا لايريدون ان يبدأوها بالخلاف خشية أن يقال:(اوس وخزرج)، وفي هذه الكلمة ما فيها من معان لاتتفق وروحية الاسلام، فيبتعدون عنها ما استطاعوا ان المجاملة محفوظة

[107]

بين الطرفين. ولذلك لما رأوا المجال للوثبة واسعا نقضوا أمر سعد وما اجتمعت عليه الخزرج، وهذا عندما رأوا ان الخلاف جاء من الخزرج انفسهم بمقالة بشير بن سعد الخزرجي، وستأتي، وباسراعه الى بيعة ابي بكر، وقد كان اول المبايعين. وايضا رأوا ان الدعوة ضد سعد أنما جاءت من قبل غيرهم وهم المهاجرين.

فظهرت منهم حسيكة الخلاف والتناقس، وقال بعضهم لبعض وفيهم اسيد بن حضير زعيمهم: (لئن وليتموها سعداً عليكم مرة واحدة لازالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبداً فقوموا فبايعوا ابا بكر) فقام اسيد فبايع ومعه الاوس، وليسأل السائل هل جُعل لهم نصيب فيها بمبايعتهم لأبي بكر؟ ولكنه التنافس هو الذي أملى عليهم هذا القول ومنافسة القرابة ابعد أثراً واعظم مفعولا.

هذا ولا ينكر ما لأبي بكر من كبير أثر في استمالة الاوس الى جانب المهاجرين، فقد وقف موقفا مؤثراً وكان يعرف من اين تؤكل الكتف فلم يفته ما كان يعلمه من التنافس بين الحيين، حتى استغله لانقاذ الموقف وبرع في هذا الاستغلال، فقد قال في ذلك اليوم: (ان هذا الأمر ان تطاولت اليه الخزرج لم تقصر عنه الاوس وان تطاولت اليه الاوس لم تقصر عنه الخزرج، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا

[108]

تداوى، فان نعق منكم ناعق جلس بين لحيي اسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري)(1).

فانظر الى كلمة(لم تقصر) وما لها من بليغ اثر في القلوب المتحاسدة وما بها من تحريض لأحد المتناظرين على نظيره المتطاول.

نعم! انها لتجعل لكل من الحيين الكفاية تجاه الحي الآخر، فان تطاول احدهما وهم الخزرج الآن فحقيق بالآخر ان يتطاول لها ككفتي ميزان، من غير فضيلة يختص بها المتطاول. فلا تسل كيف أشرأبت اعناق الاوس لهذا الأمر؟

وبعدها انظر كيف ذكر الترات السابقة ونبش الدفائن. وهذا ما يثير بالحفائظ ويوقظ الضغائن. وهنا راح يستدل على خطأ تولى أحد الحيين لهذا الأمر، لأنه يقع بين خصمين ألدين: فرماهم بالمسكنة كما يقول ابن دأب عيسى بن زيد.

استطعنا في هذا البحث أن نلمس التنافس بين الاوس والخزرج لنعرف مدى تأثيره على مجرى حادث السقيفة، كما عرفنا ان اهل الدعوة عند التحقيق انما هم الخزرج فقط، ولم تشاركهم الاوس مشاركة جدية.

______________________________

(1) البيان والتبيين (181:3).

[109]

فلنترك الأنصار الآن مجتمعين في السقيفة يتبارون الخطب ويتحمسون لجهادهم وتضحيتهم، وسعد بن عبادة قد ترأس حفلهم يخطبهم ويقول في آخر خطبته:( استبدوا بالأمر دون الناس فانه لكم دون الناس) ولنذهب ميممين المهاجرين وباقي المسلمين حول دار النبي في المسجد، لنراهم ماذا هم صانعون!

4 ـ هل مات النبي محمد ...؟

نعم! كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد خرج في آخر فجر من حياته الى الصلاة، فصلى بالمسلمين الغداة. وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة وذلك النور الالهي.

ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الأرض بالمغيب من افقها الى افق الحق الدائم، وها هو ذا النبي مسجى بين اهله ينتدبون فيه حظهم، والباب مغلق دون الناس.

انه يوم...! وأي يوم هو على اهل المدينة والمسلمين!.

فقدوا...؟ وأية نعمة فقدوا...؟

فقدوا الرحمة والانسانية. فقدوا الأخلاق الالهية. فقدوا

[110]

حياتهم وعزهم ومجدهم. فقدوا طريق الحق اللاحب وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة...!

فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم...!

فاعظم بيومه يوما! واعظم به فقيدا!

انه يوم كان للمسلمين مضرب المثل فاذا بالغوا في يوم مصيبة قالوا:( انه كيوم مات فيه رسول الله).

وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه، إلا ان يُهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات، نكسا ابصارهم مطأطئي رؤسهم. ولم تبق عين لم تدمع؛ ولا قلب لم يجزع، ولانفس لم يتقطع.

وما ينتظرون هم...؟

لاشك ليس هناك ما يدعوهم الى تكذيب النعاة. وإذ علموا آنئذ أن مجرى حياتهم قد تبدل راحوا ولا شك يتطلعون الى ما يظهر لهم على مسرح العالم الاسلامي من حوادث ومفاجآت، فتطيش لذلك عقولهم، ويقوى حسهم بمستقبل هذا الدين الجديد الذي أخذ بأطراف الجزيرة، والمنافقون يتحينون به الفرص، فتنهد عزائمهم، ويستشرفون على الأكثر على خليفة النبي الذي سيقود الأمة لينقذ الموقف، فيضربون اخماسا في اسداس.

كل هذه الأفكار وأكثر منها بغير شك كانت تمر على

[111]

رؤس ذلك الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفكر، الذي يحوم حول دار النبوة والوحي، يرقب منها على عادته ان تبعث له بما يطمن خاطره ويهدئ روعه ويعرفه مستقبل أمره، حتى اصبح الناس كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية( كما في الحديث).

ولكن .. ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم؛ إذ طلع صارخا مهددا( وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم) وراح يهتف بهم:( ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله. وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجف بموته. لااسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي).

اتراك( لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الأفكار) تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لايقعقع له بالشنان، وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وأرجل من أرجف بموته، أو بالأصح من قال بموته؟ ولأي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل؟ ومن أين علم ان رسول الله لايموت حتى يظهر دينه على الدين كله؟ وما هو هذا الرجوع؟ أرجوع بعد الموت او بعد غيبة( كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث) ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين اهله لا حراك فيه؟

إلا اني اعتقد انك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع

[112]

لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول الى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها، والخطيب هو عمر بن الخطاب، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة، في صرامة ارادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة، وقد استعمل المغريات الخلابة للجماعات: فمن أمل بحياة الرسول وباظهار دينه على الدين كله الى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته، وتهديد منه(اعني عمر) بقتل من يقول مات رسول الله.

انهما الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والارادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على افكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لأعصاب المجتمعين. ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالأوهام ولا يرضون لأنفسهم التصديق بموته لاسيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لايجوز على البشر.

ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة في الاجتماع الفجائي المضطرب الأفكار المتأثر بهذا الحدث العظيم المتحفر للحوادث المجهولة والمفاجآت المنتظرة. ومن البديهي ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون منه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية، وتكون هذه الروح خاضعة

[113]

لمؤثرات لا حكم لها غالبا على روحية الفرد لو كان خارج الاجتماع. وأهم خواص هذه الروح انها تكون عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويبطل فيها حكم العقل وسلطانه ويقوى سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى. ولذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها، وتقبل ايضا كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة وان خرجت عن حدود المعقول. ومن أقوى المؤثرات شخصية الخطيب وصرامة رأيه.

فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي، وإن لم ينقل لنا صريحا قبولهم له، كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى ابي بكر وقد جاء متأخرا. وإذا أبيت فعلى الأقل شككهم في موت النبي وألهاهم عن التفكير فيما يجب أن يكون بعده وفيما سيحدث من حوادث منتظرة، لأنهم لاشك التفوا حوله عجبين مستغربين وهو مستمر يبرق ويرعد مهددا حتى ( ازبد شدقاه).

ولكلمة( الارجاف) هنا التأثير البليغ في اقلاع أفكار الجماعات عن الدعوى التي يدعونها لأنها من الألفاظ الخلابة التي تتضمن التهجين الشنيع للدعوى والاشمئزاز منها الى أبعد حد، إذ تشعر هنا ان مدعيها من المنافقين الذين لهم غرض مع النبي والاسلام، فقال:(... ممن ارجف بموته)

[114]

ولم يقل ممن ادعى أو قال. وهذا كاف للتأثير على الجماعات وتكوين الشعور بكراهية دعواها.

ويشهد لتأثير كلامه على سامعيه التجاء ابي بكر لما جاء من السنج(1) أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق موته، ثم يخرج الى الناس مفندا مزاعم عمر، وعمر مستمر يحلف انه لم يمت. وطلب اليه ان يجلس فلم يجلس ثلاث مرات، فقال له: (أيها الحالف على رسلك).. ثم قام خطيبا في ناحية اخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال وعمر مستمر وقد تركه الناس ـ:

(من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لايموت...). ثم تلا هذه الآية الكريمة:(أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...)

و(شاهد ثان): أن الناس لما سمعوا كلام ابي بكر اصبحوا كأنما اخرجوا من مأزق أو اطلقوا ما عقال، فانهم تلقوا الآية وكلهم وراحوا يلهجون بها( فما تسمع بشرا من الناس إلا يتلوها). أما عمر فقد صعق الى الأرض وصدق

______________________________

(1) وهو يبعد عن المسجد بميل واحد (وفي الرواية عن عائشة) وكذا في معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الرواية. ولكن السنح هو عالية من عوالي المدينة وأدنى العوالي بتقدير نفس المعجم يبعد أربعة أميال أو ثلاثة.

[115]

حينئذ بموت النبي بعد ان تحقق ان الآية من القرآن، كما يقول.

* * *

لله ابوك يابن الخطاب! ما أدهشني بك، وأنت وأنت، إذ تقف ذلك الموقف الرهيب حالفا مهددا، لتنكر أمرا واضحا، ألم يعلمك الاسلام حقيقة محمد فتنكر انه يموت؟ ثم تسمي مدعي موته(مرجفا)؟

لا؟

لا؟ ولكنك تحاول ان تقنع الناس انه غاب كموسى بن عمران، فيرجع ليقطع الأيدي والأرجل. إلا انه بالله عليك أية غيبة هذه؟

وأنت أعجب وأعجب حين تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله ابو بكر لايكذبك ولا يصدقك، بعد ذلك التوعيد والتهديد. أولست أنت كنت تعترف انه يموت بعد ان يظهر دينه على الدين كله؟ فأي دليل كان في الآية ناقض قولك فأقنعك حتى صعقت الى الأرض. والآية تدل على انه يموت يوم مات!...؟

واعجب من ذلك وقوفك بعد يوم معتذرا فتقول: (فاني قلت بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده الي رسول الله. ولكن كنت

[116]

ارجو ان يعيش رسول الله فيدبرنا ويكون آخرنا موتا)(1). فأين هذا الرجاء الفاتر من تلك الصرخة المعلنة وذلك الحلف والتهديد وطعن القائل بموته بالارجاف؟ واين هذا الاعتذار الهادئ من تلك الدعوى الثائرة؟

إن لك لسرا عظيما!

يبدو لي ان عمر كان أبعد من أن يظهر بهذه السهولة لقارئي هذه الحادثة. ومن البعيد جدا وفوق البعد ان يعتقد مثله ان النبي لايموت يوم مات، وهو الذي قال في مرضه كما سبق بكل رباطة جأش:( ان النبي قد غلبه الوجع... حسبنا كتاب الله). فأي معنى تراه لقوله(حسبنا) لرد الكتاب الذي أراده النبي لأمته بعد موته، لو لم يكن معتقدا انه سيموت وان كتاب الله يغني عن أي شئ آخر يريد ان يقرنه النبي به.

وهل تراه قال ما قال دهشة بالمصيبة؟ فما باله لم يعتذر بذلك بعد يوم وقد سمعت اعتذاره! بل ما باله لم يزد دهشة

______________________________

(1) اقتبسنا مجموع هذه العبارة من كنز العمال(129:3و53:4) ومن تاريخ الطبري وابن الأثير والبخاري (152:4) والسيرة الدخلانية (347:2) ولفظ (كنت أرجو ان يعيش...) في الصحيح والسيرة. والمروي في هذه الكتب وغيرها بألفاظ متقاربة جداً وتختلف بما لا يضر بالمعنى.

[117]

لما تحقق انه قد مات! هيهات ان يكون قد دهش فيخفى عليه موت النبي وهو هو من نعرف.

وبعض الناس قد جهّلوا عمر بهذا وابعدوا، فقالوا: من يجهل مثل هذا الأمر الواضح المعلوم بالاضطرار جدير بألا يكون إماما راعيا للأمة...

والتجأ بعضهم الآخر ان يعتذر عنه بأن ذلك من فرط دهشته.

وفيما عندي ان الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا الى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش. فان من يعتقد ان النبي قد غاب فيحلف لايقنعه مثل حجة ابي بكر فيرتدع ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها ادهش وادهش.

* * *

ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة ان يفهم هذا الذي لايختل بالحرش، فيعرف ان وراء الاكمة ما وراءها، ولايضعه حيث وضعه الناس.

ألا تعتقد معي انه كان يخشى ان يحدث القوم ما لايريد، وقد اشرأبت الأعناق بطبيعة الحال الى من سيخلف النبي، وهذه ساعة طائشة، وابو بكر بالسنح غائب، وهو خدنه وساعده، وهما اينما كانا هما. ولعلهما

[118]

وحدهما قد تفاهما في هذا الأمر... فأراد ان يصرف القوم عما هم فيه، ويحول تفكيرهم الى ناحية اخرى، ان لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي. حتى لا يحدثوا بيعة لأحد من الناس قبل وصول صاحبه. وليس هناك من تحوم حوله الأفكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد او لأنه اولى الناس، ما شئت فقل ( حتى كان عامة المهاجرين وجل الأنصار لايشكون ان عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله)(1).

وكانوا يلاحظون في علي بن ابي طالب صغر سنّه(2) وحسد العرب وقريش خاصة إياه، وتمالؤها عليه، ولا تعصب الدماء التي اراقها الاسلام إلا به،لأنه الأمثل، في عشيرة الرسول على عادة العرب وبسيفه قتل اكثر ابطالهم. ويلاحظون (رابعا) كراهة قريش لاجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم فيبجحون على قومهم بجحا بجحا كما يراه عمر فيما سبق في الفصل الثاني من محاورته مع ابن عباس. ويلاحظون (خامسا) انه سيحملهم إذا ولي الأمر على الحق الأبلج والمحجة البيضاء وان كرهوا (على حد تعبير عمر نفسه)، والحق مر في الأذواق.

ويظهر أن عمر كان بطل المعارضة في إمارة علي كما

______________________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد (8:2).

(2) راجع الامامة والسياسة.

[119]

شاهدنا موقفه في قصة الكتاب الذي أراد ان يكتبه النبي وفي مواقفه التي أشرنا اليها في الفصل الثاني، فلا نعجب إذا رأيناه يقف هذا الموقف ليلهي الناس عما يخشاه من استباق احد الى بيعة علي قبل مجئ ابي بكر.

اما انه هل كان يدري كيف سيخرج من هذا المأزق الذي ادخل نفسه فيه فاغلب الظن انه غامر بنفسه ليقف الناس عند حدهم. وعلى صاحبه إذا جاء ان يدبر الأمر حينئذ.

واقوى الشواهد على هذا التعليل ما قلناه من سرعة قناعته بقول صاحبه ابي بكر، وهو لايمس دعواه تكذيبا... وليس إلا ان جاء ابو بكر ووقف خطيبا والتف حوله الناس وهو يعلم من ابو بكر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور، ولم يبق إلا ان يخرج من موقفه الحرج بلباقة، لئلا يحسوا بهذا التدبير فينتقض الغرض، فصعق الى الأرض كأنما تحقق موت النبي من جديد مظهرا القناعة بقول صاحبه. ثم لم يلبث ان راح يشتد معه لعملهما كأنما نشط من عقال ولم يقل ما قال، ولم يظهر ما أظهر من الدهشة والاضطراب، حتى رُمى بالخبل وهو عنه بعيد، فقد ذهب بعد ذلك الى السقيفة مع ابي بكر حينما علما باجتماع الأنصار السري ووقفا ذلك الموقف العجيب، وسنحدثك: