[44]
لنتنازل الان عن جميع ما قلناه في البحث السابق من فساد تشريع قاعدة الاختيار، ولكن ألا يجب علينا ان نسأل مدعي صدور هذا التشريع من النبي عن الدليل عليه في كتاب أو سنة.
وبودي ان يدلني احد على قول الرسول في هذا الشأن، فما سمعنا عنه انه قال يوما: ان الاختيار في تعيين الأمام لأهل الحل والعقد، او انه امر الأمة باختيار الأمام بعده، لا تصريحا ولا تلويحا. على ان الدواعي جد متوفرة لنقل مثل هذا القول، والقوة والحول في صدر الاسلام الى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه، فليس لأحد ان يدعي ان هذا الاثر قد خفي علينا او امتنع الرواة عن نقله.
أجل! إلا ان الله تعالى قال في كتابه العزيز: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة).
إذن لم يثبت عن النبي قول وتصريح في هذا الأمر من الاتكال على اختيار الأمة، بل قال تعالى: (ما كان لهم
[45]
الخيرة). فلنذهب الان من طريق ثانية الى إثبات صحة هذا التشريع، فنقول:
(أليس النبي كان غير غافل عن امر الخلافة! ولكنه سكت عن الحل لمشكلتها بطريق النص على احد من اصحابه، فلا بد انه أوكل ذلك الى اختيار أمته، فيكون سكوته إذن دليلا على هذا الايكال).
وهذا يقرب من التفكير الصحيح لأول وهلة، اذا استطعنا التصديق بسكوته عن النص فلذلك لا يصح إلا اذا ثبت لنا ان لا نص هناك، فوجب ان ننظر فيما تقوله اهل السنة والشيعة من النص على ابي بكر او علي بن ابي طالب. وسيأتي في البحث (7)و(8).
ولكن لو فكرنا قليلا، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبي الكريم ان يرمز لهذا الأمر العظيم الذي وقع فيه اعظم خلاف في الامة بمثل هذا الرمز الخفي. وما الذي يلجئه الى مثل هذا الدليل الصامت إن صح هذا التعبير مع علمه بما سيقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع، وتتخلله فتن وحروب أنهكت المسلمين وأفسدت روحية الاسلام؟!.
أما كان الجدير اذا لم يكن قد نص على احد ان يصرح لامته بايكال الأمر الى اختيارهم؟ ثم يحدده باختيار اهل الحل والعقد منهم، او يحدده بخصوص اهل المدينة او
[46]
اهل عاصمة الخلافة، ثم يكتفي باختيار الواحد والاثنين منهم (على ما يذهب اليه جماعة من علماء اهل السنة)، ثم يذكر شروط الامام حتى يعرفوا من يجب ان يختاروه!
أكل هذه الامور والقيود نستقيها من هذا الدليل الصامت ويكون هذا السكوت حجة على من يشكك في واحد من هذه الشئون فيستحق عقاب الخالق الجبار، ثم مع ذلك يخرج عن ربقة الاسلام ويدخل في زمرة الكافرين؟!.
اللهم اشهد علي اني لا أستطيع ان أؤمن بصحة دليل صامت يدل هذه الدلالة الواسعة على اعظم الشئون العامة التي يعم بلاؤها جميع الخلق في كل زمان ومكان، في وقت الحاجة الى دليل ناطق وحجة واضحة.
اللهم اشهد اني لا استطيع ان أؤمن بذلك إلا اذا فقدت حرية التفكير ومسكة العقل.
وأخشى الآن أن أكون قد أخذت بقلمي النعرة المذهبية في بحثي السابق، فبالغت في تشويه تلك الدعوى وخرجت عن خطتي التي رسمتها لنفسي.
وهل تراني اخفف وطأة من تلك السورة، فأطمئن الى
[47]
تعليل مقبول لذلك الصمت، بأن أقول: إن الرسول إنما ترك بيان هذا الأمر ليوقع الخلاف بين امته رحمة بهم لما روى عنه: (اختلاف أمتي رحمة)؟.
ولكن هيهات! إن لم تؤول الكلمة بما يتفق ومبادئ الاسلام(1) فانها الكذب الصراح على داعية الوحدة ومقاتل نزعات الجاهلية الاولى بسيف من الاخوة الاسلامية انتشل العرب من هوة عميقة للتفرق والنزاع والنزال.
إن أكبر ظاهرة للاسلام بل من أعظم أعماله، تلك الدعوة الى الوحدة المطلقة بأوسع معانيها وتحطيم الفروق حتى بين الشعوب والامم المختلفة. ألا (إنما المؤمنون إخوة).
______________________________
(1) هذه الكلمة مروية من طرق الطرفين. والوارد في تفسيرها عن آل البيت غيرما يتخيل من ظاهرها ففي علل الشرايع: (انه قيل للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: ان قوما يروون أن رسول الله قال: (اختلاف امتي رحمة)، فقال : صدقوا، فقيل: اذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال ليس حيث تذهب وذهبوا انما أراد قول الله عز وجل (فلولا نفر من كل فرقة طائفة.. ) واختلاف أهل البلدان الى نبيهم ثم من عنده الى بلادهم رحمة... ) الخبر. ومثله في معاني الأخبار للصدوق، وفيه: (انما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله، انما الدين واحد).
[48]
وليس هناك شئ في الاسلام غني عن البرهان بل عن البيان مثل دعوته الى الوحدة والعمل لها بكل الوسائل، ليكون المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وقد تجلى ذلك ظاهرا في كثير من الأحكام العملية: في وجوب الحج وصلاة الجمعة والجماعة وحرمة الغيبة واللمز والغمز والقذف... وما الى ذلك مما لا يحصى، وبعد هذا أيمكننا ان نجرأ فندعي ان الرسول يدعو الى الخلاف! وأكثر من ذلك يسعى الى التفرقة، وأية تفرقة هي؟ إن هذا لبهتان عظيم وزور مبين! اللهم اني استجير بك من شطحات القلم والتفكير.
وهنا لا بد أن ننصف في القول فلا نجري الكلام على عواهنه، فأني لم أعرف عن اخواننا أهل السنة أنهم فسروا هذا الصمت المدعى بذلك التفسير إلا من قل. وعلى الاقل انهم لم يجعلوه وحده دليلا على ايكال أمر الخلافة لاختيار أهل الحل والعقد، وإما يستدلون باجماع أهل الصدر الاول على كفاية اختيار أهل الحل والعقد، بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة. وعندهم الاجماع حجة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام، (لا تجتمع أمتي على الخطأ) و (لا تجتمع أمتي على ضلال).
[49]
ولكن الشيعة لا يعتبرون مثل هذا الاجماع. وإنما يعتبرون الاجماع اذا كشف عن رضى امام معصوم حيث يكون داخلا في أحد المجمعين. وبيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الامام وهو علي بن أبي طالب فلم يتم عندهم الاجماع الذي يكون حجة.
ويذهبون الى أكثر من ذلك، فيقولون إن الاجماع بكل معانيه لم ينعقد على صحة بيعة أبي بكر، لمخالفة علي الذي يدور معه الحق حيثما دار ومخالفة قومه بني هاشم وسعد بن عبادة وابنه وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وابي ذر والمقداد وعمار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم. ولم يبايع من بايع منهم بعد ذلك إلا قهرا واضطرارا حفظا لبيضة الاسلام وتوحيدا لكلمة المسلمين. ولا يصح بحال ان يدعي ان هؤلاء ليسوا من اهل الحل والعقد، وهم من تعرف. ويقول الشيعة ايضا: لم يتكرر بعد ذلك تعيين الامام باختيار أهل الحل والعقد، حتى نؤمن بحصول الاجماع على صحة الاختيار في تعيينه، لان كل خليفة تعين إنما تعين بنص السابق عليه أو بحد السيف والقوة، ما عدا علي بن ابي طالب عليه السلام، وهو امام بالنص من النبي (ص) ولا شأن لاختيار الامة في امامته.
***
هكذا اختلف الطرفان، وأجدني الآن حائرا إزاء أدلة
[50]
الطرفين. واذا اردت ان اعالج في بحثي حادث السقيفة فانما اعالجه من عدة نواح هذه أهمها، فهل استطيع ان استنتج الحكم الفاصل لاحدى الطائفتين؟ هذا ما قد يكشفه مستقبل البحث، وكل آت قريب . ولا أتنبأ بالنتيجة قبل وقتها.
وكنت راغبا في بحثي هنا أن احصل على نتيجة حاسمة قبل الدخول في تفسير حوادث السقيفة، بل قبل الدخول في البحث عن النص على الامام بعد النبي في هذا الفصل، ولكني هنا وجدت هذه المسائل متداخلة بعضها آخذ برقاب بعض.
ومع ذلك أجد بامكاني أن أضع تقريرا يقرب من التفكير الصحيح مع الاعراض عما يقوله الطرفان في هذا الشأن، مستعينا بما تقدم في الابحاث السابقة، فهل تعيرني تفكيرك لحظة.
لاحظ انك لا تشك وانا معك ان النبي ما فاه ولا ببنت شفة عن قاعدة انعقاد الامامة باختيار أهل الحل والعقد، مع ان الواجب يدعو للبيان الصريح، كما قلنا آنفا، فلماذا سكت عن ذلك؟.
أكان إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع، او أنه لم يشرع مثل هذا التشريع؟ والثاني هو الاقرب للصحة. وعليه فما قيمة الاجماع إن تم مع علمنا بان هذا الامر ليس من الدين ولم يشرعه الله على لسان نبيه، على أنا وجدنا في
[51]
ابحاثنا السالفة ان البرهان الصحيح يقودنا الى الاعتراف بفساد هذا التشريع، فنعلم بنتيجة ان النبي لم يشرعه لأمته، فلا بد ان نتهم الاجماع المدعى باحدى التهم المتقدمة.
هذا من جهة . ومن جهة اخرى، انا لا أدري أن هؤلاء الذين اقدموا على الاجتماع في السقيفة لعقد البيعة بدون مشورة من جميع الموجودين في المدينة وغيرهم على أي سناد استندوا وبأية حجة اجتمعوا.
والمفروض ان لاحجة إلا الاجماع، وهو على فرضه بعد لم ينعقد على صحة عملهم؟ فهذا العمل من أساسه كان بغير حجة قائمة ولا بينة واضحة، ولذا قال عمر لسعد بن عبادة: (اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة).
فلأي شيء استحق القتل ولم يكن يدعو إلا الى نفسه كما دعا غيره؟ ولماذا كان صاحب فتنة؟ ليس إلا لأن دعوته من غير حجة قائمة. وإذا كان قد ثبت من النبي صحة انعقاد الخلافة بأختيار أهل الحل والعقد، ويكتفي بمثل القوم الذين اجتمعوا في السقيفة يومئذ فلم يكن قد دعا سعد إلا الى ما هو مشروع لا يستحق عليه قتلا ولا غضباً.
أما النص المروي: (الأئمة من قريش) فلم يكن معروفاً عند المهاجرين يومئذ او أنهم لم يريدوا ان يعرفوه، ولذا لم يستدلوا له ذلك اليوم، بناء على ما هو الصحيح وإنما
[52]
استدل الخليفة أبو بكر بالقرابة من الرسول وان العرب لا تعرف هذا الأمر إلا بهذا الحي من قريش.
لم نتوقف فيما مضى للاعتقاد بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو كل نصب الامام الى اختيار الامة، أو أهل الحل والعقد منهم خاصة... وهنا نبحث عما إذا كان قد عين شخص الامام بعده، فمن هو هذا الامام؟
أصحيح انه هو (أبو بكر)؟ يقطع الباحث ان الأحاديث المروية في النص عليه موضوعة إذا كان يفهم منها النص المدعي . وليس أدل على ذلك مما ثبت من تصريحاته نفسه، ولا سيما عندما تمنى قبيل موته ان يسأل عن أشياء ثلاثة ترك السؤال عنها، أحدها أمر الخلافة انه فيمن حتى لا ننازع أهله. ثم من تصريحات خليفته عمر بن الخطاب لا سيما عندما دنت منه الوفاة فصرح ان النبي لم يستخلف. ثم من تصريحات عائشة (وهي المدافعة والمنفحة عن أبيها وقد قامت بقسط وافر من تأييده وتثبيت خلافته) فنفت الاستخلاف لما سئلت من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلف.(1)
______________________________
(1) ومن الغريب اعتذار ابن حزم: (ان هذا الأثر خفي على عمر كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله (ص) كالاستيذان وغيره، أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب، ونحن نقر ان استخلافه لم يكن بعهد مكتوب. وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك ايضاً... ). ولئن خفي هذا الأمر على عمر وعائشة فعلى غيرهما اخفى واخفى، على ان جمله ارادتها للعهد المكتوب فابعد وابعد.
[53]
ويكفينا لعدم الوثوق بهذا النص المدعى أن نطلع على مجرى حادث السقيفة، ونعرف استدلال من استدل على صحة بيعته بالاجماع. أولا تراه نفسه يوم السقيفة كيف قدم للبيعة عمر وأبا عبيدة، فقال : (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين). أتراه كان لا يعلم بالنص عليه، أو كان عالماً به ولكنه أعرض عنه؟ لا شيء منهما يصح أن يقال.
ولا شيء أوضح من خطبته يومئذ إذ يقول فيها: (ان العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب داراً ونسباً).
بل لو كان نص عليه لما كانت العرب تعرف هذا الأمر إلا لشخصه بنص صاحب الرسالة. وليس المقام مقام حياء من الدعوة الى نفسه.
وعندي لا شيء أوضح من وضع الأحاديث في النص
[54]
عليه . وأجد ان الذي ألجأ الى وضعها ان من وضعوها بعد ان ضاقوا ذرعاً بالاستدلال على خلافته بالاجماع، مما وجدوه من مخالفة من خالف ممن لا يمكن اهمال شأنهم. وهذا هو التعصب الذي يحمل صاحبه على الكذب والاختراع، فيقف حجر عثرة دون وصول طالب الحقيقة الى هدفه، ويجعل النفس لا تثق بكل ما يرويه هذا المتعصب فيما يخص معتقده، بل في كل شيء.
***
أما قضية تقديمه للصلاة فان صحت (وهي صحيحة بمعنى انه صلى بالمسلمين)، فليس فيها اية اشارة الى تعيينه للخلافة، فضلا عن النص، لأن الامامة في الصلاة ليست بالأمر الخطير الشأن الذي لا يكون إلا لمن له الامامة، ولا سيما على مذهب اهل السنة، وكان ائمام المسلمين بعضهم ببعض مما اعتادوا عليه، وشاع يومئذ بينهم بترغيب النبي فيه، فقد ورد [1} ان ابا بكر صلى بالناس من دون إذن النبي (ص) لما ذهب الى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.
ولا اعتقد بصحة ما يروى ان النبي هو الذي قدمه للصلاة وانه صلى أياما، لأن ابا بكر كان من جيش اسامة من غير شك وسيأتي وقد نهى النبي عن التخلف عنه،
______________________________
(1) راجع صحيح البخاري 1 : 8.
[55]
وشدد في الاسراع بانفاذه، فكيف يجتمع هذا مع تقديم النبي له للصلاة مدة مرضه؟
نعم الثابت انه صلى صلاة واحدة وهي صلاة الغدير يوم الأثنين يوم وفاة النبي (ص)، وقبل ان يتمها خرج صاحب الرسالة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع فصلى بالناس صلاتهم وتأخر ابو بكر. فان عائشة هي التي روت امر النبي بتقديمه لا غيرها، وانها راجعته في ذلك حتى قال لها غاضبا: (انكن لأنتن صواحب يوسف) وهي نفسها تروي خروجه في نفس تلك الصلاة(1). وكان خروجه بهذه الحال الى الصلاة يوم وفاته وهو يوم الأثنين.
ولو ان النبي كان قدمه للصلاة اشارة الى خلافته، فلماذا خرج بهذه الحال المؤلمة، وصلى بالناس صلاة المضطرين جالسا؟
ولا معنى ما يقال: (انه صلى ابو بكر بصلاة النبي وصلى الناس بصلاة ابي بكر) فمن هو الامام اذن ؟ ان كان أبا بكر فلم يكن قد صلى بصلاة النبي، وان كان النبي فلم تكن الناس قد صلت بصلاة أبي بكر، وتأويله ان صح ان النبي جالسا فلا يرون شخصه وكان مريضا فلا يسمعون
______________________________
(1) صحيح البخاري (1 : 78و84 في حديثين). وصحيح مسلم في باب استخلاف الامام اذا عرض له من كتاب الصلاة.
[56]
صوته، فكانت الناس تعرف ركوعه وسجوده بصلاة أبي بكر الذي كان بازائه لما تأخر عن مقامه.
والأحاديث مضطربة في هذا الباب ، مع أن أكثرها عن عائشة ام المؤمنين واختلافها الجوهري في ستة امور:
1 (في علاقة عمر بالصلاة) فيذكر بعضها ان النبي قال: (مروا عمر) بعد مراجعة عائشة عن أبيها فأبي عمر وتقدم أبو بكر وبعضها ذكر انه أبتداء أمر عمر، فقال عمر لبلال قل له ان أبا بكر على الباب. وحينئذ أمر أبا بكر. وبعضهم ذكر انه اول من صلى عمر بغير اذن النبي فلما سمع صوته قال : (يأبى الله ذلك والمؤمنون) وفي بعضها انه أمر أبا بكر ان يصلي نفس الصلاة التي صلاها عمر بالناس، وفي بعضها صلى عمر وكان ابو بكر غائبا. وفي بعضها ان النبي أمر أبا بكر وأبو بكر قال لعمر صل بالناس فامتنع.
2 (في من أمره النبي ليأمر ابا بكر)، فبعضها تذكر عائشة ، وبعضها بلالا، وبعضها عبد الله بن زمعة.
3 (فيمن راجعه في أمر أبي بكر)، فبعضها تذكر عائشة وحدها راجعته ثلاث مرات أو أكثر، وبعضها تذكر عائشة راجعته ثم خالت لحفصة فراجعته مرة أو مرتين ، فلما زجرها النبي قالت لعائشة: ( ما كنت لأصيب منك خيراً).
[57]
4 ( في الصلاة المأمور بها)، فبعضها يخصها بصلاة العصر وبعضها بصلاة العشاء، والثالث بصلاة الصبح.
5 (في خروج النبي)، فبعضها تذكر انه خرج وصلى ، واخرى تقول أخرج رأسه من الستار والناس خلف ابي بكر ثم القى الستار ولم يصل معهم.
6 (وفي كيفية صلاة النبي بعد الخروج)، فيذكر بعضها انه ائتم بأبي بكر بعد أن دفع في ظهره ومنعه من التأخر. وبعضها ان أبا بكر تأخر وائتم بالنبي. وبعضها ان ابا بكر صلى بصلاة النبي والناس بصلاة ابي بكر. وبعضها ان النبي ابتدأ بالقراءة من حيث انتهى ابو بكر.
7 (في جلوس النبي الى جنب ابي بكر) فبعضها تذكر جلوسه الى يساره، وبعضها الى يمينه.
8 (في مدة صلاة ابي بكر)، فبعضها تجعلها طيلة مرض النبي، واخرى تخصها بسبع عشر صلاة، وثالثة بثلاثة أيام، ورابعة بستة، ويظهر من بعضها انه صلى صلاة واحدة.
9 (في وقت خروج النبي الى الصلاة)، فبعضها صريحة في انه خرج لنفس الصلاة التي امر بها ابا بكر، وبعضها صريحة في انه خرج لصلاة الظهر بعد صلاة ابي بكر اماما، وبعضها صريحة في خروجه لصلاة الصبح.
[58]
وهذه الاختلافات كما رأيت في جوهر الحادثة. ولم يظهر من الأخبار تعدد امر النبي له بالصلاة ولا تعدد خروجه. وهذا كله يذهب بالاطمئنان بتصديقها في خصوصيات الحادثة لا سيما فيما يتعلق بأمر النبي له، نعمُ يعلم منها شيء واحد على الاجمال هو صلاة ابي بكر بالناس قبل خروج النبي.
ولعل أبا بكر كان مخدوعا في تبليغه أمر النبي، كما جاء في الحديث ان عبد الله بن زمعة خدع عمر بن الخطاب فبلغه أمر النبي له بالصلاة.
واحسب ان اصل الواقعة ان النبي(ص) أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج من دون ان يخص احداً بالتقديم، فتصرف متصرف ، وتأول متأول. ولما بلغ ذلك اسماع النبي التجأ ان يخرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع، فصلى بالناس جالسا صلاة المضطرين، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه.
واستغرب توبيخه لعائشة لما راجعته عن أبيها إذ قال لها: (انكن لأنتن صواحب يوسف). لماذا هذا التوبيخ القارص؟ وأي شيء صنعته تستحق به هذا اللوم؟ ألا أنها ضنت على أبيها بهذه الكرامة، فلئن لم تستحق المدح فعلى الأقل لا تستحق مثل هذا التوبيخ.
ومن هنا يتطرق الشك ايضا في صحة تقديم النبي لأبي
[59]
بكر، ويبدو أنه كان من أمرها وتدبيرها، فلذا وجهت اليها هذه الكلمة اللاذعة، لا لمراجعة هناك. ولا شك انها ترغب لأبيها كل فضيلة وتلزه لزاً. ولذا التجأت ان تعتذر عن مراجعتها المستغربة منها التي ادعتها بانها انما كانت تحب ان يصرف عن أبيها لأنها رأت ان الناس لا يحبون رجلا قام مقام النبي ابداً وانهم سيتشأمون به في كل حدث كان.
ألا تراها كيف بعثت الى ابيها تدعوه لما بعث النبي الى علي يدعوه ليوصيه، وكذلك صنعت حفصة لأبيها، ولكن النبي لما رآهم قد اجتمعوا أمرهم بالانصراف وقال: (فإن تك لي حاجة ابعث اليكم)(1) وهذا قول من عنده ضجر وغضب باطن.
والنتيجة: انه ليس هناك ما يستحق ان يسمى نصا ، ولا اشارة الى خلافة ابي بكر.
اذن، أفصحيح ما تقوله الشيعة من النص على علي عليه السلام؟ ايها القارئ! بودي ان يكون حياديا، فلا تنظر الى ما تقوله الشيعة عن هذا الرجل إلا بتقزز، حتى لا اكلفك
______________________________
(1) الطبري (3 : 195).
[60]
بالرجوع الى كتبهم واخبارهم. وانا معك الان سأطرحها جانبا. وما يدرينا لعل حبهم وتعصبهم لصاحبهم يسوقانهم الى القول عنه بما لم يكن، كما ساق أهل السنة الى رواية النص على أبي بكر. فلنأخذ حذرنا من الان.
وبعد هذا اترانا نحذر من مؤلفات اهل السنة وصحاحهم في حق علي، وهم ان تعصبوا فعليه، لا له؟ كلا؟ فان الكثير من محدثيهم يحذرون كل الحذر من رواة مدحه وفضائله، فيقدح المؤلف منهم في الراوي الذي تشم منه رائحة الميل اليه، ويرسلون الطعن في الحديث ارسالا فيقولون: (وفي متنه غرابة شديدة)، وليس إلا لأنه لا يتفق وعقيدته ويكفي في الثقة بالمحدث ان يكون ممن يميل عنه كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمران بن حطان وامثالهم.
وقبل ذلك نجد سيوف بني أمية مسلولة على رؤس الرواة لئلا ينسبوا فضيلة لهذا الذي ناصبوه العداء وسنّوا سبّه على المنابر والمعابر. ونجدهم كيف كانوا يغدقون بالاعطيات على الطاعنين فيه والمنحرفين عنه.
ولذا تراني اطمئن كل الاطمئنان وانت معي لا شك الى كل حديث خلص من هذه العقبات، واستطاع ان يطلع رأسه من بين الأحاديث ظافرا بالصحة والتأييد، فسجلته كتب اهل السنة وصحاحهم في فضل علي والنص على خلافته، ومع هذا فستجدني لا اعتمد إلا على بعض
[61]
الصحيح الثابت عند اهل الحديث منهم الذي بلغ حد التواتر أو كالمتواتر.
والحق ان لعلي منزلة كبرى عند اخيه وابن عمه، يغبطه عليهما كل مسلم بل حسدوه عليها، ولا ينكرها إلا مكابر، حتى ان ام المؤمنين عائشة (على ما بينها وبين علي ما هو معروف)قالت فيه: (ما رأيت رجلا احب الى رسول الله منه ولا رأيت امرأة كانت احب اليه من امرأته).
وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمجد ويرحب بصهره عند كل مناسبة من يوم ولد صهره قبل البعثة بعشر سنين الى يوم فاضت نفسه الزكية في حجره. وهذا مما لا يشك فيه مسلم، وإنما الشأن فيما يدل على العهد اليه بالخلافة فلنقرأ بعض الأحاديث الصحيحة المتواترة او المشهورة، ولننظر ماذا سنفهم منها:
1 لما نزلت الآية الكريمة(وانذر عشيرتك الأقربين) جمع النبي (ص) من اهل بيته اربعين رجلا في قصة معروفةـ وكان ذلك في مبدأ البعثة فعرض عليهم الاسلام وضمن لمن يؤازره وينصره منهم الاخوة له والوراثة والوزارة والوصاية والخلافة من بعده فأمسكوا كلهم الا عليا، فقد اجابه وحده، فأخذ برقبته، وقال : (ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم او من بعدي على اختلاف الروايات فاسمعوا له واطيعوا). فقام القوم يضحك بعضهم الى بعض استهزاء)،
[62]
ويقولون لأبي طالب قد امرك ان تسمع وتطيع لهذا الغلام. يعنون ابنه (1).
2 وفي غزوة الخندق لما برز علي الى عمرو بن عبد ود قال (ص) فيه: برز الايمان كله الى الشرك كله). وذلك سنة 5 هـ.
3 وفي غزوة خيبر باهى به الذين تراجعوا بالراية فقال: (أني دافع الراية غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار) فتطاولوا لها، ولكنه دفعها الى علي، وذلك سنة 7 هـ.
4 ولما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة وبين المهاجرين والأنصار بعدها بخمسة اشهر، اصطفى عليا لنفسه فآخاه، وقال له: (انت مني بمنزلة هرون من موسى غير انه لا نبي بعدي). ثم لم يزل يكرر هذه الكلمة في مناسبات كثيرة، منها لما سد الابواب الشارعة الى المسجد إلا باب علي، ومنها غزوة تبوك لما خلفه على المدينة سنة 9 هـ. وفي رواية ابن عباس زيادة (انه لا ينبغي ان اذهب إلا وانت خليفتي)(1).
______________________________
(1) من الغريب ما صنعه الاستاذ محمد حسين هيكل. اذ يذكر هذه الحادثة في كتابه (حياة محمد) في الطبعة الاولى ويهملها في الطبعات الاخرى من غير تنبيه.
(2) وصححها الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه.
[63]
5 وقال له: (لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق). وبعد ذلك كان يعرف المنافق ببغضه لعلي.
6 وقال: (ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله). وبعد ان نفى ذلك عن ابي بكر وعمر قال: (ولكنه خاصف النعل) وكان علي يخصف نعل رسول الله ساعتئذ في الحجرة عند فاطمة.
7 وكان عند النبي طاير طبخ له ، فقال: (اللهم آتني بأحب الناس اليك يأكل معي) فجاء علي فأكل معه.
8 وقال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
9 وقال: (أقضاكم علي).
10 وقال: (علي مع الحق والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
11 وأثبت له غير مرة الوراثة والوصاية ، وأوضح انهما وراثة ووصاية نبوة، فقال مرة: (لكل نبي وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن ابي طالب)(1). وقال له علي مرة:
______________________________
(1) راجع ميزان الاعتدال في ترجمة شريك. وقال عن راوية محمد بن حميد الرازي ليس بثقة مع أنه قد وثقه احمد بن حنبل وابو القاسم البغوي والطبري وابن معين وغيرهم. ونقل هذا الحديث عن السيوطي في اللآلئ وعن الحاكم.
[64]
(ما أرث منك). قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما ورث الأنبياء من قبل كتاب ربهم وسنة نبيهم)(1).
12 وقال سنة 8هـ :( إن عليا مني وأنا من علي لا يؤدي عني إلا أنا وعلي).
13 وقال:( إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي).
14 وقال:( انت ولي كل مؤمن بعدي).
15 وسد ابواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المسجد جنبا، وهو طريقه ليس طريق غيره. قال عمر بن الخطاب:( لقد اعطى علي بن ابي طالب ثلاثا لئن تكن لي واحدة منها أحب الي من حمر النعم: زوجته فاطمة بنت رسول الله، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل فيه، والراية يوم خيبر). وكذلك روي عن ابن عمر. ولما روجع النبي في فتح باب علي قال:( إنما أنا عبد مأمور ما امرت به فعلت إن اتبع إلا ما يوحى إلي).
16 ولما آخى النبي بين كل اثنين من المهاجرين، وذلك قبل الهجرة اصطفاه لنفسه فآخاه وقال له فيما قال:( أنت أخي ووارثي. أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا انه لا نبي بعدي). وكذلك صنع وقال لما آخى بين المهاجرين والانصار،
______________________________
(1) راجع كنز العمال(41:5).
[65]
فاصطفاه لنفسه مع ان كلا منهما من المهاجرين وذلك بعد الهجرة بخمسة اشهر. ولا يزال يدعوه أخي في مناسبات لا تحصى.
17 ويوم الغدير، بعد الرجوع من حجة الوداع سنة 10هـ أمر بالصلاة، فصلاها بهجير، وقام خطيبا على مائة الف أو يزيدون، حيث تفترق قبائل العرب. وبعد أن نعى نفسه اليهم ذكر الثقلين كتاب الله وعترته وانهما لن يفترقا ولن يضلوا بالتمسك بهما أبدا، أخذ بيد علي وقال:
أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟
قالوا: بلى يا رسول الله! وكرر السؤال عليهم واجابوا.
ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه( وفي أحاديث كثيرة: من كنت مولاه فعلي وليه). اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار (فلقيه عمر بن الخطاب فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)(1) أو( أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)(2).
______________________________
(1) مسند أحمد (281:4) وعن تفسير الثعلبي. وفي الصواعق المحرقة في الشبهة 11 عن ابي بكر وعمر معا.
(2) تفسير الرازي في قوله تعالى:(ياأيها الرسول بلغ ما انزل اليك.)
[66]
هذه هي الاحاديث التي أخذناها من الصحيحة، اكتفاء بهذا القليل عن كثير لاتسعه هذه الرسالة. أما الآيات فقد قال ابن عباس:( نزلت في علي ثلثمائة آية من كتاب الله تعالى) . ولم يعرف من طريق اهل السنة إلامائة، ونختار منها ثلاث آيات:
1 آية(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ). وقد نزلت فيه إذ تصدق بخاتمه وهو راكع قي الصلاة، فاثبت الولاية له كولاية الله ورسوله على الناس. وهي مثل الأحاديث التي جعلت له تلك الولاية الالهية.
2 آية التطهير، إذ جمع النبي(ص) عليا وزوجه وابنيهما معه في كساء واحد، فنزلت الآية باذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، وهذه العصمة التي تشترط في الامامة.
3 آية المباهلة، إذ باهل بأهل بيته اولئكم، نصارى نجران في قصة مشهورة، وجعل علي بنص الآية نفسه.
ونحن لما اعتقدنا ان طريقة الاختيار لايصح ان يقال ان النبي عول عليها في تعيين الخليفة من بعده، فمن الضروري ان ينص على واحد من اصحابه، ولكن لم يكن أبا بكر فمن هو إذن؟
ليس هناك شخص ورد فيه ما ورد في علي يصح ان
[67]
يكون نصا كهذه الأحاديث مع الآيات التي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا: فقد نصت على انه وارث النبي وراثة نبوة، ووصيه، وأخوه، ونفسه، وولي المؤمنين بعده، واولى بهم من انفسهم، ومنزلته منه منزلة هرون من موسى عدا منزلة النبوة، وخليفته من بعده، ويدور معه الحق كيفما دار لن يفترقا، وهو أقصى الأمة، وباب مدينة علمه، المطهر من الرجس.
وهذه صفات لا تكون إلا لامام معصوم وخليفة للنبي يختاره الله ورسوله للأمة. وهل يمكن أن يكون شخص أولى بالمؤمنين من أنفسهم ووليهم بعد النبي وهو سوقة كسائر الناس تجب عليه طاعة غيره والسمع له؟ هيهات!
ولكن كل واحدة من هذه الكلمات التمس لها بعض الباحثين في الامامة تأويلا، احتفاظا بكرامة الصحابة واتقاء من نسبة مخالفة نص النبي اليهم. ونحن نقول لهؤلاء المؤولين إذا كنتم قد عرفتم حسن نوايا هؤلاء الصحابة، وهم في الوقت نفسه مجتهدون على رايكم فلا استغراب في مخالفة الصريح من كلام النبي(ص) وليس الخطا على المجتهدين بعزيز. ثم انا عرفنا عنهم عدم تعبدهم بالنصوص في كثير من الامور التي تفوت الحصر، كتوقفهم في بعث جيش اسامة وتأميره حتى أغضبوا النبي فقال ما قال وبالأخير امتنعوا عن الخروج حتى قبض، وكاعتراض عمر على صلح
[68]
الحديبية، وكمنعه من املاء الكتاب الذي قال عنه النبي لن تضلوا بعده ابدا. وما الى ذلك.
فنحن الان بين أمرين إما أن نؤول هذه الأحاديث بما يصح وبما لا يصح واما ان نقول إن اولئك الصحابة قد تأولها لأمر ما. ولا شك ان الثاني أقرب الى البحث العلمي والتفكير الحر المستقيم، لأنا وجدناهم قد تأولوا في حياة النبي النصوص الصريحة التي لاتقبل التأويل كما سمعت بعضها. وهل لمن يحسن الظن بهم إلا ان يعتقد انهم لم يقصدوا مخالفة النبي عصيانا، وانما كانوا يظنون المصلحة فيما ينقدح لهم من رأي، وقد اعتادوا أن يشاورهم في الامور اتباعا لأمر الله تعالى(وشاورهم في الأمر) فانسوا التدخل حتى في الشؤن العامة التي يأمر بها النبي ويعقدها.
ومن جهة ثانية نرى امتناع دخول التأويلات التي تسمعها من الباحثين على بعض هذه الأحاديث، منها(حديث الغدير) وهو آخر النصوص وآية(إنما وليكم الله...) وحديث (ولي كل مؤمن بعدي). فقد اولوا المولى والولي في كل ذلك بالناصر أو المحب.
وهذا بعيد كل البعد في حديث الغدير، لأن أهل اللغة ان فسرت المولى والولي بالناصر والمحب فقد فسروها بمالك التصرف. وهل تفهم معاني الألفاظ المشتركة إلابقرائنها؟ والقرينة الحالية واللفظية صريحة في هذا المعنى الأخير:
[69]
فان النبي قام خطيبا على مائة الف او يزيدون بحّر الهجير، وهل يصح عند العقل ان يقف هذا الموقف الخطير وهو يريد أن يفهم الناس أن عليا ناصر للمؤمنين أو محب لهم؟ وأية حكمه في بيان هذا الامر الواضح فتسترعي هذا الاهتمام من النبي الحكيم.
وايضا وبعد ان ينعي نفسه ويذكر الثقلين يأخذ بيد علي ويرفعه اليه حتى يبين بياض ابطيهما. ويستنشدهم: (ألست اولى منكم بأنفسكم). فما هذه التوطئة؟ أكانت كلاما مطروحا لا فائدة فيه ام انها لتوضيح ما سيفرغ عليها فقال:( فمن كنت مولاه فعلي مولاه)؟
لاشك انها قرينة لفظية صريحة في بيان ان عليا مثله اولى من المؤمنين بأنفسهم. والمولى كما قلنا هو(مالك التصرف) أو(الاولى بالشيء منه)، كما تقول: السيد مولى العبد، أي مالك لتصرفه، او انه اولى بالتصرف في شئونه منه.
ولا حاجة الى دعوى ان المولى بمعنى كلمة( الأولى) فقط، حتى يعترض عليها المعترض فيقول: لا يصح أن يقال (مولى منه) كما تقول (اولى منه). بل ان معنى كلمة (المولى) معنى مجموع هذه العبارة ( الاولى بالشيء منه) الذي يساوق معنى مالك التصرف .
ومنها وهو اول النصوص الحديث:( ان هذا أخي
[70]
ووصي وخليفتي فيكم أو من بعدي فاسمعوا له واطيعوا). وهو حديث ثابت لاشك فيه، فهل تجد عبارة هي أصرح من هذه العبارة للنص على الخليفة والامام؟
ولو قرأنا نص ابي بكر على خليفته لم نر إلا عبارة (إني أمرت عليكم عمر بن الخطاب). وهذه لاتشبه تلك في صراحتها ولا تقاس عليها في قياس، فأين صراحة الامارة من صراحة الخلافة؟ والامارة تكون في الجيش وتكون في كل شىء، والخلافة لفظ كان يجري على لسان النبي والمسلمين ولا يراد منه إلا هذا المعنى فعندما تسمع قوله صلى الله عليه واله وسلم: ( هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش) لانشك في المراد بكلمة (خليفة) كما لا نشك في كلمة قريش. فلماذا لا نفهم من كلمة (خليفتي) هذا المعنى؟ وهل استعملها في يوم من الايام في معنى آخر؟
والفرق بين نص النبي ونص ابي بكر ان ابا بكر لم يحدث بعده ما ياخذ بالاعناق الى التأويل والتشكيك، لأنه قد عمل به وانتهى كل شىء. اما نص النبي فقد بقى قولا في صدور الرجال وصحائف الكتب ولم يعمل به، فسلبت صراحته وأدخل عليه التأويل احتياطا في حمل الصحابة على أحسن الأعمال. ولئن درىء الطعن عنهم فلا يجلون عن الخطأ، وما هو بعزيز على مثلهم.
[71]
على انا لا نريد ان ندخل في البحث عما يجب أن يقال في عذر الأصحاب، وانما الغرض أن نفهم مدى دلالة هذا الحديث في نفسه قاطعين النظر عن كل ما صدر عن الاصحاب، فلا نجد كلمة هي أوضح وأصرح من كلمة (وصيي) وكلمة (خليفتي)، ثم تعقيبهما بالأمر بالسمع والطاعة.
وينسق عليه حديث رقم(11): (لكل نبي وصي ووارث وان وصيي ووارثي علي بن أبي طالب). ويعلم من هذا بصراحة انها وصاية نبوة لا وصاية اعتيادية، ووراثة نبوة على نسق الوصاية لا وراثة مال أو عقار، فان عليا ابن عمه وابن العم لا يرث مع البنت، ولا معنى لوراثة النبي لأنه نبي غير ان يكون بمنزلته في الولاية العامة ووجوب السمع والطاعة، أما العلم فكل المسلمين ورثوه منه فلا اختصاص لعلي إلا أن يراد من العلم معنى آخر لا يشترك فيه الناس، وهو الذي يكون من مختصات النبوة، فيكون على المقصود أدل وأدل.
أما باقي الأحاديث فلو لم يكن كل واحد منها نصا على امامته، فعلى الاقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا على امامته، فعلى الأقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا لا يقبل الاحتمال والتأويل، لاسيما بعد أن بينا فساد القول بتشريع ايكال الأمر الى اختيار الأمة
[72]
وقلنا انه لا بد ان يكون واحد من الأصحاب قد نص على خلافته النبي(ص).
لاتزال هناك شبهة مستعصية على الباحثين، ولا يزال يكررها الكتاب حتى يومنا هذا. وهي: ان هذه الأحاديث لو كانت للنص على خلافته، كما تقوله الشيعة، فلماذا لم يتمسك بها هو، ويحتج بها على القوم لو كانوا قد اخذوا حقه؟ ولماذا لم يحتج بها اصحابه أو باقي المسلمين في اجتماع السقيفة؟
والحق انها شبهة قوية هي أقوى متمسك لأنكار النص، بل ليس شىء غيرها يستحق ان يذكر في معارضة تلك النصوص، فيلجىء الى تأويلها وتفسيرها على غير وجهها.والباحثون اجابوا عنها بعدة امور يطول علينا استقصاؤها، ولكن الذي يرضي نفسي وادين به ربي ان اقرر ما يلي:
ان مولانا امير المؤمنين لما انتهى الأمر بالناس الى مبايعة ابي بكر خليفة، فهو قد أمسى بين أمرين لا ثالث لهما: اما ان يستسلم للأمر الواقع، فيترك كل مطالبة علنية صريحة ابقاء لكلمة الاسلام. واما ان يجاهد حتى يثبت حقه، وهو نفسه قال:( وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء). ولما اختار الأمر الاول وهو أعرف بما اختار إذ يقول:( فرأيت ان الصبر على هاتا احجى) فلم يبق وجه لمطلبته العلنية بالخلافة، وقد طوى عنها كشحا
[73]
وأسدل دونها ثوبا. ولو انه كان يعلن بالمطلبة فلا بد ان يتبعها بالسعي الى تنفيذها مهما أوتي من حول وقوة، وفي ذلك تطويح بكلمة الاسلام وبنائه السامق وسيأتي تمام البحث في الفصل الرابع. اما اصحابه فله تبع، وفي السقيفة قال الانصار كلهم أو بعضهم:(لا نبايع إلا عليا) ولكنها كلمة ذهبت في فضاء التأريخ منسية وقد عالجناها في غير موضع من هذا الكتاب كما يأتي.
[76]
ـ1ـ
مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي انتقل به الى الرفيق الأعلى، فوجس منه خيفة الفراق، وهو يعلم ان امته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم، والعرب مغلوبة على أمرها تحرق الارم عليه وعلى قومه واهل بيته، وتنتهز الفرصة للوثوب لأخذ ثأرها وهو على حذر منهم، والمنافقون بالمرصاد بين ظهراني المسلمين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعدون من اصحابه وهو على المسلمين منهم احذر، وليس عهد دحرجة الدباب في العقبة ببعيد. واكثر من ذلك هذه الأخبار ترد بخروج الأسود العنسي ومسيلمة يدعيان النبوة فتتكاثر أتباعهما.
ما أشد حال النبي وحزنه، وهو يستدبر امة هذه حالها وهي تستقبل الفتن كقطيع الليل المظلم كما في الحديث. وقد رأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر في حديث آخر(1).
ولكنه في هذا الموقف الدقيق مع ذلك يرمي بجيشه
______________________________
(1) صحيح مسلم 168:8 باب نزول الفتن.
[77 ]
اللجب الى مكان سحيق، إذ يعقد اللواء بيده للشاب اسامة بن زيد أميرا على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته، بعد ان كان امرهم بالبعث قبل ابتداء مرضه. ثم يضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والانصار وجلتهم ووجوههم منهم ابو بكر(1) وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص واسيد بن حضير وبشر بن سعد وغيرهم، ليحارب بهم اهل أبي بناحية البلقاء من ارض الشام اولئك قتلة ابي اسامة زيد من الروم.
ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم ويغضب ذلك الغضب لتباطؤ القوم ولغطهم حول تأمير فتى يافع على
______________________________
(1) صرح بدخول ابي بكر في البعث اكثر المؤرخين، منهم ابن سعد في طبقاته (46:4)و(136:4) وابن عساكر في التهذيب (391:2)و(215:3) وصاحب كنز العمال (312:5). وصاحب تاريخ الخميس (172:2) واليعقوبي في تاريخه (93:2) وابن ابي الحديد (21:2) ومحمد حسين هيكل من المتأخرين في حياة محمد (467) وغيرهم مما لا يحصى . ولم نجد تصريحا ولا تلويحا لأحد من المؤرخين بخروجه من جيش اسامة . وانما يكتفي بعضهم بقول (وجوه المهاجرين) وما يؤذي هذا المعنى بدون تصريح باسم أحد، ولكن بعض المؤلفين الجدليين حاول انكار دخوله من غير حجة ظاهرة.
[78]
شيوخ المسلمين، فيقول:( ان تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة ابيه من قبل وإيم الله ان كان لخليقاً للامارة وان ابنه من بعده لخليق للامارة).
ـ2ـ
لشد ما يعتلج العجب في نفوس المتفكرين من هذا الحادث، فيعجب الانسان.
(اولا) ان تسند قيادة اعظم جيش اسلامي يومئذ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه، في مرض النبي، الى شاب يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه(على جميع التقادير)، وهو لم يجرب الحروب بعد وبالأصح لم تسند اليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر. والجيش معبأ لجهاد اقوى اعداء الاسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الاسلامية.
(ثانيا)ـ أن يؤمر هذا الفتى، مع ذلك، على شيوخ المسلمين الذين فيهم قواد الحروب ورؤساء القبائل واصحاب النبي الذين يرون لأنفسهم مقاما اسمى ومنزلة رفيعة. ويرشحون انفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب قائدهم الصغير هذا.
(ثالثا)ـ ان يتباطأ المسلمون عن الالتحاق بهذا البعث بالرغم على اصرار النبي وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه
[79]
اياهم. ويكفي ان نعرف ان البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها وقد استدامت علته اربعة عشر يوما (على اوسط التقادير). وفي كل هذه المدة الطويلة يثاقل القوم عن الخروج. وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف، وهو عن المدينة بفرسخ واحد (بعد ان عقد النبي له الراية بيده الشريفة) ينتظر جيشه المتمرد ان يجتمع اليه، فتخلق الاشاعات عن حال النبي فيرجع اسامة الى المدينة برايته فيركزها على باب النبي، ولكن الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويحث القوم على الالتحاق به. ولكنه في اليوم الاخير يرجع مرتين في المرة الاولى يأمره النبي بالسير قائلا:( اغد على بركة الله تعالى) فيودعه ويخرج، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمر وأبو عبيدة فيجد النبي يجود بنفسه، ثم يلتحق بالرفيق الاعلى.
فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه ولعنهم جهارا، أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاك فتمردوا عليه، أم ماذا؟
(رابعا)ـ ان ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم تأميره لهذا الفتى، ثم لا يرتدعون ان نهاهم عن ذلك. وليس لهم على كل حال حق هذا الانكار اذا كانوا حقا قد تغذوا بتعالَيم
[80]
الأسلام وعرفوا ان النبي لاينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة.
(خامسا)ـ ان النبي قد علم بقرب أجله ويعلم ان الفتن قد أقبلت كقطع الليل المظلم، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز الدعوة، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والانصار وزعمائهم واهل الحل والعقد منهم.
فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم، اكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس.
ـ3ـ
فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن اليه النفس الحرة، بعد عرفاننا للنبي وعظمته وانه لا يفعل ولا يقول إلا عن وحي وسر إلهي.
لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول انه(ص) اراد:
(اولا)ـ ان يهيىء المسلمين لقبول (قاعدة الكفاية) في ولاية امورهم، من ناحية، عملية، فليست الشهرة ولا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الامارة والولاية، فاذا قال عن اسامة مؤ كدا جدارته بالقسم ولام التأكيد:( وايم الله ان كان لخليقا للامارة يعني زيداـ وان ابنه لخليق للامارة).
[81]
وإذا علمنا ان علي بن ابي طالب هو المهيأ لولاية امور المسلمين بعد النبي على الأقل ان فرض انه لم يكن هو المنصوص عليه، أفلا يثبت لنا ان قضية اسامة كانت لقبول الناس امارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس الى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين؟ وهذا ما يفسر به المشكل الأول والثاني في هذا البعث.
و(ثانيا)ـ ان يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية ان يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة. وقد ثبت عنه انه كان يتوجس خيفة على اهل بيته ولا سيما على علي، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده. ولذا نراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول الى الرئاسة، ولم يدخل فيه عليا ولا احدا ممن يميل اليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر، فلم يذكر واحد منهم في البعث، وهم ليسوا اولئك النكرات الذين لا يذكرون.
وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الاشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول، مع اصراره (ص) ذلك الاصرار العظيم . ولم يمكنهم ان يصرحوا بما في نفوسهم، فاعتذروا بصغر قائدهم، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح.
فكان الغرض اخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر
[82]
له، بعد ان اتضح للنبي ان التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم، كما امتنعوا عن السير تحت لواء اسامة وهو لايزال في قيد الحياة، فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شىء لخليفته المنصوب من قبله، فليس يسعهم إلا ان ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم.
و(ثالثا)ـ ان يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة، ليقيم الحجة لهم وللناس بأن من يكون مامورا طائعا لشاب يافع ولا يصلح لامارة غزوة موقته كيف يصلح لذلك الأمر العظيم وهو ولاية امور جميع المسلمين العامة، وهي في مقام النبوة وصاحبها اولى بالمؤمنين من انفسهم.
وزبدة المخض ان بعث اسامة لايصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لاتمام أمر علي بن أبي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي(ص) وعلمه بأن هناك من لايروق له ولاية ابن عمه، وبمقتضى الدلائل الموجودة في الواقعة نفسها: من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل اليه وامتناع جماعة عن الالتحاق بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم، وهو في مرض الفراق والظرف دقيق على المسلمين.
فهذا البعث في الوقت الذي كان تدبيرا لاخلاء المدينة
[83]
لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنة ودليلا على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم. فاذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم للبعث فان الحجة ثابتة مع الدهر.
ولايصح للباحث ان يدعي إنَ السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم الرضى بامارة قائدهم الصغير، وان تذرعوا به من عذرا لاخفاء تلك الشنشنة التي عرفها النبي من اخزم، لأنا نرى ان لو كان هذا هو السبب الحقيقي، لما تنفذ البعث بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي، والمسلمون الى النبي اطوع منهم الى ابي بكر لو كان يمنعهم صغر القائد. ولم يتأب عمر نفسه بعد ذلك ان يخاطب اسامة بالامير طيلة حياته اعترافا بامارته.
اما الشفقة على النبي ان لم تكن عذرا آخر تذرعوا به فلا يصح ان تكون سببا حقيقيا، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق بالتحاقهم بالبعث، وقد غضب أشد الغضب من تأخرهم على ما فيه من حال ومرض. ولئن ذهبوا يسألون عنه الركبان كان أكثر براً بنبيهم من أن يعصوا امره ويغضبوه ذلك الغضب المؤلم له.
ولو ان القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيرا كثيرا ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال( ولو ان أهل القرى لآمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)
[84]
ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية انهكت قوى الاسلام واضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الاسلامية سريعا وانتهكت حرمات الأحكام الدينية، فعاد الاسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما بدىء.
أي أمر عظيم وتدبير حازم صنعه النبي لسد باب كل خلاف يحدث؟( وكل أفعاله عظيمة) لو تم ما اراد. ولكن لا امر لمن لايطاع.