[1]

السقيفة

تأليف: العلامة المجدد الشيخ محمد رضا المظفر

[3]

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم : الدكتور محمود المظفر

الاستاذ في كلية الفقة بالنجف الاشرف

[5]

يعد موضوع (السقيفة) الذي يدور البحث حوله في هذا الكتاب: من اهم الموضوعات وابعدها اثرا في تاريخنا الاسلامي حيث تشابكت حوله آراء المؤرخين والباحثين العقائديين، وامتد فيها الجدل واسعا بينهم.. باعتباره (فتنة) وقى الله المسلمين شرها _ على حد قول بعض اطرافها او باعتباره (انقلابا) تطبيقا لما جاء في قوله تعالى: (أفان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم).

ولذلك كان لهذا الموضوع الخطير الذي عالجه عمنا الراحل (الرضا) قدس الله نفسه الزكية في كتابه الفريد المذكور آثاره وصداه البعيد في حينه بحيث صار محورا للنقد والتعليق ومثارا للمناظرات:

[6]

فقد صدر على اثره عن مطابع مصر كتاب (رد على السقيفة) منسوبا الى عبد الله الحضرمي.. تناول فيه بالرد على كتاب (السقيفة) بشكل جانب فيه الموضوعية واصول البحث والمناظرة.

ثم صدر ردا عليه الكتاب الموسوم بـ (رد على السقيفة ) لمؤلفه السيد القزويني احد اعلام البصرة الذي تولى فيه باسهاب مناقشة الرد المذكور ومعالجة موضوعاته المختلفة.

كما ظهر بعدئذ (كراس) بعنوان (على هامش السقيفة) وهو الذي احتوى ما قدمه السيد عبد الله الملاح البحاثة الموصلي الى الشيخ المؤلف من اسئلة وملاحظات، وما توفر عليه المؤلف من اجابات وايضاحات لها.

لقد كان من رغبتنا ان نقوم بجمع الاصل والردود المذكوره مع ما كتب من ايضاحات او تعليقات رددتها بعض الكراريس والمجلات في مجلد ضخم واحد، يعرض المشكلة محررة باقلام اطرافها.. بيد ان محاولة تستر مؤلف كتاب (رد على السقيفة) وراء اسم عبد الله الحضرمي المذكور الذي لاواقع له فيما ظهر لنا، الامر الذي يتطلب استجازة صاحبه الحقيقي في اعادة نشره، مضافا الى ان المؤلف نور الله ضريحه لم يشأ في حينه ان يعلق على واحد من تلك الردود او التعليقات خلا تلك الاسئلة والاستفسارات التي وجهها اليه الاستاذ الملاح والتي اثرنا الحاقها مع اجوبتها في آخر الكتاب.

[7]

ان هذا ونحوه دعانا بالفعل الى العدول عن تحقيق فكرة المجمع هذه، مفضلين اعادة نشر الكتاب ملحوقا به الهامش المذكور وحده لما احتواه هذا الهامش من اسئلة واجوبة قد تساعد كثيرا على توضيح وتعميق بعض مسائل الكتاب.

على اني لا اجد في هذا الحين اكثر ثمرة وعطاءا من التوسع في نشر هذا الكتاب نفسه وتعميمه بين الفئات المتطلعة الى هذا النوع من الدراسات التحليلية والموضوعية لذلك بودر باعطاء الاجازة لنشره هذه المرات العديدة التي جاوزت السبع بما فيها هذه الطبعة.. سواء ما نشر منه في لغته الاصلية او فيما ترجم الى اللغات الاخرى من فارسية واوردية.

هدانا الله تعالى جميعا سواء السبيل وشد من أزرنا كامة اسلامية واحدة تسعى وراء الحقيقة.

النجف الاشرف

17 ربيع الاول 1400 هـ .

محمود الشيخ محمد حسن المظفر

[9]

مقدمة

كان المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر قد اشرف على نشر الكتاب في طبعته الثانية، وقد ســجل هذه

الكلمة القيمة التي نعيد نشرها في هذه الطبعة معتزين بها.

ـ1ـ

موضوع هذا البحث قديم جدا وقد سبق ان عالجته عشرات الاقلام في مختلف العصور وكان مسرحاً لكثير من عواطف الكتاب تلاعبت فيه بأساليبها الخطابية التي لايراد بها غير تركيز عقيدة اصحابها من طريق اللف والدوران ولم يسلم من آفاتها الا القليل.

وعلى كثرة من كتب فيه في عصرنا الحاضر لم اجد في الغالب من اخضعه للتطور فغير في مناهج البحث، وجدد في طريقة الاستنتاج وبدل في اساليب العرض الى ما يلائم

[10]

اذواق العصر فكانت حاجته كبيرة الى من يعالجه معالجة موضوعية مجردة من ناحية، ويأخذ بيده الى حيث يرجى له من التطور الذي تقتضيه مناهجنا العلمية الحديثة من ناحية اخرى.

واشتدت الحاجة قبل عدة من سنين حين كثر البحث في هذا الموضوع كثرة تلفت اليها الانظار وحين ازدحمت عليه العواطف فأساءت استغلاله وتركته عرضة لاحداث ومشاكل اجتماعية يذكر الكثير من القراء مدى مفعولها في هذه الاوساط وكان لابد لهذا الطغيان العاطفي من احداث رد فعل في نفوس بعض الباحثين المجردين ممن تهمهم رسالتهم العلمية قبل كل شيء.

وكان سماحة شيخنا العلامة المظفرـ مؤلف هذا الكتاب في طليعة اولئك الباحثين كما كان كتابه هذا نتيجة لرد الفعل الذي احدثه ذلك الطغيان.

اما الكتاب فقد وفق في عدة نواحي وُفق في نظرته لبحثه نضرة موضوعية خالصة لا يلمس فيها للمؤلف أية عاطفة ولا يدرك فيها أي تحيز واذا قدر له ان ينتهي في بحثه الى حيث تنتهي عقيدته المذهبية فليس ذلك الا لان منهجه العميق انتهى به الى هذه النهاية، ووفق في منهجه العلمي الدقيق القائم على التماس ملابسات شتى القت كثيرا من الاضواء على هذه الحادثة التاريخية بالاضافة الى ما عرض من النصوص الواردة فيها خاصة ناقدا لها جميعا نقدا دلاليا دقيقا مجليا مفاهيمها

[11]

على حسب ما يقتضيه الفن معتمدا في ذلك اصح الطرق الموصلة اليها مختارا من الاحاديث ما اتفق عليه الثقات من ائمة الحديث لدى الطائفتين المسلمتين، ووفق اخيرا في اسلوبه في العرض وتنظيمه لبحثه تنظيما فنيا ينتهي بك الى نتائجه من اقرب الطرق وايسرها ببيان رائع جذاب.

والحق ان الكتاب يعتبر مرحلة تطورية مهمة اوصل بها المؤلف هذا البحث الى عصره الذي يعيش فيه وهو من الكتب القلائل في هذا الموضوع التي ادت وظيفتها كاملة.

ولعل القاريء الكريم يود ان يعرف مدى اثر هذا الكتاب في نفوس الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون وكيف استقبلوا بحوثه الحرة والى أي مدى كان اقبالهم عليه او اعراضهم عنه، والحقيقة ان الناس لم يتفقوا عليه بحال فقد انقسموا حوله طائفتين رضيت عنه اولاهما وحمدت لمؤلفه اسلوبه المجرد واطرته اطراء عاطرا وخير من يمثلها من الاعلام سيد هذا الفن في عصرنا الحاضر سماحة اية الله العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين مؤلف كتاب المراجعات وغيره مما يعتبر فتحا في البحوث الكلامية التي خضعت للمنهج العلمي في عصرنا الحاضر فقد كتب حفظه الله الى مؤلفه كتابا يعرب فيه عن رأيه فيه وفي مؤسسته التي يرأسها، نذكره هنا بنصه اعتزازا بثقته بالكتاب واكبارا لرأيه

[12]

بالمؤسسة التي احتضنها المؤلف واعتبر بحق، رائدها الاول وحافظ سيرها وتوازنها منذ تأسيسها حتى اليوم وهذا نص الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على امير المؤمنين وسيد الوصيين ورحمة الله وبركاته

ايد الله شيخنا العلامة البحاثة المجاهد الشيخ محمد رضا المظفر واعز اقطاب مجمعه الثقافي الديني لمنتدى النشر وسلام الله عليه وعليهم وحي الله منهم ارواحا طيبة طاهرة تصدع بالحق في منتداه الكريم.

وبعد فقد اخذت هديتكم القيمة كتاب (السقيفة) بعين الشكر ثم استشففت فيه اثر الجهد النبيل الجدير بالمؤسسة العلمية الطالعة بما انتظمه من سلامة البحث وسمو التفكير وحسن الأداء على وجه سد فراغا في المطبعة النجفية.

وكنا فيمن عقد الامل (بالمنتدى) يوم تأسيسه وناط به الرجاء ان يكون له الاثر المحمود في توجيه الناشئة الدينية وبناء الجيل الطالع وتجديد ميراث النجف في بعث يلائم التطور الحاضر ويماشيه في مداه الطويل ووسائله المنوعة وذلك اني رايت من قديم ان الهدى لا ينتشر الا من حيث ينتشر الضلال وعلى هذا رجوت ان تكون المطبعة وتنويع المنهج

[13]

الدراسي واحياء العلوم الاسلامية المذخورة كل هذا من رسالة منتداكم المرجو ولم تخلفوا الظن ولله الحمد فان الذي يبلغنا من اخباركم السارة واثاركم النافعة يثلج الصدر وينعش الامل وليس شيء كأثركم الاخير هذا السفر الجليل داعيا الى الاطمئنان والاستبشار بمستقبل نير يضع النجف الاشرف في مكانه الاسمى ومحله الارفع والسلام عليك ورحمة الله

عبد الحسين شرف الدين

ولهذا الكتاب الكريم نظائر من الكتب من اعلام الباحثين الذين يألفون هذا النمط من التفكير تركنا ذكرها الان اكتفاء بهذه الرسالة الجليلة. أما الطائفة الاخرى التي لم يبد انها ارتاحت لهذا الاسلوب من البحث واعتادت على مواجهة مثله بأعصاب متوترة توجهها العاطفة حسبما تريد فخير من يمثلها مؤلف كتاب (رد على السقيفة) وهذا الرد اذا استثنينا منه ما حشد فيه مؤلفه من الفاظ السباب الخارجة على اداب البحث والتي يفزع اليها العاطفيون عادة اذا اعوزتهم الحجة لم يخلص لنا منه الا القليل.

وهذا القليل وضع في حضرته للنقد والجدل مقياسا لا نتفق عليه معه بوجه وما ادري الى أي حد يتفق معه الاخرون من باحثي قومه عليه فهو يرى كما يبدو من مجمع الكتاب ان المقياس لديه في كل شيء يتعلق بالموضوع هو

[14]

ميوله الخاصة، فالاحاديث التي لا تتفق معها احاديث موضوعة وان اجمع ثقات المحدثين من الطرفين على تصحيح اسانيدها مع ان بعضها متواتر لا يشك بصدوره عن النبي (ص) بحال، والاحاديث التي توافق هواه صحيحة وان حكم ارباب الجرح والتعديل من قومه بوضعها وشخصوا الواضع وعينوه، ومداليل الاحاديث يجب ان تصرف عن ظواهرها اذا لم تؤيده وان خرج الكلام على الاصول الموضوعة في هذا الفن الى اخر ما هنالك مما لا يقتضي التعرض له في صدور هذا الكتاب على ان هذا ليس غريبا على حضرته ما دام يواجه التأريخ بهذه الذهنية، ولكن الغريب من مجلة مصرية تنطق بلسان هيئة محترمة قرأ محرروها الرد ولم يقرؤا الاصل فاستعاروا منه اسلوبه في الشتم ونحوا على الكتاب وصاحبه باللوم والتقريع مع ان (التبين) كان اليق بهم وبمكانتهم العلمية لئلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.

وعلى أي حال فأن لجنة المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر لم تجد ما يصلح للرد على هذا وامثاله اكثر من السماح للناشر الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي باعادة طبعته للمرة الثانية وتمكين القاريء الذي لم يقدر له الحصول على نسخة منه من الاطلاع عليه تاركة للقراء وحدهم حق الحكم له او عليه، ولا يفوتنا ان نشكر الناشر على ما بذل في

[15]

نشره من جهد ونسأله تعالى اخيرا ان يلهمنا جميعا الصواب والسداد.

5 رمضان سنة 1372 هـ

[16]

1ـ تأثير العقيدة على المؤرخ

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد على سوابغ آلائه. والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه النجباء.

من اشق الفروض على المؤرخ ان نفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية ونحوها. بل لعله من شبه المستحيل ان ينزع من قلمه لحاء عقائده وأهوائه. فان النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها وعواطفها، وكثيرا ما تقف سدا منيعا بين بصيص عقله والحقيقة، وإن حاول ان يخرج من نفسيته التي ورثها ونشأ عليها. ويتحلل فكره من أسرها وسجنها ليحلق في جو الحق الطليق. واذا رأيت طائرا أسعده الحظ فتحرر من سجنه فالحقه اذا كنت حرا مثله، فستجد ان جناحه مثقل بغبار

[17]

السجن، وارجله لا تزال متأثرة بالقيود، فيختلج في رفيفه ويتثاقل في طيرانه، وقد يهوي أحيانا الى الهوة غير مختار.

هذا من حاول ان يتحرر من شخصيته الاعتقادية وتأثيرها عليه. اما من يؤرخ لأجل غذاء عقيدته، أو يؤلف ارضاء نفسه أو محيطه، فاقرأه ألف سلام! وأرجو من الله تعالى ان يؤفقني لئلا أكونه.

وأظنني غير مبالغ اذا قلت: إن المؤرخين من السلف على الأكثر وأقول (على الاكثر) اذا أردت الاحتياط في القول كانوا من النوع الثاني. بل حتى المؤرخين النوع الثاني. بل حتى المؤرخين في عصرنا لا يخرجون عن هذه الطريقة على الغالب. وإن تظاهروا بحرية الرأي وانصاف الواقع والحق، فظهر جليا بالرغم على المؤرخ نزعته على قلمه ويتماشى تأريخه وتأليفه مع الروح التي يحملها، فيختار من الاحاديث مالا يفسد عليه رأيه، ولا يصدق إلا بما يجري على هواه. فكم يكون الرجل عنده كذابا وضاعا، لأنه نقل مالا يتفق ومبادءه، وكم يكون عنده صدوقا لأنه لم يرو إلا أحاديث تؤيد طريقته.

2ـ اضطراب التاريخ

وهناك بلاء مني به التاريخ الاسلامي خاصة حماه

[18]

بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين. ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون والدساسون في القرون الاولى من الهجرة، لا سيما القرن الاول فاشاحوا بوجه الحقائق وقلبوها رأسا لعقب.

وليس أدل على ذلك من التناقض والاضطراب الموجود في اكثر احاديث الوقائع التاريخية، فضلا عن الاحكام الشرعية، ما عدا الاختلاف في خصوصيات الحوادث والاحكام مما يذهب بالاطمئنان الى كل حديث. ولا اظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة. ولا يمكن ان يحمل كل ذلك على الغلط في النقل والغفلة في الرواية.

ولنعتبر بأهم حادثة يجب اتقانها عادة، مثل يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فانك تعلم كيف وقع الاختلاف في تعيين اليوم من الشهر بل في تعيين الشهر. وهذا أمر شهده جميع المسلمين وهزهم هزا عنيفا فلا يمكن ان يفرض فيه النسيان او الغفلة. فماذا ننتظر بعد هذا من تاريخ حروبه واحواله، ومن نقل اقواله واحاديثه لا سيما فيما يتعلق بالشئون التي اختلف فيها المسلمون فتحاربوا عليها، او تشاتموا لاجلها فكفر بعضهم بعضا.

ولعل اسباب الوضع ثلاثة اشياء:

1 حب تأييد النزاعات والعقائد، فيغري على الكذب ولعل ذلك يخدعه بأن الرأي الذي يعتقده حقا يسوغ له الوضع، ما دام الموضوع في اعتقاده هو او شبيه به.

[19]

2 حب الظهور والتفوق فقد كان للمحدث في العصور الاولى المنزلة العظيمة بين العامة، وبالحديث كان التفاخر والتقدم، ويمتاز من كان عنده من الحديث ما ليس عند الناس، فأغرى ذلك ضعفاء العقول وعبدة الجاه، فاحتالوا للحديث من كل سبيل، حتى من طريق الوضع والتزوير.

3 ما بذله الامويون واشياعهم من كل غال ورخيص للمحدثين على وضع ما يؤيد دستهم وملكهم واهواءهم، ولا سيما فيما يحط من كرامة آل البيت، وفيما يرفع من شأن اعدائهم وخصومهم، فكثرت القالة يومئذ واتسع الخرق، حتى طعن الاسلام طعنة نجلاء لم يبرأ منها الى يوم الناس هذا.

3ـ خطة الكتاب

فلذا وذاك أصبحت، وانا كثير الشك والتحفظ في جملة مما ينقله المؤرخون والمحدثون، وأقف حائرا عند كل حديث يتعلق بالخلافات المذهبية خاصة.

فكيف بي، وانا اقحمت نفسي في البحث عن اول حادث في الاسلام نشب فيه الخلاف بعد الرسول وانشق فيه المسلمون طائفتين ذلك حادث(السقيفة)!.

[20]

كيف بي، وقد وقفت بين نفس تطالبني بأن ارضيها في عقيدتها، وبين تأريخ هذا حاله قد احيط بالشكوك والشبهات وقد كتب في الحادثة الطرفان، فشرقت طائفة وغربت اخرى.

ولكني اريد الآن ان أتحرر من عقيدتي واتمرد على نفسي فأقف حرا على نشز من الانصاف والتروي، وأمسح عن عيني غبار التعصب لارى تلك الحقيقة الواحدة وهي واحدة في كل شيء فهل اراني استطيع علاج ما بي؟ هذا ما أشكه في نفسي وواجب علي الا اثق بها، فما السبيل إذن؟ ثم ماذا سأصنع في علاج الناحية الاخرى: ناحية التاريخ المظلم؟

انها لمزلة للقدم، ولها ما بعدها؟.

دعني أرجع ادراجي؟.

لكنه الهوى في النفس وعزيمة صحت من عهد المعمي من عهد ليس بالقريب لا كشف لنفسي، او لغيري اذا جاء لي ذلك اللغز المعمى، ومن يستطيع ان يدافع ذلك من نفسه.

على اني اجد في بحثي سلوة ومتعة يلذ لي فيه ان المس بعض الحقائق عن بصيرة ومتعة اخرى ان اسجله انتاجا باقيا للناس.

وايضا لما كنت احاول ان صدقتني المحاولة ان احيط باسرار الحادثة وفلسفتها ونتائجها، فلا يكون ما اكتبه تأريخا مجردا جافا واحدوثة خالية من ذوق، فان ذلك يستحثني على

[21]

المضي في البحث ويشجعني على اخراجه للناس. وان كان فيه صعوبة اخرى قد تقحمتها وجب الي عبؤها الثقيل.

وبعد التفكير والمحاولات مدة طويلة هديت الى شيء واحد بالاخير ارجو ان ابتعد بسببه عن تأثير العواطف ولعبها بالعقول واقترب من الحق والصدق، هو ان اكثر من مراجعاتي لمؤلفات من اخالفه في الرأي من ناحية مذهبية، بل اجعلها هي المصدر في البحث وظني ان بهذا سيحصل التفاعل من الجانبين: عقيدتي وهذه المصادر، لينتج ما قد يسمونه (الوسط في الرأي) او تكون الحقيقة قد اهتديت اليها بهذه الحيلة، إن طاوعتني .

وقد اخذت على نفسي في هذا الكتاب ان اسجل خلاصة مطالعاتي ومحاكماتي التاريخية، بعد ان سبرت كثيرا من المصادر القديمة التي اشرت اليها آنفا، فاذا كنت اذكر حديثا او حادثا تأريخيا توافرت المصادر على ذكره وتوثيقه، فاني لا اذكر معه تلك المصادر توفيرا على القاريء خشية إعناته بدون جدوى، الا بعض الاحاديث التي ينفرد بها مصدر او مصدران، فاني اضطر اضطرارا الى ذكر المصدر في التعليقة تنويرا لذهن القارئ غير المتتبع.

وكل جهدي ان اضع بين يدي القراء صورة مصغرة مما اهتديت اليه من افكار، ارجو ان تكون خالصة من تأثير

[22]

العواطف والنزعات حرة هي الحق كله او قريبة من الحق، وبالله التوفيق ومنه التسديد.

شهر رمضان 1353 هجرية

المؤلف

محمد رضا المظفر

[23]

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

في عام 11 للهجرة يفعل الدهر فعلته الأولى، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الالهي. كلها ايمان وصدق، جهاد وتضحية، فخر وقوة، عز ومجد، عدل ورحمة، اخوة وانسانية.

يقلب الدهر هذه الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل، بأفول ذلك النور المقدس من الأرض، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها الكتاب التشريعي: (افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم...). لا شك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى، في ان هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الأنسانية، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف: ذاك اقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى، وهذا انقلاب عنه على الأعقاب. إذن نحن الآن أمام أمر واقع:

مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم!

[24]

ولا بد أن يكون المسلمون (ـ كلهم؟ لا أدري الآن) قد انقلبوا على اعقابهم.

ولكن... بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب؟.

***

اعطني من نفسك أيها القارئ وفكر بحرية، والتمس لي حادثا ذا بال وقع بعد وفاة صاحب الرسالة مباشرة، فنضح برذاذه جميع المسلمين، فهل تجد غير حادث (السقيفة)؟ ما أعظمه من حادث! وهل تدري ان الشيعة تفسر الآية الكريمة به؟.

فاذا اردنا الآن أن نبحث عن (السقيفة)، فإنما نبحث عن اعظم حدث في الاسلام، واول حوادثه بعد الوفاة، له علاقته الخاصة بالآية الكريمة، أتفسر به أو لا؟.

وعلى هذا الاساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون فدخلت العقائد والأهواء في سرد الحادثة، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها الباحث، ويجهد مستهدف الحقيقة.

***

وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة ان الآية الكريمة تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة ابي بكر.

[25]

ولكني لا اطمئن الى هذا الاحتمال، ما دامت الآية تشعرنا بأن الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة، وما دامت هي خطاباً لجميع المسلمين، واهل الردة كيفما فرضناهم هم اقل القليل من المسلمين، بل في العدوة القصوى منهم.

وفوق ذلك نجد ان عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن واشياعهم، كمسيلمة واتباعه، وطليحة واوليائه. وهؤلاء كانوا في عهد النبي واستغلظ امرهم بعده، ما عدا سجاح التميمية، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت بمسيلمة. اما الأسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم انصاره طريقته بعده. وعلقمة بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله. ومثله ام رفل سلمى بنت مالك وتابعوها.

أفيصح ان نقول: إن هؤلاء انقلبوا على الاعقاب بعد النبي، وكان الخطاب بالاية لهم؟ اللهم ان هذا يأبى الانصاف ان يصدق به، عند من كان له شيء من حرية الرأي وصحة التفكير.

ومالك بن نويرة(1).

مالك وادع سجاح (والموادعة. المتاركة والمسالمة على ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله). وليست الموادعة من الردة في شيء واكثر من ذلك إنما كانت

______________________________

(1) وبه يضرب المثل المشهور: (فتىً ولا كمالك).

[26]

منه لمصلحة المسلمين، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الأصقاع النائية عن مركز المسلمين. وكان الذي أراد.

وإن كانت تلك الموادعة ذنباً، فقد اظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك، كما صنع وكيع وسماعة، وهما وادعا سجاح ايضا، وقبل المسلمون المحاربون توبتهما.

وهذا ابو بكر يدين مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله، فهل تفسر بهذا آية الانقلاب؟.

ولا ذنب لمالك إذ عد من اهل الردة إلا أن قاتله بطل المسلمين يومئذ وقائدهم. وحقيق عليهم ان يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله. فليكن مالك مرتدا يستحق القتل! وما يهمنا ان نشين مالكا بما يستحق وبما لا يستحق، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد!.

عمر بن الخطاب يريد ان يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وابو بكر يعتذر عنه (انه اجتهد فأخطأ). وما الخطأ على المجتهدين بعزيز. وهذا من اوليات ابي بكر. إذ يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الاسلامي.

وابو بكر لم يقل لمتمم اخي مالك انه ارتد فقتل بل قال له: ما دعوته وما قتلته، لما قال له متمم من ابيات:

ادعوته بالله ثم قتلته***لوهو دعاك بذمة لم يغدر

[27]

نعم! التاريخ ينزه مالكا. وقضى الدفاع عن خالد ان يحكم بعض الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده!.

***

ومن هم أهل الردة غير هؤلاء؟.

مانعوا الزكاة.

مانعوا الزكاة؟. من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم! ليت احدا يرشدني اليهم! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر، ويروح ويغدو فلا يجد غير المتنبئين واشياعهم. وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة: (لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه)، فانما قالها عندما جاء وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة وترك الزكاة، لافي قوم غير المتنبئين.

واذا كانوا وربما كانت بعض القبائل المجهولة امتنعت عن الزكاة فهل العصيان بترك واجب، وهم يقيمون الصلاة يكون كفرا وارتدادا؟ بأي مذهب وبأي دين؟ فليتأول المتأولون ما شاؤوا.

ولم يعرف عنهم انهم أنكروا وجوب الزكاة بقول، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين. وأكثر ما عرف عنهم اذا كان لهم من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين.

[28]

وأكثر ما عرف عنهم اذا كان لهم وجود غير المتنبئين انهم امتنعوا عن أدائها.

وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة ابي بكر التي كانت عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب، فلم يعترفوا له بامامة وولاية حتى يؤدوا له الزكاة. ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته، فأهمل مطالبتهم التأريخ.

هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار وادعتها الشيعة فيهم، فما لنا بتكذيبها من برهان، فالأحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ أسماءهم وقبائلهم.

ومهما كان الامر، فان استطاع الكاتب ان يثبت الانقلاب بأول حدث في الاسلام، فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة، بل يستعين على تفسيرها بتفسير الحادث الأول، وكفى!

وأجدني مضطرا قبل كل شيء الى ان اقف مع القاريء على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله، من حل للخلاف بعده: إما في وصية باستخلاف أحد، او في قاعدة مضبوطة يرجعون اليها، او انه اهمل الأمر وتركهم وشأنهم، لأن هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا، يتوقف عليه تفسير كثير من الحوادث.

[29]

إذن سنعقد الكتاب على اربعة فصول:

الفصل الاول في موقف النبي تجاه الخلافة

الفصل الثاني في تدبيره لمنع الخلاف

الفصل الثالث في بيعة السقيفة

الفصل الرابع موقف علي بن ابي طالب.

[32]

الفصل الاول: مَوقِفْ النَّبي تجَاه الخَلافَة

(1 هل كان يعلم بأمر الخلافة؟)

هل تجد من نفسك الميل الى الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يعلم بما سيجري بعده: من خلافات وحوادث من اجل الخلافة؟ وهل تراه كان غافلا عما يجب في هذا السبيل؟.

إذا كان لك هذا الميل فلا كلام لي معك، وارجو منك ياقارئي العزيز علي أن تلقي الكتاب عندئذ عنك ولا تتعب نفسك بالاستمرار معي الى اخر الحديث، لاني افرض قارئي مسلما يؤمن بالنبي ورسالته، ويعرف من تأريخه ما يكفيه في طرد هذا الوهم.

فان من يمت الى الاسلام بصلة العقيدة لابد ان يثبت عنده على الاقل ان صاحبه صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه امته من بعده فقد قال غير مرة: (ستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار).

واكثر من ذلك انه لم يستثن من اصحابه إلا مثل همل النعم، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على ادبارهم القهقري، او يردون عليه الحوض فيختلجون بما احدثوا

[33]

بعده. وفي بعض الاحاديث: (فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم) (1)

واخبرهم انهم يتبعون سنن من قبلهم شبراً بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعوهم.

و (الخلافة) امر كانت تحدثه به نفسه الشريفة، ويشير اليها انها ستكون ملكا عضوضا بعد الثلاثين سنة. وثبت انه قال: (هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش). وقال: ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وقال... وقال... الى مالا يحصى.

وسيرته والأحاديث عنه وما اكثرها تشهد شهادة قطعية على ما كان من اختلاف امته، وعلى أن الخلافة والامامة من اولى القضايا التي كانت نصب عينيه.

______________________________

(1) صحيح مسلم 8: 107 وغيره

[34]

2 هل وضع حلا للخلاف؟

إذن كان صلى الله عليه وآله وسلم عالما بأن الدهر سيقلب لأمته صفحة مملوءة بالحوادث والفتن، والخلافات والمحن، وان لابد لهم من خلافة وإمارة.

فلا بد ان نفرض انه قد وضع حلا مرضيا لهذا الامر يكون حدا للمنازعات وقاعدة يرجع اليها الناس، لتكون حجة على المنافقين والمعاندين، وسلاحا للمؤمنين، ما دمنا نعتقد انه نبي مرسل جاء بشيرا ونذيرا للعالمين الى يوم يبعثون، فلم يكن دينه خاصا بعصره، ليترك امته من بعده سدى من غير راع او طريقة يتبعونها، مع علمه بافتراق امته في ذلك.

ولا يصح من حاكم عادل ان يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون بيان وحجة تكون سببا لنجاتهم باتباعها، وسببا لهلاك باقي الفرق بتركها.

لنفرض ان الحديث والتأريخ لم يسجلا لنا الحل الذي نطمئن اليه، فهل يصح ان نصدقهما بهذا الاهمال، ونوافقهما على ان النبي ترك امته سدى، وفي فوضوية لاحد لها يختلفون ويتضاربون، ثم يتقاتلون، وتراق آلاف آلاف الدماء المسلمة، ساكتا عن اعظم امر مُني به الاسلام والمسلمون، مع انه كان على علم به؟.

ولو كنا نصدقها مستسلمين لكذبنا عقولنا وتفكيرنا، فان الاسلام جاء رحمة لينقذ العالم الاسلامي من الهمجية والجاهلية الأولى ، فكيف يقر تلك المجازر البشرية في اقصى حدودها، تلك المجازر التي لم يحدث التأريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين.

[35]

فما علينا إلا ان نتهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد او بغير قصد. ولئن لم يكن محمد نبياً مرسلا يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن على الاقل اعظم سياسي في العالم كله لا اعظم منه، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر، او يعلم به ولا يضع له حدا فاصلا؟.

وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شئون بلده فضلاً عن امة، ان يتركها تحت رحمة الاهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود، وهو قادر على اصلاحها او التنويه عن اصلاحها، إلا ان يكون مسلوبا من كل رحمة وانسانية؟ حاشا نبينا الاكرم من جاء رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الاخلاق وخاتما للنبيين! وقد قال الله تعالى على لسانه بعد حجة الوداع: (اليوم اكملت لكم دينكم).

وقد وجدناه نفسه لا يترك حتى المدينة المنورة، اذا خرج لحرب او غزاة ، من غير امير يخلفه عليها، فكيف نصدق عنه انه اهمل امر هذه الامة العظيمة بعده الى اخر الدهر، من دون وضع قاعدة يرجعون اليها او تعيين خلف بعده.

3 ـ  ايكال الامر الى اختيار الأمة

لنختار الان لحل هذه المشكلة انه صلى الله عليه واله

[36]

وسلم أوكل امته الى اختيارهم، او الى اختيار اهل الحل والعقد منهم خاصة في تقرير شئون الخلافة. فهل يصح هذا الفرض للحل؟.

اما انا ايها القارئ لا استطيع ان اقتنع بأن هذا الفرض يكون حلا مرضيا لهذه المشكلة، ولعلك انت ترى مع من يرى ان تعيين الرئيس بالانتخاب من ارقى التشريعات الحديثة وقد سبق اليه الاسلام، فهذا من مفاخره.

فوجب علينا ان نبحث هذه الناحية العلمية بدقة، واملي كما هو مفروض انك تعطيني من نفسك النصف وتفكر معي تفكيرا حرا، بعيدا عن تأثير العاطفة التي تقضي علينا ان نتمسك بهذه المفخرة للاسلام.

ولا ينبغي لنا ان نحاول هذه المحاولة، فربما نلصق به ما ليس له، ولعلها لا تثبت للبحث مفخرة يمتدح بها، فنكون قد نقضنا غرضنا الذي نريده من إثبات الفضيلة للاسلام بالسبق الى هذا التشريع.

والذي ادعيه الآن ان إرجاع الأمة مدى الدهر الى اختيارها في تعيين الرئيس لها هو عين الفوضوية التي اردنا التخلص منها في البحث السابق، وليس معناه إلا إلقاء الأمة في اعظم هوة من الخلاف لاحد لها ولا قعر.

[37]

وسر ذلك ان الناس مختلفون متباينون، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل، حتى التوءمين، إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم، وتشابههم في ذلك. بل الناس مختلفون في كل شيء من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصين أن يتفقا تحقيقا حتى في بصمة الأصابع، حتى قيل ان كل فرد من الانسان نوع برأسه.

وعليه، فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد أو عمل واحد، فضلا عن أمة كبيرة كالأمة الأسلامية على توالي الزمان. وبالأخص اذا كان الحكم مسرحا للعواطف والأغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة.

ومن هذا نستنتج ان الرأي العام الحقيقي غير موجود أبدا، بل يستحيل وجوده لأية امة في العالم، ومن خطل الرأي أن يطلب الانسان تكوين الرأي العام، وتوحيد اختيار الأمة بأسرها لأمر من الأمور، على ان محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من منازعات دموية واضطرابات شديدة اذا كان تكوينه يراد لأمر ذي شأن، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بما له من القوة القاهرة لمخالفيه، كما هو موجود فعلا في الانتخابات الجارية عند الأمم المتمدنة، فان تحكيم الأكثرية ذات القوة الطبيعة خير علاج على منازعاتهم في الامور العامة.

[38]

وتحكيم الاكثرية في الحقيقة فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي، بل هو اعتراف باستحالته، ومع ذلك لم يستغن غالبا الرجوع الى الأكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات اخرى تنضم الى قوته الطبيعية، أهمها سلطة الحكومة والقانون العام القاضي بتحكيم الأكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطرا على معتنقيه.

وبتوسيط أمثال هذه الأمور تمكن التسوية بين الأكثرية على راي متوسط، وإلا فالاتفاق الحقيقي على تفاصيل الأمور يستحيل حتى في الأكثرية.

وهذا الرجوع الى الأكثرية اخر ما توصل اليه الأنسان بعد العجز عن تحصيل الاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على ممر تلك القرون الطويلة التي انهكته بالتجارب القاسية، فوجد ذلك خير ضمان للسلام في الأمم. وليس معنى ذلك ان الأكثرية لا تخطأ، كيف والجماعات دائما تفكر بأحط فكرة فيها، ومن مزاياها انها خاضعة لسلطان العاطفة، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب.

وبهذا البيان نخرج الى فكرة ان تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو من أرقى التشريعات الحديثة معناه الرجوع الى الأكثرية دائما التي أصبحت من التقاليد المرعية عند الناس في هذا العصر، وهذا لم يسبق اليه الاسلام، ومن يدعي ان النبي صلى الله عليه وآله أوكل أمته الى اختيارهم

[39]

في تقرير شئون الخلافة لا يدعي انه شرع قانون الاكثرية لأنه ليس لهذه الدعوى شاهد في زبر الأولين، على انه كما ذكرنا لا يسلم من الخطأ، فلا يسوغ لنا أن ننسبه الى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق.

وإذا ادعى انه أوكل الأمر الى اتفاق أمته واختيارهم جميعا، فمن خطل الرأي، إلا اذا جوزنا عليه ان يطلب المستحيل او تعمد ايقاع أمته في منازعات دائمية تفضي الى ازهاق النفوس واضعاف القوى المادية والأدبية، ثم الى ضعف كلمة الاسلام في الارض.

فتلخص ان هذا التشريع أعني تشريع تعيين الامام بالانتخاب لا يصح لنا ان ننسبه الى منقذ البشرية من الضلالة الى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي، سواء فسرناه بالأكثرية او باتفاق الجميع.

***

ومهما حاولنا اصلاح هذا التشريع بتفسير الأمة بأهل الحل والعقد منها خاصة، فلا اجد هذه المحاولة تسلم من ذلك النقص البارز فان اهل الحل والعقد وكبار الأمة هم بؤرة الخلاف والنزاع. فان الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس، لا ينفكون عن تحيزات فيهم اعظم منها في غيرهم. ويندر ان يتجردوا من اهواء نفسية واغراض

[40]

شخصية، تجعل كل فرد يشرئب الى هذا المنصب الرفيع ما هيئ له ووجد مجالا لأرتقائه، ولو عن غير قصد، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها او لا يعدها باطلا وخروجا عن محجة الصواب. بل حب النفس قد يحمله على الأعتقاد بأن زعامته اصلح للأمة واجدى، فيوحي الهوى للنفس البرهان المقنع على صحة رأيه.

وللمعتقد ان يعتقد ان الخليفة ابا بكر تفطن الى سوء عواقب هذا التشريع، فأسرع الى تعيين الخليفة من بعده، بالرغم على جدة هذا التشريع الذي به كان خليفة، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته. كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة، وكان أدق من سم الخياط، مع غفلة الناس يومئذ عن الامر، وانشغالهم بفاجعة نبيهم.

وهكذا حذا حذوه خليفته، فاخترع طريقة الشورى من ستة اشخاص، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع الى اختيار اهل الحل والعقد، على ان وجدنا هؤلاء وهم ستة لا غير لم يتفقوا على رأي واحد، فلعبت دورها التحيزات والعواطف، فصغى رجل لضغنه، ومال الاخر لصهره، على حد تعبير الامام علي بن ابي طالب.

ولا شك لم يخف على الخليفة عمر استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة، فحكم فيها الأكثرية، وعند التساوي فالكفة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. ومع ذلك

[41]

حدد لهم الوقت بثلاثة ايام، واعطى السلطة التنفيذية لغيرهم، ليقهرهم على تنفيذ خطته.

لماذا كل هذه القيود التي وضعها، مع تهديدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم يبرموا العهد؟ لا شك انها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الامر. اذا القى حبله على غاربه.

وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة، اتقاء للخلاف والنزاع على الامارة الذي لا ينفك عادة عن اراقة الدماء، في وقت اراد ألا يتحمل تبعة تعيين شخص الخليفة بعده، او انه في الأصح لم يجد نفسه تميل كل الميل إلا لتعيين احد الثلاثة الذين قد ماتوا يومئذ، وهم ابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابي حذيفة، ومعاذ بن جبل.

***

ولا اعجب ان يكون ابو بكر وعمر تفطنا الى مافي تشريع إلقاء الامر على عاتق اختيار الامة من فساد، وما ينجم منه من جدال وجلاد. ولكن عجبي ممن يتسرع فينسب ذلك التشريع الى النبي الحكيم الذي لا يفعل إلا عن وحي ولا يحكم الا بوحي. ومع ذلك يدعي الاسلام وعرفان الرسول العظيم.

ولو كان للخليفة عثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم

[42]

حوصر وأيس من الحياة؛ لما تأخر عن تعيين من يخلفه قطعا. ولكن الموقف كان ابعد من ان يتحكم عليه بمثل ذلك، وهو محاط به ليخلع.

ومما يزيدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشكلتنا الاجتماعية الخطيرة، انا لم نعرف خليفة تعين بهذه الطريقة إلا ابا بكر وعلي بن ابي طالب، وابو بكر كانت بيعته فتنة او فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيد اركانها، ومع ذلك قال عنها: (فمن دعا الى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه)(1).

اما علي عليه السلام، فبعد تمام البيعة له (الشرعية بنظر اصحاب هذا الرأي) قد وجدنا كيف انتفض عليه نفس اهل الحل والعقد، والأسلام بعدُ لم يرث والعهد قريب، وهؤلاء المنتقضون هم جلة الصحابة. فكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان اريقت بهما الاف الدماء المحرمة هدراً، وانتهكت فيهما حرمات الشريعة، وشلت بهما حركة الدين الاسلامي.

ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعين إلا بتعيين من قبله أو بحد السيف، ولقد لعب السيف دورا قاسيا جعل العالم الأسلامي يمخر في بحر من الدماء. ولم يجرئ الطامعين بالخلافة على

______________________________

(1) كنز العمال ج3 رقم 2326 وغيره.

[43]

خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون. قانون الاختيار، فمهد السبيل لطلحة الزبير ان يشعلا نار حرب الجمل، ومهد لمعاوية ما اجترم، ولابن الزبير تطاوله للخلافة وهو القصير، وللعباسيين ثورتهم على الامويين ولغيرهم ما شئت ان تحدث والحديث ذو شجون.

الى هنا اجد من نفسي القناعة والأطمئنان الى القول بفساد تشريع تعيين الامام باختيار اهل الحل والعقد. وهيهات ان يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع.

وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع، ولا يخفى على عائشة ام المؤمنين يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبد الله:

(لاتدع امة محمد بلا راع. استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فاني اخشى عليهم الفتنة).

وما ادري لماذا لم يشر احد على محمد عليه افضل التحيات ان يستخلف او يبين على الاقل طريقة الأستخلاف حتى لا يفتتنوا، كما اشارت عائشة على عمر؟ ولماذا لم يسأله احد عن هذا الأمر، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة لماذا...؟

والمرجح انه سئل فأجاب، ولكن التأريخ هو المتهم في اهمال مثل هذه القضايا. على ان تأريخ الشيعة لم يهمل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه.