[ 42 ]
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في البعث بعد الموت: أنه حق، قال النبي صلى الله عليه وآله: يابني عبدالمطلب، إن الرائد(1) لا يكذب أهله، والذي بعثني بالحق نبيا، لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وما بعد الموت دار إلا الجنة والنار.
وخلق جميع الخلق وبعثهم على الله عزوجل لخلق نفس واحدة وذلك قوله تعالى: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة - لقمان: 28 ".
___________________________________
(1) الرائد: الذي يتقدم القوم ليبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث .
[ 43 ]
قال أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في الحوض: أنه حق، وأن عرضه مابين أيلة(1) وصنعاء(2)، وهوللنبي صلى الله عليه وآله. وأن فيه من الاباريق(3) عدد نجوم السماء، وأن الساقي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، يستقى منه أوليائه ويذود(4) عنه أعدائه، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وقال النبي صلى الله عليه وآله: ليختلجن(5) قوم من أصحابي دوني وأنا على الحوض، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأنادي، ياربي أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في الشفاعة: أنها لمن ارتضى دينه من أهل الكبائر والصغائر، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة.
قال النبي صلى الله عليه وآله: من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي.
___________________________________
(1) و(2) أيلة بالفتح والسكون: بلد بين ينبع ومصر. صنعاء: بلد باليمن.
(3) الاباريق: جمع (إبريق) فارسي معرب، إناء.
(4) يذود: يمنع.
(5) ليختلجن دوني: أي يجتذبون .
[ 44 ]
وقال صلى الله عليه وآله: لا شفيع أنجح من التوبة(1)، والشفاعة للانبياء والاوصياء وفي المؤمنين من يشفع مثل ربيعة ومضر(2)، وأقل المؤمنين من يشفع ثلاثين ألفا.
والشفاعة لا تكون لاهل الشك والشرك ولا لاهل الكفر والجحود بل يكون للمذنبين من أهل التوحيد.
قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في الوعد والوعيد: أن من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه، ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار، إن عذبه فبعدله، وإن عفى عنه فبفضله، " وما ربك بظلام للعبيد - فصلت: 46 ".
وقال عزوجل: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - النساء: 48 و 116 " والله أعلم.
___________________________________
(1) أي أوفي منها في محو الذنوب.
(2) من قبائل العرب .
[ 45 ]
قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في ذلك: أنه ما من عبد إلا وله ملكان موكلان عليه، يكتبان عليه جميع أعماله. ومن هم بحسنة كتب له حسنة وإن عملها كتب له عشر حسنات.
فإن هم بسيئة لم يكتب عليه حتى يعملها وإن عملها أجل سبع ساعات، فإن تاب قبلها لم يكتب عليه، وإن لم يتب كتب عليه سيئة واحدة. والملكان يكتبان على العبد كل شئ حتى يكتبان النفخ في الرماد.
وقال الله: " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون - الانفطار: 10 و 11 و 12 ".
ومر أمير المؤمنين عليه السلام برجل وهو يتكلم بفضول الكلام، فقال عليه السلام له: يا هذا الرجل؟ إنك تملي على ملكيك كتابا إلى ربك، فتكلم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك.
وقال علي عليه السلام: الرجل المسلم يكتب محسنا ما دام ساكتا، فإذا تكلم كتب، إما محسنا أو مسيئا.
وموضع الملكين من ابن آدم، الترقوتان(1)، فإن صاحب اليمين تكتب الحسنات، وصاحب الشمال تكتب
___________________________________
(1) الترقوة بفتح التاء وضم القاف: هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من جانبين والجمع التراقي .
[ 46 ]
السيئات، وملكا النهار يكتبان عمل العبد في النهار، وملكا الليل يكتبان عمل العبد في الليل.
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بالعدل، وعاملنا هو بمافوقه وهو التفضل.
وذلك أنه عزوجل يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون - الانعام: 160 ".
والعدل: هو أن يثبت بالحسنة الحسنة ويعاقب على السيئة السيئة.
قال النبي صلى الله عليه وآله: لايدخل رجل الجنة بعمله إلا برحمة الله عزوجل.
قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في الاعراف: أنه سور(1) بين الجنة والنار، وعليه رجلان يعرفون كلا بسيماهم والرجال هم النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام.
___________________________________
(1) السور: الحائط .
[ 47 ]
ولايدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولايدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. وعند الاعراف المرجون لامر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم.
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في الصراط: أنه حق، وأنه جسر جهنم، وأنه ممر جميع الخلق.
قال الله عزوجل: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا - مريم: 71 ".
والصراط في وجه آخر: إسم حجج الله، فمن عرفهم في الدينا وأطاعهم أعطاه الله جوازا على الصراط الذي هو جسر جهنم يوم القيامة يوم الحسرة والندامة.
وقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي وإذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك.
[ 48 ]
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك: أن هذه العقبات(1) إسم كل عقبة: منها إسم عليحدة، إسم فرض أو أمر أو نهي، فمتى انتهى الانسان إلى عقبة إسمها الفرض وكان قد قصر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق الله فيها، فإن خرج منه بعمل صالح قدمه وبرحمة تداركه نجى منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كل عقبة، فيسأل عما قصر فيه من معنى إسمها، فإن سلم من جميعها إنتهى إلى دار البقاء، فيحيى حياة لا يموت فيها أبدا، ويسعد سعادة لا شقاوة معها، وسكن في جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده، وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه فلم ينجه عمل صالح قدمه ولا أدركته من الله تعالى رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في نار جهنم، نعوذ بالله منها. وهذه العقبات كلها على الصراط، إسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والائمة عليهم السلام من بعده، فمن أتى بها نجى وجاز، ومن لم يأت بها بقى فهوى.
___________________________________
(1) جمع عقبة: المرقى الصعب من الجبال، الطريق في أعلى الجبال.
[ 49 ]
وذلك قول الله عزوجل: " وقفوهم إنهم مسئولون - الصافات: 24 ".
وإسم عقبة منها المرصاد وذلك قول الله عزوجل: " إن ربك لبالمرصاد - الفجر: 14 ".
ويقول الله عزوجل: بعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم.
وإسم عقبة منها الرحم، وإسم عقبة منها الامانة، وإسم عقبة منها الصلاة.
وبإسم كل فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد، فيسأل عن كل واحد.
قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في الحساب: أنه حق، منه ما يتولاه الله عزوجل، ومنه ما يتولاه حججه، فحساب الانبياء والائمة عليهم السلام يتولاه عزوجل، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه، ويتولى الاوصياء حساب الامم، والله تبارك وتعالى هو الشهيد على الانبياء والرسل، وهم
[ 50 ]
الشهداء على الاوصياء، والائمة شهداء على الناس.
وذلك قول الله عزوجل: " ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس - الحج: 78 ".
وقوله تعالى: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا - النساء: 41 ".
وقال الله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه - هود: 17 " والشاهد أمير المؤمنين عليه السلام.
وقوله تعالى: " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم - الغاشية: 25 و 26 ".
وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى: " ونضع الموازين القسط اليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا - الانبياء: 47 " قال عليه السلام: الموازين الانبياء والاوصياء.
ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب.
وأما السؤال فهو واقع على جميع الخلق لقول الله تعالى: " فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين - الاعراف: 6 " يعني عن الدين.
وأما الذنب فلا يسئل عنه إلا من يحاسب، قال الله تعالى: " فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان - الرحمن: 29 " يعني من شيعة النبي صلى الله عليه
[ 51 ]
وآله والائمة عليهم السلام خاصة دون غيرهم كماورد في التفسير.
وكل محاسب معذب ولو بطول الوقوف، ولا ينجو من النار ولا يدخل الجنة أحد بعمله إلا برحمة الله تعالى.
وإن الله تبارك وتعالى يخاطب عباده من الاولين والآخرين بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة، يسمع منها كل واحد قضيته دون غيرها، ويظن أنه المخاطب دون غيره، ولا تشغله تعالى مخاطبة عن مخاطبة.
ويفرغ من حساب الاولين والآخرين في مقدار نصف ساعة من ساعات الدنيا ويخرج الله تعالى لكل إنسان كتابا يلقاه منشورا، ينطق عليه بجميع أعماله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيجعله الله حاسب نفسه والحاكم عليها بأن يقال له: " إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا - الاسراء: 14 " ويختم الله تبارك وتعالى على قوم على أفواهم، وتشهد أيديهم وأرجلهم وجميع جوارحهم بما كانوا يكتمون.
" وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا
[ 52 ]
أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعلمون - فصلت: 21 و 22 ".
وسأجرد كيفية وقوع الحساب في كتاب حقيقة المعاد إنشاء الله تعالى.
قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في الجنة: أنها دار البقاء ودار السلامة، لا موت فيها، ولاهرم(1)، ولاسقم، ولا مرض، ولا آفة، ولا زوال، ولا زمانة(2)، ولا هم، ولاغم، ولا حاجة، ولا فقر، وأنها دار الغنى، ودار السعادة، ودار المقامة، ودار الكرامة، لا يمس أهلها نصب(3)، ولا يمسهم فيها لغوب(4) لهم فيها ما تشتهي الانفس، وتلذ الاعين، وهم فيها خالدون.
وأنها دار أهلها جيران الله تعالى وأوليائه وأحبائه وأهل كرامته.
وهم أنواع على مراتب: منهم المتنعمون بتقديس
___________________________________
(1) هرم من باب تعب: كبر وضعف .
(2) الزمانة: مرض يدوم زمانا طويلا.
(3) النصب: التعب.
(4) اللغوب: التعب والاعياء .
[ 53 ]
الله وتسبيحه وتكبيره في جملة ملائكته، ومنهم المتنعمون بأنواع المآكل والمشارب والفواكه والارائك(1) وحور العين واستخدام الولدان المخلدون والجلوس على النمارق(2) والزرابي(3) ولباس السندس، كل منهم إنما يتلذذ بما يشتهي ويريد على حسب ما تعلقت همته ويعطى ما عبدالله من أجله.
وقال الصادق عليه السلام: إن الناس يعبدون الله على ثلاثة أصناف: فصنف منهم يعبدون شوقا إلى جنته ورجاء ثوابه فتلك عبادة الخدام، وصنف منهم يعبدونه خوفا من ناره فتلك عبادة العبيد، وصنف منهم يعبدونه حبا له فتلك عبادة الكرام وهم الامناء، وذلك قوله عزوجل: " وهم من فزع يومئذ آمنون - النمل: 89 ".
(الاعتقاد في النار) واعتقادنا في النار: أنها دار الهوان(4) ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك.
___________________________________
(1) جميع أريكة: سرير مزين فاخر.
(2) أي الوسائط.
(3) الزرابي بالفتح والتشديد الطنافس المخملة.
(4) الهوان: الذلة والضعف .
[ 54 ]
فأما المذنبون من أهل التوحيد فيخرجون منها بالرحمة التي تدركهم والشفاعة التي تنالهم.
وروي: أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها وإنما يصيبهم الآلام عند الخروج منها فتكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد. وأهل النار هم المساكين حقا، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، " لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا - النبأ: 24 و 25 و 26 ".
فإن استطعموا أطعموا من الزقوم، وإن استغاثوا " يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسائت مرتفقا - الكهف: 29 ".
ينادون من مكان بعيد ويقولون: " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون - المؤمنون: 107 ".
فيمسك الجواب عنهم أحيانا، ثم قيل لهم: " اخسئوا فيها ولا تكلمون - المؤمنون: 108 " " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون - الزخرف : 77 ".
وروى بالاسانيد الصحيحة: أنه يأمر الله تعالى برجال إلى النار، فيقول لمالك: قل للنار لا تحرقي لهم
[ 55 ]
أقداما فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرقي لهم أيديا فقد كانوا يرفعونها إلي بالدعاء، ولا تحرقي لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن، ولا تحرقي لهم وجوها فقد كانوا يسبغون(1) الوضوء.
فيقول المالك: يا أشقياء فما كان حالكم؟ فيقولون: كنا نعمل الغير الله، فقيل: خذوا ثوابكم ممن عملتم له.
واعتقادنا في الجنة والنار: أنهما مخلوقتان وأن النبي صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به.
واعتقادنا: أنه لا يخرج أحد من الدنيا حتى يرى مكانه من الجنة أو من النار وأن المؤمن لا يخرج من الدنيا حتى يرفع له الدنيا كأحسن ما رآها ويرى مكانه في الآخرة ثم تخير بين الدنيا والآخرة وهو يختار الآخرة فحينئذ يقبض روحه.
وفي العادة يقول الناس، فلان يجود(2) بنفسه ولا يجود الانسان بشئ إلا عن طيبة نفس غير مقهور ولا مجبور ولا مكره.
وأما جنة آدم: فهي جنة من جنان الدنيا، تطلع الشمس فيها وتغيب، وليست بجنة الخلد، ولو كانت
___________________________________
(1) أسبغوا الوضوء بفتح الهمزة أي أبلغوه مواضعه وأفوا كل عضو حقه.
(2) جاد بنفسه: سمح بها عند الموت فكأنه يدفعها كمايدفع الانسان ماله .
[ 56 ]
جنة الخلد ما خرج منها أبدا.
واعتقادنا: أن بالثواب يخلد أهل الجنة في الجنة، وبالعقاب يخلد أهل النار في النار، وما من أحد يدخل الجنة حتى يعرض عليه مكانه من النار، فيقال له: هذا مكانك الذي لو عصيت الله لكنت فيه.
وما من أحد يدخل النار حتى يعرض عليه مكانه في الجنة، فيقال له: هذا مكانك الذي لو أطعت الله لكنت فيه فيورث هؤلاء مكان هؤلاء وذلك قول الله عزوجل: " أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون - المؤمنون: 10 و 11 ". وأقل المؤمنين منزلة في الجنة من له مثل تلك الدنيا عشر مرات.