16 - باب الاعتقاد في الموت

قال الشيخ رحمه الله: قيل لامير المؤمنين عليه السلام: صف لنا الموت، فقال: على الخبير سقطتم، هو أحد أمور ثلاثة يرد عليه: إما بشارة بنعيم الابد، وإما بشارة بعذاب الابد، وإما تخويف وتهويل وأمر مبهم، لايدري من أي الفرق هو، فأما ولينا والمطيع لامرنا فهو المبشر بنعيم الابد، وأما عدونا والمخالف لامرنا فهو المبشر بعذاب الابد، وأما المبهم أمره الذي لايدري ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه، لايدري ما يؤول(1) إليه حاله، يأتيه الخبر مبهما مخوفا، ثم لن يسويه الله تعالى بأعدائنا ولكن يخرجه من النار بشفاعتنا، فاعلموا وأطيعوا ولا تتكلوا(2)، ولا تستصغروا عقوبة الله، فإن من المسرفين من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب الله بثلاث مائة ألف سنة.

وسئل عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: ما الموت الذي جهلوه؟ فقال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد(3)

___________________________________

(1) يؤول: يرجع.

(2) أي لا تعتمدوا.

(3) النكد: الشدة والعسر .

[  29 ]

إلى نعيم الابد، وأعظم ثبور(1) يرد على الكافرين إذا نقلوا من جنتهم إلى نار لا تبيد(2) ولا تنفد(3).

ولما اشتد الامر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام نظر إليه من كان معه وإذا هو بخلافهم، لانهم كانوا إذا اشتد بهم الامر تغيرت ألوانهم وارتعدت(4) فرائصهم(5) ووجلت قلوبهم ووجبت(6) جنوبهم، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خواصه، تشرق ألوانهم وتهوى جوارحهم وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: أنظروا إليه لا يبالي بالموت ! فقال لهم الحسين عليه السلام: صبرا بني الكرام ! فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس(7) والضراء إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من

___________________________________

(1) الثبور: الهلاك.

(2) باد الشئ يبيد بيدا وبيودا: هلك.

(3) نفد ينفد: فنى وانقطع.

(4) إرتعد: إضطرب.

(5) الفرائص: جمع فريصة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف أو بين الثدي والكتف، ترتعد عند الفزغ.

(6) وجبت جنوبها: أي سقطت إلى الارض.

(7) البؤس بالضم وسكون الهمزة: الفقر والخوف والضر .

[  30 ]

سجن إلى قصر؟ وأما هؤلاء أعدائكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب أليم، إن أبي حدثني بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذب ولا كذبت.

وقيل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما الموت؟ قال عليه السلام: للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة(1)، أو فك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطئ المراكب، وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل، وأعظم العذاب.

وقيل لمحمد بن علي الباقر عليهما السلام: ما الموت؟ قال عليه السلام: هو النوم الذي يأتيكم في كل ليلة، إلا أنه طويل مدته، لا ينتبه منه إلا يوم القيامة، فمن رأى في منامه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره، ومن رأى في نومه من أصناف الاهوال ما لا يقادر قدره، فكيف حال من فرح في النوم ووجل فيه؟ هذا هو الموت، فاستعدوا له.

وقيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت، فقال

___________________________________

(1) القملة: دويبة طفيلية عديمة الاجنحة من فصيلة القمليات .

[  31 ]

عليه السلام: هو للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس(1) لطيبه، فينقطع التعب والالم كله عنه، وللكافر كلسع الافاعي ولدغ العقارب وأشد، قيل له: فإن قوما يقولون هو أشد من نشر بالمناشير(2) وقرض بالمقاريض ورضخ(3) بالحجارة وتدوير قطب الارحية(4) في الاحداق(5)، فقال عليه السلام: كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين، ألا ترون منهم من يعاين تلك الشدائد؟ فذلكم الذي هو أشد من هذا، وهو أشد من عذاب الدنيا.

قيل له: فما لنا نرى كافرا يسهل عليه النزاع فينطفئ وهو يتحدث ويضحك ويتكلم، وفي المؤمنين من يكون أيضا كذلك، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسى عند سكرات الموت هذه الشدائد؟ فقال عليه السلام: ماكان من راحة للمؤمنين فهو من عاجل ثوابه، وماكان من شدة فهو تمحيصه من ذنوبه ليرد إلى الآخرة نقيا طاهرا نظيفا مستحقا لثواب الله، ليس له

___________________________________

(1) أي تأخذه فترة في حواسه فقارب النوم.

(2) المناشير: جمع المنشار وهي آلة ذات أسنان ينشر بها الخشب ونحوه.

(3) الرضخ: الدق والكسر.

(4) الارحية: الطاحون.

(5) الاحداق جمع حدقة: سواد العين الاعظم .

[  32 ]

مانع دونه، وماكان هناك من سهولة على الكافرين فليستوفى أجر حسناته في الدنيا ليرد إلى الآخرة وليس له إلا ما يوجب عليه العذاب، وماكان من شدة على الكافرين هناك فهو ابتداء عقاب الله تعالى عند نفاد حسناته ذلك بأن الله عزوجل عدل لا يجور.

ودخل موسى بن جعفر عليهما السلام على رجل وقد غرق في سكرات الموت وهو لا يجيب داعيا، فقالوا له: يابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف حال صاحبنا وكيف الموت؟ فقال عليه السلام: إن الموت هو المصفى يصفى المؤمنين من الذنوب فيكون آخر ألم يصيبهم، وكفارة آخر وزر عليهم، ويصفى الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو نعمة أو راحة تلحقهم وهو آخر ثواب حسنة لهم، وأما صاحبكم فقد نخل(1) من الذنوب نخلا وصفى من الآثام تصفية وخلص حتى نقى كما ينقى الثوب من الوسخ، وصلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الابد.

ومرض رجل من أصحاب الرضا عليه السلام، فعاده الرضا عليه السلام فقال له: كيف تجدك؟ فقال: لقيت الموت بعدك، يريد به ما لقيه من شدة مرضه، فقال له عليه السلام: كيف لقيته؟ فقال: ألماشديدا،

___________________________________

(1) نخل الدقل: غربله وأزال نخالته، ونخل الشئ: اختاره وصفاه .

[  33 ]

فقال عليه السلام له: ما لقيته ولكن لقيت ما ينذرك ويعرفك بعض حاله إنما الناس رجلان: مستريح بالموت، ومستراح به، فجدد الايمان بالله وبالولاية والنبوة تكن مستريحا، ففعل الرجل ذلك.

والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

وقيل لمحمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام: ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ فقال عليه السلام: لانهم جهلوه فكرهوه ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله حقا، لاحبوه وليعلموا أن الآخرة خير لهم من الدنيا، ثم قال: ياعبدالله، ما بال الصبي والمجنون يمتنعان من الدواء المنقى لبدنه والنافي للالم عنه؟ فقال: لجهلهم بنفع الدواء.

وقال عليه السلام: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق نبيا إن من قد استعد للموت حق الاستعداد فهو أنفع لهم من هذه الدواء لهذا المعالج، أما إنهم لو عرفوا مايؤدى إليه الموت من النعم لاستدعوه وأحبوه أشد مما يستدعى العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامات.

ودخل علي بن محمد عليهما السلام على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال عليه السلام له: ياعبدالله تخاف من الموت لانك لا تعرفه،

[  34 ]

أرأيتك إذااتسخت ثبابك وتقذرت فتأذيت من كثرة القذر والوسخ عليك، وأصابك قروح وجرب وعلمت أن الغسل في الحمام يزيل عنك ذلك كله، أما تريد أن تدخله فتغسل فيزول ذلك عنك؟ وما تكره أن لا تد خله فيبقى ذلك عليك؟ فقال: بلى يابن رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال عليه السلام: ذلك الموت هو ذلك الحمام، وهو آخر ما بقى عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك، فإذا أنت وردت عليه وجاورته فقد نجوت من كل غم وهم وأذي، ووصلت إلى كل سرور وفرح، فسكن الرجل ونشط واستسلم وغمض عين نفسه ومضى بسبيله.

وسئل عن الحسن بن علي عليهما السلام عن الموت ماهو؟ فقال عليه السلام: هو التصديق بما لايكون(1)، إن أبي حدثني بذلك عن أبيه عن جده عن الصادق عليه

___________________________________

(1) هو التصديق بما لايكون: أي هو ما يستلزم التصديق بأمور لاتكون بزعمه أي لا يتوقع حصولها ممايشاهده من غرائب أحوال النشأة الآخرة، أو المعنى: أن الموت أمر، التصديق به تصديق بما لا يكون، إذ المؤمن لا يموت بالموت و، والكافر أيضا لا يموت بالموت بل كان ميتا قبله، ففيه حذف مضاف أي التصديق بالموت تصديق بما لايكون.

البحار ج 6 ص 157

[  35 ]

السلام أنه قال: إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا، وإن الكافر هو الميت، لان الله عزوجل يقول: " وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي - آل عمران: 27 " يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.

قال: وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله ما بالي لا أحب الموت؟ فقال: لك مال؟ قال: نعم، قال: قدمته أمامك؟ قال: لا قال صلى الله عليه وآله: فمن ثم لا تحب الموت.

قال عليه السلام: وجاء رجل لابي ذر وقال: ما لنا نكره الموت؟ فقال: لانكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب.

وقيل له: كيف ترى قدومنا على الله تعالى؟ فقال: أماالمحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه وهو منه خائف.

قيل: فكيف ترى حالنا عندالله؟ قال: إعرضوا أعمالكم على كتاب الله تعالى حيث يقول: " إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم - الانفطار: 13 و 14 " قال الرجل: فأين رحمة الله؟ قال: " إن رحمة الله قريب من المحسنين - الاعراف: 56 ".

[  36 ]

17 - باب الاعتقاد في المسائلة في القبر

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في المسائلة في القبر: أنها حق لابد منها، فمن أجاب بالصواب فاز بروح وريحان في قبره وبجنة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب فله نزول من حميم في قبره وتصلية جحيم في الآخرة. وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق والاستخفاف من البول وأشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن المحق مثل اختلاج(1) العين أو شرطة الحجامة ويكون ذلك كفارة لما بقى عليه من الذنوب التي لم تكفرها الهموم والغموم والامراض وشدة النزع عند الموت.

فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام بقميصه بعد ما فرغت النساء من غسلها، وحمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل تحت جنازتها حتى أوردها في قبرها واضطجع فيه، ثم قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها، ثم انكب عليها يناجيها طويلا ويقول لها: إبنك إبنك، ثم خرج وسوى عليها التراب، ثم انكب على قبرها

___________________________________

(1) إختلاج العين: إضطرابه .

[  37 ]

فسمعوه وهو يقول: لا إله إلا الله اللهم إنى أستودعها إياك، ثم انصرف، فقال له المسلمون: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم؟ فقال صلى الله عليه وآله: في اليوم فقدت بر أبيطالب عليه السلام، إنها كانت ليكون عندها الشئ، فتؤثرني به على نفسها وولدها، وإني ذكرت يوم القيامة يوما، وأن الناس يحشرون عراة، فقالت: واسوأتاه ! فضمنت لها أن يبعثها الله كاسية، وذكرت ضغطة(1) القبر، فقالت: واضغطاه ! فضمنت لها أن يكفها الله تعالى ذلك فكفنتها بقميصي واضطجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها، فلقنتها ما تسأل عنها وإنها سئلت عن ربها، فقالت: الله ربي، وسئلت عن نبيها؟ فأجابت: محمد، وسئلت عن وليها وإمامها؟ فارتج(2) عليها وتوقفت، فقلت لها: إبنك ابنك، فقالت: ولدي إمامي، فانصرفا عنها وقالا: لا سبيل لنا عليك، نومي كما تنام العروس في خدرها(3)، ثم ماتت موته

___________________________________

(1) ضغطة القبر: تضييقه على الميت.

(2) ارتج وارتتج واسترتج على الخطيب: استغلق عليه الكلام.

(3) الخدر بالكسر: ستر أعد للجارية البكر في ناحية البيت .

[  38 ]

ثانية، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى قوله: " قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل - غافر: 11 ".

18 - باب الاعتقاد في الرجعة

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في الرجعة: أنها حق، وقد قال الله عزوجل في كناية العزيز: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم - البقرة: 243 ".

كان هؤلاء سبعين ألف بيت وكان قد يقع فيهم الطاعون كل سنة فيخرج الاغنياء لقوتهم ويبقى الفقراء لضعفهم فيقل الطاعون في الذين يخرجون ويكثر في الذين يقيمون، فيقول الذين يقيمون: لو خرجنا لما أصابنا الطاعون، ويقول الذين خرجوا: لو أقمنا لاصابنا كما أصابهم، فأجمعوا أن يخرجوا جميعا من ديارهم إذا كان وقت الطاعون، فخرجوا جميعهم، فنزلوا على شط بحر فلما وضعوا رحالهم ناداهم الله: موتوا، فماتوا جميعا، فكنستهم(1) المارة عن الطريق، ___________________________________

(1) كنس البيت: كسحه بالمكنسة .

[  39 ]

فبقوا بذلك ما شاء‌الله، فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا، فقال: لو شئت يا رب لاحييتهم فيعمروا بلادك ويلدوا عبادك ويعبدونك مع من يعبدك، فأوحى الله تعالى إليه: أفتحب أن أحييهم لك؟ قال: نعم يارب، فأحياهم الله له وبعثهم معه، فهؤلاء ماتوا ورجعوا إلى الدنيا ثم ماتوا بآجالهم.

فقال الله تعالى: " أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير - البقرة: 259 ".

فهذا مات مائة عام ثم رجع إلى الدنيا وبقى فيها ثم مات بأجله، وهو عزيز عليه السلام، وروى أنه أرميا عليه السلام.

وقال الله تعالى في قصة المختارين من بني إسرائيل من قوم موسى عليه السلام لميقات ربه: " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون - البقرة: 56 ".

وذلك أنهم لما سمعوا كلام الله تعالى قالوا: لا

[  40 ]

نصدق به حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى عليه السلام: يارب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، فأحياهم الله فرجعوا إلى الدنيا فأكلوا وشربوا ونكحوا النساء وولد لهم الاولاد وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم. وقال الله تعالى لعيسى بن مريم " وإذ تخرج الموتى بإذني - المائدة: 110 " فجميع الموتى الذين أحياهم عيسى عليه السلام بإذن تعالى رجعوا إلى الدنيا وبقوا فيها مابقوا، ثم ماتوا بآجالهم. وأصحاب الكهف " لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادو تسعا - الكهف: 25 " ثم بعثهم الله فرجعوا إلى الدنيا ليستائلوا بينهم، وقصتهم معروفة.

فإن قال قائل: إن الله تعالى قال: وتحسبهم أيقاظا وهم رقود - الكهف: 18 " قيل له فإنهم كانوا موتى.

وقد قال الله عزوجل: " قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون - يس: 52 " وإن قالوا كذلك، فإنهم كانوا موتى، ومثل هذا كثير.

فقد صح أن الرجعة كانت في الامم السابقة فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: يكون في هذه الامة ما يكون في الامم السابقة حذوالنعل.

[41]

بالنعل(1) والقذة بالقذة(2).

فيجب على هذا الاصل أن يكون في هذه الامة رجعة.

وقد نقل مخالفونا: أنه إذا خرج المهدي عليه السلام، نزل عيسى بن مريم من السماء، فصلى خلفه، ونزوله إلى الارض رجوعه إلى الدنيا بعد موته، لان الله عزوجل قال: " إني متوفيك ورافعك إلي - آل عمران: 55 " وقال عزوجل " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا - الكهف: 47 " وقال الله تعالى: " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا - النمل: 83 " فاليوم الذي يحشر فيه الجميع غير الذي يحشر فيه الفوج وقال الله عزوجل: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون - النحل: 38 " يعني بذلك في الرجعة، وذلك أنه يقول بعد ذلك: ليبين لهم الذي يختلفون فيه - النحل: 39 " والتبيين يكون في الدنيا لا في الآخرة.

وسأجرد كتابافي الرجعة أبين فيه كيفيتها والادلة على صحة كونها إن شاء الله تعالى. والقول بالتناسخ(3) باطل، ومن دان بالتناسخ فهو كافر، لان في التناسخ إبطال الجنة والنار.

___________________________________

(1) حذوت النعل بالنعل: إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء.

(2) القذة الاذن من الانسان والفرس، وريش السهم .

(3) التناسخ: إنتقال النفس الناطقة من بدن إلى بدن آخر.