[17]

9 - باب الاعتقاد في الاستطاعة

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك: ما قاله موسى بن جعفر عليهما السلام حين قيل له: أيكون العبد مستطيعا؟ قال: نعم، بعد أربع خصال: أن يكون مخلى السرب(1)، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله تعالى(2)، فإذا تمت هذه فهو مستطيع، فقبل له: مثل أي شئ؟ فقال عليه السلام: يكون الرجل مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارج، لايقدر أن يزني إلا أن يرى امرأة فإذا وجد المرأة فإما أن يعصم فيمتنع كما امتنع يوسف عليه السلام، وإما أن يخلى السرب بينه وبينها فيزني فهو زان ولم يطع الله بإكراه، ولم يعص بغلبة.

وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون - القلم: 43 ".

قال: مستطيعون الاخذ به أمروا به، وبترك ما نهوا عنه، وبذلك ابتلوا.

وقال أبوجعفر عليه السلام: في التوراة مكتوب: يا موسى إني خلقتك واصطفيتك وهديتك

___________________________________

(1) تخلية السرب هي عدم المانع والسرب بالكسر النفس، وهو واسع السرب أي: رخي البال.

(2) السبب الوارد من الله هو العصمة أو التخلية - البحار ج 5 ص 37 .

[  18 ]

وقويتك، وأمرتك بطاعتي، ونهيتك عن معصيتي، فإن أطعتني أعنتك على إطاعتي وإن عصيتني لم أعنك على معصيتي، ولي المنة عليك في طاعتك، ولي الحجة عليك في معصيتك لي.

10 - باب الاعتقادفي البداء(1)

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إن اليهود قالوا: إن الله تبارك وتعالى قد فرغ من الامر.

قلنا: بل هو تعالى " كل يوم هو في شأن - الرحمن: 29 " لا يشغله شأن عن شأن، يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويفعل ما يشاء.

وقلنا: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب - الرعد: 39 ".

وأنه لايمحو إلا ما كان ولا يثبت إلا ما لم يكن، وهذا ليس ببداء كما قالت اليهود وأتباعهم، فنسبنا في ذلك إلى القول بالبداء وتبعهم على ذلك من خالفنا من أهل الاهواء المختلفة.

___________________________________

(1) البداء من الله هو إظهار ما كان أخفاه على عباده لحكمة بالغة عنده في الحالين لا بمعناه المترائى المستلزم للجهل - تعالى الله عن ذلك .

[  19 ]

وقال الصادق عليه السلام: ما بعث الله نبيا قط حتى يأخذ عليه الاقرار لله بالعبودية وخلع الانداد وأن الله تعالى يؤخر ما يشاء ويقدم ما يشاء.

ونسخ الشرائع والاحكام بشريعة نبينا وأحكامه من ذلك، ونسخ الكتب بالقرآن من ذلك.

وقال الصادق عليه السلام: من زعم أن الله عزوجل بدا في شئ ولم يعلمه أمس فأبرء منه.

وقال عليه السلام، من زعم أن الله بدا له في شئ، بدا ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم.

وأما قول الصادق عليه السلام: ما بدالله في شئ كما بدا له في إسماعيل إبني.

فإنه يقول: ما ظهر الله سبحانه أمر في شئ كما ظهر له في إبني إسماعيل إذا اخترمه(1) قبلي ليعلم أن ليس بإمام بعدي.

___________________________________

(1) الاخترام: الموت .

[  20 ]

11 - باب الاعتقاد في التناهي عن الجدل والمراء في الله تعالى

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: الجدل في الله منهي عنه لانه يؤدي إلى ما لا يليق به.

وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وأن إلي ربك المنتهي - النجم 42 " قال: إذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا.

وكان الصادق عليه السلام يقول: يابن آدم لو أكل قبلك طائر لم يشبعه، وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والارض،؟ إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق الله، فإن قدرت أن تملا عينيك منها فهو كما تقول.

والجدل في جميع أمور الدين منهي عنه.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من طلب الدين بالجدل تزندق.

وقال الصادق عليه السلام: يهلك أصحاب الكلام وينجو المسلمون إن المسلمين هم النجباء.

[  21 ]

فأما الاحتجاج على المخالفين بقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وآله وبقول الائمة عليهم السلام أو بمعاني كلامهم لمن يحسن الكلام فمطلق(1)، وعلى من لا يحسن فمحظور(2) محرم.

وقال الصادق عليه السلام: حاجوا الناس بكلامي فإن حاجوكم كنت أنا المحجوج لا أنتم.

وروي عنه عليه السلام أنه قال، كلام في حق خير من سكوت على باطل.

وروي أن أبا الهذيل العلاف قال لهشام بن الحكم: أنا ظرك على أنك إن غلبتني رجعت إلى مذهبك، وإن غلبتك رجعت إلى مذهبي، فقال هشام: ما أنصفتني بل أناظرك على أنني إن غلبتك رجعت إلى مذهبي وإن غلبتني رجعت إلى إمامي.

___________________________________

(1) أي: جائز.

(2) المحظور: الممنوع .

[  22 ]

12 - باب الاعتقاد في اللوح والقلم

قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في اللوح والقلم: أنهما ملكان.

13 - باب الاعتقاد في الكرسي

قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في الكرسي: أنه وعاء(1) جميع الخلق والعرش والسماوات والارض وكل شئ خلق الله تعالى ! والكرسي في وجه آخر هو العلم.

وقد سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وسع كرسيه السماوات والارض - البقرة: 255 ".

قال: هو علمه.

___________________________________

(1) الوعاء بالفتح وقد يضم: هو الظرف.

[  23 ]

14 - باب الاعتقاد في العرش

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في العرش: أنه جملة جميع الخلق والعرش في وجه آخر هو العلم.

وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: " الرحمن على العرش استوى - طه: 5 " قال: إستوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ.

فأما العرش الذي هو جملة جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة، لكل واحد منهم ثمانية أعين، كل عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة بني آدم فهو يسترزق الله تعالى لود آدم، وواحد منهم على صورة الثور(2) يسترزق الله للبهائم كلها، وواحد منهم على

___________________________________

(2) الثور: الذكرمن البقر .

[  24 ]

صورة الاسد يسترزق الله للسباع، وواحد منهم على صورة الديك(1) يسترزق الله للطيور، فهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية.

وأما العرش الذي هو العلم فحملته أربعة من الاولين وأربعة من الآخرين، فأما الاربعة من الاولين: فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وأما الاربعة من الآخرين: فمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم.

هكذا روى بالاسانيد الصحيحة عن الائمة عليهم السلام في العرش وحملته.

وإنما صار هؤلاء حملة العرش الذي هو العلم لان الانبياء الذين كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله على شرائع الاربعة من الاولين: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومن قبل هؤلاء صارت العلوم إليهم.

وكذلك صار العلم من بعد محمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام إلى من بعد الحسين من الائمة عليهم السلام.

___________________________________

(1) الديك: ذكر الدجاج .

[  25 ]

15 - باب الاعتقاد في النفوس والارواح

قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في النفوس، أنها هي الارواح التي بها تقوم الحياة، وأنها الخلق الاول لقول النبي صلى الله عليه وآله: إن أول ما أبدع(1) الله سبحانه هي النفوس المقدسة المطهرة، فأنطقها بتوحيده، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه.

واعتقادنا فيها: أنها خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء لقول النبي صلى الله عليه وآله: ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار، وإنها في الارض غريبة وفي الابدان مسجونة.

واعتقادنا فيها: أنها إذا فارقت الابدان فهي باقية، منها منعمة، ومنها معذبة، إلى أن يردها الله عزوجل بقدرته إلى أبدانها.

وقال عيسى بن مريم للحواريين: بحق أقول لكم: إنه لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها.

وقال الله جل ثناؤه: " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه - الاعراف: 176 " فما لم يرفع منها إلى الملكوت فهي تهوى(2) في

___________________________________

(1) أي أحدث.

(2) هوى يهوي: سقط .

[  26 ]

الهاوية(1) وذلك لان الجنة درجات والنار دركات.

وقال عزوجل: " تعرج الملائكة والروج إليه - المعارج: 4 ".

وقال تعالى: " إن المتقين في جنات ونهرفي مقعد صدق عند مليك مقتدر - القمر: 54 و 55 ".

وقال تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين - آل عمران: 169 ".

وقال تعالى: " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، الخ - البقرة: 154 ".

وقال النبي صلى الله عليه وآله: الارواح جنود مجندة(2)، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

وقال الصادق عليه السلام: إن الله آخا بين الارواح في الاظلة قبل أن يخلق الابدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت، لورث الاخ الذي آخا بينهما في الاظلة ولم يورث الاخ من الولادة.

وقال الصادق عليه السلام: إن الارواح لتلتقي في الهواء فتعارف وتسائل فإذا أقبل روح من الارض،

___________________________________

(1) من أسماء جهنم.

(2) أي مجموعة .

[  27 ]

فقالت الارواح: دعوه، فقد أفلت(1) من هول عظيم، ثم سألوه ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فكلما قال: قد بقى، رجوه أن يلحق بهم، وكلما قال: قد مات، قالوا: هوى، هوى.

قال تعالى: " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى - طه: 81 ".

وقال تعالى: " وأما من خفت موازينه فأمه هاويه وما أدراك ماهيه نار حامية - القارعة: 8 و 9 و 10 و 11 ".

ومثل الدنيا وصاحبها كمثل البحر والملاح والسفينة.

وقال لقمان لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الايمان بالله عزوجل، واجعل زادك فيها تقوى الله، واجعل شراعها(2) التوكل على الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك لا من الله. وأشد ساعات إبن آدم ثلاث ساعات: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيا. وقد سلم الله على يحيى في هذه الساعات، فقال الله تعالى: " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا - مريم: 15 ".

___________________________________

(1) أفل: غاب.

(2) الشراع ككتاب: ما يرفع من فوق السفينة من ثوب فيجربها .

[  28 ]

وقد سلم فيها عيسى على نفسه فقال: " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا - مريم 33 ".

(الاعتقاد في الروح) والاعتقاد في الروح: أنه ليس من جنس البدن، وأنه خلق آخر لقوله تعالى: " ثم أنشأناه خلقا آخر - المؤمنون: 14 ".

واعتقادنا في الانبياء والرسل والائمة عليهم السلام: أن فيهم خمسة أرواح، روح القدس، وروح الايمان، روح القوة، وروح الشهوة، روح المدرج.

وفي المؤمنين أربعة أرواح: روح الايمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج.

وفي الكافرين والبهائم ثلاثة أرواح، روح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج.

وأما قوله تعالى: " ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي - الاسراء: 85 " فإنه خلق أعظم من جبرئيل ومكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع الملائكة ومع الائمة، وهو من الملكوت.

وأنا أصنف في هذا المعنى كتابا أشرح فيه معاني هذه الجمل.