الاعتقادات

تأليف: الشيخ الصدوق

[2]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وحده لاشريك له وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما وحسبنا الله ونعم الوكيل

1 - باب إعتقاد الامامية في التوحيد

قال الشيخ الرباني أبوجعفر محمدبن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الفقيه المصنف لهذا الكتاب: إعلم أن اعتقادنا في التوحيد: أن الله تعالى واحد أحد ليس كمثله شئ، قديم لم يزل ولا يزال، سميعا بصيرا عليما حكميا حيا قيوما عزيزا قدوسا عالما قادرا غنيا، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولاعرض ولا خط ولا سطح ولا ثقل ولا خفة ولاسكون ولا حركة ولا مكان

[  3 ]

ولازمان، وأنه تعالى متعال من جميع صفات خلقه، خارج عن الحدين حد الابطال وحد التشبيه(1)، وأنه تعالى شئ لا كالاشياء، صمد، لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك ولم يكن له كفوا أحد، ولاند(2) له ولا ضد ولا شبه ولا صاحبة(3) ولا مثل ولا نظير ولا شريك له، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ولا الاوهام وهو يدركها، لاتأخذه سنة(4) ولا نوم وهو اللطيف الخبير، خالق كل شئ، لا إله إلاهو، له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين.

ومن قال بالتشبيه فهو مشترك، ومن نسب إلى الامامية غيرماوصف في التوحيد فهو كاذب، وكل

___________________________________

(1) " حد الابطال أوحد التعطيل ": عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية والاضافية له تعالى و " حد التشبيه " الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات. (قاله المجلسي - رحمه الله -)(2) الند بالكسر: المثل.

(3) الصاحبة: تأنيث الصاحب وهي الزوجة.

(4) السنة بالكسر: النعاس، وقيل: هي ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الانسان فينام، وأصلها وسنة فاعلت.

[  4 ]

خبر يخالف ماذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل، وإن وجدفي كتب علمائنا فهو مدلس(1) والاخبار التي يتوهمها الجهال تشبيها لله تعالى بخلقه فمعانيها محمولة على مافي القرآن من نظائرها.

لان مافي القرآن " كل شي ء هالك إلا وجهه - القصص: 88 " ومعنى الوجه الدين، والوجه الذي يؤتى الله منه ويتوجه به إليه. وفي القرآن: " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود. وهم سالمون - ن والقلم: 42 " والساق وجه الامر وشدته. وفي القرآن: " أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله - الزمر: 56 " والجنب الطاعة. وفي القرآن: " ونفخت فيه من روحي - الحجر: 29 " وهو روح مخلوقة جعل الله منها في آدم وعيسى، وإنما قال روحي كماقال: نبيي وعبدي وجنتي أي: مخلوقي، وناري وسمائي وأرضي. وفي القرآن: " بل يداه مبسوطتان - المائدة: 64 " يعني نعمة الدنيا ونعمة الآخرة.

___________________________________

(1) المدلس بفتح اللام المشددة أصله من المدالسة بمعنى المخادعة .

[  5 ]

وفي القرآن: " والسماء بنيناها بأيد - الذاريات: 47 " والايد القوة، ومنه قوله تعالى: " واذكر عبدنا داوود ذا الايد - ص: 17 " يعني ذا القوة.

وفي القرآن: " ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي - ص: 75 " يعني بقدرتي وقوتي.

وفي القرآن: " والارض جميعا قبضته يوم القيامة - الزمر: 67 " يعني ملكه ولا يملكها معه أحد.

وفي القرآن: " والسماوات مطويات بيمينه - الزمر: 67 " يعني بقدرته.

وفي القرآن: " وجاء ربك والملك صفا صفا - الفجر: 22 " يعني وجاء أمر ربك.

وفي القرآن: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون - المطففين: 15 " يعنى عن ثواب ربهم.

وفي القرآن: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة - البقرة: 210 " أي عذاب الله.

وفي القرآن: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - القيامة: 22 و 23 " يعني مشرقة تنظر ثواب ربها.

وفي القرآن: " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى - طه: 81 " وغضب الله عقابه، ورضاه ثوابه.

[  6 ]

وفي القرآن: " تعلم مافي نفسي ولا أعلم مافي نفسك - المائدة: 116 " أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك.

وفي القرآن، " ويحذركم الله نفسا - آل عمران: 28 " يعني إنتقامه.

وفي القرآن: " إن الله وملائكته يصلون على النبي - الاحزاب: 56 " وفيه: " هوالذي يصلي عليكم وملائكته - الاحزاب: 43 " والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار وتذكية ومن الناس دعاء.

وفي القرآن: " ومكروا ومكرالله والله خير الماكرين - آل عمران: 54 ".

وفي القرآن: " يخادعون الله وهو خادعهم - النساء: 142 " وفيه: " الله يستهزئ بهم - البقرة: 15 ".

وفى القرآن: " سخر الله منهم - التوبة: 79 " وفيه: " نسوا الله فنسيهم - التوبة: 67 ".

ومعنى ذلك كله أنه عزوجل يجازيهم جزاء المكر وجزاء المخادعة وجزاء الاستهزاء وجزاء النسيان وهو أن ينسيهم أنفسهم كماقال عزوجل: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم - الحشر: 19 " لانه عزوجل في

[  7 ]

الحقيقة لا يمكر ولا يخادع ولا يستهزئ ولا يسخر ولا ينسى، تعالى الله عن ذلك علواكبيرا. وليس يرد في الاخبار التي يشنع(1) بها أهل الخلاف والالحاد إلا بمثل هذه الالفاظ ومعانيها معاني ألفاظ القرآن.

___________________________________

(1) شنع: قبح .

[  8 ]

2 - باب الاعتقاد في صفات الذات وصفات الافعال

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: كلما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته فإنما نريد بكل صفة منها نفي ضدها عنه عزوجل.

ونقول: لم يزل الله عزوجل سميعا بصيرا عليما حكيما قادرا عزيزا حيا قيوما واحدا قديما، وهذه صفات ذاته.

ولا نقول إنه عزوجل: لم يزل خلاقا فاعلا شائيا مريدا راضيا ساخطا رازقا وهابا متكلما، لان هذه صفات أفعاله وهي محدثة لا يجوز أن يقال: لم يزل الله موصوفا بها.

3 - باب الاعتقاد في التكليف

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في التكليف: هو أن الله تعالى لم يكلف عباده إلا دون ما يطيقون كماقال تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - البقرة: 286 " والوسع دون الطاقة.

وقال الصادق عليه السلام: والله ما كلف الله العباد إلا دون ما يطيقون لانه كلفهم في كل يوم وليلة خمس صلوات، وكلفهم في السنة صيام ثلاثين يوما، وكلفهم في كل مأتي، درهم خمسة دراهم، وكلفهم في العمر حجة واحدة، وهم يطيقون أكثر من ذلك.

[  9 ]

4 - باب الاعتقاد في أفعال العباد

قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في أفعال العباد: أنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنه لم يزل الله عالما بمقاديرها.

5 - باب الاعتقاد في نفي الجبرو التفويض

قال الشيخ رحمه الله: إعتقادنا في ذلك قول الصادق عليه السلام: لاجبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، فقيل له عليه السلام: وما أمر بين أمرين؟ فقال: ذلك مثل رجل رأيته على معصية: فنهيته، فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لا يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية.

6 - باب الاعتقاد في الارادة والمشية

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك قول الصادق عليه السلام: شاء الله، وأراد مثل ذلك، ولم يحب، ولم يرض، شاء أن لا يكون شئ إلا بعلمه، وأراد مثل ذلك، ولم يحب أن يقال له: ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر.

وقال الله عزوجل: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء - القصص: 56 ".

وقال تعالى: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله -

[  10 ]

الانسان: 30 ".

وقال عزوجل: " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - يونس: 99 ".

وقال عزوجل: " وماكان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله - يونس: 100 ".

وكما قال تعالى: " وماكان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا - آل عمران: 145 ".

وكماقال تعالى: " يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هيهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم - آل عمران: 154 ".

وقال تعالى: " ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - الانعام: 112 ".

وقال تعالى: " ولو شاء الله ما أشركوا - الانعام: 107 ".

وقال تعالى: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هديها - السجدة: 13 ".

وقال تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره

[  11 ]

للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء - الانعام: 125 ".

وقال تعالى: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم - النساء: 26 ".

وقال تعالى: " يريد الله أن لا يجعل لهم حظافي الآخرة - آل عمران: 176 ".

وقال تعالى: " يريد الله أن يخفف عنكم - النساء: 28 ".

وقال تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر - البقرة: 185 ".

وقال تعالى: " والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما - النساء: 27 ".

وقال تعالى: " وما الله يريد ظلما للعباد - المؤمن: 31 ".

فهذا اعتقادنا في الارادة والمشية ومخالفونا يشنعون علينا في ذلك ويقولون إنا نقول:، إن الله أراد المعاصي وأراد قتل الحسين بن علي عليهما السلام،

[  12 ]

وليس هكذا نقول ولكنا نقول: إن الله تعالى أراد أن يكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين، وأراد أن يكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل، وأراد أن يكون موصوفا بالعلم بها قبل كونها.

ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتل الحسين عليه السلام معصية له وخلاف الطاعة.

ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتله منهيا عنه غير مأمور به.

ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتله مستقبحا غير مستحسن.

ونقول: أرادالله تعالى أن يكون قتله سخطا لله غير رضاه.

ونقول: أراد الله عزوجل أن لايمنع من قتله بالجبر والقدرة كما منع منه بالنهي والقول ولو منع منه بالجبر والقدرة كما منع منه بالنهي والقول لا ندفع القتل عنه كما اندفع الحرق عن إبراهيم عليه السلام حين قال الله تعالى للنار التي ألقى فيها: " يانار كوني

[  13 ]

بردا وسلاما على إبراهيم - الانبياء: 69 ".

ونقول: لم يزل الله تعالى عالما بأن الحسين عليه السلام سيقتل جبرا ويدرك بقتله سعادة الابد، ويشقى قاتله شقاوة الابد.

ونقول: ماشاء الله تعالى كان ومالم يشأ لم يكن.

هذا اعتقادنا في الارادة والمشية دون ما ينسبه إلينا أهل الخلاف والمشنعون علينا من أهل الالحاد.

7 - باب الاعتقاد في القضاء والقدر

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك قول الصادق عليه السلام لزرارة حين سأله فقال: ماتقول ياسيدي في القضاء والقدر؟ قال: أقول إن الله تعالى إذ جمع العباد يوم القيامة سألهم عما عهد إليهم يسألهم عما قضى عليهم.

والكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لرجل وقد سأله عن القدر؟ فقال له: بحر عميق فلاتلجة(1) ثم سأله ثانية عن القدر؟ فقال: طريق

___________________________________

(1) أي لاتدخله .

[  14 ]

مظلم فلا تسلكه، ثم سأله ثالثة؟ فقال: سر الله فلا تتكلفه(1).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، وستر من ستر الله، وحرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي(2) عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله العباد عن علمه، ورفعه فوق شهاداتهم ومبلغ عقولهم، لانهم لا ينالونه بحقيقة الربانية، ولا بقدرة الصمدانية، ولا بعظمة النورانية، ولا بعزة الوحدانية، لانه بحر زاخر(3) مواج، خالص لله عزوجل، عمقه ما بين السماء والارض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس(4) كثير الحيات والحيتان، تعلو مرة وتسفل أخرى، في قعره شمس تضئ، لاينبغي أن يطلع عليها إلاالواحد الفرد، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه ونازعه في سلطانه، وكشف عن سره وستره،

___________________________________

(1) الكلفة: المشقة، والمتكلف: المتعرض لما لايعينه

(2) طوى يطوى طيا: كشحه على الامر: أخفاه.

(3) أي مد وكثر ماؤه وارتفعت أمواجه.

(4) أي مظلم .

[  15 ]

وباء(1) بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير.

وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى مكان آخر، فقيل له: أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ فقال عليه السلام: أفر من قضاء الله إلى قدر الله.

وسئل الصادق عليه السلام عن الرقي(2) هل تدفع من القدر شيئا؟ فقال عليه السلام: هي من القدر.

8 - باب الاعتقاد في الفطرة والهداية

قال الشيخ أبوجعفر رحمه الله: إعتقادنا في ذلك: أن الله تعالى فطر جميع الخلق على التوحيد وذلك قوله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها - " الروم: 30 ".

وقال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم مايتقون - التوبة: 115 " قال عليه السلام: حتى يعرفهم

___________________________________

(1) باء بغضب أي: انصرف بذلك.

(2) جمع رقية، كغرفة: هي مايعوذ به الصبيان وأصحاب الآفات كالحمى والصرع وغيرهما .

[  16 ]

ما يرضيه وما يسخطه.

وقال في قوله تعالى: " فألهمها فجورها وتقويها - الشمس: 8 " قال: بين لها ما تأتي وماتترك من المعاصي.

وقال في قوله تعالى: " إنا هديناه السبيل إما شاكراوإما كفورا - الانسان: 3 " قال: عرفناه إما آخذا وإما تاركا.

وفي قوله تعالى: " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى - فصلت: 17 " قال: وهم يعرفون.

وسئل عن قول الله عزوجل: " وهديناه النجدين - البلد: 10 " قال: نجد الخير ونجد الشر.

وقال عليه السلام: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

وقال عليه السلام: إن الله تعالى احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم.