[ 571 ]

الملحق الثالث(1) : مجلس الامام الرضا عليه السلام مَعَ المروزي عند المأمون في التوحيد

جاء في توحيد الصدوق:

حدّثنا أبو محمدٍ جعفر بن علي بن أحمد الفقيه رضي اللّه عنه، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقة القمي، قال: حدثني أبو عمروٍ محمد بن عمر بن عبد العزيز الانصاري الكجي قال: حدثني من سمع الحسن بن محمدٍ النوفلي يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى قدم عليَّ من الحجاز وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعةٍ من بني هاشم فيتنقصُ عند القوم إذا كلمني، ولا يجوز الاستقصاء عليه، قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجةٍ واحدةٍ فقط، فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين اجمع بيني وبينه وخلني وإيّاه وألزم، فوجه المأمون إلى الرضا عليه السلام فقال: إنَّه قدم علينا رجلٌ من أهل مروٍ وهو واحدُ خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت، فنهض عليه السلام للوضوء وقال لنا: تقدموني وعمران الصابئ معنا، فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالدٌ بيدي فأدخلاني على المأمون، فلما سلّمتُ قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه اللّه، قلتُ: خلفته

______________________________

(1) نقل نص الحديث عن توحيد الصدوق، بتحقيق السيد هاشم الحسيني الطهراني باب: 66، ص: 441 - 454، وما ذكر في هامش الحديث من شروحات يعود لمحقق الكتاب.

[ 572 ]

يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدم، ثم قلت يا أمير المؤمنين إنَّ عمران مولاك معي وهو بالباب، فقال: من عمران؟ قلتُ: الصابئ الّذي أسلم على يديك، قال: فليدخل فدخل فرحب به المأمون، ثمَّ قال له: يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم، قال: الحمد للّه الذي شرّفني بكم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلّم خراسان، قال عمران: يا أمير المؤمنين إنّه يزعم أنه واحد خراسان في النظرِ وينكرُ البداءَ، قال: فلم لا تناظرهُ؟ قال عمران: ذلكَ إليه، فدخل الرضا عليه السلام فقال: في أي شيءٍ كنتم؟ قال عمران: يا ابن رسول اللّه هذا سليمان المروزي، فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟ قال عمرانُ: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجةٍ أَحتجُّ بها على نظرائي من أهل النظرِ.

قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟

قال عليه السلام: وما أنكرت من البداءِ يا سليمانُ، واللّه عزّ وجلّ يقول: (أَوَلا يَذكُرُ الإنسانُ أنَّا خَلَقناهُ مِن قَبلُ وَلَم يَكُ شَيئاً)(1) ويقول عزّ وجلّ: (وَهُوَ الَّذي يَبدَؤا الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ)(2) ويقولُ: (بَدِيعُ السَّمواتِ وَالأَرضِ)(3) وَيقولُ عزّ وجلّ: (يَزِيدُ في الخَلقِ ما يَشاءُ)(4) ويقول: (وَبَدَأَ خَلقَ الإنسانِ مِن طينٍ)(5) ويقول عزّ وجلّ: (وَآخَرُونَ مُرجَونَ لأَمرِ اللّهِ إمّا يُعذبُهُم وإمّا يَتُوبُ عَلَيهِم)(6) ويقول عزّ وجلّ: (وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِن عُمُره إلا في كِتابٍ)(7)؟

قال سُلَيمان: هل رويت فيه شيئاً عن آبائكَ؟ قال عليه السلام: نعم رويت عن أبي

______________________________

(1) مريم: 67.

(2) الروم: 27.

(3) البقرة: 117، والانعام: 101.

(4) فاطر: 1.

(5) السجدة: 7.

(6) التوبة: 106.

(7) فاطر: 11.

[ 573 ]

عبد اللّه عليه السلام أنه قال: «إن للّه عزّ وجلّ علمين: علماً مخزُوناً مكنوناً لا يعلمه إلا هو من ذلك يكونُ البداءُ وعلماً علمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيه يعلمونه» قال سليمان: أحبُّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّ وجلّ.

قال عليه السلام: قول اللّه عزّ وجلّ لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (فَتَوَل عَنهُم فَما أَنتَ بِمَلومٍ)(1) أراد هلاكهم ثم بدا اللّه فقال: (وَذَكِّر فَإنَّ الذِّكرى تَنفَعُ المؤمِنينَ)(2)، قال سليمان: زدني جعلت فداك.

قال الرضا عليه السلام لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إن اللّه عزّ وجلّ أَوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه: أن أخبر فلاناً الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا اللّه الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا رب أجلني حتى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى اللّه عز وجل إلى ذلك النبي أن ائتِ فُلاناً الملكَ فأعلمه أني قد انسيتُ في أجله، وزدت في عمره خمس عشرة سنةً، فقال ذلك النبي: يا رب إنك لتعلم أنيِّ لم أكذب قط، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: إنما أنت عبدٌ مأمورٌ فأبلغه ذلك واللّهُ لا يسأل عما يفعل.

ثمَّ التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب، قال: أعوذُ باللّه من ذلك، وما قالتِ اليهود؟

قال عليه السلام: قالت: «يَدُ اللّهِ مغلولةٌ» يعنون أَن اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً، فقال اللّه عزّ وجلّ: (غُلَّت أَيديهمُ وَلُعِنوا بِما قالوا)(3) ولقد سمعتُ قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر عليهما السلام عن البداءِ فقالَ: وما ينكر الناسُ من البداءِ وأَن يَقفَ اللّهُ قوماً يرجيهم لأمره؟

______________________________

(1) الذاريات: 54.

(2) الذاريات: 55.

(3) المائدة: 64.

[ 574 ]

قال سليمان: ألا تخبرني عن (إِنا أَنزَلناهُ في لَيلَةِ الَقدرِ)(1) في أي شيء اُنزلت؟

قال الرِّضا عليه السلام: يا سُليمان ليلةُ القدر يقدِّر اللّه عزّ وجلّ فيها ما يكون من السَّنة إلى السنة من حياةٍ، أو موتٍ، أو خيرٍ، أو شرٍّ، أو رزقٍ، فما قدَّرهُ من تلكَ الليلةٍ فهوَ من المحتوم.

قال سليمان: ألآن قد فهمتُ جعلت فداكَ، فزدني.

قال عليه السلام: يا سليمان إنَّ من الامورِ اُموراً موقوفةً عند اللّه تباركَ وتعالى يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، يا سليمانُ إنَّ علياً عليه السلام كان يقول: العلم علمان: فعلمٌ علَّمه اللّه ملائكتهُ ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فانَّهُ يكون، ولا يكذِّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، يقدِّم منهُ ما يشاء ويؤَخِّر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاءُ ويثبتُ ما يشاء، قال سليمان للمأمون: يا أمير المؤمنين لا اُنكر بعد يومي هذا البداء ولا اُكذبُ به إن شاء اللّه.

فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدا لك، وعليك بحسنِ الاستماع والانصاف.

قال سليمان: يا سيدي أسألُك؟

قال الرضا عليه السلام: سل عما بدا لك، قال: ما تقول فيمن جعل الارادة اسماً وصفة مثل حيٍّ وسميعٍ وبصيرٍ وقديرٍ؟ قال الرِّضا عليه السلام: إنما قلتم حدثت الأشياءُ واختلفت لأنه شاءَ وأراد، ولم تقولوا حدثت واختلفت لأنه سميعٌ بصير، فهذا دليلٌ على أنها ليست بمثل سميع ولا بصيرٍ ولا قديرٍ.

قال سليمان: فانه لم يزل مريداً.

قال عليه السلام: يا سليمان فارادته غيره؟ قال نعم، قال عليه السلام: فقد أثبتَّ معه شيئاً غيره لم يزل، قال سليمان: ما أثبتُّ.

______________________________

(1) القدر: 1.

[ 575 ]

قال الرضا عليه السلام أهي محدثة؟ قال سليمان: لا ما هي محدثةٌ.

فصاح به المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر، عليك بالانصافِ، أما ترى من حولك من أهل النظر؟ ثم قال: كلِّمه يا أبا الحسن فإنه متكلّم خراسان، فأعاد عليه المسألة، فقال عليه السلام: هي محدثة يا سليمانُ فان الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً.

قال سليمان: إرادته منهُ كما أنَّ سمعه منه وبصره منه وعلمه منه.

قال الرضا عليه السلام: فإرادته نفسه؟! قال: لا.

قال عليه السلام فليس المريد مثل السميع والبصير، قال سليمان: إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه.

قال الرضا عليه السلام: ما معنى أراد نفسه أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حياً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً؟! قال نعم.

قال الرِّضا عليه السلام: أفبارادته كان ذلك؟! قال سليمان: لا.

قال الرضا عليه السلام: فليس لقولك: أراد أن يكون حياً سميعاً بصيراً معنىً إذا لم يكن ذلك بارادته، قال سليمان: بلى قد كان ذلك بارادته، فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضا عليه السلام، ثم قال: ارفقوا بمتكلّم خراسان، يا سليمان فقد حال عندكم عن حالةٍ وتغير عنها(1)، وهذا مما لا يوصف اللّه عزّ وجلّ به، فانقطع.

ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان أسالك مسألةً، قال: سل جعلت فداك.

قال عليه السلام: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلّمون الناس بما يفقهون ويعرفون، أو بما لا يفقهون ولا يعرفون؟ قال: بل بما يفقهون ويعرفون.

قال الرضا عليه السلام: فالَّذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة وأن المريد قبل الارادة

______________________________

(1) أي لو كان ذلك أي كونه سميعاً بصيراً قديراً بارادته لتحوّل وتغير في هذه الصفات، لأَن إرادته يمكن أن لا تتعلق بها كسائر الامور، وفي البحار وفي نسخة (و) و(ن) و(د) «عن حاله وتغير عنها».

[ 576 ]

وأن الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم: إنَّ الإرادة والمريد شيء واحد، قال: جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون، قال عليه السلام: فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفةٍ، وقلتم: الإرادةُ كالسمع والبصر إذاً كان ذلك عندكم على ما لا يعرفُ ولا يعقل.

فلم يحر جواباً.

ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان هل يعلم اللّه عزّ وجلّ جميع ما في الجنة والنار؟! قال سليمان: نعم.

قال عليه السلام: أفيكون ما علم اللّه عزّ وجلّ أنَّه يكون من ذلك؟! قال: نعم.

قال عليه السلام: فإذا كان حتى لا يبقى منه شيءٌ إِلا كان، أيزيدهم أو يطويه عنهم؟! قال سليمان: بل يزيدهم.

قال عليه السلام: فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون(1) قال: جعلت فداك والمزيد لا غاية له(2).

قال عليه السلام: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غايةُ ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، قال سليمان: إنما قلتُ: لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن اللّه عزّ وجلّ وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً.

قال الرضا عليه السلام: ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم وكذلك قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (كلَّما نَضِجَت جُلُودُهُم

______________________________

(1) قوله عليه السلام: «أنه يكون» مبتدء مؤخر، والضمير يرجع إلى ما لم يكن، و«في علمه» خبر له مقدم، والجملة مفعول ثان لقوله: «فأراه» أي فأراه أن ما لم يكن يكون في علمه على قولك: انه يزيدهم ما لم يكن، فعلمه المتعلق الآن بما لم يكن غير الارادة لانها لم تتعلق به بعد.

(2) في البحار وفي نسخة (د) و(ب) «فالمزيد لا غاية له» وهذا أنسب لافادة التفريع والتعليل، كانه على زعمه قال: كما أن ارادته لا تتعلق الآن بالمزيد في الدار الآخرة لا يتعلق علمه به لان المزيد لا غاية له وغير المتناهي لا يكون معلوماً، فرد عليه بتنزيهه تعالى عن عدم العلم به وان كان غير متناه.

[ 577 ]

بدَّلناهُم جُلوداً غَيرَها لِيَذوقوا العذابَ)(1) وقال عزّ وجلّ لأهل الجنة: (عطاءً غَيرَ مَجذُوذٍ)(2) وقال عزّ وجلّ: (وفاكِهةٍ كَثيرةٍ* لا مَقطوعَةٍ ولا مَمنوعَةٍ)(3) فهو جلَّ وعزَّ يعلم ذلك ولا يقطعُ عنهم الزيادة، أَرأَيتَ ما أكَلَ أهل الجنةِ وما شربوا، أليس يُخلفُ مكانه؟! قال: بلى.

قال عليه السلام: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟! قال سليمان: لا.

قال عليه السلام: فكذلك كل ما يكون فيها(4) إذا أخلف مكانه فليس بمقطوعٍ عنهم، قال سليمان: بل يقطعه عنهم فلا يزيدهم.

قال الرضا عليه السلام: إِذاً يبيد ما فيهما وهذا يا سليمان إبطالُ الخلودِ، وخلافُ الكتابِ، لأنَّ اللّه عزّ وجلّ يقولُ: (لهم ما يَشاءُونَ فيها وَلَدَينا مَزِيدٌ)(5)، ويقول عزّ وجلّ: (عَطاءً غَيرَ مَجذُوذٍ)(6)، ويقول عزّ وجلّ: (وَما هُم مِنها بِمُخرَجِينَ)(7)، ويقول عزّ وجلّ: (خالِدينَ فيها أَبَداً)(8)، ويقول عزّ وجلّ: (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مقطُوعَةٍ وَلا مَمنوعَةٍ)(9).

فَلم يحر جواباً.

ثم قال الرضا عليه السلام: يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعلٍ؟ قال: بل هي فعل.

قال عليه السلام: فهي محدثةٌ لأنَّ الفعل كله محدثٌ، قال: ليست بفعلٍ.

______________________________

(1) النساء: 56.

(2) هود: 108.

(3) الواقعة: 33.

(4) أي فكالجنة كل ما في النار.

(5) ق: 35.

(6) هود: 108.

(7) الحجر: 48.

(8) في أحد عشر موضعاً من القرآن.

(9) الواقعة: 33.

[ 578 ]

قال عليه السلام: فمعه غيره لم يزل، قال سليمان: الإرادة هي الإنشاءُ.

قال عليه السلام: يا سُليمان هذا الذي ادعيتموه على ضرارٍ وأَصحابه(1) من قولهم: إن كل ما خلق اللّه عزّ وجلّ في سماءٍ أو أرضٍ أو بحرٍ أو برٍّ من كلبٍ أو خنزيرٍ أو قردٍ أو إنسانٍ أو دابةٍ إرادة اللّهِ عزّ وجلّ، وَانَّ إرادة اللّهِ عزّ وجلّ تحيى وتموتُ وتذهبُ وتأكلُ وتشربُ وتنكحُ وتلد وتظلمُ وتفعلُ الفواحش وتكفُر وتُشركُ فتبرِّء منها وتعاديها وهذا حدُّها(2).

قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم.

قال الرضا عليه السلام: قد رجعت إِلى هذا ثانيةً، فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أَمصنوعٌ؟ قال سليمان: لا.

قال الرضا عليه السلام: فكيف نفيتموه(3) فمرَّةً قلتم لم يرد، ومرةً قلتم أَراد، وليست بمفعولٍ له؟! قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرةً عَلِمَ ومَرةً لم يعلم(4).

قال الرضا عليه السلام: ليس ذلك سواء، لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المرادِ نفي الإرادةِ أن تكون، لأنَّ الشيء إذا لم يرد لم يكن إرادةٌ، وقد يكونُ العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الانسان بصيراً وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم(5)، قال سليمان: إنها مصنوعةٌ.

قال عليه السلام: فهي محدثةٌ ليست كالسمع والبصر، لأنَّ السمع والبصرَ ليسا بمصنوعينِ، وهذهِ مصنوعةٌ، قال سليمان: إنها صفةٌ من صفاته لم تزل.

______________________________

(1) هو ضرار بن عمرو، وهم من الجبريّة، لكن وافقوا المعتزلة في أشياء، واختصوا بأشياء منكرة.

(2) أي فتبرء من الارادة بالمعنى الذي ذهب إليه ضرار وتعاديها، مع أن هذا الذي ذهبت إليه من أن الارادة هي الانشاء حد الارادة بالمعنى الذي ذهب إليه ضرار، وفي البحار بصيغة المتكلم مع الغير في الفعلين، وفي نسخة (و) و(ط) و(ج) «تفارقها» مكان «تعاديها».

(3) في هامش نسخة (و) «فكيف نعتموه» والضمير المنصوب يرجع حينئذٍ إليه تعالى، وهذا أصح، وعلى سائر النسخ فالضمير يرجع الى الارادة وتذكيره باعتبار المعنى.

(4) أي مرة وقع علمه على المعلوم الموجود، ومرة لم يقع علمه على المعلوم لكونه غير موجود، ومر نظير هذا في الحديث الاول من الباب الحادي عشر.

(5) «لم يكن» في المواضع الاربعة تامة، «بمنزلة البصر» خبر لمبتدء محذوف، أي العلم بمنزلة البصر.

[ 579 ]

قال عليه السلام: فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل لأنَّ صفته لم تزل، قال سليمان: لا لأنَّه لم يفعلها.

قال الرضا عليه السلام: يا خُراساني ما أكثر غلطك، أفليس بارادته وقوله تَكَوُّنُ الأشياء؟! قال سليمان: لا.

قال عليه السلام: فإذا لم يكن بارادته ولا مشيئته ولا أمره ولا بالمباشرة فكيف يُكَوَّن ذلك؟! تعالى اللّه عن ذلك.

فلم يحر جواباً(1).

ثم قال الرضا عليه السلام: ألا تخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وإذا أَرَدنا أَن نُهلِكَ قَريةً أمَرنا مُترَفيها فَفَسَقوا فيها)(2) يعني بذلك أنه يحدثُ إرادةً؟! قال له: نعم.

قال عليه السلام: فإذا أحدث إرادةً كان كقولكَ إنَّ الارادة هي هو أم شيءٌ منه باطلاً، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغير عن حاله، تعالى اللّه عن ذلك، قال سليمان: إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدثه إرادةً.

قال عليه السلام: فما عنى به، قال: عنى فعل الشيء.

قال الرضا عليه السلام: ويلك كم ترددُ هذهِ المسألة، وقد أخبرتك أن الإرادة محدثةٌ لأن فعل الشيء محدثٌ، قال: فليس لها معنىً.

قال الرضا عليه السلام: قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له، فإذا لم يكن لها معنىً قديم ولا حديثٌ بطل قولكم: إن لم يزل مريداً. قال سليمان: إنما عنيتُ أنها فعل من اللّه لم يزل.

______________________________

(1) أيضاح الكلام أنه عليه السلام ألزمه على كون الارادة أزلية كون الانسان مثلاً أزلياً لان صفته أي ارادته التي بها خلق الانسان أزلية، فأجاب سليمان بأنه لا يلزم ذلك لانه فعل الانسان فهو حادث ولم يفعل الارادة فهي أزلية، فرده عليه السلام بأن هذا غلط كسائر أغلاطك لان تكون الاشياء انما هو بارادته ولا تتخلف عن المراد بشهادة العقل والآية، فكابر سليمان فقال: لا يكون بارادته، فأفحمه بما قال عليه السلام. فلم يحر جواباً.

(2) الاسراء: 16.

[ 580 ]

قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً، وحديثاً وقديماً في حالةٍ واحدةٍ؟

فلم يحر جواباً.

قال الرضا عليه السلام: لا بأس، أَتمم مسألتكَ، قال سليمان: قلت: إنَّ الإرادة صفةٌ من صفاته.

قال الرضا عليه السلام: كم ترددُ عليَّ أنها صفةٌ من صفاته، وصفته محدثةٌ أو لم تزل؟! قال سليمان: محدثة.

قال الرضا عليه السلام: اللّه أكبر، فالإرادةُ محدثةٌ وإن كانت صفةً من صفاته لم تزل.

فلم يرد شيئاً(1).

قال الرضا عليه السلام: إنَّ ما لم يزل لا يكونُ مفعولاً، قال سليمان: ليس الأشياء إرادةً ولم يرد شيئاً(2).

قال الرضا عليه السلام: وسوست يا سليمان، فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه ولا فعله، وهذه صفةُ من لا يدري ما فعل، تعالى اللّه عن ذلك.

قال سليمان: يا سيدي قد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم.

قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والترددّ، اقطع هذا وخذ في غيره إذ لست تقوى على هذا الردِّ، قال الرضا عليه السلام: دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة، تكلم يا سليمان، قال: قد أخبرتك أنَّها كالسمع والبصر والعلم.

قال الرضا عليه السلام: لا بأس، أخبرني عن معنى هذه أمعنى واحدٌ أم معانٍ مختلفةٌ؟! قال سليمان: بل معنى واحدٌ.

قال الرضا عليه السلام: فما معنى الإرادات كلها معنى واحدٌ؟ قال سليمان: نعم.

قال الرضا عليه السلام: فإن كان معناها معنىً واحداً كانت إرادةُ القيام وإرادة القعود

______________________________

(1) لان العالم حادث والارادة أزلية والتخلف ممتنع، وقوله: «ان ما لم يزل - الخ» تعليل به باللازم.

(2) أي لا أقول بقول ضرار ولا بقولكم، بل له ارادة غير متعلقة بشيء أو ليست له ارادة راساً.

[ 581 ]

وإرادة الحياةِ وإرادةُ الموتِ إذا كانت إرادته واحدةً(1) لم يتقدم بعضها بعضاً، ولم يخالف بعضها بعضاً، وكانَ شيئاً واحداً(2)، قال سليمانُ: إن معناها مختلف.

قال عليه السلام فأخبرني عن المريد أهو الإرادةُ أو غيرها؟! قال سليمان: بل هو الإرادة.

قال الرضا عليه السلام: فالمريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة؟ قال: يا سيدي ليس الإرادة المريد.

قال عليه السلام: فالإرادةُ محدثةٌ، وإلا فمعه غيره، إفهم وزد في مسألتكَ.

قال سليمان: فانَّها اسم من أسمائه.

قال الرضا عليه السلام: هل سمى نفسه بذلك؟ قال سليمان: لا لم يسمِّ نفسه بذلك.

قال الرِّضا عليه السلام: فليس لك أن تسميه بما لم يسمِّ به نفسهُ، قال: قد وصف نفسه بأنَّه مريدٌ.

قال الرِّضا عليه السلام: ليس صفته نفسه أنه مريد إخباراً عن أنَّه إرادةٌ ولا إخباراً عن أنَّ الإرادة اسمٌ من أسمائه، قال سليمان: لأنَّ إرادته علمه.

قال الرِّضا عليه السلام: يا جاهل فإذا علم الشيء فقد أراده؟ قال سليمان: أجل.

قال عليه السلام: فإذا لم يرده لم يعلمه، قال سليمان: أجل.

قال عليه السلام: من أين قلت ذاك، وما الدليل على أن إرادته علمه؟ وقد يعلم ما لا يريدهُ أبداً، وذلك قوله عزّ وجلّ: (وَلَئِن شِئنا لَنَذهبنَّ بِالَّذي أَوحَينا إلَيكَ)(3)، فهو يعلمُ كيف يذهبُ به وهو لا يذهب به أبداً، قال سليمان: لأنه قد فرغَ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً.

______________________________

(1) هذه الجملة تأكيد للشرط بلفظ آخر وقعت بين اسم كانت وخبرها: وفي نسخة (ط) و(ن) «إذا كانت ارادة واحدة» وفي نسخة (و) «إذ كانت ارادته واحدة» وفي البحار: «فان كان معناها معنى واحداً كانت ارادة القيام ارادة القعود، وارادة الحياة ارادة الموت، إذ كانت ارادته واحدة لم يتقدم بعضها بعضاً - الخ» وهذا أحسن.

(2) أي كان المراد شيئاً واحداً، وفي نسخة (و) و(ط) و(ن) «وكانت شيئاً واحداً».

(3) الاسراء: 86.

[ 582 ]

قال الرَّضا عليه السلام: هذا قول اليهودِ فكيف قال عزّ وجلّ: (ادعُوني أَستَجِب لَكُم)(1) قال سليمان: إنَّما عنى بذلك أنَّه قادر عليه.

قال عليه السلام: أفيعد ما لا يفي به؟! فكيف قال عزّ وجلّ: (يَزِيدُ في الخَلقِ ما يَشاء)(2)، وقال عزّ وجلّ: (يَمحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثبتُ وعِندهُ اُمُّ الكِتابِ)(3)، وقد فرغ من الأمر.

فلم يحر جواباً.

قال الرضا عليه السلام: يا سليمان هل يعلم أنَّ إنساناً يكون ولا يريد أن يخلق إنساناً أبداً، وأنَّ إنساناً يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟ قال سليمان: نعم.

قال الرَّضا عليه السلام فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون، أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟! قال: يعلم أنَّهما يكونان جميعاً.

قال الرضا عليه السلام: إذن يعلم أن إنساناً حي، ميِّت، قائم، قاعد، أعمى، بصير في حالٍ واحدةٍ، وهذا هو المحال، قال: جعلت فداك فانَّه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر.

قال عليه السلام: لا بأس، فأيهما يكون، الذي أراد أن يكون أو الذي لم يرد أن يكون؟

فضحك الرضا عليه السلام، والمأمون، وأصحاب المقالات.

قال الرضا عليه السلام: غلطت وتركت قولك: إنه يعلم أن إنساناً يموت اليوم، وهو لا يريد أن يموتَ اليوم، وَأنه يخلق خلقاً وهو لا يريدُ أن يخلقهم، فإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون، فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون(4).

______________________________

(1) المؤمن: 60.

(2) فاطر: 1.

(3) الرعد: 39.

(4) حاصل الكلام من قوله عليه السلام: يا سليمان هل يعلم أن انساناً يكون إلى هنا أنه هل يتعلق علمه تعالى بنسبة قضية ولا يتعلق ارادته بها، فأقر سليمان بذلك، فثبت مطلوبه عليه السلام الذي هو عدم اتحادهما، لكنه أقر بالحق في غير موضعه من حيث لا يشعر (كأنه اختبط واختلط من كثرة الحجاج في المجلس) لان المثالين مجمعهما، إذ علمه تعالى بموت إنسان يستلزم ارادته، وبكون انسان يستلزم إرادة يستلزم إرادة خلقه، ومورد التخلف الامثلة التي ذكرها عليه السلام من قبل، ثم أراد عليه السلام أن ينبهه على غلطه فقال: فيعلم أنه يكون ما يريد - الخ، والقسمة لعلمه بكون ما يريد وما لا يريد تقتضي صوراً أربعاً: يعلم أنه يكون ما يريد أن يكون فقط، يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون فقط، يعلمهما جميعاً، لا يعلمهما، والصورة الثانية هي ما ينطبق عليه المثالان، والاخيرة محال، والثالثة محال أيضاً لما قال عليه السلام: اذن يعلم أن انساناً حي ميت - الخ، ومنطبقة المثالين أيضاً محال لما قلنا، وسليمان بصرافة فطرته تركها واختار الصورة الاولى حيث قال: «الذي أراد أن يكون» بعد أن قال: «لا باس فأيهما يكون - الخ».

[ 583 ]

قال سليمان: فانما قولي: إن الإرادة ليست هو ولا غيره.

قال الرضا عليه السلام: يا جاهل إذا قلت: ليست هو، فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو، قال سليمان: فهو يعلم كيف يصنع الشيء؟

قال عليه السلام: نعم؟ قال سليمان: فإن ذلك إثبات للشيء(1).

قال الرضا عليه السلام: أحلت لأنَّ الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً، ثم قال عليه السلام له: يا سليمان هل يعلم أنه واحد لا شيء معه؟! قال: نعم.

قال عليه السلام: أفيكون ذلك إثباتاً للشيء؟! قال سليمان: ليس يعلم أنه واحدٌ لا شيء معه.

قال الرضا عليه السلام أفتعلم أنت ذاك؟! قال: نعم.

قال عليه السلام: فأنت يا سليمان أعلم منه إذاً، قال سليمانُ: المسألة محالٌ.

قال عليه السلام: محال عندكَ أنه واحدٌ لا شيء معه، وأنَّه سميعٌ، بصيرٌ، حكيمٌ، عليمٌ، قادرٌ؟! قال: نعم.

قال عليه السلام: فكيف أخبر اللّه عزّ وجلّ أنه واحدٌ حي، سميعٌ، بصيرٌ، عليمٌ، خبيرٌ، وهو لا يعلم ذلك؟! وهذا ردُّ ما قال وتكذيبهُ، تعالى اللّه عن ذلك.

ثمَّ قال الرضا عليه السلام: فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه ولا ما هو ؟! وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فانَّما هو متحير، تعالى اللّه عن ذلك.

______________________________

(1) المعنى، فان ذلك إثبات للشيء معه في الازل، وذلك ظناً منه أن العلم بالمصنوع يستلزم وجوده، فأجاب عليه السلام بالفرق بين العلم والارادة بالامثلة، فان العلم لا يستلزم المعلوم بخلاف الارادة فانها تستلزم المراد، وقوله: «يحسن» في المواضع الثلاثة من الاحسان بمعنى العلم.

[ 584 ]

قال سليمان: فإنَّ الإرادة القدرةُ.

قال الرِّضا عليه السلام: وهو عزّ وجلّ يقدر على ما لا يريده أبداً، ولا بدَّ من ذلك لأنَّه قال تباركَ وتعالى: (وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبنَّ بِالَّذِي أَوحينا إليكَ)(1)، فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته، فانقطع سليمان.

قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشمي. ثم تفرق القومُ.

______________________________

(1) الاسراء: 86.

[ 585 ]

الملحق الرابع(1) : رسالة الامام علي بن محمد الهادي عليه السلام في الجبر و...

التفويض وبيان معنى الامر بين الامرين

روي عن الامام أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام (في الرد على أهل الجبر والتفويض وإثباتِ العدل والمنزلةِ بين المنزلتين) انَّه أجاب:

من علي بن محمدِ، سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى ورحمة اللّه وبركاته، فإنه ورد عليَّ كتابكم(2)، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضكم في القدر ومقالةِ من يقول منكم بالجبر، ومن يقول بالتفويض، وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم، وفهمت ذلك كله.

اعلموا رحمكم اللّه أنّا نظرنا في الآثار، وكثرة ما جاءت به الأخبارُ، فوجدناها عند جميع من ينتحل الإسلام ممن يعقل عن اللّه جلّ وعزّ لا تخلو من معنيين: إمّا حق فيتبع، وإما باطلٌ فيجتنبُ، وقد اجتمعت الاُمّة قاطبةً لا اختلافَ بينهم أنَّ القرآن حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتابِ وتحقيقه، مصيبون مهتدون وذلك بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لا تجتمع اُمتي على ضلالةٍ» فأخبر أنَّ جميع ما اجتمعت عليه الامّةُ كلها حقٌ، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاً. والقرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه: فإذا شهد القرآن بتصديق خبرٍ وتحقيقه، وأنكر الخبر طائفةٌ

______________________________

(1) نقل نص الحديث عن تحف العقول للحراني، ص: 458 - 475 بتحقيق: علي أكبر الغفاري، وما ذكر في الحاشية من شروح يعود لمحقق الكتاب.

(2) رواها الطبرسي في الاحتجاج مجملاً تحت عنوان رسالته عليه السلام إلى أهل الاهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض.

[ 586 ]

من الاُمّةِ لزمهم الإِقرار به ضرورةً حين اجتمعت في الأصلِ على تصديقِ الكتاب، فإن (هي) جحدت وأنكرت لزمها الخروج من الملَّةِ.

فأوَّل خبرٍ يعرفُ تحقيقهُ من الكتاب وتصديقه والتماسُ شهادته عليه خبر ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم حيث قال: «إنِّي مخلفٌ فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي - أهل بيتي - لن تضلّوا ما تمسكتم بهما وإنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوضَ»، فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب اللّه نصاً مثل قوله جلّ وعزّ: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ والّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمونَ الصلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُم راكِعُونَ* وَمَن يَتَوَلَّ اللّه وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حَزبَ هُمُ الغالِبُونَ)(1)، وروت العامة في ذلك أخباراً لأمير المؤمنين عليه السلام أنَّه تَصَدقَ بخاتمه وهو راكعٌ، فشكر اللّه ذلك له، وأنزل الآية فيه. فوجدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أتى بقوله: «من كنتُ مولاه فعلي مولاه» وبقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إِنه لا نبي بعدي»، ووجدناه يقول: «علي يقضي ديني، وينجز موعدي، وهو خليفتي عليكم من بعدي».

فالخبر الأوَّل الذي استنبطت منه هذه الأخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو أيضاً موافقٌ للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الاخر لزم على الامَّةِ الإقرارُ بها ضرورةً، إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقةٌ، ووافقتِ القرآن والقرآن وافقها. ثم وردت حقائق الأخبار من رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم عن الصادقين عليهما السلام ونقلها قوم ثقات معروفون، فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة لا يتعداه إلا أهل العناد. وذلك أنَّ أقاويل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم متصلةٌ بقول اللّه، وذلك مثل قوله في محكم كتابه: (إنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ في

____________________________

(1) المائدة: 55 - 56.

[ 587 ]

الدُّنيا وَالآخِرَةَ وَأعَدَّ لَهُم عَذاباً مُهيناً)(1)، ووجدنا نظير هذه الآية قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى اللّه يوشك أن ينتقم منه»، وكذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من أحب علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب اللّه»، ومثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في بني وليعةَ: «لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي، يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، قم يا علي فسر إليهم»(2). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: يوم خيبر: «لأبعثنَّ إليهم غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، كراراً غير فرارٍ، لا يرجع حتّى يفتح اللّه عليه» فقضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالفتح قبل التوجيه، فاستشرف لكلامه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما كان من الغد دعا علياً عليه السلام، فبعثه إليهم فاصطفاه بهذه المنقبة(3)، وسماه كراراً غير فرارٍ، فسماه اللّه محباً للّه ولرسوله، فأخبر أنَّ اللّه ورسوله يحبانه.

وإنّما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلاً على ما أردنا وقوةً لما نحن مبينوه من أمر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين وباللّه العون والقوة، وعليه نتوكل في جميع أمورنا، فإنّا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليه السلام: «لا جبر ولا تفويض ولكن منزلةٌ بين المنزلتين وهي صحةُ الخلقة، وتخلية السرب(4)، والمهلة في الوقت والزاد مثل الراحلة، والسبب المهيج للفاعل على فعله»، فهذه خمسة أشياء جمع به الصادق عليه السلام جوامع الفضل، فإذا نقص العبد منها خلَّةً كان العمل عنه مطروحاً بحسبه، فأخبر الصادق عليه السلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته، ونطق الكتابُ بتصديقه، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله، لأنَّ الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام لا يعدون شيئاً من قوله، وأقاويلهم حدود القرآن، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل، فوجد لها موافقاً، وعليها دليلاً

______________________________

(1) الاحزاب: 57.

(2) بنو وليعة - كسفينة -: حي من كندة. وقد مضى هذه القضية أيضاً في احتجاجات الامام الرضا عليه السلام في الاصطفاء مع العلماء في مجلس المأمون.

(3) في بعض النسخ (بهذه الصفة).

(4) السرب - بالفتح -: الطريق والصدر. - وبالكسر - أيضاً: الطريق والقلب. - وبالتحريك -: الماء السائل. وسيأتي بيان هذه الخمسة عن الامام عليه السلام بعد شرح الجبر والتفويض وانهما خلاف العدل والعقل.

[ 588 ]

كان الاقتداء بها فرضاً لا يتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا في أوَّل الكتابِ. ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه السلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره الجبر والتفويض، وجدنا الكتاب قد شهد له، وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه أيضاً موافقٌ لهذا، أن الصادق عليه السلام سئل هل أجبر اللّه العباد على المعاصي؟ فقال الصادق عليه السلام: هو أعدلُ من ذلك. فقيل له: فهل فوض إليهم؟ فقال عليه السلام: هو أعز وأقهر لهم من ذلك.

وروي عنه أنه قال: الناس في القدر على ثلاثةِ أوجهٍ: رجل يزعم أنَّ الأمر مفوضٌ إليه، فقد وهن اللّه في سلطانه، فهو هالكٌ. ورجل يزعم أن اللّه جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي، وكلَّفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم اللّه في حكمه، فهو هالكٌ، ورجل يزعم أنَّ اللّه كلَّف العباد ما يطيقونَ، ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد اللّه، وإذا أساء استغفر اللّه، فهذا مسلمٌ بالغٌ، فأخبر عليه السلام أنَّ من تقلَّد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلافِ الحقِّ، فقد شرحتُ الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأنَّ الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارتِ المنزلةُ بين المنزلتينِ بينهما.

ثم قال عليه السلام: وأضربُ لِكلِّ بابٍ من هذه الأبواب مثلاً يقرِّب المعنى للطالب، ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آياتِ الكتابِ، وتحقق تصديقه عند ذوي الألبابِ، وباللّه التوفيق والعصمةُ.

فأمّا الجبر الذي يلزمُ من دان به الخطأُ فهو قول من زعم ان اللّه جل وعزَّ أجبر العباد على المعاصي، وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه في حكمه، وكذَّبه وردَّ عليه قوله: (وَلا يظلِمُ رَبُّكَ أحَداً)(1)، وقوله: (ذلِكَ بِما قَدَّمَت يَداكَ وَأَنَّ اللّه لَيسَ بِظَلامٍ للعبيدِ)(2). وقوله: (إنَّ اللّه لا يَظلِمُ النّاسَ شَيئاً وَلكِنَّ النّاسَ أنفُسَهُم يَظلِمُون)(3).

______________________________

(1) الكهف: 49.

(2) الحج: 10.

(3) يونس: 44.

[ 589 ]

مع آي كثيرةٍ في ذكرِ هذا. فمن زعم أنَّه مجبرٌ على المعاصي فقد أحال بذنبه على اللّه، وقد ظلمهُ في عقوبته. ومن ظلم اللّه فقد كذَّبَ كتابه. ومن كذَّبَ كِتابهُ فقد لزمه الكفرُ باجتماع الاُمَّةِ. ومثل ذلك مثل رجلٍ ملك عبداً مملوكاً لا يملكُ نفسه، ولا يملك عرضاً من عرض الدُّنيا، ويَعلم مولاه ذلك منهُ فأَمَرَه على علم منه بالمصير الى السوقِ لحاجةٍ يأتيه بها، ولم يُملِّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته وعلم المالك أنَّ على الحاجة رقيباً لا يطمع أحدٌ في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثَّمَن، وقد وصفَ مالكُ هذا العبد نفسهُ بالعدل والنصفةِ وإظهارِ الحكمةِ ونفي الجور، وأَوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه، وعلم أنَّ المملوك لا يملكُ ثمنها، ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد إلى السوق، وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها، وجد عليها مانعاً منها إلا بشراءٍ، وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاهُ خائباً بغير قضاءِ حاجته، فاغتاظ مولاه من ذلك، وعاقبه عليه، أليس يجب في عدله وحكمه أن لا يعاقبه، وهو يعلم أنَّ عبدهُ لا يملك عرضاً من عروضِ الدُّنيا، ولم يملّكه ثمن حاجته؟ فإن عاقبه عاقبه ظالماً متعدِّياً عليه، مبطلاً لما وصف من عدله وحكمته ونَصِفَتِه، وإن لم يعاقبه كذَّب نفسه في وعيده إيّاه حين أوعده بالكذبِ والظلمِ اللذين ينفيان العدل والحكمة، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، فمن دان بالجبر أو بما يدعو إلى الجبر فقد ظَلَّم اللّهَ، ونسبه العقوبة، ومن زعم أنَّ اللّه إلى الجور والعدوان، إذ أوجب على من أجبر فقد أوجب على قياس قوله (هُ) أجبر العباد إنَّ اللّه يدفع عنهم العقوبةَ، ومن زعم أنَّ اللّهَ يدفع عن أهل المعاصي العذاب فقد كذَّبَ اللّه في وعيده حيث يقولُ: (بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَت بِه خَطيئتُهُ فأولئكَ أصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدُونَ)(1)، وقوله: (إنَّ الَّذينَ يأكُلونَ أموالَ الَيتامى ظُلماً إنَّما يأكُلونَ في بُطُونِهِم ناراً وَسَيَصلَونَ سَعيراً)(2)، وقوله:

______________________________

(1) البقرة، 81.

(2) النساء: 10.

[ 590 ]

(إنَّ الذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوفَ نُصليهِم ناراً كُلَّما نَضِجت جُلوُدُهُم بَدَّلناهُم جُلُوداً غَيرَها لِيذُوقوا العَذابَ إنَّ اللّه كانَ عَزِيزاً حَكيماً)(1)، مَعَ آي كثيرةٍ في هذا الفنِّ ممن كذَّب وَعيد اللّهِ ويلزَمُهُ في تكذيبه آيةً من كتابِ اللّه الكفرُ وهو ممن قال اللّهُ: (أفتؤمنونَ ببعضِ الكِتابِ وَتَكفُرُونَ بِبعضٍ فَما جَزاءُ من يَفعل ذلِكَ مِنكُم إلا خِزيٌ فِي الحَيوةِ الدُّنيا وَيَوم الَقيمَةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ العذابِ وَمَا اللّهُ بغافِلٍ عَمّا تَعمَلُون)(2) بَل نقول: إن اللّه جلّ وعزّ جازى العباد على أعمالهم، ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملَّكهم إيّاها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: (مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أمثالِها وَمَن جاءَ بالسَّيِّئةِ فَلا يُجزى إلا مِثلها وَهُم لا يُظلمونَ)(3)، وقال جلّ ذكره: (يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَراً ومَا عَمِلت مِن سُوءٍ تَودُّ لو أنَّ بَينَها وَبَينَهُ أمَداً بَعيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفسهُ)(4) وقال: (اليومَ تُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت لا ظُلمَ اليومَ)(5).

فهذه آياتٌ محكماتٌ تنفي الجبر ومن دانَ بِه، ومثلها فِي القُرآنِ كثيرٌ، اختصرنا ذلك لئلا يطُول الكِتابُ، وَبِاللّهِ التَّوفيقُ.

وأمّا التفويضُ الَّذي أبطَلَهُ الصادق عليه السلام، وأَخطَأَ(6) من دانَ به وتقلَّدهُ فهو قَولُ القائِلِ: إنَّ اللّه جلَّ ذكره فوَّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم، وفي هذا كلامٌ دقيق لمن يذهب إلى تحريره ودِقَّته، وإلى هذا ذهبت الأئِمَّةُ المهتديةُ من عترةِ الرَّسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، فانَّهم قالوا: لو فوَّض إليهم على جهةِ الاهمال لكان لازماً له رضا ما اختاروه واستوجبوا

______________________________

(1) النساء: 56.

(2) البقرة: 85.

(3) الأنعام: 160.

(4) آل عمران: 30.

(5) المؤمن: 17.

(6) في بعض النسخ (وخطأ).

[ 591 ]

منهُ الثوابَ(1)، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمالُ واقعاً، وتنصرفُ هذه المقالةُ على معنيين: إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول إختيارهم بآرائهم ضرورة كَره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهنُ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن تَعبُّدهِم بالأمر والنهي على إرادته كرهوا أو أحبوا، ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختيار اليهم في الكفر والإيمان، ومثل ذلك مثل رجلٍ ملك عبداً ابتاعهُ ليخدمه، ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه، وادّعى مالك العبد أنَّه قاهرٌ، عزيز، حَكيمٌ، فَأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثوابِ، وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبدُ إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمرٍ أمرهُ أو أيَّ نهي نهاه عنه لم يأته على إرادةِ المولى، بل كان العبد يتَّبعُ إرادة نفسه واتباع هواه، ولا يطيقُ المولى أن يردَّهُ إلى اتِّباع أمره ونهيه، والوقوف على إرادته، ففوض اختيار أمره ونهيه إليه، ورضي منه بكل ما فعله على إرادة العبد لا على إرادةِ المالك، وبعثه في بعض حوائجه، وسمى له الحاجة، فخالف على مولاه، وقصد لارادةِ نفسه واتَّبع هواهُ، فلمّا رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه به، فإذا هو خلافُ ما أمره به، فقال له: لم أتيتني بخلافِ ما أمرتكَ؟ فقال العبدُ: اتكلت على تفويضك الأمر إليَّ، فاتبعتُ هواي وإرادتي، لانَّ المفوَّضَ إليه غير محظورٍ عليه، فاستحال التفويضُ.

أو ليس يجب على هذا السبب إمّا أن يكون المالكُ للعبدِ قادراً يأمر عبده باتباع أمره ونهيه على إرادته لا على إرادة العبد، ويملّكه من الطّاقة بقدرِ ما يأمره به وينهاه عنه، فإذا أمره بأمرٍ ونهاه عن نهي عرَّفه الثواب والعقاب عليهما، وحذَّره ورغَّبه بصفة ثوابه وعقابه، ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملّكَهُ من الطاقة(2) لامرِه ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وإنصافه شاملاً له، وحجته واضحةً عليه للإعذار والإنذار، فإذا اتبَّع العبدُ

______________________________

(1) في بعض النسخ (به الثواب).

(2) في بعض النسخ (من الطاعة).

[ 592 ]

أمر مولاه جازاه، وإذا لم يزدجر عن نهيه عاقبهُ، أو يكون عاجزاً غير قادرِ ففوّض أمره إليه أحسن أم أساء، أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته وردِّه إلى اتباع أمره. وفي إثباتِ العجز نفي القدرة والتَّأَلُّهِ، وإبطال الامر والنهي والثواب والعقاب، ومخالفةُ الكتاب إذا يقول: (وَلا يَرضى لِعبادهِ الكُفر وإن تَشكُروا يرضَهُ لَكُم)(1)، وقوله عزّ وجلّ: (اتقُوا اللّهَ حَقَّ تقُاتهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنتُم مُسلِمونَ)(2)، وقوله: (وَما خَلَقتُ الجِنَّ والإِنس إِلا لِيَعبُدونِ* ما أُريدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَما أُريدُ أن يُطعمُونِ)(3)، وقوله: (واُعبُدُوا اللّهَ وَلا تُشركوا بِه شَيئاً)(4)، وقوله: (أَطيعُوا اللّه (وَرَسولَهُ) وَلا تَوَلَّوا عَنهُ وَأَنتُم تَسمَعُونَ)(5).

فمن زعم انَّ اللّه تعالى فوَّض أمرهُ ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليهِ العجز وأوجب عليه قبول كلِّ ما عملوا من خير وشر، وأبطل أمر اللّه ونهيه ووعدَه ووعيده، لعلَّةِ ما زعم أن اللّه فوضها إليه، لأنَّ المفوَّض إليه يعمل بمشئيته، فإن شاء الكفر أو الايمان كان غير مردودٍ عليه ولا محظورٍ، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده، وأَمره ونهيه، وهو من أهل هذه الآية (أفَتُؤمِنُونَ بِبِعضِ الكِتابِ وَتَكفُرُونَ بِبعضٍ فَما جَزاءُ مَن يفعلُ ذلِكَ مِنكُم إلا خزيٌ فِي الحيوةِ الدُّنيا ويَومَ القيامَةِ يُردُّون إلى أشدِّ العَذابِ وَما اللّهُ بِغافِلٍ عَما تَعمَلونَ)(6)، تعالى اللّه عما يَدِينُ به أهل التفويضِ علواً كبيراً.

لكن نقُولُ: إنَّ اللّه جلَّ وعزَّ خلق الخلق بقدرته، وملَّكهم استطاعةً تعبّدهُم بها،

______________________________

(1) الزمر: 7.

(2) آل عمران: 102.

(3) الذاريات: 56 - 57.

(4) النساء: 36.

(5) الانفال: 20 وفي المصدر بدل (ورسوله): وأطيعوا الرسول وهو اشتباه على الظاهر.

(6) البقرة: 86.

[ 593 ]

فأَمَرَهُم ونهاهم بما أراد(1)، فَقَبِلَ منهم اتِّباع أمره، ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته، وذم من عصاه وعاقبه عليها، وللّهِ الخيرةُ في الامر والنهي، يختار ما يريد ويأمر به، وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملّكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه، لأنه ظاهر العدل والنَّصَفة والحكمة البالغة، بالغ الحجةَ بالاعذار والانذار، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته، واحتجاجه على عباده، اصطفى محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعثه برسالاته الى خلقه، فقال من قال من كفّار قومه حسداً واستكباراً: (لَو لا نُزِّلَ هذَا القُرءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَريَتَينِ عَظيم)(2) يعني اُمية بن أبي الصلت وأبا مسعودٍ الثقفيَّ(3)، فأبطلَ اللّه اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم، حيث يقول:

______________________________

(1) في الاحتجاج (وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الامر والنهي).

(2) الزخرف31. وقال الطبرسي في تفسيره: «يعنون بالقريتين مكة والطائف وتقدير الآية على رجل عظيم من القريتين أي من إحدى القريتين فحذف المضاف».

(3) وكذا في الاحتجاج ولكن الظاهر أن المراد بالرجل العظيم هو الذي كان من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة من مكة، وأبي مسعود الثقفي من الطائف كما في التفسير، فليس أمية بن أبي الصلت وأبو مسعود الثقفي من القريتين لانهما كانا من أهل الطائف، فيكون كلاهما مثالاً للرجل العظيم الذي كان من إحدى القريتين أي الطائف، لا من القريتين يعني مكة والطائف. فعلى أي نحو كان فالرجلان كانا عظيمي القدر عند قومهما وذوي الاموال الجسيمة فيهما فزعموا أن من كان كذلك أولى بالنبوة من غيره. وكان الوليد بن المغيرة عمّ أبي جهل كان شيخاً كبيراً مجرباً من دهاة العرب، يتحاكمون إليه في الامور، وينشدونه الاشعار، فما اختاره من الشعر كان مختاراً، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار أي جلد ثور مملوّ ذهباً. كان الوليد أحد المستهزئين الخمسة الذين كفى اللّه شرهم، وهو الذي جاء قريش عنده فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه فدنا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو جالس في الحجر، فقال: يا محمد أنشدني شعرك؟ فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام اللّه الذي به بعث أنبياءه ورسله، فقال: اتل، فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمّى الرّحمن، قال: لا ولكني ادعو إلى اللّه وهو الرّحمن الرّحيم، ثم افتتح حم السجدة فلمّا بلغ إلى قوله: (فَإن أعرَضوا فقل أنذرتكم صاعقةً مثلَ صاعِقةِ عادٍ وثمود) وسمعه اقشعرّ جلده، وقامت كل شعرة في بدنه، وقام ومشى إلي بيته ولم يرجع إلى قريش، فقيل: صبا عبد شمس إلى دين محمد، فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم، قال: يا ابن أخ ما ذاك واني على دين قومي ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعرّ منه الجلود، قال: أَفَشعر هو؟ قال: ما هو بشعر. قال: فخطب؟ قال: لا، ان الخُطبَ كلام متصل وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضاً له طلاوة، قال: فكهانة هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من العد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول؟ قال قولوا: هو سحر فانه أخذ بقلوب الناس فأنزل اللّه تعالى: (ذَرني وَمن خلقتُ وحيداً - إلى قوله -: عليها تسعة عشر). وجاء يوماً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: اقرأ عليّ، فقال: (إن اللّه يأمر بالعدلِ والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)، فقال: أعد؟ فأعاد، فقال: واللّه له الحلاوة والطلاوة وإن اعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق وماهذا بقول بشر. وأما امّية بن أبي الصلت الثقفي كان من أهل الطائف وكان من أكبر شعراء الجاهلية وأغلب شعره متعلّق بالآخرة، وكان ينظر في الكتب المتقدمة ويقرؤها، وحرم الخمر وشك في الاوثان ورغب عن عبادتها، والتمس الدين، وأخبر أن نبياً يخرج. قد أظل زمانه وكان يؤمّل أن يكون ذلك النبي فلما بعث النبي وبلغ خبره كفر به حسداً وقال: كنت أرجو أن اكونه. كان ابوه عبيد اللّه بن ربيعة المكنّى بأبي الصلت وأمه رقية بنت عبد الشمس. مات في الطائف، وممّا قال في مرض موته:

كل عيش وإن تطاول دهراً***منتهى أمره إلى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي***في رؤوس الجبال أرعى الوعولا

وروي أنه استنشد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم اخته شعره من بعد موته فأنشدته:

لك الحمد والنعماء والفضل ربنا***ولا شيء أعلى منك جداً وأمجداً

وهي قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي فيها:

وقف الناس للحساب جميعاً***فشقيّ معذب وسعيد

إلى غير ذلك فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: آمَن شعره وكفر قلبه. وأنزل فيه (واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناهُ آياتنا فانسَلخَ مِنها فأتبعه الشيطانُ فكانَ من الغاوينَ* ولَو شئنا لرفعناه بِها ولكِنه أخلدَ إلي الأرِضِ واتَّبع هواهُ فمثلُه كَمَثلِ الكلبِ إن تحمل عليه يلَهث أو تتركه يَلهَث ذلكَ مَثلَ القوم الذين كذبوا بآياتنا - إلى قوله -: وأنفسهم كانوا يظلمون).

وأبو مسعود هو عروة بن مسعود الثقفي كان من أهل الطائف وأحد السادة الاربعة في الاسلام: «بشر بن هلال العبدي، عدي بن حاتم الطائي، سراقة بن مالك المدلجي، عروة بن مسعود الثقفي».

كان أبو مسعود عاقلاً لبيباً، وهو الذي أرسلته قريش يوم الحديبية، فعقد معه الصلح وهو كافر، ثم أسلم سنة تسع من الهجرة بعد رجوع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من الطائف، واستأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الرجوع الى قومه، فقال: انّي أخاف أن يقتلوك، فقال: ان وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فرجع الى الطائف ودعا قومه الى الاسلام ونصح لهم فعصوه واسمعوه الأذى، حتى إذا طلع الفجر قام في غرفة من داره فأذن وتشهد فرماه رجل بسهم فقتله، ولما بلغ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قتله قال: مَثَلُ عروة مثل صاحب يس دعا قومه الى اللّه فقتلوه، وهو جدّ أعلى لعليّ بن الحسين عليهما السلام المقتول بكربلا من قِبل امّه، كان امّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي. وهو الذي روى عنه تعظيم الصحابة للنبي حين رجع من عند النبي الى أصحابه يوم الحديبية، فقال: يا قوم لقد وفدتُ على الملوك وفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي واللّه ان رأيت ملكاً قط يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم، إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كانوا يقتتلون على وضوئه، واذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له.

[ 594 ]

(أهُم يَقسِمُونَ رَحمَتَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمنا بَينُهم مَعيشَتَهُم في الحَيوةِ الدُّنيا وَرَفَعنَا بَعضهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيتَّخِذ بَعضُهُم بَعضاً سُخريّاً ورَحمتُ ربِّكَ خَيرٌ مِمّا يَجمعُون)(1).

ولذلك اختار مَن الامور ما أحب ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه، ومن عصاه

______________________________

(1) الزخرف: 32.

[ 595 ]

عاقبهُ، ولو فوض اختيار امره إلى عباده لأجاز لقريشٍ اختيار أميةَ بن أبي الصلت وأبي مسعودٍ الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمدٍ صلى اللّه عليه وآله وسلم.

فلما أدَّب اللّه المؤمنين بقوله: (وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أن يَكُونَ لَهُمُ الخِيرةُ مِن أمرِهِم)(1)، فلم يُجز لهم الاختيار بأهوائهم، ولم يقبل منهم إلا اتِّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاهُ، فمن أطاعهُ رشد، ومن عصاه ضلَّ وغوى، ولزمته الحجةُ بما ملَّكه من الاستطاعه لاتباع أمره، واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمهُ ثوابه وأنزل به عقابهُ.

وهذا القول بين القولين ليس بجبرٍ ولا تفويضٍ، وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعيّ الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سألت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قل يا عباية، قال وما أقول؟ قال عليه السلام: إن قلت: انك تملكها مع اللّه قتلتك وإن قلت: تملكها دون اللّه قتلتك، قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: تقول إنَّك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فان يملِّكها إياك كان ذلك من عطائه، وان يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوَّة إلا باللّه، قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: لا حول عن معاصي اللّه إلا بعصمة اللّه، ولا قوَّة لنا على طاعة اللّه إلا بعون اللّه، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه.

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام حين أتاه نجدة يسأله عن معرفة اللّه، قال يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربك؟ قال عليه السلام: بالتمييز الَّذي خولني والعقل الذي دلني، قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على إحسانٍ ولا مذموماً على

______________________________

(1) الاحزاب، 36.

[ 596 ]

إساءةٍ، وكان المحسن أولى باللائمة من المسيء فعلمت أن اللّه قائم باقٍ، وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل، قال نجدةُ: أجدك أصبحت حكيماً يا أمير المؤمنين، قال: أصبحت مخيراً، فإن أتيت السِّيئة (ب) مكان الحسنةِ فأنا المعاقب عليها.

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرجلٍ سأَلَه بعد انصرافه من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام بقضاءٍ وقدر؟ قال عليه السلام: نعم يا شيخ، ما علوتم تلعةً(1) ولا هبطتم وادياً إلا بقضاءٍ وقدرٍ من اللّه، فقال الشيخ: عندَ اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام مه يا شيخ، فانَّ اللّه قد عظم أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي انصرافكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من اُموركم مكرهين، ولا إليه مضطرِّين، لعلكَ ظننت أنَّه قضاءٌ حتمٌ، وقدرٌ لازمٌ، لو كانَ ذلك كذلك لبطل الثوابُ والعقابُ، ولسقط الوعدُ والوعيد، ولما الزمت الاشياءُ أهلها(2) على الحقائق، ذلك مقالةُ عبدةِ الأَوثانِ وأَولياء الشيطان، إنَّ اللّه جل وعزَّ أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، ولم يطع مكرهاً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يخلقِ السمواتِ والأرضَ وما بينهما باطلاً، ذلك ظنُّ الذين كفروُا فويلٌ للذين كفرُوا من النار، فقام الشيخ فقبَّل رأس أمير المؤمنين عليه السلام وأنشأ يقول:

أنت الإمامُ الَّذي نرجو بطاعته***يوم النجاةِ منَ الرَّحمنِ غفراناً

أوضحتَ من ديننا ما كانَ مُلتبساً***جزاك ربكَ عنّا فيه رضواناً(3)

فليس معذرةٌ في فعل فاحشةٍ***قد كنتُ راكبها ظلماً وعصياناً(4)

فقد دلَّ أمير المؤمنين عليه السلام على موافقة الكتاب، ونفي الجبر والتفويضِ اللَّذين

______________________________

(1) التلعة: ما علا من الارض.

(2) في بعض النسخ (الاسماء أهلها).

(3) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 156 وفيه (جزاك ربك بالاحسان احساناً).

(4) في بعض النسخ (عندي لراكبها ظلماً وعصياناً).

[ 597 ]

يلزمان من دان بهما وتقلَّدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتابِ، ونعوذ باللّه من الضلالةِ والكفرِ، ولسنا ندين بجبرٍ ولا تفويضٍ، لكنّا نقولُ بمنزلةٍ بين المنزلتينِ وهو الامتحانُ والاختبارُ بالاستطاعةِ التي ملَّكنا اللّه، وتعبدنا بها على ما شهد به الكتابُ، ودان به الأئمةُ الأَبرارُ من آل الرسول صلوات اللّه عليهم.

ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجلٍ ملك عبداً وملكَ مالاً كثيراً أحبَّ أن يختبر عبده على علم منه بما يؤل إليه، فملَّكه من ماله بعض ما أحب ووقفه(1) على اُمورٍ عرفها العبد، فأمره أن يصرف ذلك المال فيها، ونهاهُ عن أسبابٍ لم يحبها، وتقدَّم إليه أن يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرَّف في أي الوجهين، فصرف المال(2) أحدهما في اتَّباع أمر المولى ورضاهُ، والآخر صرفه في اتِّباع نهيه وسخطه، وأسكنه دار اختبارٍ أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار، وأنَّ له داراً غيرها وهو مخرجه إليها، فيها ثواب وعقابٌ دائمانِ، فإن أنفذ العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود، وقد حد المولى في ذلك حدّاً معروفاً وهو والمسكن الذي أسكنه في الدار الاولى، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد على أنه لم يزل مالكاً للمال والعبد في الأوقات كلها إلا أنه وعد أن لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى إلى أن يستتم سكناه فيها، فوفى له، لأنَّ من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة، أو ليس يجب أن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب، وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانيةٍ، وأثابه على طاعته فيها نعيماً دائماً في دارٍ باقيةٍ دائمة، وان صرف العبد المال الذي ملكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه، وخالف أمر مولاه كذلك

______________________________

(1) في بعض النسخ (ووافقه).

(2) في بعض النسخ (فصرف الآن).

[ 598 ]

تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذَّره إياها، غير ظالم له لما تقدم إليه وأعلمه وعرفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده، بذلك يوصف القادر القاهر، وأمّا المولى فهو اللّه جلَّ وعزَّ، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق، والمال قدرة اللّهِ الواسعةُ، ومحنتهُ(1) إظهار (هُ) الحكمة والقدرة، والدار الفانية هي الدنيا، وبعض المال الَّذي ملَّكه مولاه هو الاستطاعة التي ملَّك ابن آدم، والاُمور التي أمر اللّه بصرف المال إليها هو الاستطاعة لاتباع الانبياء والاقرارِ بما أوردوه عن اللّه جلَّ وعزَّ، واجتناب الاسباب التي نهى عنها هي طرقُ إبليس. وأمّا وعده فالنعيم الدائم وهي الجنةُ، وأما الدار الفانية فهي الدنيا. واما الدار الاُخرى فهي الدار الباقية وهي الآخرةُ. والقول بين الجبر والتفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملَّك العبد.

وشرحها في الخمسة الامثال التي ذكرها الصادق عليه السلام(2) أنها جمعت جوامع الفضل وأنا مفسرها بشواهد من القرآن والبيان إن شاء اللّه.

تفسير صحَّة الخلقةِ

أما قول الصادق عليه السلام فإن معناه كمال الخلق للإنسان وكمال الحواس وثبات العقل والتمييز واطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول اللّه: (وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ والبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّبات وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ ممَّن خَلَقنا تَفضيلاً)(3).

فقد أخبر عزَّ وجلَّ عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم والسباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركةٍ تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطقِ وذلك قوله: (لَقَد خَلَقنَا الإنسانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ)(4)، وقوله: (يا أيُّها الإِنسانَ ما غَرَّكَ

______________________________

(1) أي اختباره وامتحانه.

(2) أي صحة الخلقة. وتخلية السرب. والمهلة في الوقت. والزاد. والسبب المهيج.

(3) الاسراء: 70.

(4) التين: 4.

[ 599 ]

بِرَبِّكَ الكَرِيم* الَّذي خَلَقَكَ فَسَواكَ فَعَدَلَك* في أيَّ صورَةٍ ما شاءَ ركَّبَكَ)(1)، وفي آيات كثيرةٍ، فأوَّل نعمةِ اللّه على الإنسان صحةُ عقله، وتفضيله على كثيرٍ من خلقه بكمالِ العقلِ وتمييزِ البيانِ، وذلك أن كلَّ ذي حركةٍ على بسيط الأرض هو قائم بنفسه بحواسِّه، مستكملٌ في ذاته، ففضَّل بني آدم بالنطق الَّذي ليس في غيره من الخلق المدركِ بالحواسِّ، فمن أجل النطق ملَّك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمراً ناهياً وغيره مُسخرٌ له كما قال اللّه: (كَذلكَ سَخَّرها لكُم لتُكبِّروا اللّه عَلى ما هَداكُم)(2)، وقال: (وَهُوَ الَّذي سَخَّرَ البَحر لَتأكُلُوا مَنهُ لَحماً طرياً وَتستَخرجوا حليةً تلبسُونها)(3). وقال: (وَالأَنعامَ خَلَقَها لَكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ وَمِنها تَأكُلُونَ* وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحُونَ وَحينَ تَسرحُون* وَتَحملُ أَثقالكُم إِلى بَلَدٍ لم تكُونُوا بالِغيه إلا بِشِقِّ الأَنفُس)(4)، فمن أجل ذلك دعا اللّه الانسان الى اتّباع أمره، والى طاعته بتفضيله إيّاه باستواءِ الخلقِ وكمال النطق والمعرفة، بعد أن ملَّكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: (فاتَّقُوا اللّه مَا استَطعتُم وَاسمعُوا وَأطيعُوا)(5)، وقوله: (لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إلا وُسعَها)(6)، وقوله: (لا يُكلفُ اللّهُ نفساً إلا ما آتيها)(7)، وفي آياتٍ كثيرةٍ، فإذا سلب من العبد حاسةً من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله: (لَيسَ عَلَى الأعمى

______________________________

(1) الانفطار: 6 و 7 و 8.

(2) الحج: 37.

(3) النحل: 14. وقوله «لتأكلوا. ا ه‍» أي لتصطادوا منه السمك وتأكلوا لحمه. وقوله: «حلية تلبسونها» أي اللؤلؤ والمرجان أنتم ونساؤكم تزينون بها.

(4) النحل 5، 6، 7 والدفء: السخانة وهي ما يُستدفَأ به من اللباس المعمول من الصوف والوبر فيقي البرد. وقوله: «ولكم فيها جمال» أي لكم فيها مع ما تقدم ذكره تجمّل وتزيُّن عند الناظرين اليها حين تريحون وحين تسرحون أي في هذين الوقتين وقت ردّها من مراعيها ووقت تسريحها اليها فالرواح: رجوعها بالعشي من المراعي، والسراح: مسيرها الى مراعيها بالغداة.

(5) التغابن: 16.

(6) البقرة: 286.

(7) الطلاق: 7.

[ 600 ]

حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعرجِ حَرَجٌ)(1)، فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد، وجميع الأعمال التي لا يقوم بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحجَّ والزكاة لما ملَّكهُ من استطاعة ذلك، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج، قولهُ: (وَللّه النَّاس حِج البيتِ مَنِ استَطاع إليه سَبيلاً)(2)، وقوله في الظهار: (والَّذين يُظاهِرُون مِن نِسائِهِم ثُم يَعُودُون لِما قالُوا فتَحريُر رَقَبةٍ - الى قوله - فَمَن لَم يستطِع فإطعامُ سِتِّينَ مِسكيناً)(3).

كل ذلك دليلٌ على أنَّ اللّه تبارك وتعالى لم يكلّف عبادَهُ إلا ما ملَّكهم استطاعتهُ بقُوَّةِ العمل به ونهاهم عن مثل ذلك، فهذه صحة الخلقة.

وأما قوله: تخلية السربِ(4). فهو الَّذي ليس عليه رقيب يحظر عليه ويمنعه العمل بما أمره اللّه به، وذلك قوله فيمن استضعف وحظر عليه العمل فلم يجد حيلةً ولا يهتدي سبيلاً، كما قال اللّه تعالى: (إلا المُستَضعفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ لا يَستطيعُون حيلَةً ولا يَهتدُون سَبيلاً)(5)، فأخبر أنَّ المستضعف لم يخل سربه، وليس عليه من القول شيءٌ إذا كان مطمئنَّ القلبِ بالإيمانِ.

وأمَّا المهلةُ في الوقت فهو العمر الذي يُمتَّع الإنسان من حدِّ ما تجب عليه المعرفة إلى أجل الوقتِ، وذلك من وقت تمييزه وبلوغ الحلم إلى أن يأتيه أجله. فمن مات على طلب الحقِّ ولم يدرك كماله فهو على خيرٍ، وذلك قوله: (وَمَن يَخرُج مِن بَيتِه مُهاجِراً إِلى اللّهِ وَرَسُولِه)(6)، وإن كانَ يعمل بكمال شرايعه لعلَّه ما لم يمهله في الوقت إلى استتمام أمره. وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطِّفل إذا لم يبلغ الحلم في قوله: (وَقُل

______________________________

(1) النور: 60 - الفتح: 17.

(2) آل عمران: 97.

(3) المجادلة 3 - 4.

(4) السرب - بالفتح والكسون -: الطريق، يقال: «فلان مخلّى السّرب» أي غير مضيق عليه.

(5) النساء: 98.

(6) النساء: 100.

[ 601 ]

لِلمؤمناتِ يَعضُضن مِن أَبصارِهِن)(1)، فلم يجعل عليهن حرجاً في إبداء الزينةِ للطفل وكذلك لا تجري عليه الأحكام.

وأمّا قوله: الزاد فمعناه الجدة(2) والبلغةُ الَّتي يستعين بها العبد على ما أمره اللّه به. وذلك قوله: (ما عَلى المحسنينَ مِن سبيلٍ)(3)، ألا ترى أنَّه قَبِلَ عذر من لم يجد ما ينفقُ وألزم الحجَّة كل من أمكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد وأشباه ذلك، وكذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقاً في مال الأغنياء بقوله: (لِلفُقراءِ الَّذينَ أُحصِرُوا فِي سَبيلِ اللّهِ)(4)، فأمر بإعفائهم، ولم يكلفهم الإعداد لما لا يستطيعون ولا يملكون.

وَأمّا قوله في السَّبب المهيج، فهو النيةُ التي هي داعيةُ الإنسان إلى جميع الافعال وحاستها القلب(5)، فمن فعل فعلاً وكان بدينٍ لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل اللّه منه عملاً إلا بصدقِ النيَّة، ولذلك أخبر عن المنافقين بقوله: (يَقولُونَ بِأَفواهِهِم ما لَيسَ فِي قُلُوبِهِم واللّهُ أَعلَمُ بِما يَكتُمُونَ)(6)، ثم أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم توبيخاً للمؤمنين (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفَعلُونَ)(7)، فإذا قالَ الرَّجل قولاً، واعتقد في قوله دعته النية الى تصديق القول بإظهار الفعل، وإذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته، وقد أجاز اللّه صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها لعلَّة مانعٍ يمنع إظهار الفعل في قوله: (إلا مَن اُكرهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمانُ)(8)، وقوله: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغو فِي أَيمانِكُم)(9)، فَدَلّ القُرآن وأخبار الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّ القلب مالكٌ لجميع الحواس،

______________________________

(1) النور: 31.

(2) الجدة - بالكسر -: الغنى والقدرة.

(3) التوبة: 91.

(4) البقرة: 273.

(5) في بعض النسخ (وحاسنه العقل). وحاسنه أي غالبه في الحسن. أو لاطفه وعامله بالحسنى.

(6) آل عمران: 167.

(7) الصف: 2.

(8) النحل: 106.

(9) البقرة: 225.

[ 602 ]

يصحح أفعالها، ولا يبطل ما يصحح القلب شيء.

فهذا شرح جميع الخمسةِ الأمثالِ التي ذكرها الصادق عليه السلام أنَّها تجمع المنزلة بين المنزلتين وهما الجبر والتفويضُ، فإذا اجتمع في الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثالِ وجب عليه العمل كَمُلاً لما أمر اللّه عزّ وجلّ بِه ورسوله، وإذا نقص العبد منها خلَّةً كان العملُ عنها(1) مطروحاً بحسبِ ذلكَ.

فأما شواهدُ القرآنِ على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرةٌ. ومن ذلك قولهُ: (وَلنبلُونَّكُم حتَّى نَعلَمَ المُجاهِدينَ مِنكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبلُوَا أخبارِكُم)(2)، وقال: (سَنستَدرجُهُم مِن حيثُ لا يَعلمُونَ)(3)، وقال: (آلم* أَحَسبَ النَّاسُ أَن يُتركُوا أن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُم لا يُفتنُونَ)(4)، وقال في الفتن التي معناها الاختبار: (وَلَقَد فَتنّا سُلَيمانَ)(5)، وقال في قصَّةِ مُوسى عليه السلام: (فَانّا قَد فَتنّا قَومكَ مِن بَعدكَ وَأَضلَّهُمُ السّامِرِيُّ)(6)، وقول مُوسى: (إِن هِي إلا فِتنتُكَ)(7)»، أي اختبارك.

فهذه الآياتُ يُقاسُ بعضها ببعضٍ ويشهدُ بعضها لِبعضٍ.

وأما آيات البلوى بمعنى الاختبارِ قوله: (لِيبلُوكُم فيما آتاكُم)(8)، وقوله: (ثُمَّ صَرَفكُم عَنهُم لِيَبتليكُم)(9)، وقوله: (إنَّا بَلَوناهُم كَما بَلَونا أَصحابَ

______________________________

(1) كذا. والظاهر (عنه).

(2) محمد: 31، أي لنعاملكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتّى نعلم من امتثل الامر بالجهاد والصبر على دينه ومشاق ما كلف به. وقوله: «ونبلو أخباركم» أي نظهرها ونكشفها امتحاناً لكم ليظهر للناس من أطاع ما أمره اللّه به ومن عصى ومن لم يمتثل.

(3) الاعراف: 182. القلم: 4.

(4) العنكبوت: 1 و 2.

(5) ص: 34.

(6) طه: 85.

(7) الاعراف: 155.

(8) المائدة: 48، والانعام 165.

(9) آل عمران: 152.

[ 603 ]

الجَنَّةِ)(1)، وقوله: (خَلَقَ المَوتَ والحَيوةَ ليَبلُوكُم أَيُّكم أحسَنُ عَمَلاً)(2)، وقوله: (وإذ ابتلى إِبراهيمَ ربُّه بكلِماتٍ)(3)، وقوله: (وَلَو يَشاءُ اللّهُ لانتَصَر مِنهُم وَلكن ليَبلُوا بَعضكُم ببَعضٍ)(4). وكل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أوَّلها فهي اختبارٌ وأمثالها في القرآن كثيرةٌ. فهي إثبات الاختبار والبلوى: إنَّ اللّه جلَّ وعزَّ لم يخلق الخلق عبثاً ولا أهملهم سدى ولا أظهر حكمته لعباً وبذلك أخبر في قوله: (أفَحَسبتُم أنَّما خَلَقناكُم عَبَثاً)(5)، فإن قال قائلٌ: فلم يعلم اللّه ما يكون من العباد حتى اختبرهم؟ قلنا: بلى، قد علم ما يكون منهم قبل كونه وذلك قوله: (وَلَو رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنهُ)(6)، وانما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم إلا بحجةٍ بعد الفعل، وقد أخبر بقوله: (وَلَو أنّا أهلكناهُم بِعَذابٍ مِن قَبله لَقالُوا رَبَّنا لَولا أَرسلتَ إِلينا رَسُولاً)(7)، وقوله: (وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبعث رسُولاً)(8)، وقوله: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنذرِينَ)(9). فالاختبارُ مَن اللّه بالاستطاعةِ التي ملَّكها عبده وهو القول بين الجبرِ والتفويض. وبهذا نطق القرآن وجرتِ الأخبارُ عن الأئمة من آل الرسولِ صلى اللّه عليه وآله وسلم.

فان قالوا ما الحجة في قول اللّه (يضل من يشاء ويهدي من يشاء) وما أشبهها؟

______________________________

(1) القلم: 17.

(2) الملك: 2.

(3) البقرة: 124.

(4) محمد: 4. وقوله: «لانتصر» أي لانتقم منهم باستيصال ولكن يريد أن يبلوكم أي ليمتحن بعضكم ببعض فيظهر المطيع من العاصي.

(5) المؤمنون: 115.

(6) الانعام: 28.

(7) طه: 134.

(8) الاسراء: 15.

(9) النساء: 165.

[ 604 ]

قيل: مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: أما أحدهما فإخبارٌ عن قدرته أي إِنَّه قادرٌ على هداية من يشاءُ وضلالِ من يشاءُ وإذا أجبرهم بقدرته على أحدهما لم يجب لهم ثوابٌ ولا عليهم عقابٌ على نحو ما شرحنا في الكِتابِ، والمعنى الآخر أنَّ الهداية منه تعريفه كقوله: (وَأما ثَمُودُ فَهَديناهُم)(1) أي عرفناهم (فَاستَحَبُّوا العَمى عَلى الهدى)(2)، فَلو أجبرهم على الهدى لم يقدروا أن يضلوا، وليس كلما وردت آيةٌ مشتبهة كانت الآيةُ حُجَّةً على محكم الآيات اللواتي أمرنا بالاخذ بها من ذلك قوله: (مِنهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُن أُمُّ الكِتابِ وَاُخَر مُتشابِهاتٌ فَأمَّا الَّذينَ في قُلُوبهِم زَيغٌ فَيتَّبعونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابتِغاءَ الفِتنَةِ وَابتغاءَ تأويِله وَما يَعلَمُ... الآية)(3) وقال: (فَبَشرّ عبادِ* الَّذينَ يَستَمعُون القَولَ فَيتَّبعُونَ أَحسنَهُ) أي أحكمه وأشرحه (اُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ اللّهُ واُولئِك هُم أوُلُوا الأَلبابَ)(4).

وفقنا اللّه وإياكم إلى القول والعمل لما يحب ويرضى وجنبنا وإياكم معاصيه بمنِّه وفضله والحمد للّه كثيراً كما هو أهله وصلّى اللّه على محمدٍ وآله الطيبين، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.

______________________________

(1) فصلت: 17.

(2) فصلت: 17.

(3) آل عمران: 7.

(4) الزمر: 18.