التشبيه والتجسيم .. 1 - نفي الجسمية والشبيه
1 - روي أنّ أبا قرّة المحدّث حاورَ الامام الرضا عليه السلام فجاءَ من ضمن كلامه:
- «فأينَ اللّه؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- الأين مكان، وهذهِ مسألة شاهد عن غائب، واللّه تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكلِّ مكانٍ موجود، مدبِّر، صانع، حافظ، ممسك السموات والأرض، فقال أبو قرّة:
- أليسَ هو فوقَ السماء دونَ ما سواها؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- هو اللّه في السموات وفي الأرض، وهو الذي في السماء إله وفي الأرضِ إله، وهو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى الى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسوّاهنَّ سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كانَ ولا خلق، وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مَعَ المنتقلين. فقال أبو قرّة:
- فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- إنَّ اللّه استعبد خلقه بضروبٍ من العبادة، وللّه مفازع يفزعونَ إليه، ومستعبد، فاستعبد عباده بالقول والعلم والعمل والتوجيه، ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجّه اليها الحجَّ والعمرة، واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرّع ببسط الأيدي، ورفعها إلى السماء لحال الاستكانة، وعلامة العبودية، والتذلل له. فقال أبو قرة:
- فمن أقربُ إلى اللّه، الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن عليه السلام:
[ 482 ]
- إن كنتَ تقول بالشبر والذراع، فان الاشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبّر أسفله من حيث يدبّر أعلاه، ويدبّر أوله من حيث يدبِّر آخره، من غير عناءٍ ولا كلفة، ولا مؤونة، ولا مشاورة، ولا نَصَب، وان كنتَ تقول: مَن أقرب إليه في الوسيلة؟ فأطوعهم له، وأنتم تروون أنَّ أقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد، ورويتم أنَّ أربعة أملاك التقوا: أحدهم من أعلى الخلق، وأحدهم من أسفل الخلق، وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضاً فكلّهم قال: من عند اللّه، أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أنَّ ذلكَ في المنزلة دونَ التشبيه والتمثيل، فقال أبو قرّة:
- أتقر انَّ اللّه تعالى محمول؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- كل محمول مفعول ومضاف إلى غيره، محتاج، فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله تعالى: (وَللّهِ الأَسماءُ الحُسنى فَادعُوهُ بِها)(1) ولم يقل في شيء من كتبه أنَّه محمول، بل هو الحامل في البرِّ والبحر، والممسك للسمواتِ والأرض، والمحمول ما سوى اللّه، ولم نسمع أحداً آمنَ باللّهِ وعظَّمه قط قال في دعائه: يا محمول»(2)!
2 - عن أمير المؤمنين عليه السلام انَّه قال في صفته تعالى: «الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره(3) زيادة أو نقصان، ولم يوصف بأينٍ ولا بمكانٍ»(4).
3 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً في وصفه تعالى:
«لا تصحبه الأوقات، ولا تَضَمَّنُهُ الأماكن، ولا تأخذهُ السنات، ولا تحدُّهُ
______________________________
(1) الأعراف: 180.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 10، باب: 19، ح: 5، ص: 346 - 347.
(3) التعاور: هو الورود على التناوب.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الأصول من الكافي، ج: 1، باب: جوامع التوحيد، ح: 7، ص: 141.
[ 483 ]
الصفات، ولا تقيّده الادوات، سبقَ الأوقاتَ كونُه، والعدمَ وجودُه، والابتداءَ أزلُه»(1).
4 - وعنه عليه السلام انَّه قال:
«لا تجري عليه الحركةُ والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاتهُ ولتجزّأ كنههُ، ولامتنعَ من الأزلِ معناه..»(2).
5 - وعنه عليه السلام أنَّه قال:
«وتعالى اللّه الذي ليس له وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود، وسبحان اللّه الذي ليس له أولٌ مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى»(3).
6 - روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انَّه كتب دعاءاً إلى رجلٍ بخطّه يقول فيه:
«يا ذا الذي كانَ قبل كلِّ شيء، ثمَّ خلقَ كلَّ شيء، ثم يبقى ويفنى كلُّ شيء، يا ذا الذي ليس في السموات العُلى، ولا في الارضين السفلى، ولا فوقهنَّ، ولا بينهنَّ، ولا تحتهنَّ إله يُعبد غيره»(4).
7 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام في صفته تعالى انَّه قال:
«...ومَن قال: أين، فقد أخلى منه، ومَن قال: إلى مَن فقد وقَّته»(5).
8 - وعن علي بن موسى الرضا عليه السلام انَّه قال في وصفه تعالى:
«مَن شَبَّه اللّه بخلقه فهو مشرك، ومَن وصفه بالمكان فهو كافر...«(6).
9 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه تعالى أيضاً انَّه قال:
«لا تحويه الاماكن لعظمته، ولا تذرعه المقادير لجلاله، ولا تقطعه المقائيس
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 2، ص: 37.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 2، ص: 40.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 2، ص: 42.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 11، ص: 47 - 48.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 14، ص: 57.
(6) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 25، ص: 69.
[ 484 ]
لكبريائه...»(1).
10 - وعن الامام موسى الكاظم عليه السلام انه قال لراهب نصراني في بعض ما ناظره:
«انَّ اللّهَ تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يُحدَّ بيدٍ أو رجلٍ أو حركةٍ أو سكون، أو يوصف بطولٍ أو قصر...»(2).
11 - وروي انَّه جاءَ يهودي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال:
- يا أمير المؤمنين! متى كانَ ربُّنا؟ فقال له عليه السلام:
- «انما يُقال: متى كان؟ لشيء لم يكن فكان، وربُّنا تبارك وتعالى هو كائن بلا كينونِة كائنٍ، كانَ بلا كيفٍ يكون، كائن لم يزل، بلا لم يزل وبلا كيف يكون، كان لم يزل ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل، وبلا غايةٍ ولا منتهى، غايةٌ ولا غايةَ اليها، غايةٌ انقطعت الغايات عنه، فهو غاية كلِّ غاية»(3).
12 - وعن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:
«انَّ اللّه عظيم رفيع، لا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغونَ كنه عظمته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث، فكيف أصفه بكيف وهو الذي كيَّف الكيف حتى صار كيفاً، فعرفتُ الكيف بما كيَّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أيَّن الأين حتى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيَّن لنا من الأين، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيَّثَ الحيثَ حتى صارَ حيثاً، فعرفت الحيث بما حيَّثَ لنا من الحيث، فاللّه تبارك وتعالى داخل في كل مكان، وخارج عن كل شيء، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، لا اله إلا هو العلي العظيم، وهو اللطيف الخبير»(4).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 26، ص: 70.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 30، ص: 75.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 2، ح: 33، ص: 77.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 14، ص: 115.
[ 485 ]
13 - روى أحمد بن محمد بن أبي نصر أن قوماً جاؤوا من وراء النهر إلى أبي الحسن عليه السلام فقالوا له: جئناكَ نسألك عن ثلاث مسائل، فان أجبتنا فيها علمنا انَّك عالم، فقال عليه السلام:
- «سلوا، فقالوا:
- أخبرنا عن اللّه، كان، وكيف كان، وعلى أي شيءٍ كان اعتماده؟ فقال عليه السلام:
- إنَّ اللّه عزّ وجلّ كيَّف الكيف فهو بلا كيف، وأيَّن الأين فهو بلا أين، وكان اعتماده على قدرته، فقالوا:
- نشهد انَّك عالم»(1).
14 - وعن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:
«انَّ اللّه عزّ وجلّ لا يشبهه شيء»(2).
15 - وعنه عليه السلام أيضاً انَّه قال:
«سبحانَ مَن لا يعلم أحد كيفَ هو الا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يُحدّ، ولا يُحس، ولا يُجس، ولا تدركه الابصار ولا الحواس، ولا يحيط به شيء، ولا جسم، ولا صورة، ولا تخطيط، ولا تحديد»(3).
16 - وعنه عليه السلام أيضاً في وصفه تعالى:
«لا جسم، ولا صورة، هو مجسِّم الأجسام، ومصوِّر الصور، لم يتجزأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشئ والمنشَأ، لكن هو المنشىء، فرَّقَ بين مَن جسَّمه وصوَّرَه وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً»(4).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 9، ح: 3، ص: 125.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 6، ح: 1، ص: 97.
(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن الجسم والصورة، ح: 1، ص: 104.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: النهي عن الجسم والصورة، ح: 6، ص: 106.
[ 486 ]
17 - روي عن العباسي انَّه قال لأبي الحسن عليه السلام:
- «جعلتُ فداك أمرَني بعض مواليك أن أسألكَ عن مسألةٍ، قال عليه السلام:
- ومَن هو؟ قلتُ:
- الحسن بن سهل، قال عليه السلام:
- في أي شيء المسألة؟ قلتُ:
- في التوحيد، قال عليه السلام:
- وأيّ شيء من التوحيد؟ قلت:
- يسألكَ عن اللّه جسم أو لا جسم، فقال لي:
- انَّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، مذهب إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث اثبات بلا تشبيه»(1).
18 - وروي عن علي بن محمد وعن أبي جعفر الجواد عليهما السلام انّهما قالا:
«مَن قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة، ولا تصلّوا وراءه»(2).
19 - وعن بشر بن بشار النيسابوري قال: كتبتُ الى أبي الحسن عليه السلام بأنَّ مَن قبلنا قد اختلفوا في التوحيد، فكتب عليه السلام:
- «سبحانَ مَن لا يُحد، ولا يوصف، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير»(3).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: ح: 6، ح: 10، ص: 100 - 101.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 6، ح: 11، ص: 101.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 6، ح: 13، ص: 101.
[ 487 ]
1 - عن يعقوب بن اسحق قال:
«كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله: كيف يعبد العبد ربَّه وهو لا يراه؟!
فوقَّع عليه السلام:
- يا أبا يوسف جلَّ سيدي ومولاي والمنعم عليَّ وعلى آبائي أن يُرى.
قال: وسألته: هل رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ربَّه؟ فوقَّع عليه السلام:
- انَّ اللّه تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبَّ»(1).
2 - وعن عاصم بن حميد قال:
«ذاكرتُ أبا عبد اللّه عليه السلام فيما يروونَ من الرؤية، فقال عليه السلام:
- الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزءاً من نور الستر، فان كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس ليس دونها حجاب»(2).
3 - وعن عبد اللّه بن سنان عن أبيه قال:
«حضرتُ أبا جعفر عليه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له:
- يا أبا جعفر أيَّ شيء تعبد؟ قال عليه السلام:
- اللّه، قال:
- رأيته؟ قال عليه السلام:
- لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يُعرف
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 2، ص: 108.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 3، ص: 108.
[ 488 ]
بالقياس، ولا يُدرك بالحواس، ولا يشبه الناس، موصوف الآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلكَ اللّه لا إله إلا هو.
قال: فخرج الرجل وهو يقول: اللّهُ أعلمُ حيث يجعل رسالته»(1).
4 - ومن الأسئلة التي سألها الزنديق من الامام الصادق عليه السلام انَّه قال له:
- «كيف يعبد اللّه الخلق ولم يروه؟ فقال عليه السلام:
- رأته القلوب بنور الايمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثم الرسل وآياتها، والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأته من عظمته دون رؤيته، قال الزنديق:
- أليس هو قادراً أن يظهر لهم حتى يروه ويعرفوه فيُعبد على يقين؟ قال عليه السلام:
- ليس للمحال جواب»(2).
5 - وعن أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:
«جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال:
- يا أمير المؤمنين هل رأيتَ ربَّكَ حينَ عبدتَه؟ فقال عليه السلام:
- ويلكَ ما كنتُ أعبدُ ربّاً لم أره، فقال:
- وكيفَ رأيته؟ قال عليه السلام:
- ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان«(3).
6 - وعن أحمد بن اسحق قال:
«كتبت الى أبي الحسن الثالث عليه السلام اسأله عن الرؤية وما فيه الناس، فكتب عليه السلام:
لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فاذا انقطع الهواء،
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 5، ص: 108.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 10، باب: 13، ح: 2، ص: 164.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 6، ص: 109.
[ 489 ]
وعُدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصحّ الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه، لأنَّ الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لأنَّ الاسباب لا بد من اتصالها بالمسببات»(1).
7 - وعن محمد بن عبيدة قال:
«كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن الرؤية، وما ترويه العامة والخاصة وسألته أن يشرح لي ذلك، فكتب عليه السلام بخطّه:
اتفق الجميع لا تمانع بينهم أنَّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فاذا جاز أن يُرى اللّه عزّ وجلّ بالعين، وقعت المعرفة ضرورةً، ثم لم تخلُ تلكَ المعرفة من أن تكون ايماناً أو ليست بايمان، فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايماناً، فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بايمان لانّها ضدّه فلا يكون في الدنيا أحد مؤمناً لانَّهم لم يروا اللّه عزَّ ذكره، وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذهِ المعرفة التي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لا تزول في المعاد، فهذا دليل على انَّ اللّه عزَّ ذكره لا يُرى بالعين، إذ العين تؤدّي إلى ما وصفنا»(2).
والواضح من سياق هذا الكتاب أن المقصود هو نفي الرؤية عنه تعالى في الآخرة، باعتبار قول البعض بجواز الرؤية في الآخرة، وان لم تكن جائزة في الدنيا.
8 - وعن أبي هاشم الجعفري قال:
«سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام عن اللّه عزّ وجلّ هل يوصف؟ فقال عليه السلام:
- أما تقرأ القرآن؟! قلتُ:
- بلى، قال عليه السلام:
- أما تقرأ قوله عزّ وجلّ: (لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ)(3)؟ قلتُ:
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 7، ص: 109.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 8، ص: 109 - 110.
(3) الانعام: 103.
[ 490 ]
- بلى، قال عليه السلام:
- فتعرفونَ الأبصار؟ قلتُ:
- بلى، قال عليه السلام:
- وما هي ؟! قلت:
- أبصار العيون، فقال عليه السلام:
- إنَّ أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الاوهام وهو يدرك الاوهام»(1).
9 - وعن أبي هاشم الجعفري قال: قلتُ لابي جعفر الرضا عليه السلام: (لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُو
يُدرِكُ الأَبصارَ)(2)؟ فقال عليه السلام:
- «يا أبا هاشم إنَّ أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنتَ قد تدرك بوهمكَ السند والهند والبلدان التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف أبصارُ العيون»(3).
10 - وعن محمد بن الفضيل قال:
«سألتُ أبا الحسن عليه السلام:
- هل رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ربَّه عزّ وجلّ؟ فقال عليه السلام:
- نعم بقلبه رآه، أما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول: (ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى)(4)، أي لم يره بالبصر، ولكن رآه بالفؤاد«(5).
11 - وروي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (وُجُوهٌ يَومئِذٍ
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ص: 112 - 113.
(2) الانعام: 103.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 12، ص: 113.
(4) النجم: 11.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 17، ص: 116.
[ 491 ]
ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها نَاظِرَةٌ)(1)، قال عليه السلام:
«يعني مشرقة تنتظر ثواب ربِّها»(2).
12 - روي عن أبي بصير أنَّه قال:
«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام:
- أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ هل يراه المؤمنونَ يومَ القيامة؟ قال عليه السلام:
- نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت:
متى؟ قال عليه السلام:
- حين قال لهم: (أَلستُ بِرِّبكُم قالُوا بَلى)(3)، ثم سكت ساعةً ثم قال عليه السلام:
- وانَّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألستَ تراهُ في وقتكَ هذا؟ قال أبو بصير: فقلتُ له:
- جُعلتُ فداك، فاُحدِّث بهذا عنكَ؟ فقال عليه السلام:
- لا، فانّكَ إذا حدَّثتَ به فأنكره منكر، جاهل بمعنى ما تقوله، ثمَّ قدَّرَ انّ ذلكَ تشبيه كَفَرَ، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهونَ والملحدون»(4).
13 - روي عن عبد السلام بن صالح الهروي قال:
«قلت لعلي بن موسى الرضا عليه السلام:
- يا ابن رسول اللّه ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أنَّ المؤمنين يزورونَ ربَّهم من منازلهم في الجنة؟ فقال عليه السلام:
- يا أبا الصلت، انَّ اللّه تبارك وتعالى، فضَّل نبيَّه محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم على جميع خلقه من
______________________________
(1) القيامة: 22 - 23.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 19، ص: 116.
(3) الاعراف: 172.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 20، ص: 117.
[ 492 ]
النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومتابعته متابعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عزّ وجلّ: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ)(1)، وقال: (إنَّ الَّذِينَ يُبايِعونَكَ إِنَّما يُبايعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوقَ أَيدِيهمِ)(2) وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (مَن زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار اللّه)، درجةُ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزله، فقد زار اللّهَ تبارك وتعالى.
قال: فقلتُ له:
- يا ابن رسول اللّه، فما معنى الخبر الذي رووه أنَّ ثواب لا اله إلا اللّه النظر إلى وجه اللّه؟ فقال عليه السلام:
- يا أبا الصلت! مَن وصفَ اللّهَ بوجهٍ كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياؤه ورسله وحججه صلوات اللّهِ عليهم، هم الذي بهم يُتوجّه إلى اللّه والى دينه ومعرفته، وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ مَن عَلَيها فَانٍ* وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ)(3)، وقال اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ)(4) فالنظر إلى أنبياء اللّه ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم (مَن أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة، وقال عليه السلام: (انَّ فيكم مَن لا يراني بعد أن يفارقني) يا أبا الصلت، انَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكانٍ، ولا تدركه الابصار والأوهام..»(5).
15 - روي عن علي بن محمد بن الجهّم قال:
«حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام، فقال له المأمون:
- يا ابن رسول اللّه، أليسَ من قولكَ أنَّ الأنبياء معصومون؟ قال عليه السلام:
_________________________
(1) النساء: 80.
(2) الفتح: 10.
(3) الرحمن: 26 - 27.
(4) القصص: 88.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 21، ص: 117 - 118.
[ 493 ]
- بلى.
فسأله عن آيات من القرآن، فكانَ فيما سأله أن قال له:
- فما معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظر إِلَيكَ قَال لَن تَراني وَلكِنِ انظر إِلى الجَبَلِ فَإِن استَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمَّا تَجلَّى رَبُّهُ للجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعقِاً فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِليكَ وَأَنا أَوَّلُ المُؤمِنينَ)(1) كيف يجوز أن يكون كليم اللّه موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أنَّ اللّه تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا عليه السلام:
- انَّ كليم اللّه موسى بن عمران عليه السلام علم انَّ اللّه تعالى عن أن يُرى بالابصار، ولكنَّه لما كلّمه اللّه عزّ وجلّ، وقَّربه نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنَّ اللّه عزّ وجلّ كلَّمه، وقرَّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمنَ لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعينَ ألفاً، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربِّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور، وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لأنَّ اللّه عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لكَ بأنَّ هذا الذي سمعناه كلام اللّه حتى نرى اللّه جهرةً، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث اللّه عزّ وجلّ عليهم صاعقةً فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى عليه السلام: يا ربَّ ما أقول لبني اسرائيل إذا رجعت اليهم وقالوا: إنكَ ذهبت بهم فقتلتهم لانكَ لم تكن صادقاً فيما ادّعيت، من مناجاة اللّه إيّاك، فأحياهم اللّه وبعثهم معه، فقالوا: إنكَ لو سألت اللّه أن يرَيكَ أن تنظر إليه لأجابكَ، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقَّ معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم انَّ اللّه لا يُرى بالابصار ولا كيفية له، وانما يُعرف بآياته،
______________________________
(1) الاعراف: 143.
[ 494 ]
ويُعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمنَ لكَ حتى تسأله، فقال موسى: يا ربِّ إنكَ قد سمعتَ مقالة بني اسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه جلَّ جلالُه إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن اؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى عليه السلام: (رَبِّ أَرِني أَنظُر إِليكَ قَالَ لَن تَراني وَلكِنِ انُظر إِلى الجَبَلِ فَإِن استقَّر مَكانَهُ - وهو يهوي - فَسوفَ تَراني فَلَمَّا تَجلّى رَبُّهُ للجَبَلِ - بآيةٍ من آياته - جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِلَيكَ - يقول: رجعت الى معرفتي بك عن جهل قومي - وأنا أول المؤمنين) - منهم بأنَكَ لا تُرى -.
فقال المأمون:
- للّه درّك يا أبا الحسن«(1).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 24، ص: 121 - 122.
[ 495 ]
3 - تأويل ظواهر الآيات الدالة على التشبيه والتجسيم
1 - قوله تعالى: (كُلُ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ)(1).
عن أبي حمزة قال قلتُ لأبي جعفرٍ عليه السلام قول اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَه)؟ فقال عليه السلام:
«فيهلك كل شيء ويبقى الوجه؟ إنَّ اللّه عزّ وجلّ أعظم من أن يوصف بالوجه، ولكنَّ معناه: كل شيء هالك إلا دينه، والوجه الذي يؤتى منه»(2).
وعن الحارث بن المغيرة النصري قال سألتُ أبا عبد اللّه عن قول اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ) فقال:
«كل شيء هالك إلا مَن أخَذ طريق الحق»(3).
وعن صفوان الجمال عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلا وَجهَهُ) انَّه عليه السلام قال: «مَن أتى اللّهَ بما اُمر به من طاعة محمد والأئمة من بعده صلوات اللّه عليهم فهو الوجه الذي لا يهلك، ثم قرأ عليه السلام: (من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ)(4)»(5).
وعن أبي عبد اللّه عليه السلام انه قال:
«نحن وجه اللّه الذي لا يهلك»(6).
وعن أبي جعفر عليه السلام انه قال:
«نحن المثاني التي أعطاها اللّه نبَّينا صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونحن وجه اللّه نتقلَّب في الأرض بين
______________________________
(1) القصص: 88.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 1، ص: 149.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 2، ص: 149.
(4) النساء: 80.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 3، ص: 149.
(6) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 4، ص: 150.
[ 496 ]
أظهركم، عرفنا من عرفنا، ومَن جهلنا فأمامه اليقين»(1)
قال الشيخ الصدوق بعد إيراد هذا الحديث:
«معنى قوله: نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى القرآن، وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا، فأخبر اُمته بأن لا نفترق حتى نرد عليه حوضه».
2 - قوله تعالى: (يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيدَيَّ)(2).
عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: قوله عزّ وجلّ: (يا إَبليسُ ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيَدَيَّ)، فقال عليه السلام:
«اليد في كلام العرب القوة والنعمة، قال: (وَاذكُر عَبدَنا داوُدَ ذا الأَيدِ)(3).
وقال: (وَالسَّماءَ بَنَيناها بِأَيدٍ)(4)، أي: بقوةٍ، وقال: (وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنهُ)(5)، أي: قوّة، ويقال: لفلان عندي ايادي كثيرة، أي فواضل وإحسان، وله عندي يد بيضاء، أي: نعمة»(6).
وعن محمد بن عبيدة قال: سألتُ الرضا عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ لابليس: (ما مَنَعَكَ أَن تَسجُدَ لمِا خَلَقتُ بِيَدَيَّ أَستَكبَرتَ)، فقال عليه السلام:
«يعني بقدرتي وقوّتي»(7).
3 - قوله تعالى: (يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدعَونَ إِلى السُّجُودِ)(8).
ورد عن أبي الحسن عليه السلام في قوله عزّ وجلّ: (يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ) أنَّه
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 6، ص: 150.
(2) ص: 75.
(3) ص: 17.
(4) الذاريات: 47.
(5) المجادلة: 22.
(6) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 13، ح: 1، ص: 153.
(7) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 13 ح: 2، ص: 153 - 154.
(8) القلم: 42.
[ 497 ]
قال عليه السلام: «حجاب من نور يُكشف، فيقع المؤمنون سجّداً، وتُدمج أصلاب المنافقين، فلا يستطيعونَ السجود»(1).
وعن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ)، قال: كشَفَ ازاره عن ساقه ويده الاخرى على رأسه، فقال:
«سبحانَ ربي الأعلى»(2).
قال الشيخ (الصدوق) بعد ايراد هذا الحديث:
«معنى قوله: (سبحان ربي الاعلى) تنزيه للّه عزّ وجلّ أن يكونَ له ساق».
4 - قوله تعالى: (الرَّحمنُ عَلى العرشِ استَوى)(3).
سُئلَ أبو عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزَّ وجلَّ: (الرَّحمنُ عَلى العَرشِ استَوى) فقال عليه السلام:
«استوى على كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء»(4).
وعن عبد الرحمن الحجاج قال: سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه تعالى: (الرَّحمنُ عَلى العَرشِ استَوى)، فقال عليه السلام:
«استوى في كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، استوى في كلّ شيء»(5).
5 - قوله تعالى: (اللّهُ نُورُ السَّمواتِ والأَرضِ...)(6).
عن العباس بن هلال قال: سألتُ الرضا عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (اللّهُ نُورُ السَّمواتِ والأَرضِ)، فقال عليه السلام:
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 14، ح: 1، ص: 154.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 14، ح: 3، ص: 155.
(3) طه: 5.
(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الحركة والانتقال، ح: 6، ص: 127.
(5) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: الحركة والانتقال، ح: 8، ص: 128.
[ 498 ]
«هادٍ لأهل السماء، وهادٍ لأهل الأرض»(1).
6 - قوله تعالى، (وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ)(2).
روي عن الامام الرضا عليه السلام انّه قال في هذهِ الآية:
«يعني مشرقة تنتظر ثواب ربِّها»(3).
7 - قوله تعالى: (وَجَاءَ رُّبكَ والمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)(4).
سئل الامام الرضا عليه السلام عن الآية الكريمة فقال:
«إنَّ اللّه لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال، انَّما يعني بذلك: وجاءَ أمرُ رَبك»(5).
8 - قوله تعالى: (وَتَركَهُم في ظُلُماتٍ لا يُبصرونَ)(6).
عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَتَركَهمُ في ظُلُماتٍ لا يُبصِروُن) فقال عليه السلام:
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنَّه متى علم أنَّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلّى بينهم وبين اختيارهم«(7).
9 - قوله تعالى: (نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُم)(8).
عن عبد العزيز بن مسلم انّه سئل الامام الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: (نَسُوا اللّهَ
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 15، ح: 1، ص: 155.
(2) القيامة: 22 - 23.
(3) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، رقم: 287، ص: 382.
(4) الفجر: 22.
(5) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، رقم: 297، ص: 389.
(6) البقرة: 17.
(7) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، رقم: 303، ص: 396.
(8) التوبة: 67.
[ 499 ]
فَنَسِيَهُم)، فقال عليه السلام:
«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وانّما ينسى ويسهو المخلوق المحدَث، ألا تسمعه عزّ وجلّ يقول: (ومَا كَانَ ربُّكَ نَسِيّاً)(1)، وانّما يجازي مَن نسيه، ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال عزّ وجلّ، (وَلا تكوُنوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنساهُم أَنفسَهُم أُولئُك هُم الفاسِقُونَ)(2)، وقوله عزّ وجلّ: (فَاليَومَ نَنساهُم كَما نَسُوا لِقاءَ يَومِهِم هذا)(3)، أي: نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا»(4).
10 - قوله تعالى: (والأَرضُ جَميعاً قَبضَتُهُ يَومَ الِقيامَةِ والسَّمواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ)(5).
عن سليمان بن مهران قال: سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (والأَرضُ جَميعاً قَبضَتُه يَومَ القِيامَةِ)، فقال عليه السلام:
«يعني ملكه، لا يملكها معه أحد، والقبض من اللّه تبارك وتعالى في موضع آخر: المنع، والبسط منه: الاعطاء والتوسيع، كما قال عزّ وجلّ: (واللّهُ يَقبِضُ وَيَبسُطُ وَإِلَيهِ تُرجَعوُنَ)(6)، يعني: يعطي ويوسّع، ويمنع ويضيِّق، والقبض منه عزَّ وجلَّ في وجهٍ آخر: الأخذ، والأخذ في وجهٍ: القبول منه كما قال: (وَيَأخُذُ الصَّدَقاتِ)(7)، أي: يقبلها من أهلها ويثيب عليها، قال: قلتُ: فقوله عزّ وجلّ: (وَالسَمواتُ مَطوِيّاتٌ بِيَمينِهِ)؟ فقال عليه السلام: اليمين اليد، واليد: القدرة والقوة، يقول اللّه عزَّ وجل: والسماوات مطويات
______________________________
(1) مريم: 64.
(2) الحشر: 19.
(3) الاعراف: 51.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 16، ح: 1، ص: 159 - 160.
(5) الزمر: 67.
(6) البقرة: 245.
(7) التوبة: 104.
[ 500 ]
بقدرته وبقوته، سبحانه وتعالى عمّا يشركون»(1).
11 - قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُم عَن ربِّهِم يَومَئِذٍ لمحجوُبُون)(2).
سئُل الامام الرضا عليه السلام عن الآية الكريمة فقال عليه السلام:
«إنَّ اللّهَ تبارك وتعالى لا يوصف بمكانٍ يحلّ فيه فيُحجب عنه فيه عباده، ولكنّه يعني: انَّهم عن ثواب ربِّهم لمحجوبون»(3).
12 - قوله تعالى: (بَل يَداهُ مَبسُوطَتانِ)(4).
عن عبد اللّه بن قيس، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعتُه يقول (بَل يَداهُ مَبسُوطَتانِ) فقلت له:
- يدان هكذا، وأشرتُ بيديَّ إلى يدهِ، فقال عليه السلام:
«لا، ولو كانَ هكذا لكان مخلوقاً»(5).
13 - قوله تعالى: (ومَن يَحلِل عَلَيهِ غَضَبِي فَقَد هَوَى)(6).
روي انَّه دخل عمرو بن عبيد في مجلس أبي جعفر عليه السلام، فقال له:
- جعلتَ فداكَ، قول اللّه تبارك وتعالى: (ومَن يَحلِل عَليهِ غَضَبِي فَقَد هَوَى) ما ذلكَ الغضب؟ فقال أبو جعفر عليه السلام:
«هو العقاب يا عمرو، انَّه من زعَمَ انَّ اللّه عزّ وجلّ زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، انَّ اللّه عزّ وجلّ لا يستفزّه شيء ولا يغيّره»(7).
وروي بهذا الصدد أيضاً أنَّ رجلاً سأل الامامَ الصادق عليه السلام عن اللّه تبارك وتعالى
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 17، ح: 2، ص: 161 - 162.
(2) المطففين: 15.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 18، ح: 1، ص: 162.
(4) المائدة: 64.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 25، ح: 2، ص: 168.
(6) طه: 81.
(7) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 26، ح: 1، ص: 168.
[ 501 ]
له رضاً وسخط؟ فقال عليه السلام:
«نعم، وليس ذلكَ على ما يوجد من المخلوقين، وذلكَ انَّ الرضا والغضب دِخال يدخل عليه، فينقله من حالٍ الى حال، معتمَل، مركّب، للاشياء فيه مدخل، وخالقنا لا مدخَلَ للاشياء فيه، واحد، أحديّ الذات، وأحدي المعنى، فرضاه ثوابه، وسخطه عقابه، من غير شيء يتداخله فيهيجه وينقله من حالٍ إلى حال، فانَّ ذلكَ صفة المخلوقين العاجزين المحتاجين، وهو تبارك وتعالى القويّ العزيز لا حاجة به الى شيء، وخلقه جميعاً، محتاجونَ إليه، انَّما خلقَ الاشياء من غير حاجةٍ ولا سبب إختراعاً وابتداعاً»(1).
14 - قوله تعالى: (وَنَفَختُ فِيهِ مِن روحي)(2).
روى زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنَّه قال في الآية الكريمة:
«انَّ اللّه تبارك وتعالى أحد، صمد، ليس له جوف، وانّما الروح خلق من خلقه نصرٌ وتاُييد وقوّة، يجعله اللّه في قلوب الرسل والمؤمنين»(3).
وعن محمد بن مسلم قال: سألتُ أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحي) فكيف هذا النفخ؟ فقال عليه السلام:
«انَّ الروح متحرك كالريح، وانّما سمي روحاً لانَّه اشتق اسمه من الريح، وانّما أخرجه على لفظ الروح، لأنَّ الروح مجانس للريح، وانّما أضافه إلى نفسه لأنَّه اصطفاه على سائر الارواح، كما اصطفى بيتاً من البيوت، فقال: بيتي، وقال لرسولٍ من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبَّر»(4).
وورد عن أبي جعفر في قوله تعالى: (وَنَفختُ فِيهِ مِن رُّوحي) انه قال عليه السلام:
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 26، ح: 3، ص: 169 - 170.
(2) الحجر: 29، و ص: 72.
(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 27، ح: 2، ص: 171.
(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 27، ح: 3، ص: 171.
[ 502 ]
«من قدرتي»(1).
15 - قوله تعالى: (فَلمّا أَسَفُونا انتَقَمنا مِنهُم)(2).
ورد عن أبي عبد اللّه عليه في الآية الكريمة انَّه قال:
«انَّ اللّه تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنّه خلقَ أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقونَ مدبَّرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى، وسخطهم لنفسه سخطاً، وذلكَ لانّه جعلهم الدعاة إليه، والأولاد عليه، فلذلكَ صاروا كذلك، وليس انّ ذلك يصل إلى اللّه كما يصل إلى خلقه، ولكنَّ هذا المعنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضاً: (مَن أهان لي وليّاً فقد بازرني بالمحاربة ودعاني اليها)، وقال أيضاً: (مَن يُطِعِ الرَّسولَ فَقَد أَطاعَ اللّه)(3)، وقال أيضاً: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايعونَكَ إِنَّما يُبايعُونَ اللّهَ)(4)، وكل هذا وشبهه على ما ذكرتُ لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الاشياء مما يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى المكوِّن الاسفُ والضجرُ وهو الذي أحدثهما وأنشأهما، لجاز لقائل أن يقول: إنَّ المكِّون يبيدُ يوماً مّا، لأنَّه إذا داخلَه الضجر والغضب دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الابادة، ولو كان ذلك كذلك لم يُعرف المكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا القول علوّاً كبيراً، هو الخالق للاشياء لا لحاجةٍ، فإذا كان لا لحاجةٍ استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء اللّه»(5).
16 - قوله تعالى: (وَهُوَ الّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَفي الأرضِ إِلهٌ)(6).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 27، ح: 5، ص: 172.
(2) الزخرف: 55.
(3) النساء: 80.
(4) الفتح: 10.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 26، ح: 2، ص: 168 - 169.
(6) الزخرف: 84.
[ 503 ]
روي عن هشام بن الحكم انَّه قال: قال أبو شاكر الديصاني:
- إنَّ في القرآن آيةً هي قوة لنا، قلت:
- وما هي؟ فقال:
- (وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَفي الأَرضِ إِلهٌ).
فلم أدرِ بما اُجيبه، فحججتُ، فخبّرت أبا عبد اللّه عليه السلام فقال:
- «هذا كلام زنديق خبيث، إذا رجعتَ إليه فقل: ما اسمكَ بالكوفة، فانّه يقول فلان، فقل: ما اسمكَ بالبصرة، فانَّه يقول: فلان، فقل: كذلكَ اللّه ربُّنا في السماء إله، وفي الأرضِ إله، وفي البحارِ إله، وفي كلَّ مكانٍ إله.
قال: فقدمتُ، فأتيتُ أبا شاكر، فأخبرتُه فقال:
- هذهِ نُقلت من الحجاز»(1)!!
17 - قوله تعالى: (سَخِرَ اللّهُ مِنهُم)(2) وقوله: (اللّهُ يَستَهزئُ بِهِم)(3). وقوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيرُ الماكِرينَ)(4) وقوله: (يُخادِعونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم)(5).
جاءَ عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه قال: سألتُ الرضا علي بن موسى عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ: (سَخِرَ اللّهُ مِنهُم) وعن قول اللّه عزّ وجلّ: (اللّهُ يَستَهزئُ بِهِم) وعن قوله: (وَمَكرُوا وَمَكرَ اللّهُ) وعن قوله: (يُخادِعونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم)، فقال عليه السلام:
«انَّ اللّه تباركَ وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ، ولا يمكرُ ولا يخادعُ، ولكنَّه
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 9، ح: 16، ص: 133.
(2) التوبة: 79.
(3) البقرة: 15.
(4) آل عمران: 54.
(5) النساء: 142.
[ 504 ]
عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمونَ علوّاً كبيراً».
4 - تأويل ظواهر الاحاديث الدالّة على التشبيه والتجسيم
1 - عن الحسين بن خالد قال: «قلتُ للرضا عليه السلام:
- إنَّ الناس يروون أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم قال: إنَّ اللّه خلق آدم على صورته فقال عليه السلام:
«قاتلهم اللّه، لقد حذفوا أوَّل الحديث، إنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مرَّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبَّح اللّه وجهكَ ووجهَ من يشبهكَ، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا عبدَ اللّه لا تقل هذا لأخيكَ، فانَّ اللّه عزّ وجلّ خلقَ آدَم على صورته»(2).
2 - وعن ابراهيم بن أبي محمود قال: قلتُ للرضا عليه السلام:
- يا ابنَ رسول اللّه! ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم «إنَّ اللّه تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا»، فقال عليه السلام: «لعن اللّه المحرّفين الكلم عن مواضعه، واللّهِ ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كذلك انّما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إنَّ اللّه تبارك وتعالى يُنزل ملكاً إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليل، فيأمره فينادي: هل من سائل فاعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشرّ أقصر! فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عادَ إلى محلِّه من ملكوت السماء، حدّثني بذلك أبي عن جدّي، عن آبائه، عن
_____________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 21، ح: 1، ص: 163.
(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 12، ح: 11، ص: 153.
[ 505 ]
رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(1).
3 - ومن الحوار الذي جرى بين أبي قرّة المحدّث صاحب شبرمة وبين الامام الرضا عليه السلام، انَّه قال له:
«أفتكذب بالرواية: (إنَّ اللّه إذا غضب انَّما يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش، يجدونَ ثقله على كواهلهم، فيخرّونَ سجّداً، فإذا ذهبَ الغضب، خفَّ فرجعوا إلى مواقفهم)؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- «أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى منذ لعنَ إبليس إلى يومكَ هذا وإلى يوم القيامة غضبان هو على إبليس وأوليائه، أو راضٍ عنهم؟ فقال:
- نعم هو غضبان. قال عليه السلام:
- فمتى رضي فخفَّ، وهو في صفتكَ لم يزل غضباناً عليه وعلى أتباعه؟
ثم قال عليه السلام:
- ويحكَ! كيف تجترئ أن تصفَ ربَّكَ بالتغيّر من حالٍ إلى حال، وانَّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مَعَ الزائلين، ولم يتغيّر مَعَ المتغيّرين»(2).
4 - روي عن عبد السلام بن صالح الهروي انّه قال: قلتُ لعلي بن موسى الرضا عليه السلام:
- «يا ابن رسول اللّه، ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث انِّ المؤمنين يزورون ربَّهم من منازلهم في الجنّة؟ فقال عليه السلام:
- يا أبا الصّلت انّ اللّه تبارك وتعالى فضَّل نبيَّه محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم على جميع خلقه من
______________________________
(1) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، رقم: 293، ص: 386.
(2) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 2، رقم: 285، ص: 379.
[ 506 ]
النبيين والملائكة، وجَعَل طاعته طاعتَه، ومتابعته متابعتَه، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارتَه، فقال عزّ وجلّ: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطاعَ اللّهَ)(1)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يبُايعونَكَ إِنَّما يُبايعونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوق أَيديهِم)(2).
وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (مَن زارني في حياتي أو بعدَ موتي فقد زارَ اللّه)، درجةُ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره إلى درجته في الجنة من منزلِه، فقد زارَ اللّه تبارك وتعالى.
قال أبو الصلت: فقلتُ له:
- يا ابن رسول اللّه، فما معنى الخبر الذي رووه انَّ ثواب لا اله إلا اللّه النظر إلى وجه اللّه؟ فقال عليه السلام:
-يا أبا الصلت، مَن وصفَ اللّه بوجهٍ كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه اللّه أنبياؤُه ورسله وحججه صلوات اللهِ عليهم، هم الذين بهم يتوجّه إلي اللّه وإلى دينه ومعرفته، وقال اللّه عزّ وجلّ: (كُلُّ مَن عَلَيها فانٍ* وَيَبقى وَجهُ رَبِّكَ)(3)، وقال عزّ وجلّ: (كُلُّ شَيء هالِكٌ إِلا وَجهَهُ)(4)، فالنظر إلى أنبياء اللّهِ ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (مَن أبغضَ أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة)، وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (انَّ فيكم مَن لا يراني بعد أن يفارقني)، يا أبا الصلت، إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا تدركه الأبصار والأوهام»(5).
______________________________
(1) النساء: 80.
(2) الفتح: 10.
(3) الرحمن: 26 - 27.
(4) القصص، 88.
(5) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 8، ح: 21، ص: 117 - 118.
[ 507 ]
5 - وروي عن صفوان بن يحيى انَّه قال:
«سألني أبو قرّة المحدّث أن اُدخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فاستأذنته في ذلكَ فأذن لي، فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤالُه التوحيد، فقال ابو قرّة:
- إنّا روينا أنَّ اللّه عزّ وجلَّ قسَّم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى عليه السلام الكلام، ولمحمدٍ صلى اللّه عليه وآله وسلم الرؤية، فقال أبو الحسن عليه السلام:
-فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجن والانس: (لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُو يُدرِكُ الأَبصارَ)(1)، (وَلا يُحيطونَ بِهِ عِلماً)(2)، (لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ)(3)، أليس محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ قال:
- بلى، قال عليه السلام:
- فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم انَّه جاءَ من عند اللّه وانَّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار)، (ولا يحيطون به علماً)، (وليس كمثله شيء)، ثم يقول: أنا رأيتُه بعيني، لو عرفوك لوصفوكَ بما وصفتَ به نفسَكَ، سبحانَكَ كيف طاوعتهم أنفسهم أن شبّهوك بغيرك، إلهي لا أصفُكَ إلا بما وصفتَ به نفسَكَ، ولا اشبّهكَ بخلقكَ، أنت أهل لكلّ خير فلا تجعلني من القوم الظالمين.
ثم التفتَ الينا فقال عليه السلام:
- ما توهمتم من شيء فتوهموا اللّه غيره، ثم قال عليه السلام:
- نحن آل محمد النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي، ولا يسبقنا التالي، يا محمَّد!
______________________________
(1) الانعام: 103.
(2) طه: 110.
(3) الشورى: 11.
[ 508 ]
إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حينَ نظر إلى عظمة ربِّه كان في هيئة الشاب الموفق وسنّ أبناء ثلاثينَ سنة، يا محمد! عظُم ربّي وجلَّ أن يكونَ في صفة المخلوقين..»(1).
6 - وعن إبراهيم بن محمد الخزّاز، ومحمد بن الحسين قالا:
«دخلنا على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فحكينا له ما روي أنَّ محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم رأى ربَّه في هيئة الشاب الموفقِ في سنّ أبناء ثلاثينَ سنةً رجلاه في خضرةٍ، وقلت: إنَّ هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثمي يقولون: انَّه أجوف إلى السّرة والباقي صمد.
فخرَّ عليه السلام ساجداً، ثم قال:
- سبحانَكَ ما عرفوكَ ولا وحّدوك فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانَكَ وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجهٍ آخر!!
قال أبو قرّة:
- فانه يقول: (وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرى)(2) ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام:
- إنَّ بعدَ هذهِ الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: (ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى)(3) يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: (لَقَد رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبرى)(4)، فآيات اللّه عزّ وجلّ غير اللّه، وقد قال: (ولا يحيطونَ به علماً)، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة.
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 18، ح: 13، 113.
(2) النجم: 13.
(3) النجم: 11.
(4) النجم: 18.
[ 509 ]
فقال أبو قرّة:
- فتكذِّب بالروايات؟! فقال أبو الحسن عليه السلام:
إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كَذَّبت بها، وما أجمع المسلمون عليه انَّه لا يُحاط به علم، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء»(1).
______________________________
(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 18، ح: 9، ص: 111 - 112.
[ 510 ]
1 - من كلامٍ لأمير المؤمنين عليه السلام وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه - يعوده، فلمّا رأى سعة داره قال:
« - ما كنتَ تصنع بسعة هذهِ الدار في الدنيا، وأنتَ اليها في الآخرة كنتَ أحوج؟ وبلى إن شئتَ بلغتَ بها الآخرة، تَقري فيها الضيف، وتصل فيها الرّحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعَها، فإذا أنتَ قد بلغتَ بها الآخرة.
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو اليكَ أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟
قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا، قال: عليَّ به.
فلما جاءَ قال عليه السلام:
- يا عديَّ نفسه! لقد استهامَ بكَ الخبيث! أما رحمتَ أهلك وولدك! أترى اللّه أحلّ لكَ الطيّبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على اللّه من ذلك!
قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنتَ في خشونة ملبسكَ وجشوبة مأكلك!
قال: ويحكَ، إنّي لست كأنت، إنَّ اللّه تعالى فرضَ على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضَعفة الناس، كيلا يتبيَّغ(1) بالفقير فقرُه»(2).
2 - «دخَل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه عليه السلام، فرأى عليه ثيابَ بياض كأنَّها غرقئ(3) البيض، فقال له:
- إنَّ هذا اللباس ليس من لباسك، فقال له عليه السلام:
- اسمع منّي وعِ ما أقول لكَ، فانَّه خير لكَ عاجلاً وآجلاً، إن أنتَ متَّ على السنّة
______________________________
(1) يتبيَّغ: يهيج به الالم فيهلكه.
(2) نهج البلاغة: الكلام / 209.
(3) الغرقئ: كزبرج - القشرة الملتزقة ببياض البيض.
[ 511 ]
والحق، ولم تمت على بدعة.
اُخبرُكَ أنَّ رسول اللّه كانَ في زمان مقفر جدب(1)، فإذا أقبلت الدنيا فأحقُّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها، فما أنكرتَ يا ثوري؟ فواللّهِ إنّي لمعَ ما ترى ما أتى عليَّ مذ عقلتُ صباح ولا مساء وللّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعاً الا وضعته.
قال: فأتاه عليه السلام قوم ممن يظهرون الزُّهد، ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشف، فقالوا له:
- إنَّ صاحبنا حصر(2) عن كلامك، ولم تحضره حجّة، فقال لهم عليه السلام:
- فهاتوا حججكم، فقالوا:
- إنَّ حججنا من كتابِ اللّه، فقال لهم عليه السلام:
- فأدلوا بها، فانَّها أحق ما اتُّبع وعُمل به، فقالوا:
- يقول اللّه تبارك وتعالى مخبراً عن قومٍ من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: (وَيُؤثِرونَ عَلى أنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأولئِكَ هُمُ المُفلِحونِ)(3) فمدحَ فعلهم، وقال في موضعٍ آخر: (وَيُطعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسكِيناً وَيَتيماً وَأَسيراً)(4)، فنحن نكتفي بهذا.
فقال رجل من الجلساء:
- إنّا رأيناكم تزهدون في الاطعمة الطيبة، ومَعَ ذلكَ تأمرونَ الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم منها؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:
- دعوا عنكم ما لا تنتفعونَ به، أخبروني أيّها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من
______________________________
(1) القفر، خلو الارض من الماء، والجدب: انقطاع المطر ويبس الارض.
(2) الحصر: العي في المنطق. والعجز عن الكلام.
(3) الحشر: 9.
(4) الدهر: 8.
[ 512 ]
منسوخه، ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضلَّ مَن ضلَّ، وهلكَ مَن هلك من هذهِ الامّة؟ فقالوا له:
- أو بعضه، فأمّا كلَّه فلا، فقال لهم عليه السلام:
- فمن هنا اُتيتُم(1)، وكذلك أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم(2)، فأمّا ما ذكرتم من إخبار اللّه عزّ وجلّ إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كانَ مباحاً جائزاً، ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على اللّه عزّ وجلّ، وذلكَ أنَّ اللّه جلَّ وتقدَّس أمَرَ بخلاف ما عملوا به فصارَ أمرُه ناسخاً لفعلهم، وكان نهي اللّه تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين ونظراً لكي لا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم، منهم الضعفة، والصغار، والولدان والشيخ الفاني، والعجوزة الكبيرة، الذين لا يصبرون على الجوع، فان تصدَّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره، ضاعوا وهلكوا جوعاً.
فمن ثم قال رسول اللّه صلى الّه عليه وآله وسلم: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير، أو دراهم يملكها الانسان، وهو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على قرابته الفقراء، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل اللّه وهو أخسّها أجراً.
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للانصاري حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق، ولم يكن يملك غيرهم، وله أولاد صغار: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مَعَ المسلمين، يتركَ صبيةً صغاراً يتكففونَ الناس.
ثم قال عليه السلام: حدثني أبي أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: إبدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى. ثمَّ هذا ما نطق به الكتاب ردّاً لقولكم ونهياً عنه، مفروضاً من اللّه العزيز الحكيم، قال: (وَالَّذِينَ إذا أَنفَقُوا لَم يُسرِفوا وَلَم يَقتُرُوا وَكانَ بَينَ ذلكَ قَواماً)(3) أفلا ترون أنَّ اللّه
______________________________
(1) اُتيتُم: أي دخل عليكم البلاء.
(2) أي فيها أيضاً ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه.
(3) الفرقان: 67.
[ 513 ]
تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الاثرة على أنفسهم، وسمّى مَن فَعَل ما تدعونَ الناس إليه مسرفاً؟
وفي غير آية من كتاب اللّه يقول: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفِينَ) فنهاهم عن الاسراف، ونهاهم عن التقتير، لكن أمر بين أمرين: لا يعطي جميع ما عنده، ثمَّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له، للحديث الذي جاءَ عن النبي صلى اللّه عيه وآله وسلم: (انَّ أصنافاً من اُمتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمالٍ فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل اللّه عزَّ وجلَّ تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته يقول: ربِّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق، فيقول اللّه جلَّ وعزّ له: عبدي! ألم أجعل لكَ السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة؟ فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلاً على أهلك، فان شئت رزقتك، وإن شئت قتَّرت عليك، وأنت غير معذور عندي، ورجل رزقه اللّه مالاً كثيراً فأنفقه، ثم أقبل يدعو يا ربِّ ارزقني، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ ألم اُرزقك رزقاً واسعاً؟ فهّلا اقتصدت فيه كما أمرتُك، ولم تُسرف وقد نهيتك (عن الاسراف)، ورجل يدعو في قطيعة رحم.
ثمَّ علَّم اللّهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه كيف ينفق، وذلكَ، انَّه كان عنده اُوقية من الذهب، فكره أن يبيت عنده، فصدَّق فأصبح وليس عنده شيء، وجاءَه مَن يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامَه السائل، واغتمَّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيماً رفيقاً، فأدَّبَ اللّهُ نبيَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمره فقال: (وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البسطِ فَتَقعُدَ مَلُوماً مَّحسُوراً)(2)، يقول: إنَّ الناس قد يسألونَكَ ولا يعذرونَكَ، فاذا أعطيت جميع ما عندكَ كنتَ قد حسرت من المال.
______________________________
(1) الانعام: 141، الاعراف: 31.
(2) الاسراء: 29.
[ 514 ]
فهذهِ أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدِّقه أهلُه من المؤمنين، وقال أبو بكر عند موته: اوصي بالخمس، والخمس كثير، فانَّ اللّه قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس، وقد جعل اللّه عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم انَّ الثلث خير له أوصى به.
ثمَّ مَن قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي اللّه عنهما، فامّا سلمان فكان إذا أخذَ عطاءَه رفع منه قوته لسنته، حتى يحضر عطاؤُه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد اللّه، أنت في زهدكَ تصنعُ هذا؟ وأنت لا تدري لعلَّكَ تموت اليوم أو غداً، فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليَّ الفناء، أما علمتم يا جهلة انَّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنَّت.
وأمّا أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات، يحلبها، ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم(1) فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم، ومَن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما قال، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً البتة، كما تأمرون الناس بالقاء أمتعتهم وشيئهم، ويؤثرونَ به على أنفسهم وعيالاتهم.
واعلموا أيها النفر أنّي سمعتُ أبي يروي عن آبائه عليهم السلام أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال يوماً: (ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن، انّه إن قرَّض جسده في دار الدنيا بالمقاريض، كان خيراً له، وان ملك ما بين مشارق الارض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع اللّه عزّ وجلّ به فهو خير له)، فليتَ شعري هل يحيق فيكم اليوم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم؟
______________________________
(1) قرم اللحم: شهوة اللحم.
[ 515 ]
أما علمتم أنَّ اللّه عزَّ وجلَّ قد فرض على المؤمنين في أول الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومَن ولاهم يومئذٍ دبره فقد تبوّءَ مقعده من النار، ثمَّ حوَّلهم عن حالهم رحمةً منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من اللّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.
وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورة هم حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي، فان قلتم: جورة ظلّمكم أهل الاسلام، وإن قلتم: بل عدول خصمتُم أنفسكم، وحيث تردُّون صدقة مَن تصدَّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث.
أخبروني لو كان الناس كلهم كالذّين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غيرهم، فعلى مَن كان يُتصدَّق بكفّارات الايمان والنذور، والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الابل والبقر والغنم، وغير ذلك إذا كان الأمر على ما تقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلا قدَّمه، وإن كانَ به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه وحمَّلتم الناس عليه من الجهل بكتاب اللّه عزَّ وجلَّ وسنّة نبيِّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأحاديثه التي يصدِّقها الكتاب المنزل، وردِّكم إياها بجهالتكم، وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، وأخبروني أنتم عن سليمان بن داود عليه السلام حيث سأل اللّه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه اللّه جلَّ اسمه ذلك، وكان يقول الحق ويعمل به، ثم لم نجد اللّه عزَّ وجلَّ عاب عليه ذلك، ولا أحداً من المؤمنين، وداود النبيّ عليه السلام قبله في ملكه وشدّة سلطانه.
ثم يوسف النبي عليه السلام حيث قال لملك مصر: (اجعَلنِي عَلى خَزائِنِ الأَرضِ إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)(1) فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن،
______________________________
(1) يوسف: 55.
[ 516 ]
فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعةٍ أصابتهم، وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عابَ ذلك عليه.
ثم ذو القرنين عبد أحبَّ اللّه فأحبَّه اللّه وطوى له الاسباب، وملكه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحق، ويعمل به، ثم لم نجد أحداً عاب ذلك عليه.
فتأدّبوا أيها النفر بآداب اللّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين، واقتصروا على أمرِ اللّه ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به، وردّوا العلمَ إلى أهله تُؤجروا وتُعذروا عند اللّه تبارك وتعالى، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابه، وما أحلَّ اللّه فيه مما حرَّم، فانَّه أقرب لكم من اللّه وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لأهلها، فانَّ أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال اللّه عزَّ وجلَّ (وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَليمٌ)(1)»(2).
3 - «ورد قوم من المتصوفة إلى خراسان ودخلوا على علي بن موسى الرضا عليه السلام، فقالوا له:
-إنَّ أمير المؤمنين فكَّر فيما ولاّه اللّه من الامور، فرآكم أهل بيت أولى الناس أن تؤمّوا الناس، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس، فرأى أن يردَّ هذا الأمر اليك، والامامة تحتاج إلى مَن يأكل الجشب، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض.
فقال لهم عليه السلام:
- إنَّ يوسف كان نبيّاً يلبس أقبية الديباج المزرَّدة بالذهب، ويجلس على متكآت آل فرعون ويحكم، انّما يُراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صَدَق، وإذا حكم عَدَل،
______________________________
(1) يوسف: 76.
(2) الكليني، الاصول من الكافي، ج: 5، كتاب المعيشة، الباب: 1، ح: 1، ص: 65 - 70، والمجلسي، بحار الأنوار، ج: 67، كتاب الايمان والكفر، باب: 51، ح: 13، ص: 123 - 128، وتحف العقول، ص: 363 - 369.
[ 517 ]
وإذا وَعَد أنجز، إنَّ اللّه لم يحرِّم لبوساً ولا مطعماً، ثم قرأ: (قُل مَن حرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هيَ للَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنيا خَالِصَةً يَومَ الِقيامةِ..)(1)»(2).
4 - ورد في كتاب المسائل عن علي بن جعفر أنَّه قال:
«سألتُ أخي موسى عليه السلام عن الرجل المسلم هل يصلح له أن يسيح في الأرض أو يترهَّب في بيت لا يخرج منه؟ قال عليه السلام: لا»(3).
5 - وفي رواية ابن حمزة والسيد المرتضى عن الشيخ المفيد باسناده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب انّه قال:
«كنت مع الهادي علي بن محمد عليه السلام في مسجد المدينة، فأتاه جماعة من أصحابه منهم أبو هاشم الجعفري، وكان رجلاً بليغاً، وكانت له منزلة عظيمة عنده، ثم دخل المسجد جماعة من الصوفية، وجلسوا في جانبه حلقة مستديرة ثم أخذوا بالتهليل، فقال عليه السلام:
- لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخدّاعين، فانّهم خلفاء الشياطين، ومخّربو قواعد الدين، يتزهدون لراحة الأجسام، ويتهجدون لتقييد الأنام، ويتجوعون عمراً حتى يذبحوا للايكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقلّلونَ الغذاءَ الا للالتباس والاختلاف، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم إلا الحمقاء، فمن ذهب إلى زيارة واحدٍ منهم حيّاً أو ميتاً، فكأنماً ذهبَ إلى زيارة
______________________________
(1) الاعراف: 32.
(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 67، كتاب الايمان والكفر، باب: 51، ح: 11، ص: 120 - 121، عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج: 3، ص: 12.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 67، كتاب الايمان والكفر، باب: 51، ح: 10، ص: 119، عن الاحتجاج للطبرسي.
[ 518 ]
الشيطان، وعبادة الأوثان، ومَن أعانَ أحداً منهم فكأنّما أعانَ يزيد ومعاوية وأبا سفيان.
فقال رجل من أصحابه عليه السلام:
- مَن كان معترفاً بحقوقهم؟
فنظر إليه عليه السلام شبه المغضب وقال:
- دع ذا، مَن اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا، أما تدري انَّ أخس الطوائف الصوفية، والصوفية كلهم من مخالفينا، وطريقتهم مغايرة لطريقتنا، وإن هم إلا نصارى ومجوس هذهِ الامّة، اُولئكَ الذين يجهدونَ في إطفاء نور اللّه، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون»(1).
______________________________
(1) ع. نجف، منهاج التحرك عند الامام الهادي عليه السلام، ص: 139 - 140، عن ذرائع اللسان لمحمد رضا الطبسي، ج: 2، ص: 37.