2 - النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يسند الى علي عليه السلام المهام الاسلامية الكبرى

وهنا نحاول أن نستعرض أربعة مواقف رسالية كبيرة ترشّح لها أمير المؤمنين عليه السلام من بين بقية المسلمين قاطبةً، ونقتصر على هذا المقدار من جملة المواقف الكثيرة التي رقي إليها بطل الاسلام علي عليه السلام باعداد وتوجيه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.. الأمر الذي كان يعني انَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم يقوم بعملية إعداد مشهودة للملأ جميعاً للخليفة الذي سيأتي من بعده وينوء بحمل هذهِ الامانة الثقيلة، ويتأهل لاكمال شوط الرسالة بجدارة واقتدار.

ومن غير شك انَّ هذهِ العملية الواعية التي يقوم فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بتأهيل أمير المؤمنين علي عليه السلام وترشيحه إليها تصب في اتجاه الفات النظر العام الى موقعه في الاسلام، وتهيئة الارضية الملائمة لترسيخ قاعدة شيعية موالية تؤصّل هذا الموقع، وتستوعبه

 [ 442 ]

استيعاباً رسالياً معمقاً يتيح لها أن تكون الطليعة الرائدة لحركة التشيع فيما بعد.

والمواقف الاربعة التي تمَّ اختيارها بهذا الصدد هي:

الموقف الاول: مبيت علي عليه السلام على فراش النبي (ص) ليلة الهجرة

فقد جاء (في تفسير الثعلبي):

«انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أراد الهجرة خلَّف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه، وردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة الخروج الى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، ونام على فراشه، فقال: يا علي اتّشح ببردي الحضرمي، ثم نم على فراشي، فانَّه لا يخلص اليكَ مكروه إن شاء اللّه.

وفعل ذلك علي عليه السلام، فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ الى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلتُ عمر أحدكما أطول من الآخر، وأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه اليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، فنامَ على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا الى الارض، فاحفظاه من عدوِّه، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عن رجله، فقال جبرئيل، بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللّه بك الملائكةَ، فأنزلَ اللّه تعالى على رسوله وهو متوجه الى المدينة في شأن علي: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفَسَهُ ابتِغاء مَرضاةِ اللّهِ واللّهُ رَؤوفٌ بالعِبادِ)(1)»(2).

______________________________

(1) البقرة: 207.

(2) القاضي التستري، إحقاق الحق، ج: 3، ص: 23 - 33، أشار الى قول مجموعة كبيرة من علماء العامة بنزول الآية في علي عليه السلام منهم أحمد بن حنبل في مسنده، ج: 1، ص: 331 ط 1 بمصر، والعلامة الطبري في تفسيره، ج: 9، ص: 140 ط الميمنية بمصر، والحاكم في المستدرك، ج: 3، ص: 4، ط حيدر آباد دكن، والذهبي في تلخيص المستدرك، ج: 3، ص: 4 ط حيدر آباد دكن، والعلامة الثعلبي في تفسيره على ما في تفسير اللوامع، ج: 2، ص: 376 ط لاهور، والاصفهاني في كتاب (ما نزل في شأن علي عليه السلام) على ما في تفسير اللوامع، ج: 2 ص: 375، والغزالي في الاحياء، وفخر الدين الرازي في تفسيره، ج: 5، ص: 223، ط البهية بمصر، وابن الاثير في اسد الغابة، ج: 4، ص: 25، ط جمعية المعارف بمصر.. إلى غير ذلك من المصادر العامية الكثيرة.

[ 443 ]

وقد نسب الحاكم في المستدرك هذه الابيات الى أمير المؤمنين عليه السلام عند مبيته على الفراش:

وقيتُ بنفسي خير مَن وطي الحصى***ومَن طافَ بالبيت العتيق وبالحجرِ

رسول اللّه خاف أن يمكروا به***فنجّاه ذو الطول الاله من المكرِ

وبات رسول اللّه في الغارِ آمناً***موقّى وفي حفظ الاله وفي ستر(1)

الموقف الثاني: النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يهدد الكفّار بعلي عليه السلام

جاءَ في كتاب (مناقب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام) للحافظ الكوفي أنَّه قال:

«جاء سهيل بن عمرو الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا محمد انَّه قد خرج إليكَ اُناس من ارقّائنا ليس بهم للدين تعبّداً، فارددهم علينا، فقال أبو بكر وعمر: صدقَ يا رسول اللّه، فقال النبي: لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلاً منّي، امتحن اللّه قلبه للايمان، يضرب رقابكم على الدين وأنتم مجفّلون عنه إجفال النعم، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟ قال، لا، ولكنَّه خاصف النعل.

قال: وكان في كفِّ عليٍّ نعل يخصفها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(2).

_____________________________

(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: 3، ص: 4.

(1) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ج: 2، ح: 506، ص: 16، وأشار المحقق الى رواة الحديث قائلاً: رواه الحافظ ابن عساكر بسنده عن الخطيب ثم باسانيد أخر تحت الرقم (873) وما بعده ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تأريخ دمشق، ج: 2، ص: 366، ط، ورواه الحافظ النسائي في عنوان (قد امتحن اللّه قلب علي للايمان) تحت الرقم (31) من كتاب خصائص علي عليه السلام، ص: 85، ط بيروت.

[ 444 ]

الموقف الثالث: النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يدفع الراية لعلي يوم فتح خيبر

جاءَ في مجمع الزوائد للهيثمي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أنَّه قال:

«قلت لعلي - وكان يسمر معه - انَّ الناس قد أنكروا منكَ أن تخرج في الحرّ في الثوب المحشو، وفي الشتاء في الملاءتين الخفيفتين، فقال علي: أولم تكن معنا بخيبر، قلت: بلى، قال: فانَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم دعا أبا بكر فعقد له لواءً ثم بعثه فسار بالناس، وانهزم حتى إذا بلغ ورجع، فدعا عمر فعقد له لواء فسار ثم رجع منهزماً بالناس، فقال رسول اللّه عليه وآله وسلم: لاُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسولَه، ويحبُّه اللّه ورسولهُ يفتح اللّهُ له ليس بفرّار، فأرسل إليَّ فأتيته وأنا أرمد لا اُبصر شيئاً، فتفل في عيني وقال: أكفه ألَمَ الحرّ والبرد، فما آذاني حرٌّ ولا برد بعد»(1).

الموقف الرابع: النبي (ص) يسند إلى علي عليه السلام تبليغ سورة (براءة)

جاء في (روح التشيع) للشيخ (عبد اللّه نعمة) حول اسناد المهام الكبرى لأمير المؤمنين عليه السلام:

«فاليه أسند مهمة تبليغ سورة (براءة) ليقرأها على أهل مكة في السنة الثامنة للهجرة حين فتح مكة، وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم أرسل أولاً أبا بكر لأداء نفس المهمة، فأتبعه بعد ذلك بعلي، وأمره أن يكون المتولي لأداء ذلك، وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى ويُرجع أبا بكر، وقال له: أذّن في الناس: أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومَن كان له عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عهد فهو له الى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادي، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك

______________________________

(1) مجمع الزوائد للهيثمي، ج: 9، ص: 124، وروى الحديث أحمد بن حنبل، الخبر: 139 في مسنده، ج: 3، ص: 16، ورواه القطيعي في الحديث (176) في فضائل علي، ورواه ابن عساكر في الحديث 256 و 257 في ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق 1 / 213 مَعَ اختلاف في التعبير (انظر هامش ص 495 - 497 من ج: 2 من كتاب مناقب امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام بتحقيق: محمد باقر المحمودي).

[ 445 ]

ولا ذمة، وحمل علياً على ناقته العضباء.

وقد انصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أنَزَلَ فيَّ شيء؟ قال: لا إلا انّي أُمرت أن أُبلغه أنا، أو رجل من أهل بيتي»(1).

3 - النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوصي المسلمين بموالاة علي عليه السلام واتّباعه

ومن أشهر النصوص الاسلامية في ذلك نص الغدير الذي قال فيه رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلم: «أيها الناس ألستُ أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه كيفما دار».

وهذا من أبرز المظاهر التي مارسها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في إرسال قواعد التشيع، ووضع لبنات بنائه الاولى، وأمر المسلمين بالالتفات حول رائد هذهِ المسيرة وحامل لوائها، وموالاته ونصرته.. فهل التشيع لعلي عليه السلام غير ذاك؟!

وجاءَ في سنن الترمذي بنفس المعنى عن رسول اللّه انَّه قال:

«إنَّ علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي»(2).

وفيه أيضاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«مَن كنت مولاه فعلي مولاه»(3).

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم بحق علي عليه السلام:

_____________________________

(1) عبد اللّه نعمة، روح التشيع: ص: 45 - 46، استناداً الى التنبيه والاشراف للمسعودي، ص: 237، وينابيع المودة، ص: 89، والطبري، ج: 3، ص: 54، ومن قوله: وقد انصرف.. الى قوله: من أهل بيتي، عن خصائص النسائي، ص: 20.

(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، الباب: 20، ح: 3712، ص: 591، وجاء في فضائل الخمسة للفيروزآبادي في ج: 2، ص: 3، ورواه أحمد في مسنده، ج: 4، ص: 437 باختلاف يسير، وأبو داود في مسنده، ج: 3، ص: 11، كذلك وأبو نعيم في حليته، ج: 6، ص: 294 كذلك، والنسائي في خصائصه، ص 19 و ص23 كذلك، وفي كنز العمال، ج: 6، ص: 154 و ص: 399.

(3) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، الباب: 20، ح: 3713، ص: 591.

[ 446 ]

«هذا وصيي وموضع سري وخير مَن أترك بعدي»(1).

وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«يا معشر الانصار ألا دلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: هذا علي فاحبّوه بحبّي وأكرموه بكرامتي، فان جبرئيل أمرني بالذي قلتُ لكم من اللّه عزَّ وجلَّ»(2).

وجاءَ في حديث الدار المشهور الذي رواه جلُّ المؤرخين بما فيهم الطبري وابن الأثير عند نزول قوله تعالى: (وأَنذِر عَشيرتَكَ الأَقرَبينَ)(3) جمع بني عبد المطلب كما تقدَّم ذكر الرواية في صدر الكتاب ثم قال في حق علي عليه السلام:

«يا بني عبد المطلب إنَّ هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا»(4).

وكان النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم يشخص معالم هذا الكيان من خلال الاشارة الى أبرز أعلامه، فقد روي عن أنس انَّه قال:

«جاءَ جبرئيل الى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: إنَّ اللّه تبارك وتعالى يحب ثلاثةً من أصحابك يا محمد.

ثم أتاه فقال: يا محمد إنَّ الجنة تشتاق الى ثلاثة من أصحابك.

قال أنس: فأردت أن أسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فهبتُه، فلقيت أبا بكر رضي اللّه عنه، فقلتُ يا أبا بكر انّي كنت ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وان جبرئيل عليه السلام قال: يا محمد انَّ الجنة تشتاق إلى ثلاثة

______________________________

(1) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: 2، ص: 28 عن تهذيب التهذيب لابن حجر، ج: 3، ص: 106، وكنز العمال، ج: 6، ص: 104.

(2) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: 2، ص: 198 - 199، عن حلية الاولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 63. وكنز العمال، ج: 6، ص: 157، وأخرجه الطبراني، وذكره المحبّ الطبري أيضاً في الرياض النضرة، ج: 2، ص: 177.

(3) الشعراء: 214.

(4) مرت الاشارة الى بعض مصادر الحديث في الباب الاول من هذا الكتاب.

[ 447 ]

(فهل لك أن تدخل فتسأله؟ فقال: انّي أخاف أن أسأله فلا أكون منهم، فيشمت بي قومي!).

ثم لقيت عمر رضي اللّه عنه فقلت له مثل ذلك (فقال لي مثل قول أبي بكر)، ثم لقيت علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقلت له كما قلت لأبي بكر وعمر، فقال علي: أنا أسأله (ف) ان كنت منهم حمدت اللّه تبارك وتعالى، وإن لم أكن منهم حمدتُ اللّه تبارك وتعالى.

فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: إنَّ أنساً حدَّثني انَّ جبرئيل أتاك فقال: انَّ الجنة تشتاق إلى ثلاثة من أصحابك (فمن هم يا نبيَّ اللّه؟) فان كنت منهم حمدتُ اللّه تبارك وتعالى، وان لم أكن منهم حمدت اللّه تبارك وتعالى، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أنتَ منهم وعمّار بن ياسر، وسيشهد معكَ مشاهد بَيِّنٌ فضلُها، عظيم أجرها، وسلمان منّا أهل البيت، فاتخذه صاحباً»(1).

وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«إنَّ اللّه أمرني بحبِّ أربعة، وأخبرني انَّه يحبُّهم، قيل، يا رسول اللّه سمِّهم لنا، قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذر والمقداد وسلمان، أمرني بحبِّهم وأخبرني انَّه يحبّهم»(2).

______________________________

(1) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ج: 1، ح: 389، ص: 481، ونص الحديث أوردناه عن كشف الاستار، ج: 4، ص: 184، رقم (2524) بتفاوت يسير مَعَ حديث المناقب، ورواه ايضاً الهيثمي في مجمع الزوائد، ج: 9، ص: 118، وقال المحقق المحمودي أنَّ ما بين المعقوفات في الحديث المذكور قد اُسقط من الرواية، وأخذناه من رواية أبي يعلى، ويدل عليه.أيضاً ذيل الحديث، ورواية أبي يعلى نقلها الهيثمي في فضائل علي من كتاب مجمع الزوائد، ج: 9، ص: 117، ورواه أيضاً المتقي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل، ج: 5، ص: 130، ط 1، وليلاحظ الحديث (666) وتعليقاته من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق، ج: 2، ص: 172، ط 2.

(2) - الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، الباب: 20، ح: 3718، ص: 594، ورواه في فضائل الخمسة، ج: 2، ص: 180 عن ابن ماجة في صحيحه في باب فضائل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ص: 14 ورواه الحاكم في مستدرك الصحيحين، في ج: 3، ص: 130، ولم يصرّح باسم أبي ذر والمقداد وسلمان، ورواه أحمد بن حنبل أيضاً، ج: 5، ص: 351، وأبو نعيم في الحلية، ج: 1، ص: 190 والهيثمي في مجمعه، ج: 9، ص: 155، وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب، ج: 10، ص: 286، وابن عبد البر في استيعابه، ج: 1 ص: 280، وفي ج: 2، ص: 557.

[ 448 ]

وروي عن أبي سعيد الخدري انَّه كان يقول:

«إنا كنّا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب»(1).

ولقد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك انَّه قال:

«لقد عهد اليَّ النبي الامي صلى اللّه عليه وآله وسلم: انه لا يحبكَ الا مؤمن ولا يبغضكَ الا منافق»(2).

4 - النبي (ص) يمهّد للتشيّع عن طريق الوصيّة بأهل البيت (ع)

ولكي يعطي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم للتشيع اُفقه المتكامل ونهجه الصحيح أوصى بأهل البيت عليهم السلام، وأمر المسلمين بالرجوع اليهم، ومحبتهم، وموالاتهم من خلال مجاميع غفيرة من الاحاديث التي اتفق على روايتها الفريقان، وسوف ننتخب بعضاً من تلك الاحاديث.

1 - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(3).

2 - عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة:

«يا أيها الناس مَن عرفني فأنا مَن عرفتم، ومَن انكرني، فأنا أبو ذر، سمعت رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق»(4).

4 - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «النجوم أمان لأهل الارض من الغرق، وأهل بيتي

_____________________________

(1) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، باب: 20، ح: 3717، ص: 593.

(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 5، كتاب المنافق، باب: 20، ح: 3736، ص: 601.

(3) مرَّت الاشارة الى بعض مصادر حديث الثقلين في الباب الاول من هذا الكتاب.

(4) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: 2، ص: 343.

[ 449 ]

أمان لامتي من الاختلاف»(1).

4 - لما نزل قوله تعالى: (فَقُل تَعالَوا نَدع أَبناءَنا وأَبناءَكُم..)(2) دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال:

«اللهمَّ هؤلاء أهلي»(3).

5 - قالت عائشة: «خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعليه مرط(4) مرحَّل(5) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاءَ الحسين، فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاءَ علي فأدخله، ثم قال:

(إِنمَّا يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنكُم الرّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطهّرَكُم تَطهيراً)(6)»(7).

6 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «مَن سرَّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوالِ وليَّه، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي، فانَّهم عترتي، حُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من اُمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم اللّه شفاعتي»(8).

7 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «مَن أحبَّ أهل بيتي فقد استمسكَ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها»(9).

8 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أنا وأبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً،

______________________________

(1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج: 2، ص: 149.

(2) آل عمران: 61.

(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 5، كتاب الفضائل، باب فضائل علي، ص: 268.

(4) المِرط: هو الثوب غير المخيط، جمعه مروط.

(5) مرحَّل: إزار خزّ فيه عَلَم.

(6) الاحزاب: 33.

(7) مسلم، صحيح مسلم بشرح النوري، ج: 5، كتاب الفضائل، باب: فضائل الحسن والحسين، ص: 287.

(8) كنز العمال، ج: 12، ح: 34198، ص: 103.

(9) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ج: 2، ح: 589، ص: 101.

[ 450 ]

وأعلمهم كباراً، فان لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، تُحمدوا وتؤجروا، ولا تستنفروهم فتصرعكم المنية، ويشمت بكم عدوّكم»(1).

9 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إنَّ أهل بيتي منار الهدى والدالّونَ على اللّه عزَّ وجلَّ»(2).

10 - وورد عن علي عليه السلام قال: «أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن اُبايع له الأنصار على أن يمنعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مما يمنعون به نفوسهم وذراريهم قال: فلما كثر الناس قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ألحق فيها على أن يمنعوا رسول اللّه وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم، قال علي: فالتزمتها رقاب القوم ووفى بها مَن وفى»(3).

11 - وعن زيد بن أرقم أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين:

«أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم»(4).

12 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه أمر الملائكة حتى رفعوا الأرض لي، فنظرت الى جبالها وسهلها وبرِّها وبحرها، ثم أخبرني ربّي من فتنة تصيب اُمتي، كل ذلك حرصاً لها، وجمعاً لها وليس أحد منهم بناجٍ إلا مَن أشغل نفسه بما أمره اللّه، وطلب ما عنده، ولا يخرج من هذه الدنيا إلا بمحبتي ومحبة أهل بيتي وعترتي، ومَن أحبَّنا فقد أحبَّ الله، ومَن أبغضنا أبغضه اللّه»(5).

5 - النبي (ص) هو الذي أطلق اسم (الشيعة) على أتباع أهل البيت (ع)

وردت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم طائفة من الاحاديث المروية في كتب الفريقين والدالة على أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم علاوةً على رسمه لمسار التشيع، وبيانه لمعالمه العامة، وتشخيصه

______________________________

(1) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ج: 2، ص: 595، ص: 107.

(2) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ج:2، ح:597، ص: 108.

(3) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ج: 2 ص: 165، ح: 644، قال المحقق في هامشه: ورواه الطبراني في الحديث (1766) من المعجم الاوسط، ج: 2، ص: 443، ط 1.

(4) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين، ج: 2، ح: 648، ص: 169.

(2) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين، ج: 2، ح: 646، ص: 168.

[ 451 ]

لروّاده وأعلامه كما مرَّ معنا سابقاً، فقد وردت جملة اُخرى من الاحاديث التي رواها الفريقان عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، والتي يُطلق فيها اسم (الشيعة) على أتباع علي وأهل بيته عليهم السلام ومواليهم، وأنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هو أول مَن وضع هذا الاسم لهذا الكيان، وجعله يتبلور على هذا الأساس.

وسوف نقوم باستعراض قسم من هذهِ الاحاديث فيما يلي:

1 - قال (السيوطي) في (الدر المنثور) في تفسير قوله تعالى: (أُولئكَ هُم خَيرُ البريَّةِ)(1):

«أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأقبل علي، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزونَ يوم القيامة، قال: وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ألم تسمع قول اللّه (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُم خَيرُ البَريَّة)(2).أنتَ وشيعتُكَ، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الامم للحساب تدعون غرّاً محجلين»(3).

2 - ونقل (ابن الاثير) في (النهاية) ما نصه: «وفي حديث علي عليه السلام: ستقدم على اللّه أنتَ وشيعتُكَ راضين مرضيين، ويقوم عليك عدوّك غضاباً مقمحين، ثم جمع يده الى عنقه، يريهم كيف الاقماح»(4).

ثم فسَّر (ابن الاثير) الاقماح في الحديث برفع الرأس وغض البصر، يُقال أقمحه الغل إذا تركَ رأسه مرفوعاً من ضيقه»(5).

3 - وروى (المغازلي) بسنده عن أنس بن مالك قال:

______________________________

(1) البينة: 7.

(2) البينة: 7.

(3) هاشم الموسوي، التشيع.. نشأته، معالمه، ص: 27، عن جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج: 6، ص: 379.

(4) هاشم الموسوي، التشيع... نشأته، معالمه، ص: 27، عن ابن الاثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، ج: 4، ص: 106، باب (القاف مَعَ الميم).

(5) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 23.

[ 452 ]

«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: يدخل من اُمتي الجنّة سبعونَ ألف لا حساب عليهم، ثم التفتَ إلى علي فقال: هم شيعتُكَ وأنتَ إمامهم»(1).

4 - وعن سليمان الاعمش عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:

«أتاني جبرئيل عليه السلام فقال: تختّموا بالعقيق، فانَّه أول حجر شهد للّه بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولعلي بالوصية، ولولدِه بالامامة، ولشيعته بالجنّة»(2).

5 - ونقل (الشبلنجي) أنَّ ابن عباس قال: لما نزلت هذه، الآية: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وُعَمِلوا الصّالِحاتِ وأُولئكَ هُم خَيرُ البرِيَّة)(3)، قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي:

«أنتَ وشيعتَك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي اعداؤكَ غضاباً مقمحين»(4).

6 - وأخرج (الديلمي) عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال لعلي عليه السلام:

«أنتَ وشيعتُكَ تردونَ عليَّ الحوضَ رواء مرويين، مبيضة وجوهكم، وانَّ عدوّكَ يردونَ على الحوضَ ظماء مقمحين»(5).

7 - وقال (ابن حجر): الآية الحادية عشر قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أُولئكَ هُم خَيرُ البَرِيَّة).

«أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس، انَّ هذه الآية لمّا نزلت قال صلى اللّه عليه وآله وسلم لعلي: «هو أنتَ وشيعتُكَ تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين»(6).

______________________________

(1) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 104 - 105، عن مناقب المغازلي، ص: 293.

(2) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 105، عن مناقب المغازلي، ص: 281، ورواه السيد البحراني في غاية المرام.

(3) البينة: 7.

(4) هاشم الموسوي، التشيع... نشأته، معالمه، ص: 27، عن الشبلنجي في (أنوار الابصار في مناقب آل بيت النبي المختار) ص: 87.

(5) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 104، عن الصواعق المحرقة، ص: 96.

(6) هاشم الموسوي، التشيع.. نشأته، معالمه، ص: 28، عن ابن حجر في الصواعق المحرقة، ص: 96.

[ 453 ]

8 - وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا علي أول أربعة يدخلون الجنة أنا وانت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(1).

9 - وفي (الصواعق المحرقة) عن ام سلمة قالت:

«كانت ليلتي، وكان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عندي، فأتته فاطمة، فتبعها علي - رضي اللّه عنهما - فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: يا علي أنتَ وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتُكَ في الجنّة»(2).

10 - وروى (الزمخشري) في (بيع الأبرار) انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:

« يا علي إذا كان يوم القيامة أخذتُ بحجزة اللّه تعالى، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى أين يأمر بنا»(3)؟!

وجاء في (توحيد الصدوق) باسناده عن محمد بن الحنفية عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم القيامة آخذ بحجزة اللّه، ونحن آخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، قلت: يا أمير المؤمنين وما الحجزة؟ قال: اللّه أعظم من أن يوصف بالحجزة أو غير ذلك، ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم آخذ بأمرِ اللّه، ونحن آل محمد آخذون بأمر نبينا، وشيعتنا آخذون بأمرنا»(4).

11 - وروى (أحمد) في (المناقب) انَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام:

«أما ترضى انكَ معي في الجنة والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(5).

12 - وأخرج (الديلمي) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:

«يا علي انَّ اللّه قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك،

______________________________

(1) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 23.

(2) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، عن الصواعق المحرقة، ص: 96.

(3) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 104، عن ربيع الابرار، ج: 1، ص: 808.

(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 23، ح: 1 وح: 2، ص: 165.

(5) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 104، عن الصواعق المحرقة، ص: 96.

[ 454 ]

فأبشر فانكَ الانزع البطين»(1).

13 - جاءَ في (مروج الذهب) ل(المسعودي):

«إنَّ العباس بن عبد المطلب قال: كنت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه النبي أسفر في وجهه، فقلت: يا رسول اللّه إنَّك لتسفر في وجه هذا الغلام، فقال: يا عمّ رسول اللّه، واللّه للّه أشد حبّاً له منّي، انَّه لم يكن نبي الا وذريته الباقية بعده من صلبه، وانَّ ذريتي بعدي من صلب هذا، إنَّه إذا كانَ يوم القيامة، دعي الناس بأسمائهم وأسماء اُمهاتهم ستراً من اللّه عليهم، إلا هذا وشيعته فانّهم يُدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحة ولادتهم»(2).

14 - أخرج (ابن عساكر) عن جابر بن عبد اللّه قال:

«كنّا عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأقبل علي، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُم خَيرُ الَبرَّيةِ)(3)، فكان أصحاب النبي إذا أقبل علي قالوا: جاءَ خيرُ البرّية»(4).

وقد أخرج (ابن مردويه) عن عائشة انها قالت:

«يا رسول اللّه مَن أكرم الخلق على اللّه، قال: يا عائشة أما تقراين: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُم خَيرُ الَبريَّةِ)(5).

كما وأخرج (ابن عدي) و(ابن عساكر) عن أبي سعيد مرفوعاً:

«علي خير البريّة»(6).

______________________________

(1) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 104، عن الصواعق المحرقة، ص: 96.

(2) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، عن مروج الذهب للمسعودي، ج: 2، ص 428، عن كتاب «الأخبار» لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي.

(3) البينة: 7.

(4) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: 6، ص: 103، عن الدر المنثور، 6 / 379.

(5) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: 6، ص: 103، عن الدر المنثور، 6 / 379.

(3) جعفر السبحاني في الملل والنحل، ج: 6، ص: 103، عن الدر المنثور، 6 / 379.

[ 455 ]

الفصل الثاني : عرض روائي لدور أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الابتداع

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:

«إنَّ للّه عند كل بدعة تكون بعدي يُكاد بها الايمان ولياً من أهل بيتي موكّلاً به، يذبُّ عنه ينطق بالهامٍ من اللّه، ويعلن الحق وينوره، ويردّ كيد الكائدين، ويعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اُولي الابصار وتوكلوا على اللّه»(1).

في هذا الفصل نحاول أن نتعرض إلى مجمل الدور الذي تحمل أعباءَه أهل البيت عليهم السلام في مواجهة البدع ومحدثات الامور، من خلال عرض مجموعة من النصوص الواردة عنهم عليهم السلام بهذا المجال، وسوف نقتصر في ذلك على النصوص التي عالجت أهم البدع ارتكازاً واكثرها شيوعاً والتي تتعلق في الغالب بجانب الاعتقادات، وأما المواقف الجبّارة التي قام بها أهل البيت عليهم السلام في مواجهة كل ظاهرة دخيلة على التشريع وغير منسجمة مَعَ المبادئ الاسلامية الصحيحة، والدفاع عن كيان الاسلام بمختلف الوسائل ومن مختلف المواقع والادوار، وخصوصاً مواقف بطل الاسلام علي بن أبي طالب عليه السلام ودوره في قمع بدع الخوارج وأهل الاهواء والضلال، ودور ثورة الامام الحسين عليه السلام في تثبيت دعائم الدين وأركانه... والمواقف الرسالية الاخرى لأئمة أهل البيت عليهم السلام.. فهو ما لا يسعنا بيانه في هذا العرض العاجل.

______________________________

(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، باب: البدع، ج: 669، ص: 329.

[ 458 ]

الجبر والتفويض والقضاء والقَدَر

1 - عن ابي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام قالا:

«انّ اللّه عزَّ وجلَّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمَّ يعذبهم عليها، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون.

فُسئلا عليهما السلام: هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا:

- نعم، أوسع مما بين السماءِ والأرض»(1).

2 - عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام انَّه قال:

«إنَّ اللّه تبارك وتعالى أكرم من أن يكلِّف الناس ما لا يطيقونه، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد»(2).

3 - عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام انَّه قال:

«انَّ الناسَ في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنَّ اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أنَّ الأمر مفوَّض اليهم، فهذا قد أوهنَ اللّه في سلطانه فهو كافر، ورجل يزعم أنَّ اللّه كلَّف العباد ما يطيقون ولم يكلِّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسنَ حمدَ اللّه، وإذا أساءَ استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ»(3).

4 - عن محمد بن عجلان قال: قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام:

«فوَّض اللّهُ الأمرَ إلى العباد؟ فقال: اللّه اكرم من أن يفوِّض اليهم، قلتُ: فأجبر اللّه العباد على أفعالهم؟ فقال: اللّهُ أعدل من أن يجبر عبداً على فعلٍ ثم يعذّبه عليه»(4).

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 3، ص: 360.

(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد: باب: 59، ح: 4، ص: 360.

(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 5، ص: 360 - 361.

(4) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 6، ص: 361.

[ 459 ]

5 - عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال ذُكِر عنده الجبر والتفويض، فقال عليه السلام: «ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه، ولا تخاصمونَ عليه أحداً الا كسرتموه.

قلنا: إن رأيتَ ذلك، فقال عليه السلام:

- انَّ اللّه عزّ وجلّ لم يُطَع باكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يُهمل العبادَ في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادرعلى ما أقدرهم عليه، فان ائتمر العبادُ بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّاً، ولا منها مانعاً، وان ائتمروا بمعصيتة فشاء أن يحول بينهم وبينَ ذلك فَعَل، وان لم يحل وفعلوه، فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثم قال عليه السلام:

- مَن يضبط حدود هذا الكلام فقد خَصَم مَن خالفه«(1).

6 - عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:

«لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بينَ أمرين، قال: قلت:

وما أمر بينَ أمرين؟ قال عليه السلام:

- مثلُ ذلك مثلُ رجلٍ رأيتَه على معصيةٍ فنهيته فلم ينتهِ فتركته، ففعل تلكَ المعصية، فليس حيث لم يقبل منكَ فتركته أنتَ الذي أمرته بالمعصية»(2).

7 - عن الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام:

«إنَّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلِّف نفساً الا وسعها، ولا يحمّلها فوقَ طاقتها، ولا تكسب كلّ نفسٍ إلا عليها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ اُخرى»(3).

8 - عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: «سألته فقلت له:

- اللّه فوَّضَ الأمرَ الى العباد؟ قال عليه السلام:

- اللّه أعزّ من ذلك، قلتُ:

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 7، ص: 361.

(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 8، ص: 362.

(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 9، ص: 362.

[ 460 ]

- فأجبرهم على المعاصي؟ قال عليه السلام:

- اللّه أعدل وأحكم من ذلك. ثم قال عليه السلام:

- قال اللّهُ عزّ وجلّ: يا ابنَ آدم أنا أولى بحسناتكَ منكَ، وأنتَ أولى بسيئاتكَ منّي، عملتَ المعاصي بقوتي التي جعلتُها فيك»(1).

9 - من محاورات: الزنديق مَعَ أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام أنه قال له:

- «فأخبرني عن اللّه عزّ وجلّ كيف لم يخلق الخلق كلهم مطَّيعين موحدين وكان على ذلك قادراً؟ فقال عليه السلام:

- لو خلقهم مطيعين لم يكن لهم ثواب، لأنَّ الطاعة إذاً ما كانت فعلهم، ولم تكن جنة ولا نار، ولكن خلقَ خلقه، فأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، واحتجَّ عليهم برسله، وقطع عذرهم بكتبه، ليكونوا هم الذين يطيعون ويعصون، ويستوجبون بطاعتهم له الثواب، وبمعصيتهم إيّاه العقاب. قال:

- فالعمل الصالح من العبد هو فعَلَه؟ والعمل الشرّ من العبد هو فعله؟ قال عليه السلام:

- العمل الصالح العبد يفعله واللّه به أمره، والعمل الشرّ العبد يفعله واللّه عنه نهاه، قال:

- أليس فعَلَه بالآلة التي ركَّبها فيه؟ قال عليه السلام:

- نعم، ولكن بالآلة التي عمل بها الخير قدر بها على الشرّ الذي نهاه عنه.

فقال:

- فالى العبد من الأمرِ شيء؟ قال عليه السلام:

- ما نهاه اللّه عن شيء إلا وقد علم انَّه يطيق تركه، ولا أمره بشيء الا وقد علم انَّه يستطيع فعله، لانّه ليسَ من صفته الجور، والعبث، والظلم، وتكليف العباد ما لا

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 59، ح: 10، ص: 362 - 363.

[ 461 ]

يطيقون«(1).

10 - قال أبو حنيفة:

«حججتُ في أيام أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام، فلما أتيت المدينة دخلتُ داره فجلستُ في الدهليز انتظر إذنه، إذ خرج صبي يدرج، فقلت:

- يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال:

- على رسلكَ، ثمَّ جلسَ مستنداً إلى الحائط ثم قال: توقَّ شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقارعة الطريق، وتوار خلف جدار، وشلَّ ثوبكَ ولا تستقبل القبلة، ولا تستدبرها، وضع حيث شئت.

فأعجبني ما سمعتُ من الصبي، فقلت له:

- ما اسمكَ، فقال:

- أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فقلت له:

- يا غلام ممَّن المعصية؟ فقال:

- إنَّ السيئات ل اتخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه - وليست منه - فلا ينبغي للربِّ أن يعذِّبَ العبدَ على ما لا يرتكب، وإما أن تكون منه ومن العبد - وليست كذلك - فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد - وهي منه - فان عفا فبكرمه وجوده، وان عاقبَ فبذنب العبد وجريرته.

قال أبو حنيفة: فانصرفتُ ولم ألقَ أبا عبد اللّه عليه السلام، واستغنيتُ بما سمعت»(2).

11 - روى محمد بن سنان عن داود الرقي انَّه قال:

«انَّ أبا حنيفة قال لابن أبي ليلى: مر بنا إلى موسى بن جعفر عليه السلام لنسأله عن

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 10، باب: 13، ح: 2، ص: 170 - 171.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 10، باب: 16، ح: 16، ص: 247.

[ 462 ]

أفاعيل العباد، وذلكَ في حياة الصادق عليه السلام، وموسى عليه السلام يومئذٍ غلام، فلَّما صارا إليه سلَّما عليه، ثم قالا له:

- أخبرنا عن أفاعيل العباد ممَّن هي؟ فقال لهما:

- إن كانت أفاعيل العباد من اللّه دون خلقه، فاللّه أعلى وأعزّ من أن يعذّب عبيده على فعلٍ قد شاركهم فيه، وإن كانت أفاعيل العباد من العباد، فان عذَّبَ فبعدله، وإن غفر فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، ثم أنشأ يقول:

لم تخل أفعالنا اللاتي نُذمُّ بها***احدى ثلاث معانٍ حين نأتيها

إما تفرَّد بارينا بصنعتها***فيسقط الذم عنّا حينَ ننشيها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه***ما سوفَ يلحقنا من لائمٍ فيها

أو لم يكن لالهي في جنايتها***ذنبٌ فما الذنب إلا ذنب جانيها

12 - وجاءَ في شرح العقائد للمفيد:

«روي عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنَّه سُئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال عليه السلام:

- لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه: (أنَّ اللّهَ برَيءٌ مِنَ المُشرِكينَ)(1)، ولم يُرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم»(2).

13 - وفي الاحتجاج فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في معنى الاستطاعة:

«فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تملكها من دون اللّهِ أو مَعَ اللّه؟

فسكت عباية بن ربعي، فقال له عليه السلام:

- قل يا عباية، فقال:

______________________________

(1) التوبة: 3.

(2) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج: 1، ص: 100، عن شرح العقائد للمفيد، ص: 13.

[ 463 ]

- وما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام:

- تقول تملكها باللّه الذي يملكها من دونك، فان ملككها كان ذلكَ من عطائه، وإن سلبكها كان ذلكَ من بلائه، وهو المالك لما ملَّكك، والقادر على ما عليه أقدرك»(1).

14 - وروي في الطرائف أنَّ رجلاً سمع جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن القضاء والقدر فقال عليه السلام:

«ما استطعتَ أن تلومَ العبدَ عليه فهو منه، وما لم تستطيع أن تلوم العبد عليه فهو فعل اللّه، ويقول اللّه للعبد: لِمَ عصيتَ؟ لِم فسقتَ؟ لِمَ شربتَ الخمرَ؟ لم زنيتَ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول له: لِمَ مرضتَ؟ لِمَ قصرتَ؟ لم ابيضضتَ؟ لِمَ اسوددتَ؟ لأنَّه من فعل اللّه تعالى؟(2).

15 - وسئل أميرُ المؤمنين عليه السلام عن التوحيد والعدل، فقال عليه السلام:

«التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمّه»(3).

16 - عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه عن جدِّه علي عليه السلام قال:

«دخلَ رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين عليه السلام فقال:

- أخبرنا عن خروجنا الى أهل الشام أبقضاءٍ من اللّه وقَدرَ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:

- أجل يا شيخ، فواللّه ما علوتم تلعةً ولا هبطتم بطن وادٍ إلا بقضاءٍ من اللّه وقَدرَ، فقال الشيخ:

- عند اللّهِ احتسبُ عنائي يا أمير المؤمنين! فقال عليه السلام:

- مهلاً يا شيخ، لعلَّكَ تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على مُسيءٍ

______________________________

(1) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج: 1، ص: 100، عن الاحتجاج، ج: 2، ص: 555.

(2) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج: 1، ص: 103، عن طرائف الحكم، ص: 340.

(3) نهج البلاغة: قصار الحكم / الحكمة: 470.

[ 464 ]

لائمةٌ، ولا لمحسنٍ محمدةٌ، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالاحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وقدرية هذهِ الامة ومجوسها.

يا شيخ إنَّ اللّه عزّ وجلّ كلَّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرها، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلكَ ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.

قال: فنهضَ الشيخ وهو يقول:

أنتَ الامام الذي نرجو بطاعته***يومَ النجاة من الرحمن غفراناً

أوضحتَ من ديننا ما كان ملتبساً***جزاكَ ربُّكَ عنّا فيه إحساناً»(1)

17 - عن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال:

«الاعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي، وأمّا الفرائض فبأمرِ اللّه عزّ وجلّ، وبرضى اللّه، وقضاءِ اللّه، وتقديره، ومشيئته، وعلمه، وأمّا الفضائل فليست بأمرِ اللّه، ولكن برضى اللّه، وبقضاءِ اللّه، وبقدر اللّه، وبمشيئته، وبعلمه، وأمّا المعاصي فليست بأمرِ اللّه، ولكن بقضاءِ اللّه وبقدر اللّه، وبمشيئته، وبعلمه، ثم يعاقب عليها»(2).

18 - عن الأصبغ بن نباتة قال:

«انَّ أمير المؤمنين عليه السلام عدَلَ من عندِ حائطٍ مائلٍ الى حائط آخر، فقيل له:

- يا أمير المؤمنين، أتفرُّ من قضاءِ اللّه؟ فقال عليه السلام:

- أفرُّ من قضاءِ اللّه الى قدرِ اللّه عزّ وجلّ»(3).

19 - عن سفيان بن عيينة عن الزهري قال:

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 60، ح: 28، ص: 380.

(2) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 60، ح: 9، ص: 369 - 370.

(3) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 60، ح: 8، ص: 369.

[ 465 ]

«قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام:

- جعلني اللّه فداك أبقدرٍ يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل؟ فقال عليه السلام:

- انَّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير جسدٍ لا تحس، والجسد بغير روحٍ صورة لا حراكَ بها، فإذا اجتمعا قويا وصلحا، كذلك العمل والقدر، فلو لم يكن القدر واقعاً على العمل لم يُعرف الخالق من المخلوق، وكانَ القدر شيئاً لا يُحس، ولو لم يكن العمل بموافقةٍ من القدر لم يمضِ ولم يتمّ، ولكنهما باجتماعها قويا، وللّه فيه العون لعبادِه الصالحين، ثم قال عليه السلام:

- الا انَّ من أجور الناس من رأى جوره عدلاً، وعدل المهتدي جوراً، ألا انَّ للعبد أربعة أعين: عينان يبصر بهما أمرَ آخرته، وعينان يبصر بهما أمرَ دنياه، فإذا أراد اللّه عزَّ وجل بعبدٍ خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب، وإذا أراد غير ذلك تركَ القلبَ بما فيه.

ثم التفت عليه السلام الى السائل عن القدر، فقال:

- هذا منه، هذا منه»(1).

20 - وروي في طرائف الحكم:

«انَّ الحجاج بن يوسف كتب الى الحسن البصري، والى عمرو بن عبيد، والى واصل بن عطاء، والى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل اليهم في القضاء والقدر.

فكتب إليه الحسن البصري:

- انَّ أحسن ما انتهى إليَّ ما سمعتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام انه قال: «أتظنُّ أنِّ الذي نهاكَ دهاكَ؟ وانما دهاك أسفلكَ وأعلاك، واللّه بريء من ذلك».

وكتب إليه عمرو بن عبيد:

______________________________

(1) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، باب: 60، ح: 4، ص: 366 - 367.

[ 466 ]

- أحسن ما سمعتُ في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

«لو كان الزور في الأصل محتوماً، لكان المزوِّر في القصاص مظلوماً».

وكتب إليه واصل بن عطاء:

- أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

«أيدلُّكَ على الطريق، ويأخذ عليكَ المضيق»؟.

وكتبَ اليه الشعبي:

- أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

«كلّما استغفرت اللّهَ منه فهو منكَ، وكلّما حمدتَ اللّه عليه فهو منه».

فلما وصلت كتبهم الى الحجاج، ووقف عليها قال:

- لقد أخذوها من عين صافية»(1).

21 - وروي انه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن القضاء والقدر فقال:

«لا تقولوا: وَكَلهم اللّه الى أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق اللّه، والشرّ بخذلان اللّه، وكلّ سابق في علم اللّه»(2).

22 - وروي أنَّ رجلاً قال لأمير المؤمنين عليه السلام:

- «فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام:

- الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، كلّ ذلك قضاء اللّه في أفعالنا، وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا تظنّه، فانَّ الظن له محبط للاعمال.

______________________________

(1) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج: 1، ص: 103، عن طرائف الحكم، ص: 329.

(2) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 1، رقم: 122، ص: 492 - 493.

[ 467 ]

فقال الرجل: فرَّجتَ عني يا أمير المؤمنين فرَّج اللّه عنكَ»(1).

23 - روي انَّ المأمون سأل الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قوله تعالى:

(وَلَو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَن في الأَرضِ كُلُّهُم جَميعاً أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتّى يَكونُوا مُؤمِنينَ*وَما كَانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلا بإِذنَ اللّهَ)(2). فقال الرضا عليه السلام:

-«حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إنَّ المسلمين قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: لو أكرهتَ يا رسولَ اللّه مَن قدرتَ عليه من الناس على الاسلام، لكثر عددنا، وقوينا على عدوِّنا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما كنتُ لألقى اللّه عزّ وجلّ ببدعةٍ لم يُحدث إليَّ فيها شيئاً، وما أنا من المتكلّفين، فأنزلَ اللّهُ عزّ وجلّ عليه: يا محمد (وَلَو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَن في الأَرضِ كُلُّهُم جَميعاً) على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة، ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلكَ بهم لم يستحقّوا منّي ثواباً ولا مدحاً، ولكنّي اُريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين، ليستحقوا منّي الزلفى، والكرامة، ودوام الخلود في جنّة الخلد (أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤمِنينَ).

وأمّا قوله عزّ وجلّ: (وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلا بإِذنِ اللّهِ)، فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنَّها ما كانت لتؤمن إلا باذن اللّه، وإذنُه: أمُره لها بالايمان ما كانت مكلّفة متعبدة، والجاؤُهُ إياها إلى الايمان عند زوال التكليف والتعبدّ عنها.

فقال المأمون:

- فرَّجتَ عنّي يا أبا الحسن، فرَّجَ اللّهُ عنكَ»(3).

______________________________

(1) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 1، رقم: 121، ص: 492.

(2) يونس: 99 - 100.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 10، باب: 19، ح: 4، ص: 342 - 343.

[ 468 ]

القياس والرأي

1 - عن ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام قال:

«انَّ أصحابَ المقاييس طلبوا العلم بالمقائيس، فلم تزدهم المقائيس من الحق الا بعداً، وانَّ دينَ اللّه لا يُصاب بالمقائيس»(1).

2 - وعن يونس بن عبد الرحمن قال:

«قلتُ لأبي الحسن الأول عليه السلام: بما اُوحّد اللّه؟ فقال:

- يا يونس لا تكونن مبتدعاً، مَن نظر برأيه هلكَ، ومَن ترك أهل بيت نبيِّه ضلَّ، ومَن تركَ كتابَ اللّه وقول نبيه كفر»(2).

3 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام انَّه قال:

«لا رأي في الدين»(3).

4 - وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام انَّه قال:

«إنَّ السنة لا تُقاس، وكيف تقاس السنة، والحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة»(4).

5 - وعن سعيد الاعرج قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام:

- انَّ مَن عندنا ممن يتفقّه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب اللّه، ولا في السنة، نقول فيه برأينا؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:

______________________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 7، ص: 56.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 10، ص: 56.

(3) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 78، ص: 333.

(4) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 95، ص: 338.

[ 469 ]

- كذبوا، ليس شيء إلا وقد جاءَ في الكتاب، وجاءت فيه السنة»(1).

6 - وعن أبي بصير قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام:

- ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنّة، فننظر فيها؟ فقال عليه السلام:

- لا، أما انكَ ان أصبتَ لم تؤجرَ، وان أخطأتَ كذبتَ على اللّه عزّ وجلّ»(2).

7 - وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:

«انَّّ السنة لا تقاس، ألا ترى انَّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ يا أبانٌ إِنَّ السنّة إذا قيست مُحق الدين»(3).

8 - وعن عثمان بن عيسى قال:

«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القياس، فقال:

- ما لكم والقياس، انَّ اللّه لا يسأل كيف أحلَّ وكيف حرَّم»(4).

9 - وروي عن سماعة انّه قال:

«قلت لأبي الحسن عليه السلام:

- إنَّ عندنا مَن قد أدركَ أباكَ وجدَّكَ، وانّ الرجل منّا يبتلى بالشيء لا يكون عندنا فيه شيء، فيقيس؟ فقال عليه السلام:

- انما هلكَ مَن كانَ قبلكم حينَ قاسوا»(5).

10 - وروي عن علي عليه السلام انَّه قال:

«مَن نصبَ نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومَن دانَ اللّهَ بالرأي لم يزل

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 47، ص: 304.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 11، ص: 56.

(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 15، ص: 57.

(4) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 16، ص: 57.

(5) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، ح: 86، ص: 335.

[ 470 ]

دهره في ارتماس»(1).

11 - وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام انه قال:

«مَن أفتى الناسَ برأيه، فقد دانَ اللّه بما لا يعلم، ومَن دانَ اللّهَ بما لا يعلم، فقد ضادَّ اللّهَ حيث أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم»(2).

12 - وعن عيسى بن عبد اللّه القرشي قال:

«دَخَل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه عليه السلام، فقال له:

- يا أبا حنيفة! بلغني انَّكَ تقيس؟ قال:

- نعم، فقال عليه السلام:

- لا تقس، فانَّ أول مَن قاس ابليس حين قال: خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نوريّة آدم بنوريّة النار، عرف فضل ما بينَ النورين، وصفاء أحدهما على الآخر»(3).

13 - عن عبد الرحمن بن سالم قال:

«دخل ابن شبرمة وأبو حنيفة على الصادق عليه السلام، فقال لأبي حنيفة:

- اتقِ اللّه ولا تقس الدين برأيكَ، فانَّ أول مَن قاسَ ابليس، إذ أمره اللّه تعالى بالسجود، فقال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، ثم قال عليه السلام:

- هل تُحسن أن تقيس رأسكَ من جسدك؟ قال:

- لا، فقال عليه السلام:

- فأخبرني عن الملوحة في العينين، والمرارة في الاذنين، والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل ذلك؟ قال:

- لا أدري، فقال عليه السلام:

______________________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 17، ص: 57 - 58.

(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 17، ص: 58.

(3) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 1، باب: البدع والرأي والمقائيس، ح: 20، ص: 58.

[ 471 ]

- إنَّ اللّه تعالى خلقَ العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما منّاً على بني آدم، ولولا ذلكَ لذابتا، وجعل المرارةَ في الاذنين منّاً منه على بني آدم، ولولا ذلك لقحمت الدّواب فأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد النفس وينزل، ويجد منه الريح الطيّبة والرديئة، وجَعَل العذوبة في الشفتين ليجد ابنُ آدم لذّة مطعمه ومشربه.

ثم قال عليه السلام له:

- أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها ايمان، قال:

- لا أدري، فقال عليه السلام:

- لا اله الا اللّه، ثم قال عليه السلام:

- أيّما أعظم عند اللّه تعالى: القتل أو الزنا؟ فقال: بل القتل، قال عليه السلام:

- فانَّ اللّه تعالى قد رضي في القتل بشاهدين، ولم يرضَ في الزنا إلا بأربعة.

ثم قال عليه السلام:

- إنَّ الشاهد على الزنا شهد على اثنين، وفي القتل على واحد، لأنَّ القتل فعل واحد، والزنا فعلان، ثم قال عليه السلام:

- أيّما أعظم عند اللّه: الصوم أو الصلاة؟ قال:

- لا، بل الصلاة، فقال عليه السلام:

- فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ ثم قال عليه السلام:

- لأنَّها تخرج إلى صلاة فتداومها، ولا تخرج إلى صوم، ثم قال عليه السلام:

- المرأة أضعف أم الرجل؟ قال:

- المرأة، فقال عليه السلام:

- فما بال المرأة وهي ضعيفة لها سهم واحد، والرجل وهو قوي له سهمان، ثم قال عليه السلام:

- لأنَّ الرجل يُجبر على الانفاق على المرأة، ولا تُجبر المرأة على الانفاق على

[ 472 ]

الرجل.

ثم قال عليه السلام:

- البول أقذر أم المني؟ قال:

- البول، فقال عليه السلام:

- يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب اللّه تعالى الغسل من المني دون البول، ثم قال عليه السلام:

- لأنَّ المني اختيار، ويخرج من جميع الجسد، ويكون في الأيام، والبول ضرورة ويكون في اليوم مرّات.

قال أبو حنيفة:

- كيف يخرج من جميع الجسد، واللّه يقول: (يَخرُحُ مِن بَين الصُّلبِ والترائِبِ)(1).

فقال أبو عبد اللّه عليه السلام:

- فهل قال: لا يخرج من هذين الموضعين؟..»(2).

14 - وجاءَ في دعائم الاسلام:

«انَّ أبا عبد اللّه الصادق عليه السلام قال لأبي حنيفة وقد دخل عليه:

- يا نعمان، ما الذي تعتمد عليه فيما لم تجد فيه نصّاً في كتاب اللّه، ولا خبراً عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم؟ قال:

- أقيسه على ما وجدتُ من ذلك، فقال عليه السلام له:

- أول مَن قاسَ ابليس فأخطأ، إذ أمره اللّه عزّ وجلّ بالسجود لآدم عليه السلام فقال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلفته من طين، فرأى أنَّ النار أشرف عنصراً من الطين،

______________________________

(1) الطارق: 7.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 10، باب: 13، ص: 212 - 213.

[ 473 ]

فخلَّده ذلكَ في العذاب المهين.

- يا نعمان: أيهما أطهر المني أو البول؟ قال:

- المني، قال عليه السلام:

- فقد جعل اللّه عزّ وجلّ في البول الوضوء، وفي المني الغسل، ولو كان يحمل على القياس لكان الغسل في البول.

وأيّهما أعظم عند اللّه الزنا أم قتل النفس؟ قال:

- قتل النفس، قال عليه السلام:

- فقد جعل اللّه عزّ وجلّ في قتل النفس الشاهدين، وفي الزنا أربعة، ولو كان على القياس لكان الأربعة الشهداء في القتل لانه أعظم.

وأيهما أعظم عند اللّه الصلاة أم الصوم؟ قال:

- الصلاة، قال عليه السلام:

- فقد أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الحائض بأن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولو كانَ على القياس، لكان الواجب أن تقضي الصلاة، فاتقِ اللّه يا نعمان ولا تقس، فانّا نقف غداً نحن وأنتَ ومَن خالفنا بين يدي اللّه عزّ وجلّ، فيسألنا عن قولنا ويسألهم عن قولهم، فنقول: قلنا: قال اللّه وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتقول أنتَ وأصحابك: رأينا وقسنا، فيفعل بنا وبكم ما يشاء»(1).

15 - وعن ابن الحجاج قال:

«قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام:

- إياكَ وخصلتين فيهما هلكَ من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيكَ، أو تدين بما لا تعلم»(2).

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 10، باب: 13، ح: 22، ص: 221.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 16، ح: 22، ص: 118.

[ 474 ]

16 - وقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام انَّه قال:

«ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلكَ القضية بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم، فيصّوب آراءهم جميعاً، والههم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم اللّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللّه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل اللّه ديناً تامّاً فقصّر الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه؟ واللّه سبحانه يقول:

(ما فَرَّطنا في الكِتابِ مِن شَيءٍ)(1) وفيه (تِبياناً لِكُلّ شَيءٍ)(2)، وذكر أنّ الكتابَ يصدّق بعضه بعضاً، وانه لا اختلافَ فيه، فقال سبحانه:

(وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثيراً)(3)، وانَّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلا به»(4).

17 - وروي عن البزنطي انّه قال:

«قلتُ للرضا عليه السلام:

- جعلتُ فداك إنَّ بعض أصحابنا يقولون: نسمع الأمرَ يحكى عنكَ وعن آبائك عليهم السلام فنقيس عليه ونعمل به، فقال عليه السلام:

- سبحان اللّه! لا واللّه ما هذا من دين جعفر، هؤلاء قوم لا حاجة بهم الينا، قد خرجوا من طاعتنا، وصاروا في موضعنا، فأين التقليد الذي كان يقلّدونَ جعفراً وأبا جعفر؟ قال جعفر: لا تحملوا على القياس، فليس من شيء يعدله القياس إلا والقياس

______________________________

(1) الانعام: 38.

(2) مقتبس من آية 89 من سورة النحل.

(3) النساء: 82.

(4) نهج البلاغة: الخطبة / 18.

[ 475 ]

يكسره»(1):

18 - عن خالد بن طليق قال: سمعتُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول:

«ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم، انَّه لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل، ألا انَّ الخير كلّ الخير فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره، انَّ أبغضَ خلق اللّه إلى اللّه رجلٌ قمش علماً من أغمار غشوة، وأوباش فتنة، فهو في عمىً عن الهدى الذي اُتي به من عند ربِّه، وضالّ عن سنّة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم، يظن أنَّ الحق في صحفه، كلاّ والذي نفس ابن أبي طالب بيده قد ضلَّ وأضلَّ مَن افترى، سمّاه رعاع الناس عالماً، ولم يكن في العلمِ يوماً سالماً، فكّر فاستكثر، ما قلَّ منه خير مما كثُر، حتى إذا ارتوى من غير حاصل، واستكثر من غير طائل، جلس للناس مفتياً ضامناً، لتخليص ما اشتبه عليهم، فان نزلت به إحدى المهمّات هيّأ لها حشواً من رأيه، ثم قطع على الشبهات، خبّاط جهالات، ركّاب عشوات، والناس من علمه في مثل غزل العنكبوت لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ على العلم بضرس قاطع فينعم، تصرخ منه المواريث، وتبكي من قضائه الدماء، وتستحيل به الفروج الحرام، غير مليء واللّه باصدار ما ورد عليه، ولا نادم على ما فرط منه، اولئك الذين حلَّت عليهم النياحة وهم أحياء.

فقال الرجل:

- يا أمير المؤمنين فمن نسأل بعدَكَ وعلى ما نعتمد؟ فقال عليه السلام:

- استفتحوا كتاب اللّه فانه إمام مشفق، وهادٍ مرشد، وواعظ ناصح، ودليل يؤدّي إلى جنّة اللّه عزّ وجلّ»(2).

19 - روى المعلّى بن خنيس:

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 34، ح: 28، ص: 299 - 300.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ح: 2، باب: 34، ح: 29، ص: 300.

[ 476 ]

«ان الامام أبا عبد اللّه الصادق عليه السلام قال في قول اللّه عزّ وجلَّ: (وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدىً مِنَ اللّهِ)(1)، يعني: مَن اتخذ دينه رأيه بغير هدى إمام من أئمة الهدى»(2).

20 - روي عن علي بن الحسين عليه السلام انَّه قال:

«انّ دين اللّه لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقائيس الفاسدة، ولا يُصاب إلا بالتسليم، فمن سلَّم لنا سلم، ومَن اهتدى بنا هدي، ومَن دان بالقياس والرأي هلك»(3).

21 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام انَّه قال:

«لا تقيسوا الدين، فانَّ أمر اللّه لا يُقاس، وسيأتي قوم يقيسون وهم أعداء الدين»(4).

22 - روي عن زرارة انَّه قال:

«قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا زرارة اياك وأصحاب القياس في الدين، فانَّهم تركوا علم ما وكلوا به، وتكلّفوا ما قد كفوه، يتأولونَ الأخبار، ويكذبونَ على اللّه عزّ وجلّ، وكأني بالرجل منهم ينادى من بين يديه: قد تاهوا وتحيّروا في الارض والدين»(5).

23 - روي عن محمد بن حكيم انَّه قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام:

«تفقهنا في الدين، وروينا، وربما ورد علينا رجل قد ابتُلي بشيء صغير ما عندنا فيه بعينه شيء، وعندنا ما هو يشبه مثله، أفنفتيه بما يشبهه؟ فقال عليه السلام:

______________________________

(1) القصص: 50.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 34، ح: 36، ص: 302.

(3) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 34، ح: 41، ص: 303.

(4) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 34، ح: 60، ص: 308.

(5) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج: 2، باب: 34، ح: 70، ص: 309.

[ 477 ]

- لا، ومالكم والقياس في ذلك، هلكَ مَن هلكَ بالقياس، قال:

- جعلتُ فداك أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بما يكتفونَ به؟ قال عليه السلام:

- أتى رسول اللّه بما استغنوا به في عهده، وبما يكتفونَ من بعده إلى يوم القيامة، قال:

- ضاعَ منه شيء، فقال عليه السلام:

- لا، هو عند أهله»(1).

24 - وروي عن محمد بن حكيم أيضاً أنه قال:

«قلت لابي عبد اللّه عليه السلام:

- إنَّ قوماً من أصحابنا قد تفقهوا، وأصابوا علماً، ورووا أحاديث، فيرد عليهم الشيء فيقولونَ برأيهم؟ فقال عليه السلام:

- لا، وهل هلكَ مَن مضى إلا بهذا وأشباهه»(2).

25 - وورد عن أبي عبد اللّه عليه السلام انَّه قال:

«لعن اللّه أصحابَ القياس، فانَّهم غيرّوا كلامَ اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، واتهموا الصادقين عليهم السلام في دين اللّه عزّ وجلّ»(3).

26 - روي عن داود بن سرحان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول:

«انّي لاُحدّث الرجل الحديث، وأنهاه عن الجدال والمراء في دين اللّه، وأنهاه عن القياس، فيخرج من عندي فيأوّل حديثي على غير تأويله، إني أمرتُ قوماً أن يتكلّموا، ونهيتُ قوماً، فكلّ يأول لنفسه، يريد المعصية للّه ولرسوله، فلو سمعوا وأطاعوا لاودعتهم ما أودع أبي أصحابه، إنَّ أصحابَ أبي كانوا زيناً أحياءاً وأمواتاً»(4).

______________________________

(1) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 49، ص: 305.

(2) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 51، ص: 305.

(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 71، ص: 309.

(4) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 2، باب: 34، ح: 73، ص: 309.

[ 478 ]

27 - وجاءَ في المحاسن عن أبي عبد اللّه عليه السلام في رسالته إلى أصحاب الرأي والقياس:

«أما بعد، فانّه من دعى غيره إلى دينه، بالارتياء والمقائيس لم ينصف ولم يصب حظّه، لانَّ المدعوّ إلى ذلك لا يخلو أيضاً من الارتياء والمقائيس، ومتى ما لم يكن بالدّاعي قوّة في دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل، لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقاً لمعلّم ولو بعدَ حين، ورأينا المعلّم الداعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي مَن يدعو، وفي ذلكَ تحيَّر الجاهلون، وشك المرتابون، وظنَّ الظانون، ولو كان ذلكَ عند اللّه جائراً لم يبعث اللّه الرسل بما فيه الفصل، ولم ينه عن الهزل، ولم يعب الجهل، ولكنَّ الناس لما سفهوا الحقَّ، وغمطوا النعمة، واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم اللّه، واكتفوا بذلكَ دونَ رسله والقوام بأمره، وقالوا: لا شيء إلا ما أدركته عقولُنا، وعرفته ألبابنا، فولاّهم اللّه ما تولّوا، وأهملهم وخذلهم، حتى صاروا عبدةَ أنفسهم من حيث لا يعلمون، ولو كانَ اللّه رضي منهم اجتهادهم وارتيأهم فيما ادّعوا من ذلك، لم يبعث اللّه اليهم فاصلاً لما بينهم، ولا زاجراً عن وصفهم، وانما استدللنا انَّ رضا اللّه غير ذلك، ببعثه الرسل بالامور القيّمة الصحيحة، والتحذير عن الامور المشكلة المفسدة، ثم جعلهم أبوابه، وصراطه، والادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي والقياس، فمن طلبَ ما عندَ اللّه بقياسٍ ورأي، لم يزدد من اللّه إلا بعداً، ولم يبعث رسولاً قط، وان طال عمره، قابلاً من الناس خلاف ما جاء به، حتى يكون متبوعاً مرّةً وتابعاً اُخرى، ولم ير أيضاً فيما جاءَ به استعمال رأياً ولا مقياساً، حتى يكون ذلكَ واضحاً عنده كالوحي من اللّه، وفي ذلك دليل لكلّ ذي لبّ وحجى أنَّ أصحاب الرأي والقياس مخطئون مدحضون، وانما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل، فايّاك أيها المستمع أن تجمع عليكَ خصلتين: احداهما القذف بما جاش به صدرك، واتّباعك لنفسك إلى غير قصد، ولا معرفة حدّ، والاخرى استغناؤكَ عمّا فيه حاجتك، وتكذيبكَ لمن إليه مردُّك، وايّاكَ وترك الحق سأمة

[ 479 ]

وملالة، وانتجاعك الباطل جهلاً وضلالة، لانّا لم نجد تابعاً لهواه، جائزاً عمّا ذكرنا قط رشيداً، فانظر في ذلك»(1).

28 - روي عن ميسرة بن شريح انَّه قال:

«شهدت أبا عبد اللّه عليه السلام في مسجد الخيف، وهو في حلقة فيها نحو من مائتي رجل، وفيهم عبد اللّه بن شبرمة، فقال:

- يا أبا عبد اللّه انّا نقضي بالعراق، فنقضي ما نعلم من الكتاب والسنة، وترد علينا المسألة، فنجتهد فيها بالرأي.

قال: فانصت الناس جميع من حضر للجواب وأقبل أبو عبد اللّه عليه السلام على مَن على يمينه يحدّثهم، فلما رأى الناس ذلك، أقبل بعضهم على بعض، وتركوا الانصات.

قال: ثم تحدّثوا ما شاءَ اللّه، ثم ان ابن شبرمة قال:

- يا أبا عبد اللّه إنّا قضاة العراق، وانّا نقضي بالكتاب والسنة، وانَّه ترد علينا أشياء، ونجتهد فيها بالرأي.

قال: فأنصت جميع الناس للجواب، وأقبل أبو عبد اللّه عليه السلام على مَن على يساره يحدّثهم، فلما رأى الناس ذلك، أقبل بعضهم على بعضٍ، وتركوا الانصات، ثم ان ابن شبرمة مكث ما شاءَ اللّه، ثم عادَ لمثل قوله، فأقبل أبو عبد اللّه عليه السلام فقال:

-أيّ رجلٍ كان عليّ بن أبي طالب فقد كان عندكم بالعراق، ولكم به خبر؟

فأطراه ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً، فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام:

- فانَّ علياً أبى أن يدخل في دين اللّه الرأي، وأن يقول في شيء من دين اللّه بالرأي والمقائيس.

فقال أبو ساسان: فلما كان الليل دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام، فقال لي:

- يا أبا ساسان لم يدعني صاحبكم ابن شبرمة حتى أجبته، ثم قال عليه السلام:

______________________________

(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، باب: المقائيس والرأي، ح: 674، ص: 331 - 332.

[ 480 ]

- لو علم ابن شبرمة من أين هلكَ الناس ما دان بالمقائيس، ولا عمل بها»(1).

29 - وروي عن أبان بن تغلب انّه قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام:

- رجل قطع اصبع امرأة، فقال عليه السلام:

- فيها عشرة من الابل، قلت:

- قطع اثنتين، فقال عليه السلام:

- فيهما عشرون من الابل، قلت:

- قطع ثلاث أصابع، قال عليه السلام:

- فيهنَّ ثلاثون من الابل، قلت:

- قطع أربعاً، فقال عليه السلام:

- فيهنَّ عشرون من الابل، قلتُ:

- أيقطع ثلاثاً وفيهنَّ ثلاثونَ من الابل، ويقطع أربعاً وفيها عشرون من الابل؟ فقال عليه السلام:

- نعم، إنَّ المرأة إذا بلغت الثلث من دية الرجل سفلت المرأة، وارتفع الرجل.

إنّ السنّة لا تُقاس، ألا ترى أنَّها تؤمر بقضاء صومها، ولا تؤمر بقضاء صلاتها؟ يا أبان! حدثتني بالقياس، وانّ السنة إذا قيست محق الدين»(2).

______________________________

(1) أبو جعفر البرقي، المحاسن، ج: 1، باب: المقائيس والرأي، ح: 675، ص: 332 - 333.

(3) أبو جعفر البرقي، الامحاسن، ج: 1، باب: المقائيس والرأي، ح: 694، ص: 339.