الباب الرابع : دور أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الابتداع
الفصل الأول : معنى التشيع ونشأته
اتهام التشيع بالابتداع
بعدَ أن اُصيبَ الكثير من المتعصبين ضد مذهب أهل البيت عليهم السلام بالعجز الحقيقي من ايجاد أية ثغرة عقائديّة يمكن النفوذ من خلالها للتشكيك في شرعية المبادئ والاصول الشيعيّة، وإدراكهم كون هذهِ المبادئ تمثّل خط الرسالة الاسلامية بكلِّ ما يحمله هذا الخط من أصالة ونقاء، وبعد أن لمسوا عمق انتساب هذا المنهج الى الدين من خلال الوثائق التأريخّية التي لا يمكن اغفالُها أو تجاهلها بحالٍ من الأحوال، وبعدَ اليأس من الظفر بأيّة مهاترة في اُصول هذا المنهج ومبانيه المستقاة من القرآن الكريم وسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم... بعدَ كلِّ هذا وذاك حاولوا أن ينتحلوا ذريعةً غير مشروعة للنيل من هذا المذهب، وتشكيك المسلمين بعقائده واُصوله ومبانيه، وذلك عن طريق قذف أصل كيان التشيّع بالابتداع.
ولم يكتفوا بالقول بأنَّ التشيّع بدعة محدثة ليس لها أي ارتباط بالاسلام، واّنما ذهبوا الى القول بأنَّ التشيع هو أول بدعة ظهرت في الاسلام، وهو أساس لنشوء بقية البدع، وأصل لافتراق الامّة الاسلامية وتمزّقها.
وبهذا يكون مفهوم (البدعة) قد استُغل بطريقة مزوَّرة في سبيل ضرب منهج أهل البيت عليهم السلام، وحُرِّف عن موارده الحقيقيّة، ومصاديقه الواقعية الصائبة الى حيث خدمة التعصب والافتراء، وشق وحدة المسلمين، وايجاد النعرات والخلافات فيما بينهم.
وكان من جرّاء اطلاق هذا اللفظ على كيان التشيع، وترسيخ هذا الادّعاء
[ 396 ]
الموهوم في أذهان طبقة كبيرة وواسعة من المسلمين، واعتبار هذا الأمر حقيقة تأريخية مسلَّمة لا تقبل الشك والتردد... كان من جراء ذلك أن بُني على هذا الأساس المزعوم ركام من الافتراءات والانتهاكات الباطلة بحق التشيّع، في مختلف الكتب والدراسات الاسلاميّة لدى أبناء العامة.
فلماذا يزجّ هؤلاء المتعصبون بأنفسهم بين وثائق التاريخ ومصادره الناصعة التي لا تعطيهم فرصة التشكيك في شرعية انتماء الشيعة الى الاسلام، وانبثاقها عن اُصوله ومبانيه، ولماذا يتركون أنفسهم يضيعونَ وسط الحقائق الدينية الساطعة التي دلَّت بصراحة على وجوب التمسك بمنهج أهل البيت عليهم السلام، والاقتداء بهم، والانضواء تحت رايتهم؟.. إنَّ الأمر لا يحتاج الى أكثر من مناورة بسيطة تعالج القضية من الجذور، وتستأصل الحقيقة وتجتثها من الأساس، فتزلزل بذلك عقائد البسطاء من الناس، وتحول بينهم وبين الاطّلاع على تعاليم منهج أهل البيت عليهم السلام، وتقطع الطريق على مَن يريد الاقتراب من الحقيقة والبحث عنها عن هذا الطريق... إنَّ الأمر لا يتطلّب أكثر من أن يلصقوا بهذا الكيان اسماً مقيتاً لدى المسلمين، ومعروفاً عندهم بالرفض والازدراء، وذاك هو لفظ (الابتداع)، ومن الطبيعي أن يتفرَّع على أساس هذا القول رفض لمجمل الاعتقادات التي يؤمن بها الشيعة، وعدَّها داخلةً في إطار (الابتداع) المزعوم، ومقاطعة كتب الشيعة ومصادرهم ورواياتهم، ما دام أصل التشيع (بدعةً) على ما يزعمون.
يقول (صالح الفوزان) في كتاب (البدعة):
«وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الارجاء وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها»(1).
فالفوزان في هذا النص يجعل التشيع أول (بدعة) ظهرت في الاسلام، ويعدّها مساوقة لبدع القدر والارجاء والخوارج، ويقول بأنَّها ظهرت متأخرة عن زمن رسول
______________________________
(1) صالح الفوزان، البدعة: تعريفها، أنواعها، أحكامها، ص: 11.
[ 397 ]
اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويحدد ذلك بالقرن الهجري الثاني، ويدّعي انَّ الصحابة قد انكروا على أهلها وأصحابها.. فهذهِ ادّعاءات كبيرة وخطيرة تمس أصل كيان التشيع، وتطعن مبادئه في الصميم، ولكنّا نرى أن الفوزان يطلقها بعفوية وتسالم، من دون أن يجد نفسه مكَّلفاً وملزماً بأن يقدِّم أيَّ دليل عليها.
ويقول (القفاري) في (مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة):
«ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعة التشيع كالغلاة المدّعين الالوهيّة في علي والمدّعين النص على علي رضي اللّه عنه»(1).
ونجد في كلام القفاري دعوين: الدعوى الاولى انَّه عدَّ التشيع بدعةً، والدعوى الاُخرى انَّه جعل الغلاة قسماً من أقسام الشيعة، وفرقةً من فرقها، خلطاً بين الحقائق، وتمويهاً على معالم الدين.
وجاءَ في (تارج العروس) للزبيدي عند تعرضه لذكر الشيعة:
«وقال الحافظ: وهم أئمة لا يحصون مبتدعة، وغلاتهم الامامية المنتظرية»(2).
ويقول الدكتور (عزت علي عطية):
«وما ان قتل عثمان رضي اللّه عنه حتى ابتدأ ظهور الفرق، وتعددت طوائف المسلمين، وأسفر كل من الالحاد والابتداع عن وجهه القبيح... وظهرت الشيعة تحمل الآراء الخاصة فيما يتصل بعصمة الائمة والقول بالوصية وغير ذلك»(3).
وكان الكثير من هؤلاء يتشفى بنبز الشيعة بلفظ (الروافض)، ويظهر غيظه وحقده وحنقه بالصاق التهم والاباطيل على شيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام، ومن غير شك انهم لا يقصدون من هذا اللفظ الا الشيعة الموالين لأهل البيت عليهم السلام ومن ضمنهم الشيعة الامامية الاثنا عشرية، فيقول ابن تيمية في قضية العدل الالهي:
______________________________
(1) د. ناصر بن عبد اللّه بن علي القفاري، مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، القسم الاول: ص: 38 - 39.
(2) الزبيدي، تاج العروس، ج: 5، ص: 405.
(3) د. عزّت علي عطية، البدعة، تحديدها وموقف الاسلام منها، ص: 149.
[ 398 ]
«إنَّ شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم انَّما أخذوا ذلكَ من المعتزلة»(1).
ويقول في موضع آخر:
«الرافضة تجعل الائمة الاثني عشر أفضل من السابقين الاولين»(2).
ويقول في نفس هذا المعنى:
«إنَّ الرافضة لا يعرفونَ إمام زمانهم، فانَّهم يدّعون انَّه الغائب المنتظر محمد بن الحسن«(3).
ويقول (ابن حجر الهيثمي):
«وزعمت الرافضة أنَّ المهدي هو الامام محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الائمة»(4).
فمن الواضح من خلال هذهِ النصوص ومن الكثير غيرها مما طفحت به كتابات ابن تيمية وابن حجر وابن حزم.. وغيرهم من المتعصبين، أنَّ المراد من الروافض في كلماتهم هم الشيعة الاثنا عشرية على نحو الخصوص.
ومن هنا جاءَ السب واللعن والتلفيق بدوافع الحقد والتعصب على أبناء الاسلام وحملته والسائرين على تعاليم الكتاب العزيز وهدي أهل بيت النبوة الطاهرين عليهم السلام، وسعى الحاقدون سعياً حثيثاً على إرجاع غالبية الفرق الضالة الى التشيع، والصاقها به، وحشرها ضمن أقسامه، وبيان أن اساس تمزق الامة الاسلامية يعود الى انبثاق هذا الكيان في تاريخ الاسلام، وتصاعدَ بعضهم بذكر فرق الشيعة الى أرقام خياليّة! فيقول المقريزي في خططه:
______________________________
(1) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 3، عن منهاج السنة لابن تيمية، ص: 31.
(2) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 3، عن منهاج السنة لابن تيمية.
(3) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 3، عن منهاج السنة لابن تيمية، ص: 27.
(4) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 4، عن صواعق ابن حجر، ص: 102.
[ 399 ]
«انَّ الرافضة بلغت فرقهم ثلثمائة فرقة والمشهور منها عشرون»(1).
وليت هؤلاء قد اكتفوا بذلك التلفيق والتشنيع، وانما لجأوا الى اختلاق الاحاديث في هذا الصدد، ونسبتها الى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كذباً وزوراً، فقد ذكر ابن حجر أنَّ الذهبي أخرج عن علي عليه السلام أنَّه قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يظهر في اُمتي في آخر الزمان، قوم يسمون الرافضة يرفضونَ الاسلام».
وأنَّ الدارقطني قد أخرجه بزيادة أنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لعلي:
«فان أدركتهم فاقتلهم فانّهم مشركون، قال: قلت: ما العلامة فيهم؟ قال: يقرضونَكَ بما ليس فيكَ، ويطعنونَ على السلف»(2).
وما أحسن ما ردَّ به العلامة محمد حسين الزين على هذين الحديثين، حيث يقول:
«وانَّ ظهور اسم الرافضة بعد علي بقليل، وثبوت الطعن على بعض السلف في حياة علي، وكون علي نفسه قد طعن على ذلك البعض، انَّ ذلك كله يدل بوضوح على تكرار كذب هذا الخبر المحدد لظهور الرافضة في آخر الزمان، والأمر بقتلهم لخصوص الطعن على الخاطئين من السلف.
ولكنَّ ابن حجر تغافل عمّا في ذلك الخبر من علائم الكذب والوضع، فلأجله كرره في صواعقه، وأخذ يصول به، كما كرر تلك الالفاظ البذيئة في حق الشيعة البريئين»(3).
وأين هؤلاء عمّا يقوله الامام (الشافعي):
يا راكباً قف بالمحصب من منى***واهتف بساكن خيفها والناهضِ
سَحراً إذا فاضَ الحجيج الى منى***فيضاً كمرفضّ الفرات الفائضِ
ان كان رفضاً حبّ آل محمدٍ***فليشهد الثقلان أني رافضي!
______________________________
(1) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 22.
(2) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 4، عن الصواعق المحرقة لابن حجر، ص: 3.
(3) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 4.
[ 400 ]
فهل يتفوه أحد من هؤلاء على (الشافعي) الذي هو أحد كبار ائمة أبناء العامة بما تقوَّه به على شيعة أهل البيت عليهم السلام، وهل يُجري عليه ما اُجري عليهم من تهم وافتراءات باعتبار انَّه يصرح بكونه رافضياً، أي محبّاً لأهل البيت عليهم السلام الذين وجبت مودتهم بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُل لا أسئلُكُم عَلَيهِ أجراً الا المَودَّةَ في القُربى)(1)؟
ويجسّد لنا الشافعي المعنى الذي يقيم عليه هؤلاء المتعصبون بالقول:
إذا في مجلس ذكروا عليّاً***وسبطيه وفاطمة الزكيّة
فأجرى بعضهم ذكراً سواهم***فأيقنَ انَّه لسلفلقيّة
إذا ذكروا عليّاً أو بنيه***تشاغل بالروايات العليّة
وقال تجاوزوا يا قوم هذا***فهذا من حديث الرافضية
برئت الى المهيمن من أُناسٍ***يرونَ الرفضَ حبّ الفاطميّة
على آل الرسول صلاة ربّي***ولعنته لتلكَ الجاهليّة
ونقلَ العلامة السيد محسن الامين في (الاعيان) عن قطعة مخطوطة عنده للمرزباني انه حكى عن شريك بن عبد اللّه القاضي قال:
«سعي بي الى المهدي بأنّي رافضي (الى أن قال) فقلت: إن كان الرافضيّ مَن أحبَّ رسولَ اللّه وعلياً وفاطمة والحسن والحسين، فأنا أشهد بأنَّ أمير المؤمنين رافضي، أفتبغضهم أنت؟ قال: معاذ اللّه»(2).
وقد اشتهر بين أبناء العامة حديث الفرقة الناجية الذي طبقوه على أنفسهم، وانتحلوا لذلك روايات موضوعة بواسطة أيادي آثمة تجنّت على صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم، ورووا انه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد شخَّص الفرقة الناجية بالقول: (ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية اخرى انها (الجماعة) كذباً وزوراً، وجعلوا الشيعة وفرقها ضمن الطوائف الاثنين
______________________________
(1) الشورى: 23.
(2) محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 21.
[ 401 ]
والسبعين الضالة المتبقية التي ذكرها الحديث، بل وبالغوا في ذلك وقالوا بأنَّ اكثر هذهِ الفرق الضالة تعود الى التشيع وتنتهي إليه(1).
وحديث الفرقة الناجية إمّا أن تكون حديثاً موضوعاً، لاضطراب المضمون الذي نقله أبناء العامة له، وعدم امكانية الوثوق به، إذ لا يمكن أن يكون (الاصحاب) أو (الجماعة) بهذا العموم مصداقاً للحديث لانَّه سيكون معكوساً، ويوقعنا في التفرق والتشتت والتمزيق، لانّا لا نستطيع أن نقف على مبادئ موحّدة واُسس عقائدية وثقافية مشتركة على اُساس هذهِ الضابطة المذكورة.
وإمّا أن يكون الحديث وارداً في حق علي وشيعته كما ثبتته مصادرنا الخاصة(2)، الا أنَّه حُرِّف، شأنه شأن الكثير من الاحاديث الاخرى الواردة في فضل أهل البيت عليهم السلام.
وإمّا ان نقدِّر صحة الحديث الذي ورد في ذيله (ما أنا عليه وأصحابي) أو (الجماعة) على أن يكون النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم قد عنى مَن التزم في زمنه صلى اللّه عليه وآله وسلم بفرائض اللّه وأقامها وتقبَّلها وجرى عليها مؤمناً مخلصاً، فيكون الامر مجملاً وبحاجة الى الدليل الخاص الذي يعيِّن هؤلاء الاصحاب وهذهِ الجماعات المؤمنة، وقد ثبت بالطرق المتواترة وجوب إتباع منهج أهل البيت عليهم السلام وانَّ شيعة علي عليه السلام ومتبعيه هم المجسدون للفرقة الناجية التي ذكرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على فرض صحة الحديث.
يقول الشيخ (مفيد الفقيه) في كتابه: (العقل في اصول الدين):
«وقد اعترف الكثير من كتّاب الفرق بهذا الحديث، فأخذ كلّ واحدٍ يطبقه على فرقته وأنَّها هي الناجية، مَعَ انه بالصيغ المذكورة لا ينطبق على فرقة بعينها، لأنَّ قوله صلى الّه عليه وآله وسلم: (ما أنا عليه وأصحابي): إن اُريد به كلّ الاصحاب، فلا اشكال في انَّ ما
______________________________
(1) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 22.
(2) انظر على سبيل المثال بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج: 28، باب: 1، ح: 20، ص: 13.
[ 402 ]
أجمعوا عليه بعده صلى اللّه عليه وآله وسلم فضلاً عن إجماعهم في عصره صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يخالف فيه أحد من المسلمين، ليكون بعضهم ناجياً وبعضهم هالكاً، ولكنَّ هذا العنوان لا يحق لأحدٍ أن يستدل به، لانَّهم لم يجمعوا على كلِّ شيء مَعَ وجود الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل كانوا يناقشون ويعترضون حتى في الاحكام الشرعية كما لا يخفى على أحدٍ ممن راجع السيرة النبوية الشريفة، وان اُريد بعض الاصحاب فكل مجموعة من هذا البعض قد اتبعه جماعة حتى طلحة والزبير ومعاوية وقاتلي عثمان في مواقفهم السياسية وآرائهم الدينية، فأيّ بعضٍ من هؤلاء الاصحاب هو المقصود؟» الى أن يقول:
«ولا نطيل بنقض الحديث لأنَّه متناقض في مضمونه ونتائجه، ولكننا لا نسلِّم بصحته، ولا بصحة مضمونه من الأساس لفساد رواته، ولو سلَّمنا بصدوره عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأي نصٍّ فلا بدَّ وأن نفهمه بنحوٍ ينسجم مَعَ كتاب اللّه والقواعد العامة في الشريعة الاسلامية...»(1).
وكان بسبب من هذهِ الافتراءات والأباطيل أن اُدخلت في معنى التشيع فرق وهمية وخيالية لا واقع لها من الاساس، وقد اُعطيت مسميات مختلفة، ومنحت عناوين لا وجود لها، ونسبت الافتراءات الشنيعة الى كبار صحابة الائمة عليهم السلام، وأقطاب المذهب الشيعي وأعلامه، من أجل الايحاء للمسلمين بأن الشيعة فرقة مشتتة وممزقة، وكثيرة المسالك والتشعبات.
فقد ذكر المقريزي مجموعة كبيرة من الفرق الموهومة والتي لا أساس لها بالاصل من ضمن فرق الشيعة، واختلق لها أسماء من عنده، فجعل (الزرارية) التي يدّعي انها فرقة شيعية تضم اتباع زرارة بن أعين من فرق الشيعة حيث يقول:
«والفرقه العاشرة الزراية أتباع زرارة بن أعين أحد الغلاة في الرفض، وزعم مَعَ ذلكَ أنَّ اللّه تعالى لم يكن في الأول عالماً ولا قادراً حتى اكتسبَ لنفسه جميع ذلك».
______________________________
(1) مفيد الفقيه، العقل في اُصول الدين، ص: 21 - 22.
[ 403 ]
ويعدّ من فرق الشيعة أيضاً (الهشامية) فيقول عنهم بأنهم:
«أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضاً الحكمية، ومن قولهم الاله تعالى كنور السبيكة الصافية يتلألأ من جوانبه».
وكذلك جعل من فرق الشيعة فرقةً اُخرى اسماها ب(الجولقية) وافترى حولها الأباطيل، فقال حول أصحابها بأنَّهم:
«أتباع هشام بن سالم الجولقي، وهو من الرافضة أيضاً، ومن شنيع قوله انَّ اللّه تعالى على صورة انسان نصفه الأعلى مجوّف ونصفه الاسفل مصمت، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواس الانسان ويد ورجل وفم وعين واُذن وشعر أسود..».
وعدَّ منهم كذلك (اليونسية) وقال عنهم بأنَّهم:
«أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، وكلهم من الروافض».
وابتكر فرقة اسماها (الشيطانية) قائلاً عن أتباعها بأنَّهم:
«أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق، وقد شاركَ المعتزلة والرافضة في جميع مذهبهم وانفرد بأعظم الكفر قاتله اللّه، وهو انَّه زعم انَّ اللّه لا يعلم الشيء حتى يقدّره، وقبل ذلك يستحيل علمه».
وتعليقاً على افتراءات المقريزي هذهِ نكتفي بالاشارة الى بعض ما ذكره العلامة السيد محسن الامين بعد إيراده لهذه الأقوال وغيرها من الانتحالات:
«إنَّ زرارة بن أعين والهشامين ويونس بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان الملقَّب بمؤمن الطاق كلهم ثقات صحيحو العقيدة، متكلمون حذاق، من أجلاء تلاميذ وأصحاب الامامين جعفر بن محمد الصادق وابنه موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام، وعنهما أخذوا، ومنهما تعلَّموا، وبهما اقتدوا في كل علمٍ، لا سيما وصف الباري تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص، وعصمة سيد الأنبياء صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا يمكن أن يعتقدوا
[ 404 ]
أمثال هذهِ الخرافات في حقِّه تعالى، ولا في حقِّ نبيِّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد أخذوا عقائدهم عن أئمة أهل البيت الطاهر، معادن العلم والحكمة، ولم ينقل عنهم هذهِ الخرافات ناقل يوثق به، فما نُسب إليهم محض افتراء واختلاق، وتأتي تراجمهم في أبوابها(1)، وهم مترجمون في كتب رجال الشيعة بكلِ وصفٍ جميل، وهم إماميّة اثنا عشرية، ليس لهم مذهب ولا نحلة خاصة سوى ذلك، ولا أتباع ينسبون اليهم»(2).
ويتمادى (المقريزي) في تقسيماته الباطلة، ويختلق فرقاً اُخرى لا واقع لها، وأسماء من دون مسميات بدافع التهجين والتشنيع حيث يقول:
«ومن فرق الروافض الحلوية، والشاعية، والشريكيّة يزعمونَ أنَّ علياً شريك محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، والتناسخية القائلونَ أنَّ الارواح تتناسخ، واللاعنة، والمخطئة الذين يزعمون أنَّ جبرائيل أخطأ، والاسحاقية والخلفية الذين يقولونَ ل اتجوز الصلاة خلف غير الامام، والرجعية القائلونَ سيرجع علي وينتقم من أعدائه، والمتربصة الذين يتربصونَ خروج المهدي، والآمرية، والجبية، والجلالية، والكربية أتباع أبي كريب الضرير، والحزينة أتباع عبد اللّه بن عمر الحزين»(3).
ويعلِّق السيد محسن الامين على ذلك بالقول:
«يعلم اللّه انّ هذهِ الاسماء كلَّها لم نسمع بها، ولم نرها في كتب الشيعة، وما هي الا مختلقة لا يُقصد من ذكرها غير التشنيع والتهجين، وهي أسماء بلا مسميات، ولم يذكرها أحد من المؤرخين، ولا نقلها مَن كتب في الملل والنحل من الشيعة إلا الشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب المقالات والفرق المتكفّل لذكر
______________________________
(1) المزيد من الاطلاع انظر ترجمة زرارة بن أعين في أعيان الشيعة، المجلد السابع، ص: 46، وهشام بن الحكم، المجلد العاشر، ص: 264، وهشام بن سالم، المجلد العاشر، ص: 266، ويونس بن عبد الرحمن، المجلد العاشر، ص: 326، ومحمد بن النعمان، المجلد العاشر، ص: 81.
(2) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 11، ص: 22.
(3) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 23.
[ 405 ]
فرق الشيعة وغيره»(1).
ومن الانعكاسات السلبية الخطيرة لرمي كيان التشيع بالابتداع هو محاولة بعض المتعصبين من علماء العامة التشكيك في كل ما يُروى عن طرق الشيعة وخصوصاً الامامية الاثنا عشرية، وعدم الاعتراف المطلق بكتبهم الحديثية، ودرج الاحاديث الجمّة المروية في مصادر الشيعة ضمن عنوان ما يرويه المبتدعون.
يقول (نظام الدين الانصاري) في كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت):
«أما المبيحون للكذب فلا تُقبل روايتهم البتة، لأنَّهم لمّا جازَ في دينهم على زعمهم الكذب لا يبالونَ بالارتكاب عليه، ومنهم الروافض الغلاة والاماميّة، فانَّ الكذب فيهم أظهر وأشهر، حتى صاروا مضرب المثِّل في الكذب، وجوَّزوا ارتكاب جميع المعاصي، فلا أمانَ لهم أن يكذبوا على رسول اللّه، ولا هم يبالونَ بالكذب على رسول اللّه وأصحابه، ومَن نظر في كتبهم لم يجد أكثر المرويات إلا موضوعةً مفتراة»(2).
ومن الطريف أن نذكر ما علَّق به الشيخ (محمد جواد مغنية) على هذا الكلام فكفانا مؤونة الرد عليه، حيث يقول في كتابه (الشيعة في الميزان):
«واذا كان أكثر روايات الامامية كذباً وافتراءً، فمعنى ذلكَ أنّ التوحيد ونبوة محمّد والبعث والنشر سخف وهراء، ووجوب الصوم والصلاة والحج والزكاة سراب وهباء، وتحريم الزنا والكذب والسرقة جهل وعماء، لأنَّ روايات الامامية جلّها في ذلك، تعالى اللّه ورسوله علواً كبيراً.
ولا نعرف فرقة من المسلمين تشددت في تحريم الكذب بعامة، وعلى اللّه والرسول بخاصة كالاماميّة، فانَّهم حكموا بخروج مستحلِّه من الاسلام، وأخذوا الصدق في تحديد الايمان، فلقد رووا عن أئمتهم أخباراً تجاوزت حدَّ التواتر: (انَّ الايمان أن تؤثر الصدق
______________________________
(1) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 23.
(2) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 85، عن كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت) المبطوع مَعَ المستصفى سنة 1324 هجري، ص: 140،ج: 2.
[ 406 ]
وان ضرَّك على الكذب وان نفعَكَ)، واختصوا دون سائر الفرق بالقول انَّ تعمّد الكذب على اللّه أو رسوله من المفطرات، وان على هذا الكاذب القضاء والكفّارة، وبالغ جماعة منهم حيث أوجبوا عليه أن يكفّر بالجمع بين عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، واطعام ستين مسكيناً.
هذا ما جاءَ في كتب الامامية، فمن يكون الكذاب الكفّار، الامامية، أو الذي يفتري على الأبرياء الأصفياء»(1)؟!
ونحن أمام مجموع هذه الافتراءات المتقدمة التي تنطلق جميعها من أساس رمى التشيع بالابتداع، والتي نعتقد يقيناً انها لم تنطلق الا من دوافع الحقد والتعصب، نجد أنفسنا ملزمين بأن نميط اللثام عن حقيقة هذا الأمر بما يتناسب حجماً مَعَ دراستنا الماثلة، وللارتباط الوثيق بين هذا الامر وبين موضوع (الابتداع) الذي تناولناه وسلّطنا الضوء بشيء من التفصيل على حدِّه وقيوده، على أن يكون تناولنا لهذا الموضوع تناولاً مختصراً ننتقل بعده لبيان مجمل الدور الذي قام به أهل البيت عليهم السلام في مواجهة (الابتداع) والمحدثات على مرّ التاريخ الذي عاشوا فيه عليهم السلام، ويستطيع القارئ الكريم العود الى الكتب المعدّة لبيان هذا الغرض بالذات للاطلاع على تفاصيل هذا الموضوع وخصوصياته المختلفة(2).
______________________________
(1) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 85 - 86.
(2) لمزيد من الاطلاع يمكن للقارئ الكريم أن يراجع على سبيل المثال: أعيان الشيعة للسيد الامين، ج: 1، ص: 18 - 209، وأصل الشيعة وأصولها للامام محمد حسين كاشف الغطاء، والشيعة في التاريخ للعلامة الشيخ محمد حسين الزين، وتاريخ الاماميّة وأسلافهم من الشيعة للدكتور عبد الله فيّاض، وتاريخ الفرق الاسلامية للعلامة الشيخ محمد خليل الزين، وهوية التشيع للدكتور الشيخ أحمد الوائلي، والشيعة في الميزان للعلامة الشيخ محمد جواد مغنية، وبحوث في الملل والنحل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني، ج: 6، وتاريخ الشيعة للعلامة الشيخ محمد حسين المظفَّر، وفرق الشيعة للنوبختي، ولماذا نحن شيعة للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، والانتفاضات الشيعية عبر التاريخ للسيد هاشم معروف الحسني، ص: 10 - 35، والتشيع نشأته... معالمه للاستاذ السيد هاشم الموسوي.
وغير ذلك من المصادر الأساسية المدوّنة لبيان هذا المطلب المذكور.
[ 407 ]
يطلق لفظ (الشيعة) في اللغة على الأتباع والأنصار بشكل عام، ثم تضيَّق مدلول هذهِ الكلمة وأصبح يُطلق بعد مجيء الاسلام على أتباع أمير المؤمنين علي وأهل بيته عليهم السلام الى أن اختصَّ بهم، وأصبحوا يُميَّزون ويُعرفون عن غيرهم من الطوائف والفرق الاسلامية الاخرى بهذا اللفظ.
وسوف ننقل للقارئ الكريم عبارات مختلفة من اُمهات الكتب اللغوية، والتي تشير الى المعنى اللغوي اللعام المذكور للفظ الشيعة، وتطور مدلول هذهِ الكلمة وانصرافه الى أتباع علي وأهل بيته عليهم السلام على نحو الخصوص.
1 - لسان العرب: «والشيعة القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع.. والشيعة: أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع، وأشياع جمع الجمع، ويقال شايعه كما يقال والاه من الوَلي...
وقد غلبَ هذا الاسم على مَن يتولى علياً وأهل بيته رضوان اللّه عليهم أجمعين وحتى صار لهم اسماً خاصاً، فاذا قيل فلان من الشيعة عُرف انَّه منهم«(1).
2 - الصحاح: «وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه، كما يقال والاه من الولي.. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع»(2).
3 - القاموس المحيط: «وشِيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل مَن يتولّى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً»(3).
______________________________
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج: 8، ص: 188 - 189.
(2) الجوهري، الصحاح، ج: 3، ص: 1240.
(3) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج: 3، ص: 47.
[ 408 ]
4 - المصباح المنير: «والشيعة: الاتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة»(1).
5 - تاج العروس: «وكل مَن عاونَ انساناً وتحزَّب له فهو له شيعة، قال الكميت:
وما لي إلا أحمد شيعة***وما لي الا مشعب الحق مشعب
وقال الازهري: الشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلي اللّه عليه وآله وسلم ويوالونهم»(2).
6 - مجمع البحرين: «قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ)(3)، أي: من كلِّ فرقةٍ. قوله: (وَلَقَد أَرسَلنا مَن قَبلِكَ في شِيَعِ الأَوَّلِين)(4)، أي: في فرقهم وطوائفهم.
والشيعة: الفرقة إذا اختلفوا في مذهب وطريقة.
قوله: (وَلَقَد أَهَلَكنا أَشياعَكُم)(5)، أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر. قوله: (كَما فُعِلَ بَأشياعِهِم مِن قَبلُ)(6): أي: بأمثالهم من الشيع الماضية... قوله: (وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبراهيمَ)(7)، قيل: أي وان من شيعة نوح إبراهيم، يعني انه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق.
والشيعة: الآتباع والأعوان والانصار مأخوذ من الشّياع، وهو الحطب الصغار التي تشتعل بالنار، وتعين الحطب الكبار على إيقاد النار، وكل قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، ثم صارت الشيعة جماعة مخصوصة..»(8).
فظهر من خلال هذا أنَّ لفظ (الشيعة) و(الشيع) و(الاشياع) الوارد في القرآن
______________________________
(1) الفيّومي، المصباح المنير، ص: 329.
(2) الزبيدي، تاج العروس، ج: 5، ص: 405.
(3) مريم: 69.
(4) الحجر: 10.
(5) القمر: 51.
(6) سبأ: 54.
(7) الصافات: 83.
(8) فخر الدين الطريحي، محمع البحرين، ج: 4، ص: 355 - 356.
[ 409 ]
الكريم قد استعمل في معناه اللغوي العام الذي أشارت اليه الكتب اللغوية.
لكي نتعرف على المعنى المصطلح للفظ (الشيعة) و(التشيع) لا بدّ لنا أن نطالع أولاً ما يقوله العلماء والمحققون بهذا الشأن، لكي ننظر بعد ذلك في أبعاد هذا المفهوم، ونستخلص المعنى الواقعي الذي يمثّل صيغة موحَّدة لهذهِ التعاريف التي سوف نرى انها تختلف فيما بينها سعةً وضيقاً، وان كانت تشترك في المعنى الكلّي العام الذي تقدم ذكره في الكتب اللغوية آنفاً عند التعرض لبيان معنى التشيع الخاص، وهو عبارة عن موالاة علي وأهل بيته عليهم السلام.
1 - الشهرستاني: في (الملل والنحل):
«الشيعة هم الذين شايعوا علياً رضي اللّه عنه على الخصوص، وقالوا بامامته وخلافته نصّاً ووصيّة، إما جليّاً، وإمّا خفياً، واعتقدوا أنَّ الامامة لا تخرج من أولاده، وان خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا ليست الامامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الامام بنصبهم، بل هي قضية اُصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم السلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه الى العامة وإرساله».
وأضاف:
«ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الانبياء والائمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولّي والتبري، قولاً، وفعلاً، وعقداً، إلا في حال التقية»(1).
2 - ابن حزم: في (الفصل في الملل والاهواء والنحل):
«ومَن وافق الشيعة في أنَّ علياً أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأحقّهم
______________________________
(1) الشهرستاني، الملل والنحل، القسم الاول، ص: 131.
[ 410 ]
بالامامة، وولده من بعده فهو شيعي، وان خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فان خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً»(1).
3 - أبو الحسن الاشعري: في (مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين):
«وانما قيل لهم الشيعة لأنَّهم شايعوا علياً، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(2).
4 - النوبختي: في (فرق الشيعة):
«فأول الفرق الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب عليه السلام المسمَّون بشيعة علي عليه السلام في زمان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم اليه والقول بامامته.
منهم المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومَن وافق مودته مودّة علي عليه السلام، وهم أول مَن سمي باسم التشيع من هذهِ الامة، لانَّ اسم التشيع قديم شيعة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين«(3).
5 - الشيخ المفيد:
«الشيعة هم مَن شايع علياً، وقدَّمه على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، واعتقد انَّه الامام بوصية من رسول اللّه وبارادة من اللّه تعالى أيضاً كما يرى الامامية أو وصفاً كما يرى الجارودّية»(4).
6 - الشهيد الثاني: في (شرح اللمعة الدمشقيّة):
______________________________
(1) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة، ص: 34، عن الفصل في الملل والاهواء والنحل، ج: 2 (طبعة الاوفست، مكتبة المثنى - بغداد)، ص: 113.
(2) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية، عن مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، ج: 1، القاهرة، 1950 م، ص: 65.
(3) الحسن بن موسى النوبختي، فرق الشيعة، ص: 17 - 18، وانظر: المقالات والفرق لسعد بن أبي خلف الاشعري القمي، تحقيق: د. محمد جواد مشكور، ص: 15.
(4) د. أحمد الوئلي، هوية التشيع، ص: 12، عن موسوعة العتبات المقدسة، المدخل، ص: 91.
[ 411 ]
«والشيعة مَن شايع علياً، وقدَّمه على غيره في الامامة، وان لم يوافق على امامة باقي الائمة، فيدخل فيهم الامامية والجارودية من الزيدية والاسماعيلية غير الملاحدة منهم والواقفية والفطحيّة»(1).
7 - محمد جواد مغنية: في (الشيعة في الميزان):
«التشيع هو الايمان بوجود النص من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على علي بالخلافة مَعَ عدم المغالاة فيه ولا في أحد أبنائه»(2).
8 - بطرس البستاني: في (دائرة المعارف):
«الشيعة: فرقة من كبار فرق الاسلام، بايعوا علياً رضي اللّه عنه، وقالوا انَّه الامام بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالنص الجلي أو الخفي، واعتقدوا انَّ الامامة لا تخرج عنه وعن أولاده»(3).
9 - محمد فريد وجدي: في (دائرة معارف القرن العشرين):
«الشيعة: هم الذين شايعوا علياً في إمامته، واعتقدوا أنَّ الامامة لا تخرج عن أولاده، قالوا ليست الامامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة بل هي قضية اُصولية، هي ركن الدين، ولا بدَّ أن يكون الرسول قد نصَّ على ذلكَ صريحاً، والشيعة يقولون بعصمة الائمة من الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبرّي قولاً وفعلاً، إلا في حال التقية إذا خافوا بطش الظالم»(4).
ومن خلال التمعن في مجموع هذهِ التعاريف التي تعد من أبرز التعاريف التي ذكرت للتشيع من قبل مختلف العلماء والمحققين، نستطيع أن نستخلص مجموعة من الامور الدخيلة في بيان معنى التشيع، وبلورة مفهومه لنا بشكل واضح، وهي:
______________________________
(1) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 12، عن شرح اللمعة، ج: 2، ص: 228.
(2) محمد جواب مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 33.
(3) بطرس البستاني، دائرة المعارف، ج: 10، ص: 661.
(4) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج: 5، ص: 424 - 425.
[ 412 ]
1 - انَّ التشيع يعني تولّي أمير المؤمنين علي عليه السلام وتفضيله وتقديمه على الاصحاب كافة في أمر الامامة والخلافة الاسلامية بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
2 - إنَّ تقديم أمير المؤمنين عليه السلام على بقية الأصحاب واستحقاقه لمنصب الامامة، انما ثبت عن طريق الوصية والنص.
3 - إنَّ النص الذي يعتقده الشيعة في أمير المؤمنين عليه السلام إما أن يكون نصاً جلياً أو نصّاً خفياً، ويعرِّف شيخ الطائفة الطوسي كلا النصين بالقول:
«ثم النص ينقسم قسمة اُخرى على ضربين: أحدهما - تفرَّد بنقله الامامية خاصة وان كان في أصحاب الحديث مَن رواه على وجه نقل أخبار الآحار - وهو النص الجلي. والآخر - نقله المؤالف والمخالف، وتلقّاه جميع الامة بالقبول - على اختلاف آرائهم ومذاهبهم - ولم يُقدم أحد منهم على جحده وانكاره من يعتدّ بقوله، وان اختلفوا في تأويله والمراد منه، وهو النص الخفي»(1).
4 - إنَّ المغالاة في أمير المؤمنين عليه السلام أو في أحدٍ من أهل بيته عليهم السلام لا تنسجم مَعَ معنى التشيع والاتباع، بل هي خروج عنه من الأساس.
5 - إنَّ الشيعة يقولون بانحصار الامامة في ولد علي عليه السلام، ويقولون بعدم خروجها عن أهل بيته عليهم السلام.
6 - إنَّ التشيع لا يساوق الايمان بامامة جميع الائمة الاثني عشر عليهم السلام من ولد علي عليه السلام، فيدخل في معنى التشيع فرق اُخرى غير الفرقة الامامية الاثني عشرية كالجارودية والواقفية والفطحية.. الى آخر ما سوف نذكره من فرق الشيعة بعد قليل إن شاء اللّه تعالى.
7 - إنَّ الخلاف الواقع بين الفرق والشيعية ينحصر في تشخيص عدد الائمة وأعيانهم بعد الاتفاق على وجود النص.
______________________________
(1) أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تلخيص الشافي، ج، 2، ص: 46.
[ 413 ]
ويناءً على كل هذا نستطيع القول بأن التشيع يعني بكلمة واحدة:
«موالاة أمير المؤمنين علي عليه السلام، ومشايعته، وتقديمه في أمر الامامة على غيره، وعدم المغالاة فيه أو في أحدٍ من أهل بيته عليهم السلام، والاعتقاد بأنَّ خلافته مستمدة عن طريق النص الشرعي الجلي أو الخفي، أو المشير اليه باسمه أو يوصفه عليه السلام، وان الامامة منحصرة في أهل بيته عليهم السلام».
وقد حاول البعض أن يحشر في تعريف التشيع عناصر اضافية اُخرى لتكون بمثابة الثغرات التي يمكن النفوذ من خلالها بسهولة لابعاد التشيع عن واقعه الاسلامي المتأصل، والصاق تهمة اليهودية أو النصرانية أو الزندقة أو المغالاة أو غير ذلك من الافتراءات فيه.
يكشف الشيخ الدكتور (أحمد الوائلي) النقاب عن هذا الأمر بالقول في كتابه القيّم (هوية التشيّع):
«.. انَّ الغرض من هذهِ الاشارة هو إلقاء الضوء على نقطة يؤكد عليها الباحثون عند استعراضهم لذكر الشيعة وعقائدهم: ألا وهي التاكيد على إدخال آراء أريد لها أن تكون خيوطاً تصل بين التشيع واليهودية، أو النصرانية، أو الزندقة، ومحاولة إيصال التشيع لعرقيات معينة، وهي محاولة لا تخفى على أعين النقّاد بأنَّها غير موضوعية، إنَّ هذهِ المحاولة تريد تصوير التشيع بأنَّه تطوَّر لا كما تتطور العقائد والمذاهب الاخرى، وفي التوسع وقبول الاضافات السليمة نتيجة تبرعم بعض الآراء، وانَّما تطور غير سليم وغير نظيف أفسد مضمون التشيع»(1).
ثمَّ يؤيّد الشيخ الوائلي ما ذكره بايراد خمسة نماذج من الأقوال التي تعرَّضت لذكر مفهوم التشيع، وبدايات نشوئه، لخمسة من كبار علماء العامة المتأخرين، ويسلِّط الضوء على تلك النقاط التي حاولت أن تبين انَّ التشيع بدأ كفكرة روحية ساذجة ثم تطور
______________________________
(1) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 13.
[ 414 ]
بصورة غير مشروعة الى حركة سياسية استقطبت مختلف التيارات المنحرفة، وتأثرت بها، ويقوم بنقاش هذهِ الآراء بموضوعية كاملة، ويكشف تلك المغالطات المزعومة(1).
وعلى أساس ما استخلصناه من تعريف التشيع فيما سبق نستطيع أن نمتلك ضابطة موضوعية ثابتة يمكن على أساسها دخول هذهِ الفرقة في مفهوم التشيع دون تلك، وسوف نقوم باستعراض سريع للفرق الشيعة التي تنتسب حقّاً الى هذا الكيان وتندرج ضمن مفهومه، وللفرق التي لا يحق لها الدخول فيه والتي حاول البعض حشرها قسراً في مفهوم التشيع واضفاء هذا الاسم عليها لتشويه معالم هذا الكيان، وتجريده عن حقيقة محتواه.
فأمّا أهم الفرق الداخلة في نطاق التشيع فهي:
1 - الكيسانية: وهي الفرقة القائلة بامامة محمد بن الحنفية بعد الامام الحسين عليه السلام وزعمت هذه الفرقة أنَّ محمد بن الحنفية هو المهدي المنتظر الذي يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وهو حي لا يموت حتى يظهر الحق، وفي ذلك يقول الشاعر الكيساني كثير عزّه:
ألا انّ الأئمة من قريش***ولاةُ الحق أربعة سواءُ
علي والثلاثة من بنيه***هم الأسباط ليس بهم خفاءُ
فسبط سبط أيمان وبرٍّ***وسبط غيَّبته كربلاءُ
وسبط لا يذوق الموتَ حتى***يقود الخيلَ يقدمها اللواءُ
يغيبُ فلا يرى منهم زماناً***برضوى عنده عَسَل وماءُ
______________________________
(1) انظر: هوية التشيع للوائلي، ص: 13 - 19.
[ 415 ]
2 - الناووسية: وهي الفرقة التي اعتقدت بالامام علي بن الحسين عليه السلام بعد أبيه، ثم بالامام محمد بن علي الباقر عليه السلام بعد أبيه، ثم بالامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بعد أبيه، وتوقفت عند الامام جعفر الصادق عليه السلام، وادّعت انَّه هو الامام المنتظر، وانَّه حي لا يموت.
3 - الاسماعيلية: وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمة عليهم السلام الى الامام جعفر الصادق عليه السلام، ثم نقلت الامامة منه عليه السلام الى ابنه اسماعيل.
4 - الفطحية: وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمة عليهم السلام أيضاً الى الامام جعفر الصادق عليه السلام، ثمَّ نقلت الامامة الى ولده عبد اللّه الأفطح.
5 - الواقفية: وهي الفرقة التي اعتقدت بالائمة عليهم السلام الى الامام الصادق عليه السلام، ونقلت الامامة - بحق - الى ولده الامام موسى الكاظم عليه السلام، إلا انَّها وقفت عليه عليه السلام، وزعمت انَّه المهدي المنتظر، وانَّه حيّ لا يموت حتى يملك شرق الارض وغربها.
6 - الاثنا عشرية: وتسمى أيضاً (الامامية) وهم القائلون بامامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام وهم علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.
وقد استند الامامية في اعتقادهم بالائمة الاثني عشر عليهم السلام، واتّباعهم لهم على مجموعة كبيرة من النصوص النبوية، والتي روى أبناء العامة في مصادرهم المعتبرة قسماً منها، حيث ورد عنه صلى اللّه عيه وآله وسلم النص بكون الائمة من قريش، وكونهم اثني عشر اماماً. وقد مرّ ذكر شطر من هذه الاحاديث فيما سبق.
هذه هي أهم الفرق التي تدخل في معنى التشيع وضمن إطاره العام.
وأمّا الفرق التي لا يصح إدخالها ضمن هذا الاطار، ولا يجوز عدّها فرقاً شيعية،
[ 416 ]
ولا تصح نسبتها الى هذا الكيان بأية صورة من الصور فهي:
1 - كل فرقة تدّعي المغالاة في حق علي عليه السلام أو أحد أبنائه، كالمغالين الذين ألّهوا علياً عليه السلام، وقد عمد عليه السلام الى قتلهم بالدخان لاستئصال هذه الحالة الشاذة من جسد الامة الاسلامية، واجتثاث جذورها من الاساس، فمعنى التشيع يأبى حشر المغالين ضمن فرق الشيعة، لأنَّ التشيع كما قدَّمنا ينصرف الى موالاة علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام واعتباره إماماً منصوباً عن طرق النص الشرعي لاكمال شوط رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وحمل راية المسيرة الاسلامية التي صدع بتعاليمها الوحي من السماء.
يقول الدكتور (عبد اللّه الفياض) في كتابه (تاريخ الاماميّة):
«ففرق الزيدية التي تساهلت بقضية أفضلية الامام علي على سائر الصحابة، وجماعات الغلاة التي خرجت عن حدِّ الامامة الى الربوبية يصعب حشرها في إطار التشيع العام»(1).
ويقول الشيخ (محمد جواد مغنية) في (الشيعة في الميزان):
«أما المغالاة في علي وصفاته، أو تكفير خصومه السياسيين وما الى ذلك فلا يمتّ الى التشيع بسبب..
والذي يدّلنا على انَّ لفظ الشيعة عَلَم على مَن يؤمن بأنَّ علياً هو الخليفة بنص النبي ما قاله فقهاء الامامية في كتب التشريع من انّه إذا أوصى رجل بمالٍ للشيعة، أو وقفَ عقاراً عليهم، يُعطى لمن قدَّم علياً في الامامة على غيره بعد النبي، ولا يُعطى للمغالين (كتاب المسالك للشهيد الثاني، ج: 1، باب الوقف)»(2).
ومما يؤسف له أنَّ بعض كتب الملل والنحل تساهلت كثيراً في هذا الامر الخطير، وأدرجت الغلاة من ضمن طوائف الشيعة بشكل مسلَّم، وراحت تذكر خصوصياتهم
______________________________
(1) د. عبد اللّه الفياض، تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة، ص: 34.
(2) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 15.
[ 417 ]
وصفاتهم وتوكّد على انتمائهم الى خط التشيع العام.
وقد استُغل هذا الأمر أبشع استغلال في رمي الشيعة بمختلف الاباطيل، والخلط بينها وبين الحق الذي لا غبار عليه.
فنرى انَّ الدكتور أحمد أمين يشهر هذه الورقة في وجه التشيع حيث يقول: «ولم يكتفِ غلاة الشيعة في علي بأنَّه أفضل الخلق بعد النبي وانه معصوم بل منهم مَن ألَّهه»(1).
ويضرب محمد ثابت المصري على نفس هذه الوَتر في كتابه (جولة في ربوع الشرق الأدنى) حيث يقول: «ومن الشيعة قسم أوجب النبوة بعد النبي فقالوا بأنَّ الشبه بين محمد وعلي كانَ قريباً لدرجة أنَّ جبرائيل أخطأ، وتلكَ فئة الغالية أو الغلاة، ومنهم مَن قال بأنَّ جبرائيل تعمَّد ذلك»(2).
وينحى محمد فريد وجدي في دائرة معارفه منحى مَن زجَّ بالغلاة ضمن فرق الشيعة من مؤرخي العامة بقصد التشنيع والتهجين والتشويه، فيقول مضيفاً الى ذلك بعض المفتعلات: «وهم خمس فرق كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة وغلاة، وإسماعيلية وبعضهم يميل في الاصول الى الاعتزال، وبعضهم الي السنة، وبعضهم الى التشبيه(3)»!
ومن العجيب حقاً انّه في الوقت الذي يتبرأ فيه الشيعة الامامية الاثنا عشرية من المغالين أشدَّ التبرؤ، ويعدّون المغالي في علي عليه السلام أو أحد أبنائه خارجاً عن الدين بشكل واضح وصريح في جميع كتبهم ومصنفاتهم نجد انَّ السمعاني وغيره من المتعصبين يقذف نفس الامامية بالغلو، فيقول في كتابه (الانساب) ما نصه:
«الامامية جماعة من غلاة الشيعة، وانّما لُقّبوا بهذا اللقب لأنَّهم يرونَ الامامة لعلي
______________________________
(1) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 52، عن فجر الاسلام لأحمد أمين ص: 330.
(2) محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 72، عن كتاب جولة في ربوع الشرق الأدني، لمحمد ثابت المصري، مصر، الطبعة الثانية، 1354 ه. ق، 1936 م.
(3) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج: 5، ص: 425.
[ 418 ]
وأولاده، ويعتقدون انّه لا بدَّ للناس من الامام، وينتظرون إماماً سيخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً»(1).
فهل ترى فيما ذكره السمعاني من عقائد الامامية غلوّاً، وهو في مقام الذم والتشنيع واستقصاء النقائص والعثرات؟! فلماذا هذا الافتراء على المسلمين الموحدِين بغير حقٍّ، ولماذا هذا التلفيق والابتعاد عن روح التآخي والانصاف؟!
وللنظر الى ما ينقله (الزبيدي) في (تاج العروس) عن الحافظ الذي يقطر كلامه حقداً على الشيعة الامامية حيث يقول حول الشيعة:
«وقال الحافظ وهم أئمة لا يحصون مبتدعة وغلاتهم الامامية المنتظرية»(2).
2 - يخرج من فرق التشيع أيضاً كل فرقة لا تقول بثبوت الامامة عن طريق النص، كما في بعض فرق الزيدية التي تدّهي انقعاد الامامة بالاختيار.
يقول السيد (محسن الامين) في (أعيان الشيعة) حول فرقة الزيدية:
«قالت الزيدية انَّ الامامة تكون بالاختيار فمن اختير صار إماماً واجب الطاعة، ولا يشترط أن يكون معصوماً، ولا أفضل أهل زمانه، وانّما يشترط أن يكون من ولد فاطمة، وأن يكون شجاعاً عالماً يخرج بالسيف»(3).
وأما بقية فرق الزيدية التي تقول بثبوت الامامة عن طريق النص، فهي داخلة في الاطار العام لمفهوم(التشيع) أيضاً.
وقد بدأ اسم الشيعة ينصرف في الفترات المتأخرة الى الامامية الاثني عشرية، التي تمثل المصداق البارز لهذا اللفظ، باعتبارها الفرقة المتقدمة التي تمثّل روح التشيع وجوهره، وهي الفرقة الارسخ بقاءً والاوسع انتشاراً في بقاع الأرض المختلفة.
______________________________
(1) انظر: محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 20، نقلاً عن أنساب السمعاني.
(2) الزبيدي، تاج العروس،: ج: 5، ص: 405.
(3) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 36، عن أعيان الشيعة، القسم الثاني من الجزء الاول، ص: 13، طبعة 1960 م.
[ 419 ]
ومن جانب آخر نرى انَّ أغلب الفرق الشيعية التي ذكرناها آنفاً إما أن تكون قد انقرضت، وإمّا أن تكون موجودة ضمن دوائر ضيقة ومحدودة.
فمثلاً نجد انَّ الفرقة الكيسانية قد انقرضت بشكل كامل، ولم يبقَ لها أي أثر، فيقول الشيخ (المفيد) حول الفرقة الكيسانية في كتاب (العيون والمحاسن):
«ولا بقية للكيسانية جملة، وقد انقرضوا، حتى لا يُعرف منهم في هذا الزمان أحد»(1).
والفرقة الناووسية أيضاً بادت ولا يوجد منها الآن أيّ أحد.
وكذلك الامر في الفرقتين الفطحية والواقفية فهما فرقتان بائدتان أيضاً(2).
وأماّ الفرقة الاسماعيلية، وفرق الزيدية التي تعتقد وجود النص ولا تقول بالمغالاة فهي وإن كانت موجودة في هذا العصر، إلا انَّ الاسماعيلية والزيدية تُعرفان باسمهما الخاص غالباً، على الرغم من كونهما فرقتين من فرق الشيعة أيضاً، وقد نشأ هذا الانصراف والتخصيص نتيجة لكثرة الاستعمال.
ولذا فانَّ اسم الشيعة ينصرف الآن الى الامامية الاثني عشرية على نحو الغلبة أو الخصوص، يقول العلامة السيد (محسن الامين):
«والموجود اليوم من فرق الشيعة هم الامامية الاثنا عشرية، وهم الاكثر عدداً، والزيدية والاسماعيلية (البهرة)»(3).
ويقول العلامة (محمد حسين الزين):
«وانَّ المعاني الحقيقية التي قدمناها للتشيع الحق، لا تخوّل أحداً أن يطلق اسم الشيعة على غير الاثني عشرية، وأكثر الزيدية والاسماعيلية، وبعض الفطحية والواقفية، وبما أن الزيدية اليوم ومثلهم الاسماعيلية لا يُعرفون الا بهذين الانتسابين، وبما
______________________________
(1) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 33.
(2) محمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، ص: 33 - 34.
(3) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 20.
[ 420 ]
انَّ الفطحيّة والواقفية لا وجود لهم في هذا العصر، انحصر اسم الشيعة بالشيعة الامامية الاثني عشرية واختصَّ بهم«(1).
اختلفت الآراء في مسألة نشأة التشيع، وذهبَ أكثر علماء العامة الى كون التشيع قد نشأ بعد وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتشعبت الاقوال في ذلك فمنهم مَن يدّعي نشأته يوم السقيفة، وآخر يقول بعد مقتل عثمان وثالث يذهب الى انه نشأ في يوم صفين. وذهب آخرون الى انَّه نشأ بتحركات سياسية من قبل شخصية يهودية يقال له (ابن سبأ)، أو انَّ التشيع فارسي الأصل.. إلى غير ذلك من الآراء.
ونلاحظ أنَّ الغالبية من هذه الاراء تتجه في المسار الذي يحاول أن يهيّيء الارضية الملائمة لرمي التشيع بالابتداع، والقول بأنَّه أمر محدث ليس له أي ارتباط بالدين، وقد نشأ في العصور المتأخرة عن عصر الرسالة، وجاء ليحمل بين طيّاته عوامل التخريب وعناصر التفرقة والشقاق بين صفوف الامة الاسلامية.
وبما انَّ حقيقة التشيع من الحقائق التي ضربت جذورها في أعماق التاريخ الاسلامي، وتوغلت الى حيث بدايات الدعوة الى الاسلام، ورافقت مسيرته منذ اللحظات الاولى، طبقاً للمدارك والمستندات التأريخية التي لا تقبل الانكار، وبما أنَّ التشيع قد نما وترعرع في أحضان الرسالة، وبين جوانح الاسلام، وباستمداد من تعاليمه ومبادئه المثلى.. فانّا نلاحظ انَّ اولئكَ الذين حاولوا أن يصوّروا نشوء التشيع بعيداً عن واقع الاسلام في مراحله الاولى، لم يكن بوسعهم الابتعاد عن ذلك العصر كثيراً، لئلا يصطدمو بحقائق التأريخ الدامغة، ويقعوا في مهاترة مفضوحة معه.. ولذا حاول بعضهم
______________________________
(1) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 30 - 31.
[ 421 ]
أن يصور نشوء التشيع في عصر الرسالة الاول بصورة ساذجة وسطحية، وانَّه كان يمثل وجوداً روحياً فحسب، ثم تطور بعد ذلك الى اتجاه آخر، وتحول الى تكتل سياسي، وذهب البعض الآخر إلى انّه نشأ منذ يوم السقيفة بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مباشرة، وكأنَّه انبثق في الواقع الاسلامي فجأة من دون أية سابقة أو إعداد.
ومَعَ كل هذا فإنَّ أغلب هذهُ الاقوال تحمل بين طياتها خيوط الاعتراف بوجود كيان شيعي كان يلتف حول أمير المؤمنين عليه السلام، ويتعاضد معه في مختلف الرؤى والمواقف على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولكن نرى في نفس الوقت وجود خيوط اُخرى تفسح المجال واسعاً أمام دخول التأويلات الإضافية التي تحاولِّ أن تبين التشيع بأنَّه موجة فارسية أو تيار سياسي نشأ نتيجةً لظروف تاريخية خاصة، وملابسات مرَّت بالواقع الاسلامي آنذاك.
يقول الدكتور (أحمد أمين) في (فجر الاسلام):
«إنَّ التشيع بدأ بمعنى ساذج، وهو أنَّ علياً أولى من غيره من وجهتين: كفاءته الشخصية، وقرابته للنبي، ولكنَّ هذا التشيع أخذ صيغة جديدة بدخول العناصر الاخرى في الاسلام من يهودية ونصرانية ومجوسية. وحيث انَّ أكبر عنصر دَخَل في الاسلام الفرس، فلهم أكبر الأثر بالتشيع»(1).
ويقول الدكتور (كامل مصطفى) في كتابه (الصّلة):
«انَّ التشيع قد عاصر بدء الاسلام باعتباره جوهراً له، وانَّه ظهر كحركة سياسية بعد أن نازع معاوية علياً على الامارة وتدبير شؤون المسلمين، ويتبيَّن بعد ذلكَ أنَّ تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة كان قبل قتل الحسين عليه السلام مباشرة، وان كانت الحركة سبقت الاصطلاح.
وبذلك يمكننا أن نلخص هذا الفصل في كلمة بيانها انَّ التشيع كان تكتلاً اسلامياً
______________________________
(1) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع ص: 15، عن فجر الاسلام، ص: 276.
[ 422 ]
ظهرت نزعته أيام النبي، وتبلور اتجاهه السياسي بعد قتل عثمان، واستقل الاصطلاح الدال عليه بعد قتل الحسين».
وذهبَ الدكتور (عبد العزيز) الى تقسيم التشيع الى روحي بدأ أيام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وسياسي حدث بعد مقتل الامام علي(1).
فواضح من خلال هذهِ الأقوال التي تحاول أن تبتعد بالتشيع وتنأى به عن عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّها تُقر بوجود التشيع في مرحلة أسبق وتعترف بذلك ضمناً، ويحاول أحمد أمين أن يقطع هذهِ الصلة من خلال النص في موضع آخر على أنَّ التشيع إنَّما بدأ بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي يوم السقيفة بالذات، فيقول:
«وكانت البذرة الاولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي أنَّ أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه»(2).
وممن يذهب الى هذا الرأي أيضاً الدكتور حسن ابراهيم حيث يقول:
«ولا غرو فقد اختلف المسلمون اثر وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيمن يولّونه الخلافة، وانتهى الأمر بتولية أبي بكر، وأدّى ذلك الى انقسام الامة العربية الى فريقين: جماعية و شيعية»(3).
وكذلك نص بهذا الرأي المستشرق جولد تسيهر حيث يقول:
«انَّ التشيع نشأ بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وبالضبط بعد حادثة السقيفة»(4).
وكان قد ذهب الى القول بهذا الرأي أيضاً كل من (ابن خلدون) و(اليعقوبي) في تاريخيهما، فيقول (ابن خلدون):
«انَّ الشيعة ظهرت لما توفي الرسول، وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر،
______________________________
(1) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 14، عن مقدمة في تاريخ صدر الاسلام ص: 72.
(2) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 50، عن فجر الاسلام، ص: 326، الطبعة الرابعة.
(3) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 24، عن تأريخ الاسلام، ج: 1، ص: 371.
(4) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 24، عن العقيدة والشريعة، ص: 174.
[ 423 ]
وأنَّ الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش، ولمّا كان جماعة يتشيعون لعلي، ويرون استحقاقه على غيره، ولمّا عُدل به الى سواه تأففوا من ذلك«(1).
ويقول (اليعقوبي):
«ويعد جماعة من المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الاولى للتشيع، ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب»(2).
ثمَّ نرى انَّ (أحمد أمين) نفسه يدعي في (ضحى الاسلام) أن التشيع نشأ بعد مقتل (عثمان بن عفان) فيقول في ذلك:
« اختلف المسلمون بعد مقتل عثمان، وانقسموا أحزاباً، وهي في الواقع أحزاب سياسية، فحزب يرى أنَّ علياً أولى بأن يكون خليفة، وحزب يرى انَّ معاوية هو الذي يحقق هذا الغرض، وحزب يرى أن لا حاجة الى الخلافة، وحزب محايد... ولكن رأينا في ذلك العصر أنَّ الحزب الاول تسمّى الشيعة، والثاني الامويين، والثالث الخوارج، والرابع المرجئة»(3).
وشاركه في هذا الرأي أيضاً (محمد أبو زهرة) في كتابه (تأريخ المذاهب الاسلامية)، وان كان صدر كلامه يوحي بوجود الشيعة في مرحلة أسبق من ذلك حيث يقول:
«الشيعة هم أقدم المذاهب السياسية الاسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم في آخر عصر (عثمان)، ونما وترعرع في خلافة علي إذ كلَّما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه وعلمه»(4).
______________________________
(1) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 24، عن تأريخ ابن خلدون، ج: 3، ص: 364.
(4) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 24، عن تأريخ اليعقوبي، ج: 2، ص: 104.
(3) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 60، عن ضحى الاسلام، ج: 3، ص: 15 الطبعة الثانية.
(4) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: 111، عن تاريخ المذاهب الاسلامية، ص: 37.
[ 424 ]
وهناك آراء اخرى في نشأة التشيع فمنهم مَن يدعي نشأته يوم الجمل عند قتال علي عليه السلام لطلحة والزبير، وآخر زعم انَّ التشيع نشأ يوم صفين عند افتراق جيش أمير المؤمنين عليه السلام في قضية التحكيم المعروفة إلى فرقتين.. إلى غير ذلك من الآراء التي بنيت على اُسس خاطئة وغير واعية لمعنى التشيع وجوهره ومحتواه.
وعلى أية حال فانَّ الرأي الصحيح هو انَّ التشيع بدأ ووُلد منذ اللحظات الاولى التي ظهرت فيها رسالة الاسلام، وحمل لوائها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وآمن به علي عليه السلام، وآزره ونصرَه، فقد أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يعدُّ العدّة لضمان استمرار الرسالة، منذ اللحظات الاولى التي بدأت فيها الرسالة شوطها الاول، من خلال التركيز على مسألة الامامة من بعده فعمل صلى اللّه عليه وآله وسلم على إعداد الشخصية التي تقوم بأعباء الامامة إعداداً روحياً وعلمياً، وعمل على ربط الامة بها من خلال بناء أواصر المودة وإظهار الفضل، وتوَّج ذلك بالنص والوصية، والتشيع هو الاقرار بهذا المبدأ الذي ظهرت معالمه يوم إنذار العشيرة.
وإضافة الى ما يعتقده الامامية بالاجماع من كون التشيع كان وليداً للحظة التي ولدت فيها رسالة الاسلام، ولم يكن أمراً حادثاً أو طارئاً على جسد الامة الاسلامية، فقد نصَّ على هذا الرأي علماء آخرون ممن يعتد بآرائهم، فيقول (الحسن النوبختي) الذي هو من أعلام القرن الثالث الهجري في كتابه (فرق الشيعة):
«فاول الفرق (الشيعة)، وهم فرقة علي بن أبي طالب عليه السلام، المسمون بشيعة علي عليه السلام في زمان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بامامته منهم المقداد بن الاسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومَن وافق مودته مودة علي عليه السلام، وهم أول مَن سمي باسم التشيع من هذه الامة، لانَّ اسم التشيع قديم شيعة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين»(1).
ويقول (أبو حاتم الرازي) في كتابه (الزينة):
______________________________
(1) الحسن بن موسى النوبختي، فرق الشيعة، ص: 17 - 18.
[ 425 ]
«انَّ أول اسم ظهر في الاسلام على عهد رسول اللّه هو الشيعة، وكان هذا هو لقب أربعة من الصحابة، وهم: أبو ذر، وسلمان، والمقداد، وعمّار، ويُنقل عن سلمان انّه قال: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي»(1).
ويقول (محمد بن عبد اللّه عنان) في كتابه (تأريخ الجمعيات السرية) عند تعليقه علي الحادثة التي روتها كتب السيرة عند نزول قوله: (وَأَنذِر عَشيرتَكَ الأَقرَبينَ)(2)، ودعوة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لعشرية، وعدم استجابتهم له إلا علي عليه السلام:
«من الخطأ أن يقال: انَّ الشيعة انّما ظهروا لاول مرّة عند انشقاق الخوارج، بل كان بدء الشيعة وظهورهم في عصر الرسول حين اُمر بانذار عشيرته بهذه الآية»(3).
وجاء في كتاب (تاريخ الفرق الاسلامية):
«وكان أبو سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة يقول: أُمر الناس بخمسٍ فعملوا بأربعة وتركوا واحدة، وسئُل عن الأربع، قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج، قيل: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وانَّها لمفروضة معهنَّ، قال: نعم هي مفروضة معهنّ»(4).
وكان (أبو سعيد الخدري) يقول:
«وما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه إلا ببغض علي بن ابي طالب»(5).
وجاء في (خطط الشام) ل(محمّد كرد علي) انَّه قال:
«عُرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول اللّه على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب
______________________________
(1) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: 108، وانظر: تأريخ الشيعة لمحمد حسين الزين، ص:25-26.
(2) الشعراء: 214.
(3) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 28، عن تأريخ الجمعيات السريّة.
(4) محمد خليل الزين، تأريخ الفرق الاسلامية، ص: 108.
(5) محمد حسين الزين، تأريخ الشيعة، ص: 26، عن الصواعق المحرقة، ص: 75، وشرح النهج لابن أبي الحديد، ج: 2، ص: 438.
[ 426 ]
والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: اُمر الناس بخمسٍ فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سُئل عن الأربع قال: الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، قيل فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن ابي طالب، قيل له: وانَّها لمفروضة معنَّ؟ قال: نعم هي مفروضة معهنَّ.
ومثل أبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الانصاري، وخالد بن سعيد، وقيس بن سعد بن عبادة»(1).
وجاء في أوائل شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
«انَّ القول بتفضيل علي عليه السلام قول قديم قد قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمّار والمقداد وأبو ذر وسلمان وجابر بن عبد اللّه واُبي بن كعب وحذيفة وبريدة وأبو أيوب وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وأبو الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت وأبو الطفيل عامر بن واثلة والعباس بن عبد المطلب وبنوه وبنو هاشم كافة وبنو المطلب كافة»(2).
وقد نقل الدكتور الشيخ (أحمد الوائلي) أسماء مائة وثلاثة وثلاثين رائداً من روّاد التشيع الاوائل في كتابه (هوية التشيع)، وقال بانَّ هؤلاء يمثلون شريحة أو نماذج ذُكرت دون انتقاء أو اختيار، ثم ذكر المصادر الرجالية والكتب التي نصت على القول بتشيعهم لامير المؤمنين علي عليه السلام(3).
وأمّا العلامة الشيخ (جعفر السبحاني) فقد ذكر خمسين صحابياً من الطبقة العليا للشيعة في الجزء السادس من كتابه القيِّم (بحوث في الملل والنحل)، وقال:
«فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيعهم فليرجع إلى الكتب المؤلفة في
______________________________
(1) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 110 - 111 عن خطط الشام، ج: 5، ص: 251.
(2) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 23.
(3) د. أحمد الوائلي، هوية التشيع، ص: 33 - 36.
[ 427 ]
الرجال، ولكن بعين مفتوحة، وبصيرة نافذة»(1).
وقال (المسعودي) في (مروج الذهب):
«كان ممن شهد صفين مَعَ علي بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً، منهم سبعة عشر من المهاجرين وسبعون من الانصار، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والانصار ومن سائر الصحابة تسعمائة، وكانَ جميع مَن من شهد معه من الصحابة ألفين وثمنمائة»(2).
وفي (مروج الذهب) أيضاً:
«إنَّ علياً عليه السلام خرج الى حرب الجمل في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والانصار، منهم سبعون بدرّياً، وباقيهم من الصحابة.. إلى أن قال: فيما حدث به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى، عن المنذر بن الجارود قال: لما قدم علي البصرة خرجتُ انظرُ إليه، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب(3)، عليه قلنسوة وثياب بيض، متقلّد سيفاً معه راية، واذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة، مدججين في الحديد والسلاح، فقلت: مَن هذا؟، فقيل: أبو أيوب الانصاري وهؤلاء الانصار وغيرهم.
ثم تلاهم فارس عليه عمامة صفراء وثياب بيض، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً، معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس، فقلت: مَن هذا؟ فقيل: خزيمة بن ثابت الانصاري ذو الشهادتين.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس كميت معتم بعمامة صفراء تحتها قلنسوة بيضاء عليه قباء أبيض مصقول، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً في نحو ألف فارسٍ، معه راية، فقلت: مَن هذا؟ فقيل: أبو قتادة بن ربعي.
______________________________
(1) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 109 - 110.
(2) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 24.
(3) أشهب: الذي غلبَ بياضه على سواده.
[ 428 ]
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه، شديد الأدمة(1) عليه سكينة ووقار، رافع صوته بقراءة القرآن، متقلّد سيفاً، متنكّب قوساً، معه راية بيضاء في ألف فارس من الناس مختلفي التيجان، حوله مشيخة وكهول وشباب، كأن قد أُوقفوا للحساب، في جباههم أثر السجود فقلت: مَن هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدّة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء، متنكب قوساً، متقلِّداً سيفاً، تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه راية صفراء، قلت: مَن هذا ؟ قيل: قيس بن سعد بن عبادة في الانصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان.
ثم مرَّ بنا فارس على فرس أشعل(2) ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء، قلت: مَن هذا؟ قيل: عبد اللّه بن العباس في عدّة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم...
ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: مَن هذا؟ قيل: قثم بن العباس، أو سعيد بن العاص.
ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد خلق عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات كأنّما على رؤوسهم الطير في أوله راية كبيرة، يقدمهم الطير كانما كسر وجبر(3)، نظره الى الارض أكثر من نظره الى فوق، عن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه، قلت: مَن هؤلاء؟ فقيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفيّة بين يديه،
______________________________
(1) أيّ: شديد السمرة.
(2) الفرس الاشعل: الذي في ذنبه أو ناصيته بياض.
(3) قال في الاعيان: قال ابن عائشة: هذهِ صفة رجل شديد الساعدين، كذلك تخبر العرب في وصفها اذا أخبرت عن الرجل انه كسر وجبر.
[ 429 ]
معه الراية العظمى، وهذا الذي خلفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والانصار»(1).
وجاء في (السيرة الحلبية):
«قال بعضهم شهدنا صفين مَعَ علي بن أبي طالب ثمنمائة من أهل بيعة الرضوان، وقُتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمّار بن ياسر»(2).
ومن الطبيعي انَّ من بين هؤلاء الصحابة إن لم نقل كلّهم مجاميع كبيرة كانت توالي علياً عليه السلام وتؤازره، وتناصره، وتعرف حقَّه، وتتكتل معه منذ بداية الدعوة الى الاسلام، وفي أثناء تأكيدات النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم المتكررة على وصايته وخلافته، وأمر المسلمين باتباعه والرجوع اليه، لا سيما اذا أخذنا بنظر الاعتبار انَّ مَن لم يكن هواه مَعَ هوى علي عليه السلام ولم يكن متبعاً ومشايعاً له كان بامكانه أن ينضم الى الفرق التي كانت تعلن الحرب ضدَّه، وتنصب العداء له، وتحاول أن تمسك بزمام الحكم الاسلامي، وتتنافس من أجل الهيمنة على الخلافة آنذاك، وخصوصاً إذا لاحظنا أنَّ الرايات التي ارتفعت هي رايات حملها اُناس عاشوا في كنف الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، وانخرطوا ضمن طبقة الاصحاب الاوائل له، وحاولوا كسب الرأي العام الى صفهم بمختلف الوسائل والاغراءات، فمن ثبت من الاصحاب مَعَ علي عليه السلام في هذا المهب العاصف، وفي هذهِ المواقف الرسالية الصعبة، وعند ذلك الاختبار العسير الذي مرَّت الامة الاسلامية بمخاضاته المعقّدة فهو من شيعة أمير المومنين عليه السلام قطعاً، ومن مواليه والعارفين بحقّه وأولويته وسابق منزلته في الاسلام منذ البدايات.
وما أروع ما يثبته السيد الشهيد (محمد باقر الصدر) في مقدمة كتاب (تاريخ الاماميّة وأسلافهم من الشيعة) بصدد هذهِ الحقيقة التي تؤكّد على وجود التشيع في عهد
______________________________
(1) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 24، عن مروج الذهب للمسعودي.
(2) محسن الامين، أعيان الشيعة، ج: 1، ص: 24، عن السيرة الحلبية.
[ 430 ]
رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومنذ بداية الدعوة الى الاسلام، حيث يذكر انَّ هناك ثلاثة طرق كان بامكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة الاسلامية، وتعيين قيادتها أثناء حياته، فأول هذه الطرق هو أن يقف الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم موقفاً سلبياً تجاه مستقبل الدعوة الاسلامية، ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها في فترة حياته، ويترك مستقبلها للظروف والصدف، فيبطل السيد الشهيد هذا الاحتمال، ويبيِّن انَّ طبيعة الاشياء كانت تدل على خلاف ذلك، لأنَّ الدعوة بحكم كونها عملاً تغييرياً انقلابياً في بدايته، يستهدف بناء امّة واستئصال كل جذور الجاهلية منها، تتعرض لاكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها وتركها دون أي تخطيط.
وثاني هذهِ الطرق هو أن يتخذ الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم موقفاً أيجابياً تجاه مصير الدعوة، الا انَّه يجعل القيمومة عليها وقيادة التجربة بيد الامة على أساس نظام الشورى في جيلها العقائدي الاول الذي يضم مجموعها المهاجرين والأنصار.
وهنا يؤكد السيد الشهيد أيضاً انَّ طبيعة الاشياء والوضع العام الثابت عن الرسول والدعوة والدعاة يرفض هذهِ الفرضية، وينفي أن يكون النبي صلى اللّه عليه واله وسلم قد انتهج هذا الطريق واتجه الي ربط قيادة الدعوة بعده مباشرة بالامة ممثلة في جيلها الطليعي من المهاجرين والانصار على أساس نظام الشورى، اذ لم ينقل عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم قيامه بعملية توعية للامة والدعاة علي نظام الشورى وحدوده وتفاصيله، فلا يلمس ذلكَ في الاحاديث المأثورة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا يوجد فيها أي ملامح أو انعكاسات محددة لتوعية من ذلك القبيل.
ثم ينتقل الامام الشهيد لبيان الطريق الثالث الذي يؤكد من خلاله انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد قام بعملية تعبئة فكرية للمجتمع حول الخليفة القائد من بعده وهو علي عليه السلام، وركّز هذا المفهوم في أذهان المسلمين من خلال الحشد الكبير من النصوص الصريحة، فيقول في ذلك:
[ 431 ]
«الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الذي بقي منسجماً مَعَ طبيعة الأشياء ومعقولاً على ضوء ظروف الدعوة وسلوك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهو أن يقف النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً ايجابياً، فيختار بأمر اللّه سبحانه وتعالى شخصاً يرشحه عمق وجوده في كيان الدعوة، فيعده اعداداً رسالياً وقيادياً خاصاً، تتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة، وليواصل بعده بمساندة القاعدة الشعبية الواعية من المهاجرين والأنصار قيادة الامة وبناءها عقائدياً وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي يؤهلها لتحمّل المسؤوليات القيادية.
وهكذا نجد انَّ هذا هو الطريق الوحيد الذي كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة وصيانة التجربة من الانحراف في خط نموّها، وهكذا كان.
وليس ما تواتر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من النصوص التي تدل على انَّه كان يمارس إعداداً رسالياً وتثقيفياً عقائدياً خاصاً لبعض الدعاة على مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية، وانَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد عهد اليه بمستقبل الدعوة وزعامة الامة من بعده فكرياً وسياسياً، ليس هذا إلا تعبيراً عن سلوك القائد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم للطريق الثالث الذي كانت تفرضه وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الاشياء كما عرفنا.
ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للاعداد الرسالي القيادي، والمنصوب لتسلّم مستقبل الدعوة وتزعمها فكرياً وسياسياً إلا علي بن أبي طالب الذي رشَّحه عمق وجوده في كيان الدعوة، وانَّه المسلم الاول بها، والمجاهد الاول في سبيلها، عبر كفاحها المرير ضدَّ كل أعدائها، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول، وانَّه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفه، وتهيأت له من فرص التفاعل معه، والاندماج بخطّه ما لم يتوفر لأي انسانٍ آخر.
والشواهد في حياة النبي والامام علي على أنَّ النبي كان يعدّ الامام إعداداً رسالياً خاصاً كثيرة جداً، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ويبدأه
[ 432 ]
بالعطاء الفكري والتثقيف إذا استنفذ الامام أسئلته، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار، يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ومناهج العمل الى آخر يوم في حياته الشريفة».
ويسرد السيِّد الشهيد الصدر جملة من الشواهد التأريخية الدالّة على إعداد النبي الاكرم صلى اللّه عليه وسلم لأمير المؤمنين علي عليه السلام إعداداً رسالياً خاصاً وعلى اسناده صلى اللّه عليه واله وسلم لزعامة الدعوة الاسلامية فكرياً وسياسياً اليه عليه السلام، ثم يستطرد قائلاً:
«وهكذا وُجد التشيع في إطار الدعوة الاسلامية متمثلاً في هذهِ الاطروحة النبوية التي وضعها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأمرٍ من اللّه للحفاظ على مستقبل الدعوة وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الاحداث، بل كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الأصيلة التي كانت تفرض على الاسلام أن يلد التشيع، وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الأول للتجربة أن يعدَّ للتجربة قائدها الثاني الذي تواصل على يده ويد خلفائه نموَّها الثوري، وتقترب نحو اكتمال هدفها التغييري في اجتثاث كل رواسب الماضي الجاهلي وجذوره، وبناء امة جديدة على مستوى متطلبات الدعوة ومسؤوليتها»(1).
وبهذا نخلص إلى النتيجة القائلة بأنَّ التشيع انَّما ولد بين جوانح الرسالة الاسلامية وفي أحضان النبوة وبرعاية خاصة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتزامن التأريخ له بالتأريخ للدعوة الاسلامية منذ بدايات البزوغ.
يقول الامام (محمد حسين كاشف الغطاء):
«انَّ أول مَن وضعَ بذرة التشيع في حقل الاسلام - هو نفس صاحب الشريعة الاسلامية - يعني أنَّ بذرة التشيع وضعت مَعَ بذرة الاسلام، جنباً الى جنب، وسواء
______________________________
(1) انظر: البحث القيم الذي كتبه السيد الشهيد الامام الصدر قدس سره في مقدمته لكتاب (تأريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة) للدكتور عبد اللّه الفياض، ص: 19.
[ 433 ]
بسواء ولم يزال غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وأزهرت في حياته، ثم اثمرت بعد وفاته..»(1).
ويقول الشيخ العلامة (محمد حسين المظفرَّ):
«فكانت الدعوة إلى التشيع لأبي الحسن عليه السلام من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مَعَ الدعوة للشهادتين..»(2).
ويقول الشيخ العلامة (جعفر السبحاني):
«قد تعرَّفت على تأريخ التشيع، وانَّه ليس وليداً لجدال الكلامي، ولا إنتاج السياسات الزمنية، وانّما هو وجه آخر للاسلام، وهما وجهان لعملة واحدة..»(3).
وأخيراً تصل النوبة بنا الى استعراض مجمل الشواهد التي تدل على أنَّ بذرة التشيع كانت قد غُرست في عصر الرسالة الأول، وانَّ النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم هو واضع البذرة الاولى لهذا الأساس والمتعاهد لها طيلة حياته المقدّسة، وسوف نقوم باثبات ذلك، مقتصرين في الغالب على ما رواه العامة في مصادرهم المختلفة ضمن العناوين التالية:
1 - العناية النبوية المتميزة بعلي عليه السلام وإعداده إعداداً رسالياً خاصاً
في (مستدرك الحاكم) بسنده الى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدِّه قال:
«أشرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من بيتٍ ومعه عمّاه العباس وحمزة وعلي وجعفر وعقيل وهم في أرضٍ يعملونَ فيها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لعَّميه: اختارا من هؤلاء، فقال أحدهما اخترت جعفراً، وقال الآخر: اخترت عقيلاً، فقال: خيرتكما فاخترتما، فاختار اللّه لي عليّاً»(4).
_____________________________
(1) محمد حسين كاشف الغطاء، أصل الشيعة واُصولها، ص: 109.
(2) محمد حسين المظفَّر، تأريخ الشيعة، ص: 9.
(3) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج: 6، ص: 117.
(4) الحاكم النيسابوري، مستدرك الحاكم على الصحيحين، ج: 3، ص: 577.
[ 434 ]
وجاء في (صحيح الترمذي):
«عن الزبير بن جابر قال: دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مَعَ ابن عمِّه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما انتجيته ولكنَّ اللّه انتجاه».
ثم قال (الترمذي): ومعنى قوله: «ولكنَّ اللّه انتجاه، يقول: اللّه أمرني أن انتجي معه»(1).
وقال (الطبري) انَّه لمّا نزل قوله تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقدّمُوا بَينَ يَديْ نَجواكُم صَدَقَةً)(2).
نُهوا عن مناجاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حتّى يتصدّقوا، فلم يُناجه أحد إلا عليّ بن أبي طالب»(3).
وجاءَ في (كنز العمال):
«عن جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب: لما كان يوم غزوة الطائف قام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مَعَ علي عليه السلام مليّاً ثمَّ مرَّ، فقال له أبو بكر: يا رسول اللّه! لقد طالت مناجاتُكَ علياً منذ اليوم! فقال: ما انتجيتُه ولكنَّ اللّه انتجاه»(4).
وورد في (صحيح الترمذي):
«عن عوف بن عبد اللّه بن عمرو بن هند الجملي عن علي عليه السلام قال: قال علي: «كنتُ إذا سألتَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أعطاني، وإذا سكت ابتدأني»(5).
______________________________
(1) الترمذي، صحيح الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، باب: 20، ح: 3726، ص: 597، ونقله السيد مرتضى الفيروزآبادي في كتابه فضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج: 2، ص: 17 عن المتقي الهندي في كنز العمال، ج: 6، ص: 159، والخطيب البغدادي في تأريخه، ج: 7، ص: 402، وانظر الرواية في اُسد الغابة لابن الاثير الجزري، ج 4، ص: 27، دار إحياء التراث العربي.
(2) المجادلة: 12.
(3) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج: 1، ص: 520 - 521، تفسير الطبري 28 / 14 - 15، والدر المنثور: 6 / 185.
(4) كنز العمال ج: 13، ح: 36438، ص: 139.
(5) الترمذي، صحيح الترمذي، ج: 5، كتاب المناقب، باب: 20، ح: 3722، ص: 595، وح: 3729، ص: 598.
[ 435 ]
وروى (أبو نعيم) في حليته بسنده إلى ابن عباس قال:
«كنّا نتحدث انَّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عهد الى علي سبعين عهداً لم يعهد الى غيره»(1).
وفي (مستدرك الصحيحين) روى بسندين عن أبي اسحق قال:
«سألتُ قثم بن العبّاس كيف ورث علي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم دونكم؟ قال: لأنَّه كانَ أوَّلنا به لحوقاً، وأشدّنا به لزوقاً»(2).
وجاءَ في (شرح نهج البلاغة):
«انَّ الفضل بن العباس بن عبد المطلب قد سأل أباه عن ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الذكور أيّهم كان رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم له أشد حباً، فقال له: علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له: سألتُكَ عن بنيه، فقال: انَّه كان أحبّ اليه من بنيه جميعاً وأرأف، ما رأيناه زايله يوماً من الدهر منذ كان طفلاً، إلا أن يكون في سفرٍ لخديجة، وما رأينا أباً أبرَّ منه ليعليٍّ، ولا ابناً أطوع لأبٍ من علي له»(3).
وجاء في (شرح النهج) أيضاً:
«روى جبير بن مطعم قال: قال أبي مطعم لنا ونحن صبيان بمكة: ألا ترونَ حبّ هذا الغلام (يعني علياً) لمحمدٍ، واتّباعه له، دون بني أبيه؟ فواللات والعزّى، لوددتُ انَّه ابني بفتيان بني نوفل جميعاً»(4).
وروى (ابن سعد) في كتاب الطبقات:
«عن علي انَّه قيل له: ما لكَ أكثر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حديثاً؟ قال: إني كنت
______________________________
(1) مرتضي الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: 2، ص: 34، عن أبي نعيم في الحلية، ج: 1، ص: 68، وابن حجر في تهذيب التهذيب، ج: 1، ص: 197، وأخرجه الطبراني في معجمه، وذكره المناوي أيضاً في فيض القدير في الشرح، ج: 4، ص: 357، وذكره الهيثمي في مجمعه، ج: 9، ص: 113.
(2) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، ج: 2، ص: 38، عن مستدرك الصحيحين، ج: 3، ص: 125، وكنز العمال، ج: 6، ص: 400، والنسائي في خصائصه ص: 28.
(3) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، بيروت، دار الفكر، 1985 م، ص: 43، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج: 3، ص: 251.
(4) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: 43، عن شرح النهج، ج: 3، ص: 251.
[ 436 ]
إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(1).
وجاء في (صحيح الترمذي) عن ابن عمر انه قال:
«آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه، آخيتَ بين أصحابكَ ولم تؤاخ بيني وبين أحدٍ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة»(2).
وجاءَ في (خصائص النسائي) عن علي عليه السلام انَّه كان يقول:
«كان لي منزلة من رسول اللّه لم تكن لأحدٍ من الخلائق كنت أدخلُ على نبي اللّه كلّ ليلة، فاذا كان يصلّي سبَّح فدخلتُ، وإن لم يكن يصلّي أذِن لي فدخلتَ».
وورد فيه أيضاً عن علي عليه السلام:
«كان لي من النبي مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار».
وروى (النسائي) أيضاً:
«عن ام سلمة: انَّها كانت تقول والذي تحلف به اُم سلمة انَّ أقرب الناس عهداً برسول اللّه علي، قالت: لما كان غداة قُبض رسول اللّه، فأرسل اليه رسول اللّه وأظنه كان بعثه في حاجةٍ، فجعل يقول جاءَ علي؟ ثلاث مرات، فجاء قبل طلوع الشمس، فلما أن جاءَ عرفنا أنّ له اليه حاجة، فخرجنا من البيت، وكنا عند رسول اللّه يومئذٍ في بيت عائشة، وكنت في آخر مَن خرج من البيت، ثم جلست وراء الباب، فكنت أدناهم الى الباب، فاكبَّ عليه عليٌّ فكان آخر الناس به عهداً فجعله يساره ويناجيه»(3).
______________________________
(1) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: 44، عن تأريخ الخلفاء للسيوطي، ص: 170.
(2) عبد اللّه نعمة، روح التشيع، ص: 44، عن صحيح الترمذي، ج: 2، ص: 299، وتأريخ الخلفاء للسيوطي، ص:170.
(3) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين، تحقيق: محمد باقر المحمودي، قم، مجمع إحياء الثقافة الاسلامية، 1412 ه. ق، ج: 1، ص: 456 - 457 وقد ذكر المحقق في الهامش انَّ مصادر الحديث: النسائي، رقم: 153 من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص: 383 ط بيروت، وأحمد بن حنبل في مسنده، ج: 6، ص: 300 ط 1، ورواه أيضاً عبد اللّه بن محمد المعروف بأبي بكر بن أبي شيبة في فضائل علي عليه السلام من كتاب المصنَّف، ج: 6، الورق 153، ورواه الحاكم في كتاب المستدرك، ج: 3، ص: 138 - 139، وأخرجه أبو نعيم الحافظ بسندين من تأريخ أصفهان، ج: 1، ص: 250 ورواه باسانيد الحافظ بن عساكر تحت الرقم (1038) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق، ج: 3، ص: 18، ط 2.
[ 437 ]
روي عن عائشة انَّها قالت:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لمّا حضرته الوفاة (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له أبا بكر، فنظر إليه، ثم وضع رأسه، ثم قال: (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له عمر، فلمّا نظر اليه، وضع رأسه، ثم قال: (ادعوا لي حبيبي)، فدعوا له علياً عليه السلام، فلمّا رآه أدخله في الثوب الذي كان عليه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه»(1).
وعن ابن عبّاس انَّه قال:
«ان النبي ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل علي عليه السلام، فلما رآه النبي صلى اللّه عليه واله وسلم رفعَ رأسَه ثمَّ قال: «ادنُ منّي، ادنُ منّي»، فسنده، فلم يزل عنده حتّى توفي»(2).
وفي (خصائص النسائي) أيضاً بسنده عن ابراهيم بن سعد بن ابي وقاص عن أبيه قال:
«كنّا عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وعنده قوم جلوس، فدخل علي كرَّم اللّه وجهه، فلما دخل خرجوا، فلمّا خرجوا تلاوموا فقالوا: واللّه ما أخرجنا إذ أدخَله، فرجعوا فدخلوا، فقال: واللّه ما أنا أدخلتُه وأخرجتكم، بل اللّه أدخله وأخرجكم»(3).
وفي (مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام) للحافظ الكوفي باسناده عن أبي البختري قال: قال علي:
«بعثني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الى اليمن، فقلت: يا رسول اللّه تبعثني وأنا شاب، ويكون هناك مما لا علم لي بها، قال: فضربَ بيده الى صدري، وقال: إنَّ اللّه سيهدي قلبكَ، ويثبّتُ
______________________________
(1) معالم المدرستين، ج: 1، ص: 522، عن الرياض النضرة، 2 / 237 ط. الثانية، مطبعة دار التأليف مصر، وذخائر العقبى، ص: 72.
(2) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج: 1، ص: 522، عن مجمع الزوائد، 9 / 36.
(3) مرتضى الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، عن خصائص النسائي، ص: 3، والهيثمي في مجمعه، ج: 9، ص: 115. وقال: رواه البزاز ورجاله ثقات. ومثله في تأريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج: 5، ص: 294.
[ 438 ]
لسانَكَ!
قال: فقال علي عليه السلام: والذي فلقَ الحبّة وبرأ النسمة ما تعاييت أن أقضي بينَ خصمين الى الساعة»(1).
وفي مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام للحافظ الكوفي باسناده عن خديجة بنت علي بن الحسين قال: «قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عند ما نزل قوله تعالى (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)(2) قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: سألت اللّه أن يجعلها اُذنكَ يا علي فجعلها»(3).
وفيه أيضاً باسناده عن وهب قال:
«قال رسول اللّه صلى عليه وسلم: يا علي إنَّ اللّه أمرني أن اُدينكَ ولا اُقصيك وأُعلِّمكَ ولا أجفوك، فحقّ عليَّ أن أُعلمك، وحق عليكَ أن تعي»(4).
وفيه أيضاً باسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
«ذكرنا عنده علياً فقال: إنكم تذكرونَ رجلاً ربما سمع وطء جبريل فوقَ بيته»(5).
وفيه أيضاً باسناده عن أبي اسحق قال:
«بينما سلمان جالس في اُناس من أصحابه إذ مرَّ علي فقال: ما يمنعكم أفلا تقومون
______________________________
(1) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 2، ح: 501، ص: 12، وذكر المحقق في الهامش أنها رويت في تاريخ دمشق: ج 2، ص: 490 - 497، ط 2، ورواه ايضاً الحافظ النسائي بأسانيد من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص: 91، ط بيروت، ورواه أيضاً أحمد بن حنبل في مسنده، رقم: 636، و 666 و 884 و 1341، 1145، ج: 1، ص: 83 و 88 و 111 و 151، وروي في الحديث 180 من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل، ص: 71، ط قم.
(2) الحاقة: 12.
(3) محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 1، ح: 79، ص: 142، قال المحقق في الهامش: وقد رواه الحافظ الحسكاني في تفسير الآية 12 من سورة الحاقة تحت الرقم 1007، وفي كتاب شواهد التنزيل، ج: 2، ص: 271، ط 1.
(4) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 2، ص: 21، وذكر المحقق من مصادره: الحافظ الحسكاني في تفسير الآية (12) من سورة الحاقة، وما بعده من كتاب شواهد التنزيل، ج: 2، ص: 271، ط 1.
(5) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 2، ح: 1031، ص: 532، وذكر المحقق في الهامش، ورواه ابن عساكر بسند آخر عن عمرو بن ثابت في الحديث (827) من ترجمة أمير المؤمنين من تأريخ دمشق: 2 / 314 ط 2.
[ 439 ]
اليه، فتأخذونَ بحجزته، فواللّه ما أعلمُ أحداً هو أعلم بسرِّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم منه«(1).
وفيه أيضاً باسناده عن أبي صالح عن علي عليه السلام قال:
«قلتُ يا رسول اللّه علّمني شيئاً ينفعني قال: قل ربي اللّه ثمَّ استقم، قال: قلتُ: حسبي اللّه وما توفيقي إلا باللّه، فقال: ليهنيك العلم أبا حسن لقد شربت العلم شرباً وثاقبته ثقباً»(2).
وجاءَ في علم علي عليه السلام الذي ورثه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم والذي يدل على انَّه عليه السلام كان يخضع لتثقيف رسالي خاص من قبل صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«علمّني رسول اللّه ألف بابٍ من العلم، ففتح لي من كلِّ باب ألف باب»(3).
وروي عن أنس انَّه قال:
«قيل: يا رسولَ اللّه، عمَّن نأخذ العلم بعدك؟
فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: عن عليٍّ»(4).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتِ الباب».
«أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(5).
______________________________
(1) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 2، ح: 1032، ص: 532، وذكر المحقق في الهامش: وقريباً منه رواه البلاذري في الحديث (217) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف2/183.
(2) محمد بن سليمان الكوفي القاضي، مناقب الامام أمير المؤمنين عليه السلام، ج: 2، ح: 1083، ص: 572، وذكر المحقق في الهامش: رواه أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب حلية الاولياء، ج: 1، ص: 65، ورواه ابن عساكر تحت الرقم (1028) من ترجمة أمير المؤمنين من تأريخ دمشق، ج: 2، ص: 498، ط 2.
(3) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 143، عن السيد أحمد المغربي في فتح الملك العلي، ص: 19، والمحدث الهروي في الأربعين، ص: 47 (مخطوط)، والقندوزي في ينابيع المودّة، ص: 72.
(4) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 143، عن العلامة قطب الدين أحمد شاه في قرّة العينين، ص: 234.
(5) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 142، وقال بعد إيراد الحديثين: هذان الحديثان من الاحاديث المتواترة الصحيحة التي اتفق على روايتها كبار حفّاظ وعلماء الفريقين، واستقصى جلّ مصادرهما في إحقاق الحق، ج: 5، ص: 502 - 516، و ج: 16، ص: 298 - 309، وج: 5، ص: 469 - 501، وج: 16، ص: 277 - 297، وج: 21، ص: 415 - 428.
[ 440 ]
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «علي خازن علمي»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «علي عيبة علمي»(2).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «علي باب علمي ومبيِّن لامتي ما اُرسلت به من بعدي»(3).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «علي وعاء علمي ووصيي وبابي الذي أوتى منه»(4).
وجاء في (نهج البلاغة) عنه عليه السلام مبيناً ارتباطه برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعناية النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم به عناية رسالية خاصة انَّه عليه السلام قال:
«وقد علمتُم موضعي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يَضمُّني إلى صدره، ويكنُفُني في فراشه، ويُمِسُّني جسده ويُشمُّني عَرفه، وكان يمَضغُ الشيء ثم يُلقمنيه، وما وجَدَ لي كَذبةً في قولٍ ولا خَطلةً في فِعل، ولقد قَرَن اللّه به صلى اللّه عليه وآله وسلم من لَدُن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يَسلكُ به طريقَ المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد كنتُ أَتَّبعه إتّباع الفصيل أَثرَ اُمّه، يرفع لي في كلِّ يومٍ من أخلاقِهِ عَلَماً، ويأمرني بالاقتداءِ به، ولقد كان يجاور في كلِّ سنةٍ بحَراء فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحد يومئذٍ في الاسلام غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نورَ الوحي والرسالة، واُشمُّ ريحَ النبوّة.
ولقد سمعتُ رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول اللّه: ما هذهِ الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنَّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى،
إلا انَّك لستَ بنبي، ولكنَّك لوزير وانَّكَ لعلى خير...»(5).
______________________________
(1) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 141، نقلاً عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.
(2) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 141، عن السيوطي في الجامع الصغير وجمع الجوامع كما في ترتيبه، ج: 6، ص: 102، ومصباح الظلام، ج: 2، ص: 56، وشرح العزيزي، ج: 2، ص: 417.
(3) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 140، عن الديلمي عن أبي ذر كما في كنز العمّال، ج: 6، ص: 156، وكشف الخفاء، ج: 1، ص: 204.
(4) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 140، عن كفاية الطالب، ص: 70 و 92، وشمس الاخبار، ص: 29.
(5) نهج البلاغة: الخطبة / 192.
[ 441 ]
وفي (كنز العمال) عن علي عليه السلام انَّه قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الخندق: اللهمَّ انكَ أخذتَ عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أُحد، وهذا عليّ، فلا تدعني فرداً وأنتَ خير الوارثين»(1).
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام قال:
«سلوني عن كتاب اللّه عزَّ وجلَّ، فواللّه ما نزلت آية من كتاب اللّه في ليل ولا نهار ولا مسير ومقام إلا وقد أقرأنيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعلّمني تأويلها.
فقام اليه ابن الكّوا فقال: يا أمير المؤمنين فما كان ينزل عليه وأنتَ غائب عنه؟
قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما كان ينزل عليه من القرآن وأنا غائب عنه حتى اُقدم عليه فيقرئنيه، ويقول لي: يا علي أنزل اللّه عليَّ بعدَكَ كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا، فيعلمني تنزيله وتأويله»(2).
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 10، ح: 30105، ص: 456 وج: 11، ح: 33034، ص: 623.
(2) أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، ج: 1، ص: 617، رقم: 140.