ب - انتهاء اسانيد الحديث جميعاً إلى راوٍ واحد
إنَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ينتهي بجميع أسانيده المتقدمة إلى رجلٍ واحد وهو (العرباض بن سارية)، فيكون من أخبار الآحاد التي يمكن أن تكون معتمدة بشكل أساسي في مجمل القضايا الشرعية، وخصوصاً القضايا العقائدية الحساسة.
ج - اشتراك مضمون الحديث مَعَ أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع
اضافةً إلى ما تقدم من ضعف سند حديث (سنة الخفاء الراشدين)، وكونه من أخبار الآحاد، فانَّ هناك ملاحظات وإشكالات في داخل الحديث توجب الريبة في الحديث وعدم الاطمئنان والركون إليه، وانَّه قد تعرض إلى شرائط مطلقة لا يمكن قبولها على ما هي عليه، إلا إذا ضممنا إليها الأدلة المخصصة الاُخرى، ونحن نحتمل نتيجةً لهذه الملاحظات انَّ بعض فصول الحديث على أقل تقدير قد وضعت من قبل الساسة الحاكمين في العصور المتأخرة عن صدر الاسلام، وفي بداية أمر تدوين الحديث، من أجل تبرير تلاعب اُمراء الجور، وولاة السوء بشؤون المجتمع، ومقدَّرات الشعوب، وبقائهم على كرسي الحكم وسدة السلطان... هذا من جانب.
ومن جانب آخر نرى انَّ الغاية من وضع هذهِ الأحاديث كان تهدف إلى ضرب
[ 355 ]
مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي كانت تعلن رفضها بكل قوة وصراحة لألوان الجور والاضطهاد، وتشجب حكومات الجهل والضلال، وتدعو إلى العودة إلى رسالة الدين الحنيف، وقيم الاسلام وتعاليمه، واعتماد كتاب اللّه تعالى، وسنة رسوله الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم منهجاً للحكم وإدارة شؤون الحياة.
فالملاحظ أنَّ صدر الحديث يأمر المسلمين بالسمع والطاعة على نحو الاطلاق، ولأي متصدٍّ كان، ومن دون أن يفترض فيه أية صفة أو خصوصية أو كفاءة تُذكر، ومن دون أن تُبيَّن الضابطة التي تمَّ بموجبها تقدُّم هذا المتصدي إلى مركز الحكم والقرار، وتفويض اُمور العباد إليه.
بل والذي يظهر من التأمل في سياق حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، ومن خلال النظر في أحاديث اُخرى تشترك معه في لحن الخطاب، وطريقة التعبير، انَّ المقصود من الاطاعة المذكورة في هذا الحديث تعني الاطاعة والانقياد، إلى أي حاكمٍ أو والٍ، تمكن أن يصل إلى مركز الحكم، واستطاع أن يتلبَّس بهذا العنوان، حتى وإن كان ذلك الحاكم فاسقاً فاجراً جائراً، فقد جاءَ في صدر الحديث: «اوُصيكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة وإن كانَ عبداً حبشيّاً».
وقد تكررت نفس هذهِ اللهجة في أحاديث اُخرى مقطوعة الوضع، مما يدل على انَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) يشترك معها في ذات الأهداف، وعين الغايات المقصودة.
وليسَ غريباً أن نجد مثل هذا الحديث في كتب أبناء العامة ومصادرهم الحديثية، لانّا نرى بأنَّ أوثق المصادر المعتمدة لديهم طافحة بمثل تلك الاحاديث، وقد ضمت بين دفتيها عشرات الأحاديث الموضوعة التي تشير إلى نفس المعنى الذي نتحدث عنه.
واليكَ - أيها القارئ الكريم - بعض الاحاديث التي وردت في المصادر الموثوقة والمعتبرة لدى أبناء العامة، والتي تأمر المسلمين بطاعة الولاة والحكام بشكل مطلق، أو
[ 356 ]
إطاعتهم وإن كانوا فاسقين فاجرين جائرين، والسكوت عن مساوئهم وجرائمهم بحق الناس والدين:
1 - روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في (صحيح مسلم): «إنَّ خليلي أوصاني أن أسمعَ وأطيعَ وإن كان عبداً حبشياً مجدَّعَ الأطراف»(1).
2 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في (مسند أحمد): «اسمع وأطع ولو لحبشي كأنَّ رأسَه زبيبة»(2).
3 - وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في (صحيح البخاري): «مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فانَّه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا ماتَ ميتة جاهلية»(3).
4 - وروي عن ابن سلام عن حذيفة بن الميان في (صحيح مسلم) قال: «قلتُ: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ، فجاءَ اللّهُ بخيرٍ فنحنُ فيه، فهل من وراء هذا الخيرِ شرّ؟ قال: نعم، قلت: هل وراءَ ذلك الشرِّ خيرٌ؟، قال: نعم، قلت: فهل وراءَ ذلك الخيرِ شرٌّ؟، قال نعم، قلت: كيف؟، قال: يكونُ بعدي أئمةٌ لا يهتدونَ بهداي، ولا يستنونَ بسنتَّي، وسيقومُ فيهم رجالٌ، فلوبهُم قلوبُ الشياطين في جثمانِ إنس، قلتُ: كيف أصنعُ يا رسولَ اللّه إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: تَسمعُ وتطيعُ للأمير، وانٌ ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع»(4).
5 - وروى عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في (صحيح مسلم) أيضاً أنه قال: «مَن كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فانَّه ليس أحدٌ من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا ماتَ ميتةً جاهليةً»(5).
______________________________
(1) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 225.
(2) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 3، ص: 171.
(3) البخاري، صحيح البخاري، ج: 8، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للامام، ح: 2، ص: 105.
(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 238.
(5) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 240، وانظر: سنن الدارمي، ج: 2، ص: 314، ح: 2519.
[ 357 ]
6 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «...فانَّ من طاعة اللّهِ أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا امراءَكم، وإن صلّوا قعوداً صلّوا قعوداً»(1)!
7 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اعبدوا اللّهَ ولا تشركوا به شيئاً، وأطيعوا مَن ولاه اللّهُ أمرِكم، ولا تُنازِعوا الأمرَ أهلَه، وإنْ كانَ عبداً أسودَ»(2).
8 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «يا أبا هريرة! لا تلعنِ الولاةَ، فانَّ اللّهَ تعالى أدخلَ جهنَّمَ اُمةً بلعنهِم ولاتَهم»(3).
9 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اسمعوا وأطيعوا فانّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتُم»(4).
10 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أطع كلَّ أمير، وصلِّ خلقَ كلِّ إمام، ولا تسبنَّ أحداً من أصحابي«(5).
11 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «صلّوا خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجر، وصلّوا على كلِّ بَرٍّ وفاجر، وجاهدوا مَعَ كلِّ بَرٍّ وفاجر»(6).
12 - وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لا تسبُّوا السلطانَ فانَّه ظلُّ اللّهِ في أرضه»(7)!
وقد جاءَ في بعض ألفاظ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ما نصه: «..فانّما المؤمن كالجمل الانف، حيثما انقيد انقاد«(8).
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14374، ص: 782.
(2) الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق، حمدي عبد المجيد السلفي، ج: 18، رقم: 621، ص: 248، وكنز العمال، ج: 5، ح: 14396، ص: 790.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح 14382، ص: 785.
(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 226، وكنز العمال للهندي، ج: 6، ح: 4796، ص: 49.
(5) الطبراني، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، ج: 20، رقم: 370، ص: 173.
(6) علاء الدين الهندي، كنز العمال، كنز العمال، ج: 6، ص: 54، ح: 14815.
(7) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 6، ح: 14868، ص: 66.
(8) أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج: 4، ح: 16692، ص: 126.
[ 358 ]
فالرواية تجعل المؤمن الذي يُراد له أن يكون مستخلفاً على هذهِ الأرض ووارثاً لها كالجمل الذلول، الذي لا يملكُ من أمرِه شيئاً، ولا يجد من الانصياع والانقياد بُدّاً!!
وفي اعتقادنا أنَّ هذا مؤشر آخر يؤيد ما ذكرناه من احتمال الوضع في بعض فصول الحديث على أقل تقدير، إذ إنَّ من الاستحالة بمكان أن يتفوه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بهذا اللون من الأحاديث، التي تأمر بالسمع والطاعة لكل حاكمٍ وأمير، لأنَّ في ذلك هدماً واضحاً لدعائم الدين، وخلافاً صريحاً لجميع اُسسه ومبادئه، وتقويضاً من رأس لمرتكزاته وأركانه، فكيف يمكن أن توضع مقاليد الحكم طوعاً بيد المتجبرين الذين كافحت الأديان والرسالات السماوية في سبيل استئصالهم، وقلع وجودهم من الجذور؟ وما معنى إقامة العدل والحكم به، الذي أمرت الشريعة به بشكل صريح، وحذَّرت من مخالفته؟ وما هي فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما معنى كلمة الحق عند سلطانٍ جائر؟ وما المغزى من حرمة معونة الظالمين ولو بشقِّ كلمة؟
جاءَ في (الجامع الصحيح) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعفُ الايمان»(1).
وجاءَ في (التاج الجامع للاصول):
«عن طارق بن شهاب رضي اللّه عنه، انَّ رجلاً سأل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد وَضَع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر»(2).
وجاءَ في (كنز العمال):
«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطانٍ جائر»(3).
______________________________
(1) ابن مسلم، الجامع الصحيح، ج: 1، ص: 50، وكنز العمال للهندي، ج: 3، ح: 5524، ص: 66.
(2) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول، ج: 3، ص: 53، باب: الاخلاص للأمير.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 5511، ص: 64.
[ 359 ]
ومما يثير فيكَ العجب انَّ نفس هؤلاء الذين يروون أحاديث السمع والطاعة للبرِّ والفاجر، يروون أيضاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما يناقض هذا الأمر تماماً، ويعقِّب شراح الحديث بعد ذلك بقولهم (واللّه تعالى أعلم)، ولا يكلِّفون أنفسهم برفع هذا التهافت، الذي أصبح مثاراً للجدال، وبلاءً على الأجيال!
فلننظر إلى مجموعة من هذهِ الاحاديث، لنرى انّها رويت في نفس المصادر والكتب السابقة، ونقف على التناقض الفاضح الذي وقعت فيه هذهِ الروايات:
1 - جاءَ في (التاج الجامع للاصول) عن صحيحي (النسائي) و(الترمذي):
«..وعن كعب بن عجزة رضي اللّه عنه قال: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن تسعة، فقال: انَّه سيكون بعدي أُمراء مَن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولستُ منه، وليسَ بواردٍ عليَّ الحوض، ومَن لم يصدِّقهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد عليَّ الحوض، رواهما النسائي والترمذي. واللّه تعالى أعلى وأعلم»(1).
2 - وجاءَ في كلٍّ من (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) و(سنن ابن ماجة) و(سنن الترمذي) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلا أن يؤمرَ بمعصية فلا سَمع ولا طاعة»(2).
3 - وفي (سنن ابن ماجة): «وعن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: سَيلي اُموركم بعدي رجال يطفئونَ السنّة، ويعملونَ بالبدعة، ويؤخرونَ الصلاةَ عن مواقيتها، فقلتُ: يا رسولَ اللّهٌ إن ادركتهم كيفَ أفعل؟ قال: تسألني يابن اُم عبدٍ كيفَ
______________________________
(1) منصور علي ناصيف، التاج الجامع للاصول، ج: 3، ص: 53، باب: الاخلاص للأمير.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 8، كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للامام، ص: 105 - 106، ح: 3، وصحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 326، وسنن ابن ماجة، ج: 2، باب: الجهاد، ص: 956، ح: 2864، وسنن الترمذي، ج: 4، ح: 1707، ص: 182.
[ 360 ]
تفعل؟ لا طاعةَ لمن عصى اللّه»(1).
4 - وفي (كنز العمال) عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنَّه قال: «لا ينبغي لنفس مؤمنةٍ ترى مَن يعصي اللّهَ، فلا تنكر عليه»(2).
5 - وفيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق»(3).
6 - وفيه أيضاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «سيصيب اُمتي في اخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لا ينجو فيهم إلا رجل عرف دين اللّه بلسانه ويده وقلبه، فذلك الذي سبقت له السوابق»(4).
7 - وفيه أيضاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «يا أبا هريرة: لا تدخلنَّ على أميرٍ وإن غُلبتَ على ذلك، فلا تجاوز سنتي، ولا تخافنَّ سيفه وسوطه، أنْ تأمره بتقوى اللّه وطاعته، يا أبا هريرة! إن كنتَ وزيرَ أمير، أو مشيرَ أمير، أو داخلاً على أمير، فلا تخالفنَّ سنَّتي ولا سيرتي، فانَّ مَن خالفَ سنتي وسيرتي، جيء به يوم القيامة، تأخذه النار من كل مكان، ثم يصيرُ إلى النار»(5).
8 - وفيه أيضاً عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إحذروا على دينكم ثلاثة: رجل آتاه اللّه القرآن، ورجل آتاه اللّه سلطاناً، فقال مَن أطاعني فقد أطاعَ اللّه، ومَن عصاني فقد عصى اللّه، وقد كذبَ، ولا يكون لمخلوق خشية دونَ الخالق...»(6).
9 - وفي (الدر المنثور) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال: «إنَّ رحى الاسلام ستدور، فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرَّقا، انَّه سيكون
______________________________
(1) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 2، ح: 2865، ص: 956، وانظر: كنز العمال، ج: 5، ح: 14413، ص: 797، ج: 6، ح: 14889، ص: 70، وح: 14907، ص: 76.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 5614، ص: 85.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 6، ح: 14872، ص: 67، وانظر: مسند أحمد، ج: 1، ح: 1098، ص: 131.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 8450، ص: 682.
(5) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 3، ح: 8473، ص: 689.
(6) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14399، ص: 792.
[ 361 ]
عليكم ملوك، يحكمون لكم بحكم، ولهم بغيره، فان أطعتموهم أضلّوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: يا رسولَ اللّه فكيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: تكونوا كأصحاب عيسى عليه السلام نُشروا بالمناشير، ورُفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية»(1).
______________________________
(1) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج: 2، ص: 301.
[ 362 ]
الطريق الثاني : الخلفاء الراشدون هم أئمة أهل البيت
لو سلَّمنا جدلاً صدق حديث (سنة الخلفاء الراشدين) وصحته، ولم نتمسك بما أقمناه من قرائن سابقة على ضعفه، وكونه حديثاً موضوعاً، فانّا نرفض أن يكون المقصود من (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرهم في الحديث هم الخلفاء الأربعة الذين تولّوا الحكم الاسلامي بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالترتيب ومنهم أمير المؤمنين علي عليه السلام، وانَّما المقصود من (الخلفاء الراشدين) في الحديث - على فرض صدقه وصحته - هم أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين ورد النص الشرعي الصريح بشأنهم، من خلال مجموعة من الآيات الكريمة، والاحاديث المتواترة الصحيحة، والذين عيَّنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خلفاء على الاُمة من بعده، واُمناء على وحي اللّه ورسالته.
وسوف نقتصر علي ذكر خمسة أدلة تثبت هذا المطلب، وتدل عليه:
الدليل الاول: الامام علي عليه السلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين.
الدليل الثاني: الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً.
الدليل الثالث: إرادة الخلفاء الأربعة في الحديث تتنافى مَعَ إنكار العامة لوجود النص.
الدليل الرابع: حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة وأهميتها في الاسلام.
[ 363 ]
الدليل الخامس: أئمة أهل البيت عليهم السلام خلفاء الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم بنصٍ منه.
ونحن نعتقد بأنَّ عناوين هذهِ الأدلة لوحدها كافية في صرف الحديث من الدلالة على الخلفاء الاربعة إلى حيث الانطباق على أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولكن لمزيد من التوضيح سوف نبسط الكلام فيها بشيء من التفصيل.
1 - الامام علي عليه السلام يرفض المبايعة على سيرة الشيخين
اتفق مؤرخو الاسلام قاطبةً على انَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام رفض قبول البيعة بعد مقتل (عمر)، حينما طلبَ منه عبد الرحمن بن عوف أن يبايع على كتاب اللّه وسنة نبيِّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وسيرة الشيخين، فأصرَّ أمير المؤمنين علي عليه السلام على خذف الشق الثالث، وأبى إلا أن يبايع على كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، لانَّه يرى انَّ سيرة الشيخين لا تمثل مصدراً من مصادر التشريع الاسلامي المقدَّس.
جاءَ في تاريخ (الطبري) وبقية تواريخ الاسلام:
«فقال عبد الرحمن: إنّي قد نظرتُ وشاورتُ، فلا تجعلُنَّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً فقال: عليكَ عهد اللّه وميثاقه لتعملنَّ بكتاب اللّه وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: نعم، فبايعه فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتُم فيه علينا، فصبر جميل، واللّه المستعان على ما تصفون، واللّه ما ولَّيت عثمان إلا ليردَّ الامرَ اليكَ..»(1).
ونتيجة لهذا الاصرار المتناهي من قبل أمير المؤمنين عليه السلام على رفض البيعة
______________________________
(1) ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري، ج: 3، ص: 297، وابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج: 3،، ص: 71، وابن كثير، البداية والنهاية، ج: 7، ص: 165، والذهبي، تاريخ الاسلام، ج: 3، ص: 305، وفيهما: «هل أنتَ مبايعي على كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلكَ وطاقتي».
[ 364 ]
بشرط قبوله بالعمل على سيرة الشيخين، والموقف الحازم الذي لم يتزعزع أمام الملك والخلافة، حدثَ انعطاف كبير في تاريخ الاُمة الاسلامية بتولية (عثمان بن عفان)، وانتهاء أمر خلافته إلى ما سجَّله التأريخ من مآسٍ وكوارث ومحن وأشجان.
فرفضُ أمير المؤمنين علي عليه السلام للعمل على ضوء سيرة الشيخين أدل دليل على عدم إرادة الخلفاء الاربعة من لفظة (الخلفاء الراشدين) الواردة في الحديث، لأنَّ معنى ذلك أن الشريعة الاسلامية تأمر المسلمين بالجمع بين المتناقضات، وهو أمر مستحيل.
2 - الخلاف بين الخلفاء الأربعة يناقض الأمر باتباعهم جميعاً
حصلت خلافات حادة بين الخلفاء الأربعة المدّعى حديث (سنة الخلفاء الراشدين) لهم جميعاً، وعلى حدٍّ سواء، وكانت الدرجة التي تبلغها بعض هذهِ الخلافات درجة لا تقبل إمكانية الجمع بين الآراء، والتماس المبررات والأعذار، لانَّها تناولت قضايا دينية مصيرية تتعلق بأصل التشريع والسنة النبوية الشريفة، فلو كان الخلفاء الأربعة بمجموعهم يمثلون مصدراً من مصادر التشريع على ما يدَّعى استفادته من حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، لما أمكننا أن نتصور وقوع الاختلاف في أمر التشريع ومتعلقاته بأبسط صوَرِهِ وأنحائه، فضلاً عن وقوعه بالدرجة التي لا تقبل الجمع والتلفيق.
وسوف نستعرض بعض النماذج لصور الخلافات في اُصول التشريع والاُمور الدينية الحساسة التي وقعت بين الخلفاء الأربعة على مستويين:
المستوى الاول: الخلافات التي وقعت بين أبي بكر، وعمر، وعثمان من جهة، وبين أمير المؤمنين علي عليه السلام من جهة اخرى.
المستوى الثاني: الخلافات التي وقعت بين كلٍّ من أبي بكر، وعمر، وعثمان.
وهناك مستوىً ثالث للخلاف يسير بنفس الاتجاه، ويبطل دعوى انطباق
[ 365 ]
حديث(سنة الخلفاء الراشدين) على (الخلفاء الأربعة) جميعاً، وهو الخلاف الواقع بين أبي بكر، وعمر، وعثمان من جهة، وبين علماء العامة ومحققيهم من جهة اُخرى في الكثير من اُمور التشريع، وهذا ما لا يسعنا الخوض فيه ضمن دراستنا هذهِ ولذا فسوف نقتصر على ذكر بعض النماذج البارزة لصورتي الخلاف الاُوليتين، ونعتقد انَّ فيهما الكفاية للدلالة على المقصود.
أ - الخلاف بين علي عليه السلام والخلفاء الثلاثة
وقعت بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه خلافات تتعلق باُصول التشريع ومبانيه، مما لا يمكن بشأنه القول بأنَّ الجميع يمثل السنة، ويحكي التشريع، وأبرز هذهِ الخلافات هي:
*ما مَّر معنا سابقاً من أنَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام قد نهى المسلمين عن إقامة صلاة (التراويح)، عندما سألوه أن ينصب لهم إماماً لأدائها، وعرَّفهم بانَّ ذلكَ خلافٌ لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وسيرته الثابتة، وقد قال عليه السلام في ذلك:
«واللّهِ لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم انَّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهلَ الاسلام غُيِّرت سنة عمر! ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً..»(1).
فمن الواضح أنَّ رسول اللّه لو كانَ قد أمَرَ المسلمين باتّباع سنة الخلفاء الأربعة، وانّ سنة كلِّ واحدٍ منهم مرضية بالنسبة إليه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومجزئةَ للمسلمين، لما كان هناك داعٍ لأن يردعَ أميرُ المؤمنين علي عليه السلام عن سنة عمر السابقة، ويعتبرها من البدع المخالفة لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
______________________________
(1) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج: 5، ح: 4، ص: 193.
[ 366 ]
*ما ورد من أنَّ امير المؤمنين علياً عليه السلام قد خالف رأي عمر وعثمان في شأن متعة الحج، حيثُ قال عمر وعثمان بعدم جوازها، وشرَّعا تحريمها، وعدم جواز وصلها بالحج، وأمّا أمير المؤمنين علي عليه السلام فقد قال بجوازها، وجواز الجمع بينها وبين الحج، ومن ثمَّ فقد جسَّد علي عليه السلام هذهِ المخالفة عملياً، ليثبت أنَّ سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أحق أن تُتَّبع.
والملاحظ أنَّ عمر هو الذي نهى عن متعة الحج باجتهاده الشخصي، وتبعه على ذلك عثمان أيضاً، ولم يكن علي عليه السلام يرضى ذلك، وكانَ يبيِّن للناس انّ هذا العمل خلاف السنة النبوية الثابتة، وانَّ النهي عن متعة الحج (بدعة) حدثت في الدين من بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وبناءً على الضوابط التي طالعناها سابقاً في بحث (البدعة) من دراستنا هذهِ، نستطيع أن نكتشف بسهولة أنَّ نهي عمر وعثمان عن متعة الحج داخل في عداد (الابتداع)، وخصوصاً إذا رأينا انَّ عمر بنفسه يصرّح بأنَّ هذا العمل كانَ موجوداً على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وانَّه هو الذي رأى أن ينهى عنه، مبرراً ذلك برأيه واجتهاده الشخصي، وكأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حينما شرَّع (متعة الحج) لم يكن ملتفتاً إلي هذهِ النكتة، وهذا التبرير، فاستدرك عليه عمر، وتلافى الأمر من بعده صلى اللّه عليه وآله وسلم!!
جاءَ في (كنز العمال) ما نصُّه:
«عن عمر قال: متعتان كانا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنهى عنهما واُعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج»(1).
وفيه أيضاً: «عن أبي قلافة انَّ عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنا أنهى عنهما، وأضربُ فيهما»(2)!!
وعن جابر قال: «تمتعنا متعة الحج، ومتعة النساء على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فلما
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 16، ح: 45715، ص: 519.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 16، ح: 45722، ص: 521.
[ 367 ]
كان عمر نهانا، فانتهينا»(1).
وعن أبي نضرة قال: «سمعتُ عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير ذكروا المتعة في النساء والحج، فدخلتُ على جابر بن عبد اللّه، فذكرتُ له ذلك، فقال: أما انّي قد فعلتهما جميعاً على عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ثم نهانا عنهما عمر بن الخطاب، فلم أعد»(2).
وعن سعيد بن المسَّيب: «انَّ عمر بن الخطاب نهى انَّ المتعة في أشهر الحج فقال: فعلتُهما مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأنا أنهى عنهما، وذلكَ أنَّ أحدكم يأتي من اُفقٍ من الآفاق شعثاً نصباً معتمراً في أشهر الحج، وانَّما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته، ثم يقدم فيطوف بالبيت، ويحلّ ويلبس ويتطيَّب، ويقع على أهله إن كانوا معه، حتى إذا كان يومَ التروية أهلَّ بالحج، وخرج إلى مني يلبّي بحجة لا شعثَ فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوماً.
والحج أفضل من العمرة، لو خلَّينا بينهم وبينَ هذا، لعانقوهنَّ تحتَ الأرائك، من أن أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع، وانّما ربيعهم فيمن يطرأ عليهم»(3).
وجاءَ في (صحيح مسلم):
«وعن أبي موسى الاشعري انَّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدكَ ببعض فتياكَ، فانك لا تدري ما أحدثَ أمير المؤمنين في النسك بعدَكَ، حتى لقيته بعد فسألته، فقال عمر: قد علمتُ أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فَعَلَه وأصحابه، ولكنّي كرهتُ أن يظلّوا بهنَّ معرِّسين تحت الارائك، ثم يروحونَ بالحج تقطر رؤوسُهم»(4).
وقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يستفرغ وسعه في الردع على هذهِ (البدعة)،
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 16، ج: 45720، ص: 520.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 16، ح: 45724، ص: 521.
(3) أبو نعيم الاصفهاني، حلية الاولياء وطبقات الأصفياء، ج: 5، ص: 205 - 206، وانظر: علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 12477، ص: 164.
(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 8، كتاب الحج، باب: جواز تعليق الاحرام، ص: 201، وانظر: كنز العمال، ج: 5، ح: 12478، ص: 165.
[ 368 ]
ويعلن خلافه الصريح لما أحدثه عمر وعثمان، وهذا الردع يكشف لنا أيضاً عن استحالة صدور الأمر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم باتّباع سنة الخلفاء الأربعة على النحو المزعوم.
جاءَ في (صحيح البخاري):
«عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمانَ وعلياً رضي اللّه عنهما، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يُجمع بينهما، فلما رأى علي عليه السلام أهلَّ بهما: لبيكَ بعمرةٍ وحجة، قال: ما كنتُ لأدعَ سنة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لقول أحد»(1).
وفيه أيضاً:
«عن سعيد بن المسيَّب قال: اختلفَ علي وعثمان رضي اللّه عنهما وهما بعُسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمرٍ فعله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قال: فلما رأى ذلكَ عليٌّ أهلَّ بهما جميعاً»(2).
ووردَ في (صحيح مسلم):
«كانَ عثمان ينهى عن المتعة، وكانَ عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمةً، ثم قال علي: لقد علمتَ أنّا تمتعنا مَعَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال: أجل ولكنّا كنّا خائفين»(3)!
وفيه أيضاً:
«اجتمع علي وعثمان رضي اللّه عنهما بعُسفان، فكانَ عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال عليٌّ: ما تريد إلى أمرٍ فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تنهى عنه، فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَكَ، فلّما أن رأى عليٌّ ذلك أهلَّ بهما جميعاً»(4).
وفي (سنن النسائي):
«حجَّ عليٌّ وعثمان، فلمّا كنا ببعض الطريق، نهى عثمان عن التمتع، فقال علي: إذا
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، ص: 151، باب: التمتع والاقران...، ح: 3.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 2، ح: 9، ص: 153.
(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 8، ص: 202، وانظر: كنز العمال، ج: 5، ح: 12388، ص: 168.
(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 8، ص: 202، وانظر: كنز العمال، ج: 5، ح: 12486، ص: 167.
[ 369 ]
رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا، فلبّى عليٌّ وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال علي عليه السلام: ألم اُخبر انكَ تنهى عن التمتع؟ قال: بلى، قال له علي عليه السلام: ألم تسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تمتع، قال: بلى»(1).
فنرى أنَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام في هذا الحديث هو الذي يبادر بسؤال عثمان عن تحريمه لعمرة الحج، ثم ينتزع منه اعترافاً وإقراراً بوقوعهما في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي ذلك أبلغ الحجج وأتم البراهين.
*ما وردَ من انَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام قد خالف رأي عمر في تحريم متعة النساء، واعتبر ذلك التحريم من (البدع) المخالفة للسنة النبوية الثابتة، وقد اعترف عمر بنفسه في كلامه السابق الذي رواه أبناء العامة عنه في كتب الحديث بأنه هو الذي بادر إلى التحريم، وانَّ متعة النساء كمتعة الحج كانت على زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وقد تقدَّمت الاشارة إلى بعض الاحاديث في النموذج السابق، وروى (القوشجي) - وهو من أئمة المتكلمين على مذهب الاشاعرة - عن عمر أيضاً انه قال:
«ثلاث كنَّ على عهدِ رسول اللّه، وأنا انهى عنهنَّ واُحرمهنَّ، واُعاقب عليهنَّ، متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل»(2).
فقول عمر (كنَّ على عهد رسول اللّه)، ثم قوله بعد ذلك (وأنا أنهى عنهنَّ واُحرمهنَّ، واُعاقب عليهنَّ)، تشريع إبتدائي، وإحداث أمرٍ في الدين من دون أن يكون له أصل فيه، وهو من أصدق مصاديق (الابتداع).
بل نرى أنه قد وضَع نفسه في موضع لم يكن رسول اللّه على عظمته وجلالة قدره ليضع نفسه فيه، حيث يقول اللّه عزَّ وجلَّ في شأنه:
______________________________
(1) النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج: 5، باب: التمتع، ص: 152، وانظر: كنز العمال، ج: 5، ح: 12483، ص: 166.
(2) عبد الحسين شرف الدين، النص والاجتهاد، ص: 206، عن شرح التجريد للقوشجي، في أواخر بحث الامامة.
[ 370 ]
(وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إِن هُوَ إِلا وَحيٌ يُوحى)(1).
ويقول: (إِن أَتَّبِعُ إِلا ما يُوحى إِلَيَّ)(2).
ولم يعهد منه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال (أنا أرى) في مقابل الوحي الالهي المنزل، والشريعة السماوية الحكيمة، لأنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إن سنَّ أمراً، أو تفوَّه بقولٍ، فانَّما هو مرتبط باللّه عزَّ وجلَّ، ومنتهٍ إليه، ومأخوذٍ عنه سبحانه وتعالى، ولا يمكنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يحيد عن ذلك قيدَ شعرة مطلقاً، قال تعالى:
(وَلَو تَقوَّل عَلَينا بعضَ الأَقاوِيلِ* لأَخَذنا مِنهُ باليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعنا مِنهُ الوَتينَ)(3).
فنحن نرى انَّ عمر قد أثبت وجود (متعة النساء) في الشريعة الاسلامية، وانَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد سنّها لاُمته، ثم نرى بعد ذلكَ انَّه يرى خلافَ ذلك فيحرّمها ويحذفها من قائمة التشريع، ويعاقب من يزاولها، ويقيم عليها، فهل يمكن أن يحصل تناقض أكثر من هذا؟ حيث يتم إثبات جميع هذهِ الاُمور في الدين ثم يتم رفعها بعد ذلك بكلمةٍ واحدةٍ؟!
وهل يمكن أن يجتمع طرفا الاثبات والنفي هذان في أكثر الشرائع السماوية شمولية وهدفيةً واتساعاً؟!
ولذا نلاحظ أنَّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان يصرُّ على إلغاء هذا التحريم، ويبيِّن انَّ للمسلمين في تشريع (متعة النساء) مصلحةً إسلامية كبرى، تصون المجتمعات من الفساد، والانحراف، والتحلل الخُلُقي، وأنَّ هذا الحكم حكم مستمر إلى يوم القيامة كما اُريد له أن يكون كذلك من قبل صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقد روى الحكم، وابن جريح،
______________________________
(1) النجم: 3، 4.
(2) الاحقاف، 9.
(3) الحاقة: 44، 45، 46.
[ 371 ]
وغيرهما، قالوا: قال علي رضي الله عنه:
«لولا أنَّ عمر رضي اللّه عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، وفي لفظٍ آخر: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطّاب: لأمرتُ بالمتعة، ثمَّ ما زنى إلا شقي»(1).
*ما وردَ من الأخبار المقطوعة التي دلَّت على تأخّر أمير المؤمنين علي عليه السلام عن بيعة أبي بكر، وأنَّه لم يبايعه الا مكرهاً مجبراً، فلو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد نصَّ على وجوب اتّباع سنة الخلفاء الأربعة على ما يُدّعى استفادته من حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، لم يكن من الحري بأمير المؤمنين علي عليه السلام أن يتأخر عن الاقدام لبيعة أبي بكر، وهو الذي يُفترض أن يكون أول المجسدين لاتّباع هذا الحديث، باعتبار انَّ أبناء العامة يجعلونه من ضمن مفرداته، وأحد الخلفاء المعنيين به!!
فتأخر أمير المؤمنين علي عليه السلام عن بيعة أي بكر، ومبايعته أخيراً على نحو الاكراه من أجل حفظ مصلحة الاسلام العليا، دليل آخر على عدم قبوله لسنته، وبالتالي وقوع التضارب والاختلاف الذي يتنافى مَعَ إرادة سنتيهما معاً.
جاءَ في (شرح نهج البلاغة):
«ثم ينبغي للعاقل أن يفكّر في تأخّر علي عليه السلام عن بيعة أبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة، فان كان مصيباً فأبو بكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة، وإن كان أبو بكر
______________________________
(1) انظر: جعفر مرتضى العاملي، الزواج المؤقت في الاسلام، ص: 95، وقد خرَّجه عن: تفسير الطبري، ج: 5، ص: 9، وكذا مصنف عبد الرزاق، ج: 7، ص: 500، ومنتخب كنز العمال هامش المسند، ج: 6، ص: 405، وتفسير الرازي ط سنة 1357، ج: 10، ص: 50، والدر المنثور، ج: 2، ص: 140، وشرح النهج للمعتزلي، ج:2، ص: 253، وتفسير النيسابوري هامش الطبري، ج: 5، ص: 17، والجواهر، ج: 30، ص: 144، عن نهاية ابن الاثير، والطبري، والثعلبي، والغدير، ج: 6، ص: 260 عن كنز العمال، ج: 8، ص: 294، وعن تفسير أبي حيان ج: 3، ص: 218، وأبي داود في ناسخه، وبعض من تقدم، والبيان للامام الخوئي، ص: 343 عن مسند أبي يعلى، ودلائل الصدق ج: 3، ص: 101، وتلخيص الشافي، ج: 4، ص: 32، والبحار ط قديم، ج: 8، ص: 286، والوسائل، أبواب المتعة، وكنز العرفان، ج: 2، ص: 148، والكافي، ج: 5، ص: 448.
[ 372 ]
مصيباً فعليٌّ على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد»(1).
ولا نظن انَّه يخفى على القارئ الكريم حلُّ هذهِ المعادلة، أو أنَّه يرتاب في وضوح نتيجتها!
ووردت أيضاً الوثائق التاريخية لتؤكّد عدم رغبة أمير المؤمنين علي عليه السلام في بيعة عمر وعثمان، وانَّه عليه السلام قد هُدِّد بالقتل إن لم يبايع عثمان، فقد جاءَ في شرح نهج البلاغة:
«روى البلاذري في كتابه عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف في إسنادٍ له: أنَّ عليّاً عليه السلام لما بايع عبدُ الرحمن عثمانَ كانَ قائماً، فقال له عبد الرحمن، بايع والا ضربتُ عنقَكَ، ولم يكن مَعَ أحدٍ سيف غيره، فخرج علي مغضباً، فلحقه أصحاب الشورى، فقال له: بايع والا جاهدناكَ، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان»(2).
وفيه أيضاً عن تاريخ الطبري:
«انَّ الناس لما بايعوا عثمان تلكّأ علي عليه السلام، فقال عثمان: (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّما يَنكُثُ عَلى نَفسِهِ وَمَن أَوفى بِما عاهَدَ عَلَيهُ اللّهَ فَسَيُؤتيهِ أَجراً عظِيماً)(3)، فرجع عليٌّ عليه السلام حتى بايعه وهو يقول: خدعة وأيُّ خُدعةٍ»(4).
وهذا يدل أيضاً على عدم إرتضاء أمير المؤمنين علي عليه السلام لسيرة وسنة عثمان، فلا يمكن جعل السنتين في عرضٍ واحد.
*ما ورد على لسان أمير المؤمنين عليه السلام من الاحتجاج في مسألة الخلافة على كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان، وكونه أحق بالخلافة وولاية أمر المسلمين منهم جميعاً، وانَّه انَّما سكتَ عن حقِّه لوحدة كلمة الأمة، وحقناً لدماء المسلمين، وخوفاً من وقوع الفتنة بينهم.
______________________________
(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 2، ص: 24.
(2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 12، ص: 265.
(3) الفتح: 10.
(4) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 12، ص: 265، وانظر: تاريخ الطبري، ج: 5، ص: 41.
[ 373 ]
وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام يُعرب عن عدم ارتياحه ورضاه، وعن ألمه العميق لما صارت إليه هذه الاُمة من تياهٍ وضياع، ولما حصل فيها من تصدّع وانشقاق. ومن ذلك قوله عليه السلام عند سماعه بنبأ الشورى التي نصَّ عليها عمر قبل وفاته:
«بايع الناس لأبي بكر وأنا واللّهِ أولى بالأمرِ منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناسُ كفّاراً يضربُ بعضهم رقابَ بعضٍ بالسيف، ثمَّ بايعَ الناسُ عمر وأنا واللّهِ أولى بالامرِ منه، وأحقّ به منه، فسمعتُ وأطعت مخافةَ أن يرجع الناس كفّاراً يضربُ بعضهم رقابَ بعضٍ بالسيف، ثمَّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمانَ، إذاً أسمعُ واطيع، إنَّ عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم، لا يعرف لي فضلاً عليهم في الصلاح، ولا يعرفونه لي، كلّنا فيه شرع سواء، وأيم اللّه، لو أشاء أن أتكلَّم ثمَّ لا يستطيع عربيُّهم ولا عجميهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك ردَّ خصلةٍ منه لفعلت..»(1).
ومنها قوله عليه السلام في بيان خلفيات موقفه، وأهداف سكوته عليه السلام:
«فأمسكتُ يدي حتى رأيتُ راجعةَ الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعونَ إلى محق دين محمدٍ، فخشيتُ إن لم أنصر الاسلامَ وأهلَه أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوتِ ولايتكم التي انَّما هي متاع أيامٍ قلائل»(2).
وقوله عندما انتهت إليه أنباء السقيفة:
«ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلاّ احتججتُم عليهم بأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وصّى بأن يُحسن إلى محسنهم، ويُتجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قال عليه السلام: لو كانت الامامة فيهم لم تكن الوصيةُ بهم، ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجَّت بأنَّها شجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقال عليه السلام:
______________________________
(1) انظر الحديث بتمامه في كنز العمال، ج: 5، ص: 724 - 726، ح: 14243.
(2) نهج البلاغة: الكتاب / 62.
[ 374 ]
احتجّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة»(1).
وحسبُكَ ما في الخطبة الشقشقية من لوم وتقريع، حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام في جوانب منها:
«أما واللّه، لقد تقمَّصها فلان، وانَّه ليعلم أنَّ محلي منها محلَّ القطب من الرَّحا، ينحدرُ عنّي السيلُ، ولا يرقى اليَّ الطير، فسدلتُ دونَها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقتُ أرتئي بينَ أن أصولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبرَ على طخيةٍ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيبُ فيها الصغير، ويكدحُ فيها مؤمن حتى يلقى ربَّه!
فرأيتُ أنَّ الصبرَ على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذىً، وفي الحلق شجاً، أرى تراثي نهباً، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلانٍ بعدَه، ثمَّ تمثَّل بقول الأعشى:
شتان ما يومي على كورها***ويوم حيّان أحي جابر
فيا عجباً!! بينا هو يستقيلُها في حياته، إذ عَقَدها لآخر بعد وفاته..».
إلى أن يقول عليه السلام:
«فصبرتُ على طول المدّة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعةٍ زعم أنَّي أحدهم، فيا للّه وللشورى، متى اعترضَ الريبُ فيَّ مَعَ الأول منهم، حتى صرتُ اُقرن إلى هذهِ النظائر! لكنّي أسففتُ إذ أسفُّوا، وطرتُ إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومالَ الآخر لصهره، مَعَ هنٍ وهَنٍ، إلى أن قامَ ثالث القوم نافجاً حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقامَ معه بنو اُمية، يخضمونَ مالَ اللّه خضمةَ الابل نبتةَ الربيع، إلى أن انتكث عليه فتلُه، وأجهزَ عليه عملُه، وكَبَت به بطنتُه!..»(2).
______________________________
(1) نهج البلاغة: الكلام / 67.
(2) نهج البلاغة: الخطبة / 3.
[ 375 ]
*ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام أنَّهما قالا:
«حجَّ عمر أولَ سنة حجَّ وهو خليفة، فحجَّ تلكَ السنة المهاجرون والأنصار، وكان علي عليه السلام قد حجَّ تلكَ السنة بالحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر، قال: فلمّا أحرم عبد اللّه لبس إزاراً ورداءاً ممشقين مصبوغين بطين المشق، ثم أتى فنظر إليه عمر وهو يلبّي، وعليه الازار والرداء، وهو يسير إلى جنب عليّ عليه السّلام فقال عمر مِن خلفهم: ما هذه البدعة التي في الحرم؟ فالتفتَ إليه علي عليه السلام فقال: يا عمر لا ينبغي لأحدٍ أن يعلّمنا السنة، فقال عمر: صَدَقتَ يا أبا الحسن، لا واللّه ما علمتُ أنَّكم هم»(1).
فوقع الخلاف هنا في أصل السنة التي هي واحدة في حكم اللّه تعالى، وواقع الأمر، ومن الواضح انَّ التقابل بين كون العمل (بدعة) على ما زعمه عمر، وكونه سنة على ما أكّده أمير المؤمنين علي عليه السلام، مما لا يتحقق بشأنه الجمع، ولا يمكن ان يُنتحل له أيُّ تخريج.
*ما رواه (ابن أبي الحديد) عن كتاب (شورى عوانة) عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال:
«فلمّا ماتَ عمر، واُدرج في أكفانه، ثمَّ وُضِع ليُصلّى عليه، تقدَّم علي بن أبي طالب، فقامَ عند رأسه، وتقدَّم عثمان فقامَ عند رجليه، فقال علي عليه السلام: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة، فقال عثمان: بل هكذا، فقال عبد الرحمن: ما اسرع ما اختلفتم، يا صهيب! صلِّ على عمر كما رضي أن تصلّي بهم المكتوبة»(2).
وهذا خلاف في أصل السنة أيضاً، ولا يمكن أن يقع من شخصين واجبي الاتّباع معاً.
______________________________
(1) العياشي، تفسير العياشي، تحقيق: هاشم المحلاتي، ج:2، ص38، وانظر: بحار الانوار،ج:96،ح3، ص: 142.
(2) محمد تقي التستري، قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ص: 210، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
[ 376 ]
*ما رواه (ابن أبي الحديد) من انَّ عثمان قال لعلي عليه السلام في كلام دار بينهما:
«أبو بكر وعمر خير منكَ! فقال علي عليه السلام: كذبتَ، وأنا خير منكَ ومنهما، عبدتُ اللّه قبلهما، وعبدتهُ بعدهما»(1).
فكيف يمكن أن تكون سنة الخلفاء الأربعة واجبة الاتباع على حدٍّ سواء مَعَ هذا الترتيب الذي ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه، ومَعَ لحن الخطاب الصادر منه عليه السلام!
أضف إلى كلِّ أنحاء الخلاف هذه، ما ورد في باب القضاء من هفوات خطيرة وقَعَ فيها أبو بكر وعمر وعثمان طيلة المقطع الزمني الذي مارسوا فيه الحكم، وقد تمكن أمير المؤمنين علي عليه السلام أن يتلافى ويستدرك عليهم ما أمكنه أن يتلافاه من ذلك، حتى قال عمر مقولته المشهورة: «لولا علي لهلك عمر»(2)، وقال: «ما عشتُ لمعضلةٍ ليسَ لها أبو الحسن»(3).
ب - الخلاف بينَ الخلفاء الثلاثة
يكفينا للاطلاع الاجمالي على بعض النماذج البارزة لصور الخلاف الواقعة بين كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان أن نوردَ ما ذكره (طه العلواني) في كتاب (أدب الاختلاف في الاسلام) حيث يقول ما لفظه:
«فمما اختلفَ فيه الشيخان - أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما غير ما ذكرنا... سبي أهل الردّة، فقد كان أبو بكر يرى سبي نساء المرتدين على عكس ما يراه عمر الذي نقضَ - في
______________________________
(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج: 20، ص: 25.
(2) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، ج: 2، ص: 144، عن كفاية الطالب للكنجي، والغدير، ج: 6، ص: 94، وبحار الانوار، ج: 40، باب: 93، ح: 54، ص: 149.
(3) محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج: 40، باب: 93، ح: 54، ص: 149، والغدير، ج: 6، ص: 103.
ولمزيد من التفصيل راجع البحث العلمي القيم الذي جاد به يراع العلامة الاميني في موسوعة الغدير، ج: 6، باب: نوادر الأثر في علم عمر، ص: 83 - 325، وج: 7، ص: 73 - 200، وج: 8، ص: 97 - 241.
[ 377 ]
خلافته - حكم أبي بكر في هذهِ المسألة، وردَّهنَّ إلى أهليهنَّ حرائرَ، إلا مَن ولدت لسيدها منهنَّ، ومن جملتهنَّ كانت خولة بنت جعفر الحنفية اُم محمد بن علي رضي اللّه عنهما.
كما اختلفا في قسمة الأراضي المفتوحة: فكان أبو بكر يرى قسمتَها، وكانَ عمر يرى وقفها ولم يقسِّمها.
وكذلكَ اختلفا في المفاضلة في العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية في الاعطيات، حين كان عمر يرى المفاضلة، وقد فاضَل بين المسلمين في اعطياتهم.
وعمر لم يستخلف على حين استخلفه أبو بكر، كما كان بينهما اختلاف في كثير من مسائل الفقه..»(1).
فمن حق المرء بعد أن يطّلع على هذهِ النماذج من صور الخلاف التي وقعت تارةً بين أمير المؤمنين علي عليه السلام من جهة، وبين كلٍّ من أبي بكر وعمر وعثمان من جهة ثانية، ووقعت تارةً اُخرى بين أبي بكر وعمر وعثمان أنفسهم... أن يتساءَل من رواد حديث (سنة الخلفاء الراشدين) والمتمسكين به، انَّه هل يمكن أن يأمر النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم اُمته بأن تأخذ بالسنة وبخلافها في وقتٍ واحد؟ وهل يعني ذلك إلا الجمع بين المتناقضين؟ وهل يمكن لنا أن نصدِّق بحديث يؤدي إلى وقوع الشريعة الاسلامية في مثل هذا التناقض الفاحش، وبين يدينا كلام اللّه الذي ينفي فيه الاختلاف والتفاوت عن التشريع، حيث يقول:
(أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِن عَندِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثيِراً)(2).
وفي مقابل كلِّ هذا نرى التناسق والاحكام في أقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام، على الرغم من اختلاف الظروف التي عاشوا فيها، والفواصل الزمنية الطويلة التي وقعت بين
______________________________
(1) طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الاسلام، ص: 59 - 60.
(2) النساء: 82.
[ 378 ]
بعضهم والبعض الآخر، فلو أرجعنا البصر فيما ورثناه من أحكام وتعاليم غفيرة صدرت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، لما وجدنا أيَّ لونٍ من ألوان التفاوت والاختلاف في أقوالهم وآرائهم وسلوكهم، وهذا أدل دليل على عصمتهم وأهليتهم لتبليغ الرسالة وحماية الشرع المبين، والاستمرار على خطى الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم وبما جاءَ به من قوانين وأنظمة وأحكام.
ولا غرو في ذلك إذا ما قرنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بكتابِ اللّه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في (حديث الثقلين) المتقدم الذكر. فلاَّنهم عليهم السلام عدلاء القرآن الكريم، وقد أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالدليل القطعي عن اقترانهم به، وملازمتهم له إلى حين ورود الحوض.. فانّا لا نجد أيَّ اختلاف في أقوالهم وأحكامهم، ونجد انَّ كلامهم المقطوع الصدور ككلام القرآن الكريم، يصدِّق بعضه البعض الآخر، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فان كان هناك خلفاء راشدون يجب أن يُتَّبعوا، وتُقتفى آثارُهم، ويُعمل بسنتهم، فهم أئمة أهل البيت عليهم السلام، لانَّ سنتهم سنة واحدة، تكشف عن سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وتنطق بها، ولا يصح بأي حال أن يرد الأمر باتباع سنة متفرقةٍ مبعثرة مختلفة، كما لاحظناه سابقاً.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«ألا إنَّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوحٍ من قومه، مَن ركبها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق»(1).
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لامتي من
______________________________
(1) مستدرك الحاكم، ج: 3، كتاب معرفة الصحابة، ص: 151.
[ 379 ]
الاختلاف..»(1).
فالأمر لا يتوقف إذن في إطار عدم وجود التفاوت والاختلاف في سنة أهل البيت عليهم السلام فحسب، وانَّما يتعدى ذلك إلى أنَّ سنتهم ترفع أيَّ اختلاف من المفترض أن تقع فيه الامة الاسلامية، وانّها تمثل المحور الذي يجب أن يلتف حوله المسلمون، ويلجأوا إليه، عند وقوع الفتن والاختلافات فيما بينهم، لأنهم عليهم السلام أمان الاُمة من الاختلاف، كما انَّ نجوم السماء أمان لأهل الارض من الغرق.
ويشير أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى أنَّ أهل البيت عليهم السلام لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه بشكل مطلق، وأنَّهم عقلوا الدين عقل وعاية، لا عقل رواية، حيث يقول عليه السلام:
«هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتُهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقَّ، ولا يختلفونَ فيه، وهم دعائم الاسلام، وولائج الاعتصام، بهم عادَ الحقُّ إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانهُ عن منبته، عقلوا الدين عقلَ وعايةٍ ورعايةٍ، لا عقلَ سماع ورواية، فانَّ رواة العلم كثير، ورعاتهَ قليل»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في موضع آخر انَّه قال:
«لو اختصم إليَّ رجلان فقضيت بينهما، ثمَّ مكثا أحوالاً كثيرة، ثم أتياني في ذلك الأمر، لقضيت بينهما قضاءً واحداً، لأنَّ القضاء لا يحول ولا يزول أبداً»(3).
ولا نكاد نجد أنفسنا بحاجة إلي أن نطيل التأمل في هذهِ النقطة بعد أن ندرك بأنَّ كل ما يقوله أئمة أهل البيت عليهم السلام فانما هو مستقىً من معين علم النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومأخوذ
______________________________
(1) مستدرك الحاكم، ج: 3، كتاب معرفد الصحابة، ص: 149.
(2) نهج البلاغة: الخطبة / 239.
(3) محمد بن النعمان المفيد، أمالي الشيخ المفيد، ج: 3، ص: 287، وبحار الانوار، ج: 2، باب: 32، ح: 13 ص: 172.
[ 380 ]
من بحور معرفته.
يقول سيد الأئمة علي عليه السلام:
«علَّمني رسول اللّه ألف باب من العلم، فَفُتح لي من كلِّ بابٍ ألفُ باب»(1).
ويقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بشأن علي عليه السلام:
«أنا مدينة العلم، وعلي بابُها»(2).
ويقول الامام الصادق عليه السلام:
«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم قول اللّه عزَّ وجلَّ»(3).
وقد مرَّ معنا انَّ سماعة سأل الامام موسى الكاظم عليه السلام قائلاً: أكل شيءٍ في كتابِ اللّه وسنة نبيِّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أو تقولونَ فيه؟ فقال عليه السلام:
«بل كلّ شيءٍ في كتاب اللّه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم»(4).
3 - إرادة الخلفاء الأربعة في الحديث تتنافى مع إنكار العامة لوجود النص
بنى جمهور العامة ثقافتهم الاسلامية بما تحمله من خصوصيات وأبعاد على أساس القول بعدم وجود النص الشرعي من قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على الخليفة من بعده، وأشادوا كلَّ معتقداتهم وأفكارهم ورؤاهم على هذا الأساس.
______________________________
(1) حسين علي الشاكري، علي في الكتاب والسنة، عن فتح الملك العلي للسيد أحمد المغربي، ص: 19، والاربعين للهروي، ص: 47 (مخطوط)، وينابيع المودة للقندوزي، ص: 72.
(2) حديث متواتر اتفق على روايته الفريقان، وللتفصيل راجع: إحقاق الحق، ج: 5، ص: 469 - 501، وج: 16، ص: 277 - 297، وج: 21، ص: 415 - 428.
(3) زين الدين العاملي، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ص: 194.
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي7 ج: 1، باب: الرد إلى الكتاب والسنة، ح: 10، ص: 62.
[ 381 ]
وعند القول بأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد عيَّن أربعة خلفاء من بعدهِ، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، وعلي عليه السلام، أو يزيدون على ذلك كما في بعض التفاسير، وانَّهم هم المقصودون بلفظة (الخلفاء الراشدين)، وانَّ سنتهم يجب أن تُتبع، ويُعض عليها بالنواجذ، فانَّ هذا يعني وجود النص على أمر الخلافة الاسلامية بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، خصوصاً معَ ملاحظة ما يرتبونه من آثار عملية شاملة لجميع الاحكام وخصوصيات التشريع على تسليمهم لهذا الحديث، وتوجيههم لمختلف التشريعات الصادرة عن عمر وأبي بكر وعثمان عن طريق التشبث به، والتمسك بمؤداه، وهذا يعني وجود النص على الخلافة، الأمر الذي يرفضه جمهور العامة رفضاً قاطعاً.
وبعبارة اُخرى اننا مع قول العامة بعدم وجود النص على الخلافة الاسلامّية بعد الرسول، وتسليمهم لصحة هذا الحديث بين أمرين:
الأول: أن يقال بانَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جعل الأمر مبهماً وغامضاً، ولم يوضّح مقصوده من (الخلفاء الراشدين) من بعده في هذا الحديث، فهذا ما لا فائدة فيه، وانَّ ذكره وعدم ذكره على حدٍّ سواء، ولا معنى لأن يوصي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالتمسك بسنة أشخاص مجهولين للاُمة، وغير معروفين من قبلها، وانَّ هذا مما يُنَّزه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويُجلّ عن الوقوع في مثله.
ولو أنّ الأمر كان غامضاً ومبهماً لكان من الحري بمن يستمع إلى هذا الحديث أن يسأل عن المراد ب(الخلفاء الراشدين)، ويطلب من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يشخصهم ويحددهم بوضوح، والا فما فائدة ما استمع إليه من حديث، وما هو الأثر المترتب عليه.
وفي أحسن التقادير يُقال بانَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أوكل أمر تعيين هؤلاء إلى الامة من بعده، وترك عليها أمر تشخيصهم وانتخابهم، وهذا بفرض التسليم له - على أنّا لا نراه صحيحاً - معارَض أيضاً بنص أبي بكر على عمر من بعده، ووصيته عليه، والتي كانت بمحض إرادته الخاصة، ومنقوض أيضاً بجعل عمر أمر الخلافة من بعده موكولاً إلى
[ 382 ]
شورى تتردد بين ستة أشخاص من خصوص المهاجرين.
الثاني: أن يقال بأنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد عيَّن (الخلفاء الراشدين) من بعده، ونصَّ عليهم، فهو إما أن يكون في نفس الحديث، وإمّا في غيره من الاحاديث، فعلى القول بورود التعيين في نفس الحديث، فهو ما لم نجد له أثراً فيما نقلناه من نص الحديث، على أنَّ افتراض مثل هذا المعنى يصطدم بقول جمهور العامة بعدم وجود النص أيضاً، وإمّا أن يكون تعيين الخليفة وذكره بالتفصيل والتخصيص قد ورد في غير هذا الحديث، فهو مضافاً إلى كونه ينتهي إلى القول بوجود النص، ويعارض أيضاً ما ذكره جمهور العامة من عدم وجوده، يؤيد ما نقوله نحن من أنَّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) ينصرف إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام على فرض التسليم بصحة صدوره عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وذلك لوجود الأدلة الغفيرة الاُخرى التي تفسِّر هذا اللفظ في الحديث، على ما سنأتي عليه لاحقاً إن شاءَ اللّه تعالى.
4 - حجم الحديث لا يتناسب مَعَ موقع الخلافة وأهميتها في الاسلام
انّ حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، والنزر القليل المدَّعى معه في الدلالة على وجوب اتّباع سنة (الخلفاء الراشدين) على النحو المتقدم لدى أبناء العامة، لا يتناسب في حجم مؤداه مَعَ أمر الولاية الاسلامية وخطورته، إذ لا يمكن لحديث هزيل من الناحية السندية، ومبهم من الناحية الدلالية، أن يرتفع إلى مستوى تغطية هذا الأمر الحساس والوفاء به، ويكون ذريعة يتشبث بها المدافعون عن البدع والمحدثات، ويحسمون عن طريقها النزاعات التي تدور حول أكثر المفاهيم الاسلامية حساسية وخطورة.
على أنَّ قضية الخلافة الاسلامية والولاية على أمر التشريع هي أهم ما يفكّر فيه رائد إنساني مثل النبي الاكرم صلى الّه عليه وآله وسلم، الذي بُعث ليقدم للبشرية جمعاء منهجاً متكاملاً
[ 383 ]
يغطي جوانب الحياة، ويستجيب لمختلف احتياجاتها ومتطلباتها، ليودِّع اُمته بعد ذلك وهو مطمئن على سلامة ما أتى به من مبادئ وأحكام.
ولا يمكن أن يُدّعى هنا التفكيك بين مضمون الحديث الذي يُرجع الناس الى سنة الخلفاء الراشدين هنا، ويأمرهم باتباعها، ويقرنها مع سنته بالقول (سنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وتقع هذه الوصية في أواخر حياته على ما هو ظاهر الحديث... لا يمكن التفكيك بين كل ذلك وبين أمر الخلافة الاسلامية العامة، إذ انّ الخلافة بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تعني إلا اقامة السنة، والتصدي لبيانها ونشرها بين الناس، وهو يتضمن أمر القيادة والرئاسة العامة للمجتمع في جميع شؤونه وخصوصياته، إذ ما من واقعة إلا وللاسلام حكم شرعي وسنة واقعية ثابتة فيها، وهو الأمر الذي جسّده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حياته بكل وضوح، وجَمعَ فيه بين القيادتين الروحية والسياسية للمجتمع، وحتى الواقع العملي لتطبيق العامة هذا الحديث على أبي بكر وعمر وعثمان لم يتجاوز هذه الحقيقة أو يتعداها، إذ لم يقولوا بانَّ هؤلاء كانوا خلفاء للناس في أمر الفتيا والأحكام الدينية فحسب، لانهم في الواقع قد تصدّوا إلى إدارة شؤون المجتمع سياسياً أيضاً.
على أنّ علماء العامة ومحدثيهم يروون الحشد الكبير من الروايات الدالة على استخلاف أبي بكر لعمر من بعده، وجعل عمر الخلافة من بعده في واحدٍ من ستة نفر شخَّصهم بأسمائهم، وقد طفحت كتب الحديث العامية بالأخبار التي تؤكد على أن أبا بكر وعمر لم يتركا الأمر من دون استخلاف، فكيف يمكن للنبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي اُؤتمن على أوسع الشرايع السماوية وأكثرها شمولية، أن يخرج عن السير على ضوء هذهِ القاعدة العقلائية المسلَّمة، ويتعامل مَعَ أمر الاستخلاف بهذه الطريقة المزعومة، ومن خلال حديثٍ متناقضٍ في مضمونه، ومجمل في دلالته، ويتيم في مؤداه؟!
روي انَّ أبا بكر: «دعا عثمان بن عفان فقال: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجاً عنها، وعند أول عهده
[ 384 ]
بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدِّق الكاذب، انّي استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا...»(1).
وروي أيضاً أن أبا بكر قال لعمر: «أدعوكَ لأمرٍ متعب لمن وُلّيه، فاتقِ اللّهَ يا عمر بطاعته، وأطعه بتقواه«(2).
وروي انَّ الناس قالوا لعمر عند ما دنت إليه الوفاة: استخلف، فقال «لا أجد أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو عنهم راضٍ، فأيُّهم استُخلف فهو الخليفة بعدي، فسمّى علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعداً»(3).
وعنه انَّه قال: «وان اجتمع رأي ثلاثة ثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف واسمعوا وأطيعوا»(4).
ولننظر إلى ما يرويه ابن عباس عن عمر حيث يقول:
«انّي لجالس مَعَ عمر بن الخطاب ذات يوم إذ تنفَّس تنفساً ظننت أنَّ أضلاعه قد تفرّجت، فقلت: يا أمير المؤمنين ما أخرجَ هذا منكَ لا شرٌّ، قال: شرٌّ واللّه، انّي لا أدري إلى مَن أجعل هذا الأمر بعدي، ثم التفتَ إليَّ فقال: لعلَّك ترى صاحبكَ لها أهلاً، فقلتُ: انَّه لأهلُ ذلكَ في سابقته وفضله، قال: انَّه لكما قلت، ولكنَّه امرؤ فيه دعابة..»(5).
فهل يعقل أن يفكر غير الرسول الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم في أمر الخلافة الاسلامية بهذا المستوى من التفكير المؤلم، ويترك صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلم اُمته مَعَ حديث (سنة الخلفاء الراشدين) الذي وقفنا على سنده ودلالته قبل قليل؟!
______________________________
(1) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14175، ص: 674.
(2) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14176، ص: 677.
(3) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14245، ص: 730.
(4) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14251، ص: 733.
(5) علاء الدين الهندي، كنز العمال، ج: 5، ح: 14262، ص: 737.
[ 385 ]
انَّ مَن يستعرض مفردات الشريعة الاسلامية وتعاليمها، يجد أنَّها تعطي القضايا التي تلي أمر الخلافة في الأهمية الشيء الكثير من التركيز، وتغطّيه بالعدد الغفير من الأحاديث، كيف وأمر الولاية هو الدعامة الاُولى للدين، والأساس الرئيسي الذي تُشاد عليه بقية التعاليم؟
يقول الامام الباقر عليه السلام على ما رواه زرارة عنه:
«بُني الاسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: وأيُّ شيء من ذلكَ أفضل؟ فقال عليه السلام: الولاية أفضل، لانَّها مفتاحهنَّ، والوالي هو الدليل عليهنَّ...»(1).
ويقول عليه السلام:
«بُني الاسلام على خمس، على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم ينادَ بشيءٍ كما نودي بالولاية»(2).
فكيف يمكن لهذا البناء الفكري الذي آمن به أبناء العامة لمئات السنين، واختطّوا نهجه، وتسالموا على تعاطيه، خلال الحقب الزمنية المتمادية... كيف يمكن لهذا البناء أن يستند إلى مثل هذه الرواية الهزيلة التي عليها من الاشكالات والنقوض ما عليها، وكيف يمكن أن يُستظهر منها الأمر بوجوب اتّباع سنه (الخلفاء الاربعة) على ما زعموا، في مقابل الحشد الكبير، والسيل المتدفق من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المتواترة والمستفيضة التي دلَّت على إيكال أمر الولاية إلى أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، كآية الولاية، وآية المباهلة، وآية التطهير، وآية المودة، وآية التبليغ... وكحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث المنزلة... إلى غير ذلك من الأحاديث التي طفحت بها كتب الفريقين، ومما ملأ ذكرهُ الخافقَين.
______________________________
(1) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 2، باب: دعائم الاسلام، ح: 5، ص: 18.
(2) محمد بن يعقوب الكليني، الاصول من الكافي، ج: 2، باب: دعائم الاسلام، ح: 1، ص: 18.
[ 386 ]
5 - أئمة أهل البيت عليهم السلام خلفاء الرسول بنصٍّ منه
نَقَل أبناء العامة في مصادرهم المعتبرة أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد نصَّ على انَّ خلفاء الامة الاسلامية من بعده هم (اثنا عشر) خليفة، وانَّهم من قريش، فتكون هذهِ الأحاديث مفسِّرة للمراد من لفظة (الخلفاء الراشدين) الوارد ذكرها في حديث (سنة الخلفاء الراشدين)، باعتبار انطباقها على أئمة أهل البيت صلوات اللّه عليهم أجمعين.
جاءَ في (صحيح البخاري) عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم انَّه قال:
«لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»(1).
وفيه، وفي (سنن الترمذي) عن جابر بن سَمُرة قال:
«سمعتُ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمةً لم اسمعها، فقال أبي: انَّه قال: كلهم من قريش»(2).
وفي (صحيح مسلم) عن جابر بن سَمُرة قال:
«دخلتُ مع أبي على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فسمعته يقول: إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة، ثم تكلّمَ بكلامٍ خفي عليَّ، قال: فقلتُ لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش»(3).
وفيه أيضاً عن جابر بن سَمُرة قال:
«سمعتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمةً لم أفهمها، فقلتُ لأبي: ما قال؟ فقال كلهم من قريش»(4).
وفيه أيضاً عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
______________________________
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج: 8، كتاب الأحكام، ح: 4، ص: 105.
(2) البخاري، صحيح البخاري، ج: 8، كتاب الاحكام، ص: 127، وانظر: سنن الترمذي، ج: 4، باب: 46 ما جاء في الخلفاء، ح: 2323، ص: 434.
(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 201.
(4) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 202.
[ 387 ]
«لا يزال الاسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»(1).
وفيه أيضاً عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش»(2).
وقد ورد في مصادر العامة المعتبرة أيضاً علاوة على تحديد الأئمة بعددهم وانَّهم اثنا عشر خليفةً، وتحديد أصلهم وهو أنهم من قريش، من خلال أحاديث معتبرة.. ورد أيضاً في مصادرهم النص على بعضهم كما جاءَ في كتاب مودة القربى انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قد قال للحسين عليه السلام:
«انتَ إمام ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة، وأنت حجة ابن حجة، أخو حجة أبو حجج تسع، تاسعهم قائمهم«(3).
كما ورد النص على طرفي هذهِ السلسلة المباركة وتشخيص أول فردٍ فيها وهو الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخر فردٍ فيها وهو الامام محمد المهدي عليه السلام، وامّا تشخيص الائمة باسمائهم فقد ورد في مجاميع غفيرة من مصادرنا المعتبرة، فأمّا ما ورد بشأن سيد الائمة وأمير المؤمنين علي عليه السلام فقد تقدمت الاشارة إلى طرفٍ منه في صدر هذهِ الدراسة، وأمّا ما ورد بشأن الامام الثاني عشر عليه السلام فهو أحاديث كثيرة أيضاً منها ما روي في ينابيع المودة للشيخ سليمان الحنفي: ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
«انَّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم المهدي»(4).
ومنها ما ورد في (سنن الترمذي) من انَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال:
______________________________
(1) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 203.
(2) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 12، ص: 203.
(3) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 23 عن ينابيع المودة للحنفي ص: 139.
(4) محمد حسين الزين، الشيعة في التاريخ، ص: 23 عن ينابيع الموده للحنفي ص: 374.
[ 388 ]
«لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»(1).
وفيه أيضاً عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوَّل اللّه ذلكَ اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»(2).
وفي (سنن ابن ماجة) عن علقمة بن عبد اللّه قال:
«بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اغرورقت عيناه، وتغيَّر لونُه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهكَ شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، وانَّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألونَ الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فيُنصرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤُها قسطاً كما ملؤوها جوراً، فمن أدركَ ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج»(3).
وفيه أيضاً عن اُم سلمة انها قالت:
«سمعتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: المهدي من ولد فاطمة»(4).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«المهدي منّا أهل البيت، يصلحه اللّه في ليلة»(5).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
______________________________
(1) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، باب: 52، ح: 2230، ص: 438.
(2) الترمذي، سنن الترمذي، ج: 4، باب: 52، ح: 2231، ص: 438.
(3) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 2، باب: خروج المهدي، ح: 4082، ص: 1366.
(4) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج: 2، باب: خروج المهدي، ح: 4086، ص: 1368، وانظر: الاحاديث من 4082 - 4088، ص: 1366 - 1368.
(5) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: 97.
[ 389 ]
«المهدي منّا، يختم الدين بنا، كما فتح بنا»(1).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«يحل بامتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلاطينهم لم يسمع بلاء أشد منه، حتى لا يجد الرجل ملجأ، فيبعث اللّه رجلاً من عترتي أهل بيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً..»(2).
وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلم في المهدي أيضاً:
«هو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي، كما قاتلتُ أنا على الوحي»(3).
______________________________
(1) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: 97.
(2) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: 97.
(3) ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص: 98.